في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة341)

إليه بنحو الخضوع والخشوع .
ومقتضاه حينئذ تحقّقها بمجرّد الشروع فيها وبقائها إلى حصول الفراغ ، غاية الأمر إنه يجب أن يشتغل معه ببعض الأذكار المخصوصة والأفعال المأثورة ، كما لا يبعد أن تكون كذلك ، فالأمر أيضاً كذلك ، لأنّها وإن كانت متحققة بمجرّد الشروع ، والمفروض العلم بعدم وقوعها في اللباس المشكوك  ، إلاّ أنّ المعتبر أن لا تكون من أوّل حدوثها إلى آخر بقائها واقعة في شيء من الألبسة المحرمة ، والمفروض الشك في ذلك ، فاليقين بوجود الحالة السابقة منتف كما عرفت .
ثمّ إنّ بعض المعاصرين بعد أن جعل اعتبار وقوع الصلاة في الألبسة غير المحرمة من قبيل الموانع دون الشرائط ، نفى الإشكال حينئذ عن جواز الرجوع إلى أصالة عدم المانع لإثبات الصحة في المسألة(1) .
ونحن نقول: ليس المراد من المانع المأخوذ عدمه في مجرى الأصل هو عنوان المانع ومفهومه قطعاً ، بل المراد منه ما يحمل عليه ذلك المفهوم بالحمل الشائع ويتّحد معه وجوداً .
وحينئذ فإن كان المراد أنّ هذا الأصل معتبر من باب الاستصحاب لكونه مسبوقاً بالحالة السابقة ، ففيه ما عرفت من عدم جريانه أصلا .
وإن كان المراد أنّ هذا الأصل معتبر بنفسه من دون لحاظ الحالة السابقة فيه إمّا لتنزيل أدلّة الاستصحاب على هذا المعنى لا عليه ، بتقريب أن يقال: إنّ المراد من الشك في قوله(عليه السلام)  : «لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت»(2) ليس الشك الذي تعلّق بما تعلّق به اليقين وهي الطهارة ، بل المراد هو الشك في وجود الحدث

(1) كتاب الصلاة للمحقّق الحائري: 57 .
(2) التهذيب 1 : 421 ح1335; الاستبصار 1 : 183 ح641; علل الشرائع: 361 ب80 ح1; الوسائل 3 : 466. أبواب النجاسات ب37 ح1 .

(الصفحة342)

الناقض لها .
فالمعنى حينئذ إنه لا يضر الشك في وجود الحدث، لأنه يبنى على عدمه فيؤخذ بمقتضى اليقين السابق، فهو أي اليقين السابق ليس له دخل في جريانه ، بل الرجوع إليه من باب أنّه إذا وجب البناء على عدم حدوث الحادث فالواجب الرجوع إلى الحالة السابقة .
وإمّا لكون العدم أولى بالماهية من الوجود ، حيث إنّه يكفي في استمراره وعدم انقطاعه عدم حدوث علّة الوجود .
ففيه: أيضاً عدم تماميته لأنه لم يثبت ظهور أدلة الاستصحاب في ذلك المعنى لو لم نقل بظهورها في خلافه كما هو المشهور ، وبطلان الوجه الثاني واضح ، فلم يثبت دليل على اعتبار ذلك الأصل ، اللّهم إلاّ أن يتمسّك لاعتباره باستمرار سيرة العقلاء عليه ، ولكنّها مع ثبوتها تحتاج إلى دليل يدلّ على الامضاء من جانب الشرع ، ولم يثبت وجوده كما لا يخفى .
ومنها : أي من جملة الأصول الشرعية التي اعتمد عليها في إثبات الصحة في المقام ، أصالة الحلية التي يدل على اعتبارها رواية ابن سنان المتقدمة(1) ورواية مسعدة بن صدقة(2) وغيرهما من الروايات العامة والخاصة الواردة في الموارد الخاصة ، وكذا يدلّ على اعتبارها السيرة القطعية المستمرة من زمان النبي(صلى الله عليه وآله)والأئمة(عليهم السلام) إلى يومنا هذا .
ولا إشكال في شمولها بل في اختصاصها بالشبهات الموضوعية، كما لا يخفى على من راجع تلك الروايات ، وتقريب الاستدلال بها يمكن بوجهين :
الوجه الأوّل : أن يكون المراد من الحلية والحرمة ، الحلية والحرمة التكليفية كما

(1) الوسائل 17 : 87 . أبواب ما يكتسب به ب4 ح1 ; وج24: 236. أبواب الأطعمة المحرمة ب64 ح2.
(2) الكافي 5: 313 ح40; الوسائل 17: 89 . أبواب ما يكتسب به ب4 ح4 .

(الصفحة343)

هو الظاهر من اطلاقهما وجريانه في المقام ، مع أنّ الشك فيه إنّما هو في الحلية ، والحرمة الوضعية، بأن يقال: إنّ الشك في صحة الصلاة فيما لم يعلم كونه من أجزاء غير المأكول مسبّب عن الشك في حلية لحم الحيوان المأخوذ منه ذلك اللباس وحرمته ، فإذا حكمنا بحليته لأصالتها تترتّب عليها صحة الصلاة في الثوب المأخوذ منه .
ويرد عليه:
أولا : إنّ ما ذكر من جريان الأصل في لحم الحيوان وترتب صحة الصلاة عليه إنّما هو فيما إذا كان الحيوان المأخوذ منه هذا اللّباس مشتبه الحكم بالشبهة الحكمية ، بأن كان الشك في صحة الصلاة مسبباً عن اشتباه حكمه الشرعي ، وهذا الفرض مع أنّه من الفروض النادرة لم يثبت اعتبار هذا الأصل فيه ، لما عرفت من أنّ جريانه في الشبهة الحكمية غير مسلّم .
وأمّا فيما إذا كان الشك في صحة الصلاة مسبباً عن أنّه هل يكون الحيوان المأخوذ منه هذا اللباس من أفراد ما يحلّ أكل لحمه شرعاً ، أو من مصاديق ما يحرم؟ فجريانه محل نظر بل منع ، لأنّه ربّما لا يكون اللحم الذي هو مورد الأصل مشكوك الحكم ، بل يعلم بكونه من الحيوان المحلل أو المحرم .
فالشكّ في الحلية إنّما هو لعدم الابتلاء بلحم ذلك الحيوان ، بل مورد الابتلاء هي الصلاة في الثوب المأخوذ منه ، وبعبارة اُخرى ليس في البين حيوان شكّ في حلية لحمه لتردّده بين كونه من أفراد ما يحلّ أكله أو يحرم ، فلا مجال لجريان أصالة الحلية كما هو واضح .
وثانياً : إنّ ظاهر الأدلة أنّ بطلان الصلاة وفسادها في أجزاء غير المأكول مترتب على الحيوان المحرم بعنوان الأولي كالأسد والأرنب والثعلب وغيرها ، لا على الحيوان بوصف كونه محرّم الأكل ، والتعبير عن ذلك العنوان بهذا الوصف في

(الصفحة344)

بعض الأخبار إنّما هو للإشارة إلى ذات الموصوف مع قطع النظر عن وصفه .
ويؤيّده ما في بعض الأخبار من أنّ الصلاة في الثعالب والأرانب فاسدة(1)فعبّر عن موضوع الحكم بنفس ذلك العنوان الأوّلي من دون أخذ قيد التحريم أصلا .
وبالجملة : فبطلان الصلاة في أجزاء الحيوانات المحرمة ليس حكماً مترتباً على تحريمها بحيث لو لم يجعل التحريم لكان جعل هذا الحكم لغواً ، بل إنّما هو حكم في عرض الحكم بالتحريم من دون ترتب وطوليّة بينهما أصلا .
وحينئذ فلا مجال لإثبات أحد الآثار المشكوكة بالأصل الجاري في الأثر الآخر ، فلا تثبت صحة الصلاة في الثوب المشكوك بجريان الأصل في اللحم ، وإثبات حلّيته ظاهراً ، إلاّ على القول بالأصول المثبتة وهو خلاف التحقيق .
وثالثاً : سلمنا ذلك أي كون الحلية أو الحرمة واسطة في ثبوت البطلان أو الصحة للصلاة في أجزاء الحيوان ، فيترتّب على إثبات الحلية صحة الصلاة ، وعلى إثبات الحرمة بطلانها ، لكن نقول إنّ المراد من الحلية والحرمة المأخوذتين في موضوعهما ليس الحرمة والحلية الفعليتين ، وإلاّ لزم جواز الصلاة في أجزاء ما يحل أكله فعلا للاضطرار أو غيره ، ولو كان محرّماً ذاتاً، وهو ممّا لا يلتزم به أحد .
بل المراد منهما هي الحرمة والحلية المتعلقتان بذوات الحيوانات مع قطع النظر عن حدوث ما يوجب تغيير الحكم المتعلّق به أولاً، كالاضطرار أو غيره ، ومن المعلوم أنّ جريان الأصل في المقام لا يجدي في إثبات الحلية الواقعية كما هو الشأن في غيره من الاُصول الشرعية .
ودعوى إنّه لم يثبت ظهور الأدلة فيما ذكر ، مندفعة بأنّه يكفي عدم ثبوت

(1) الوسائل 4: 355. أبواب لباس المصلّي ب7 .

(الصفحة345)

الظهور في خلافه كما لا يخفى .
الوجه الثاني : ما يظهر من المحقّق القمي(قدس سره) من أنّ المراد من الحلية والحرمة في قوله(عليه السلام) في رواية ابن سنان «كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال . . .»(1) ، ليس خصوص الحلية والحرمة التكليفيتين ، أي ما يكون مبغوضاً بنفسه لأجل المفسدة الملزمة الباعثة على الزجر عنه لنفسه أو غير مبغوض كذلك ، بل يعمّ الحلية والحرمة الوضعيتين ، أي ما يكون مبغوضاً لكونه مانعاً مثلا عن حصول مطلوب المولى أو غير مبغوض كذلك .
فكما أنّه إذا تردّد مايع بين كونه خمراً أو ماءً يكون مقتضى الرواية جواز شربه وعدم وجوب الاجتناب عنه ، فكذا إذا تردّد أمر الثوب بين صحة الصلاة الواقعة فيه ، لعدم كونه من أجزاء غير المأكول ، وبين بطلانها فيه لكونه من أجزائه ، يكون مدلول الرواية حلية الصلاة فيه، لكون الثوب أيضاً شيئاً فيه حلال باعتبار عدم كونه مانعاً عنها ، وحرام باعتبار كونه مانعاً ، فالصلاة فيه حلال إلى أن تعرف الحرام منه بعينه(2) .
هذا ، ولا يخفى أنّه لا يبعد الاعتماد على هذا الوجه في الاستدلال بأصالة الحلية مع تتميمه ، بأن يقال : إنّ التتبّع والاستقراء في كلمات العرب واستعمالاتهم لفظ الحلال والحرام في النثر والنظم ، يقضي بأنّ هذه المادّة ـ أي مادّة حرم ـ في ضمن أية صيغة كانت يراد منها الممنوعية والمحدودية الثابتة للشيء بتمام الجهات أو بعضها ، كما يظهر بالتدبّر في قولهم «حرم الرجل» ، أو «حريم البيت» ، أو القرية ، أو البلد ، أو المسجد الحرام ، أو الشهر الحرام ، أو محرومية الرجل في مقابل مرزوقيته مثلا ، أو كونه محترماً وصالحاً للاحترام ، أو الرجل المحرم .

(1) الوسائل 17: 87 . أبواب ما يكتسب به ب4 ح1; وج24 / 236. أبواب الأطعمة المحرمة ب64 ح2.
(2) قوانين الأصول 2: 18 ـ 19; جامع الشتات 2: 776 ـ 777 .

(الصفحة346)

وكما في قوله(صلى الله عليه وآله)  : «المسلم محرّم على المسلم»(1) وكما في قوله تعالى : {أحلّ الله البيع وحرّم الربا . . .(2)} ، فإنّ المراد في جميع هذه الموارد هو نحو من الممنوعية والمحدودية الثابتة له ببعض الجهات كصحته وإمضائه في الأخير أو غير ذلك من الأقوال والأفعال كما في غيره من الأمثلة .
وفي مقابله الحلال ، والحلّ ، والمحلّ ، وأشباهها ممّا قد أخذت فيه مادّة هذه الصيغ ، فإنّ معناها هو عدم المحدودية والاطلاق الثابت له كما لا يخفى .
ويؤيّد ما ذكرنا الأخبار الواردة في الموارد الكثيرة الدالة على حرمة الصلاة في الحرير أو فيما لا يؤكل لحمه(3) أو في غيرهما من الموانع، كما سيأتي ذكر بعضها .
وحينئذ فلا يبعد التمسّك بقوله(عليه السلام) : «كل شيء فيه الحلال والحرام فهو لك حلال . . .»(4) ، إذ اللباس أيضاً شيء فيه حلال باعتبار عدم محدوديته واطلاقه بالنسبة إلى الصلاة فيه ، وحرام باعتبار خلافه ، فهو أي المشكوك منه يكون كالمائع المردّد بين الخمر والخلّ، كما عرفت في كلام المحقّق القمّي(رحمه الله) ، فلا يبعد القول بالصحة لهذا الوجه .
هذا ، ولكن يمكن أن يورد عليه بأنّ اطلاق الحرام والحلال على الثوب باعتبار صحة الصلاة فيه وبطلانها خلاف المتعارف ، إذ إطلاقهما على اللباس ينصرف إلى جواز لبسه وعدمه ، ولا يفهم منه جواز الصلاة فيه وعدمه ، وليس ذلك كإطلاق الحرام على الخمر باعتبار حرمة شربه وإطلاق الحلال على لحم الشاة باعتبار جواز أكله .

(1) سنن النسائي 5 : 84 ب73 وفيه: «كلّ مسلم على مسلم محرّم . . .» .
(2) البقرة  : 275 .
(3) الوسائل 4 : 345 . أبواب لباس المصلّي ب2 وص367 ب11 .
(4) الوسائل 17: 87 . أبواب ما يكتسب به ب4 ح1 .

(الصفحة347)

وحينئذ فلا يجوز التمسّك بأصالة الحلية للمقام ، ويمكن دفع هذا الإيراد ، بأنّه وإن كان إطلاقهما على الثوب باعتبار وقوع الصلاة فيه خلاف المتعارف ، ولكن نمنع اختصاص الحكم في تلك الأخبار بنفس موردها ، بل المفهوم منها عند العرف أنّ المقصود إثبات الحلية الظاهرية فيما اشتبه ولم يعلم حرمته سواء كان إطلاق الحرام والحلال على ذلك الشيء متعارفاً أم لم يكن كذلك كما لا يخفى .
بقي الكلام فيما يظهر من بعض الأعلام في وجه التمسك بأصالة الحلية حيث قال ما ملخّصه : إنّ الشرطية إنّما تنتزع من تقيّد المأمور به بوجود الشرط ، كما أنّ المانعية تنتزع من تقيده بعدم المانع ، والتقيد بوجود الأول وبعدم الثاني إنّما هو من أجزاء المأمور به .
فالصلاة مثلا مركبة من الأفعال والأقوال المخصوصة ومن التقيد بوجودها حين وجدان الشرائط وفقدان الموانع ، وحينئذ فبملاحظة ما قرّر في محلّه من أنّ الأمر المتعلّق بالمركّبات الاعتبارية ـ كالصلاة مثلا ـ مع كونه واحداً حقيقة ، له أبعاض كثيرة يتعلّق كل بعض منه بجزء من متعلّقه ، يلزم تعلّق بعضه أيضاً بالتقيد الذي هو جزء للمأمور به .
غاية الأمر إنّه جزء اعتباريّ ، فكما أنّ الركوع مثلا تعلّق به بعض الأمر المتعلق بالمجموع ، فكذلك التقيد بوجود الشرائط وبعدم الموانع يكون متعلقاً لذلك الأمر ومعروضاً لبعضه ، وحيث إنّه لا وجود للتقيد إلاّ بوجود القيد بل هو عينه ، فيكون نفس الشرط وعدم المانع معروضاً لذلك البعض .
فظهر أنّ عدم المانع الذي هو محلّ البحث والكلام في هذا المقام ، يكون كسائر الأجزاء متعلّقاً لبعض الأمر المتعلّق بالصلاة ، وحيث أنّ النهي ليس إلاّ طلب الترك فيكون وجود المانع منهيّاً عنه ، لأنّ المفروض كون عدمه متعلّقاً للطلب .

(الصفحة348)

غاية الأمر إنّ النهي المتعلّق بوجود المانع نهي ضمني لا استقلالي ، وحينئذ فاللباس له فردان، فرد حلال حقيقة وفرد حرام كذلك، فلاإشكال حينئذ في التمسّك بقوله(عليه السلام) : «كل شيء فيه الحلال والحرام . . .» ، ولا حاجة إلى تجشّم دعوى التعميم للحلية والحرمة الوضعية ، كما ذكره المحقّق القمّي(قدس سره) .
ودعوى إنّ الظاهر منه لزوم كون المنع المشكوك حكماً مستقلاً ناشئاً عن المبغوضية الذاتية، فيختصّ اعتبار هذا الأصل بالشبهات التحريمية النفسية . واضحة الفساد ، إذ لا دليل على صرف لفظ الحلال والحرام إلى بعض أفرادهما ، ويشهد لذلك ـ أي لعمومية لفظ الحلال والحرام وعدم اختصاصهما بالحلال والحرام النفسيين ـ الاستعمالات الواردة في موارد كثيرة في لسان الرواة ، وجواب الأئمة(عليهم السلام).
منها : ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن عبدالجبّار قال : كتبت إلى أبي محمّد(عليه السلام) أسأله هل يصلّى في قلنسوة عليها وبر ما لا يؤكل لحمه أو تكّة حرير محض أو تكّة من وبر الأرانب؟ فكتب(عليه السلام)  : «لا تحلّ الصلاة في الحرير المحض وإن كان الوبر ذكيّاً حلّت الصلاة فيه إن شاء الله»(1) .
ومنها : ما عن الخصال بإسناده عن جابر الجعفي قال : سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول : «ليس على النساء أذان ـ إلى أن قال : ـ ويجوز أن تتختّم بالذهب وتصلّي فيه وحرِّم ذلك على الرجال»(2) .
ومنها : ما عن الشيخ بإسناده عن موسى بن أكيل النميري، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال : «وجعل الله الذهب في الدنيا زينة النساء فحرّم على الرجال لبسه والصلاة فيه . . .»(3) .

(1) التهذيب 2: 207 ح810 ; الإستبصار 1: 383 ح1453; الوسائل 4: 377. أبواب لباس المصلّي ب14 ح4.
(2) الخصال : 588 ح12; الوسائل 4 : 380. أبواب لباس المصلّي ب16 ح6.
(3) التهذيب 2 : 227 ح894; والوسائل 4 : 414 ، أبواب لباس المصلّي ب30 ح5 .

(الصفحة349)

وغير ذلك من الروايات الكثيرة التي يستفاد منها عمومية لفظ الحلال والحرام ، وعدم اختصاصهما بالنفسي منهما، كما لا يخفى على من راجعها(1) . إنتهى ملخّص كلامه(قدس سره) .
وأنت خبير بأنّه لا مجال لادعاء ثبوت النهي في المقام ، لما عرفت من أنّ معنى النهي ليس طلب الترك ، بل معناه هو الزجر عن إيجاد الفعل المنهيّ عنه ، كما أنّ معنى الأمر هو البعث إلى إيجاد الفعل المأمور به ، وحينئذ فلا يلزم من تعلّق بعض الأمر إلى التقيد بعدم المانع تحقّق النهي متعلّقاً بوجود المانع بل هو كالشرط .
فكما أنّ تعلق بعض الأمر بوجوده لا يستلزم النهي عن عدمه ، فكذلك تعلّق الأمر بعدم المانع لا يستلزم النهي عن وجوده . هذا ، مضافاً إلى أنّه لو فرض الإتيان بالأجزاء مع كونها واجدة لجميع الشرائط وفاقدة لجميع الموانع سوى أنّه كان ثوبه من أجزاء غير المأكول مثلا ، وكان الوقت مضيقاً يحصل العصيان بسبب إيجاد ذلك المانع .
ولكنّه يكون عصياناً للأمر المتعلّق بالصلاة ، لا للنهي المتوهم المتعلق بوجود المانع ، لأنّه لا يزيد حكمه عمّن ترك الصلاة رأساً، أو أتى بالأجزاء مع فقد الشروط كلاًّ أو بعضاً ، فكما أنّه لا يتحقّق هناك إلاّ عصيان واحد وهو عصيان الأمر بالصلاة ، فكذلك لا يكون هنا إلاّ عصيان ذلك الأمر .
وبالجملة : لا يكون هنا نهي متعلّق بوجود الموانع حتى يكون إيجاد واحد منها عصياناً لذلك النهي كما عرفت ، وأمّا إطلاق لفظ الحرام والحلال على مثل المقام ، فهو وإن كان بحسب أصل اللغة صحيحاً ، إذ لا اختصاص لهما بالحلال والحرام النفسيّين بل يعمّ غيرهما ، ولكن المنصرف إليه والمتبادر منه عند عرف المتشرعة

(1) كتاب الصلاة (تقريرات بحث المحقّق النائيني) 1: 163 و 237، نهاية الدراية للمحقّق الإصفهاني 2 (الأقلّ والأكثر: الوظيفة عند الشك في الأقلّ والأكثر): 627.

(الصفحة350)

هو الحلال والحرام النفسيان، كما لا يخفى .
وبالجملة : لا يكون اطلاقهما ظاهراً في التعميم بحيث تطمئنّ به النفس ، وتثق به في مقام الافتاء ، وتجعله دليلا معتمداً في مقابل قاعدة الاحتياط الجارية في المسألة، ونظائرها ممّا يرجع الشك فيه إلى الشك في المحصّل، كما عرفت تحقيقه .
فالإنصاف أنّ المسألة غير صافية عن الاشكال ، فلا يجوز ترك الاحتياط فيها بالتجنّب عن الصلاة في الألبسة المشكوكة ، نعم فيما اُخذت من يد المسلم ، وأخبر بأنّها مأخوذة من الحيوان المأكول ، أو من غير الحيوان ، لا يبعد القول بجواز الاعتماد على إخباره ، وكذا فيما إذا أخبر بخلافه ، فإنّه لا يبعد القول بوجوب الاعتماد على قوله ، وعدم جواز الصلاة فيه ، لبناء العقلاء على الاعتماد على قول ذي اليد فيما يتعلّق بما في يده من الطهارة والنجاسة ، والحلية والحرمة ، والقلّة والكثرة ، وغير ذلك من الأمور المتعلّقة به .
ويؤيّد ذلك ما ورد في الأخبار من بيان حكم الصلاة في وبر الأرانب والثعالب والفنك ونحوها ، فإنّ من المعلوم أنّ أكثر أهل العرف لا يميّزون وبر الأرانب مثلا عن غيره إلاّ بإخبار صاحبه ، فالعمدة في تشخيصه هو قول ذي اليد ، فيجب ترتيب الآثار عليه .
وكذا لا يبعد أيضاً القول بجواز الصلاة في الثوب الذي يحتمل وقوع شعرات غير المأكول أو رطوباته عليه ، لاستقرار السيرة على الصلاة في مثله من دون تفحّص وتتبّع عن وجودها ، نعم لا تجوز الصلاة في الثوب الذي علم بوجود الشعر فيه ، ولكن لا يعلم كونه من المأكول ، بل يحتمل أن يكون من غيره ، لأنّ القدر المتيقّن من تحقّق السيرة، الصورة الاُولى ، فيجب الرجوع في غيرها إلى مقتضى قاعدة الاحتياط والله أعلم .


(الصفحة351)







حكم الصلاة في جلد الخزّ


قد استثني عن عموم الأدلة المانعة عن الصلاة في أجزاء غير المأكول أمور ، ولكن مورد تطابق الفتاوى(1) والنصوص هو وبر الخزّ الخالص ، فإنّه قد وردت فيه أخبار كثيرة تدلّ على جواز الصلاة فيه(2) ، مضافاً إلى عدم الخلاف فيه ، وأمّا جلد الخزّ فجواز الصلاة فيه محلّ خلاف وإشكال .
والمحكيّ عن ابن إدريس والعلاّمة في بعض كتبه القول بالمنع(3) ، وربّما نسب إلى المشهور القول بالجواز(4) ، ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار ، ولابدّ قبل نقلها

(1) الغنية: 66; المعتبر 2: 84 ; المنتهى 1: 231; تذكرة الفقهاء 3 : 468 ، مسألة 122; نهاية الأحكام 1: 374; جامع المقاصد 2: 78 ; الذكرى 3: 35; رياض المسائل 3: 163; بحار الأنوار 80 : 219; التنقيح الرائع 1: 178; الحدائق 7: 60.
(2) الوسائل 4: 359. أبواب لباس المصلّي ب8 .
(3) السرائر 1 : 261 ـ 262; المنتهى 1 : 231; تحرير الاحكام 1 : 30 .
(4) مستند الشيعة 4 : 322; كشف اللثام 3 : 195; تذكرة الفقهاء 2 : 469; رياض المسائل 3: 164; الحدائق 7 : 60 المسألة الثانية; مفتاح الكرامة 2: 138 .

(الصفحة352)

من بيان الموضوع وتنقيح معنى الخزّ ، لكثرة الاختلاف في ذلك بين الفقهاء رضوان الله عليهم ومنشأه اختلاف ما ذكره أهل اللغة  ، فالمهم نقل كلماتهم ليظهر الحق عن غيره فنقول :
قال في لسان العرب : الخزز ولد الأرانب وقيل: هو الذكر من الأرانب ، والجمع أخزة ، وخزان مثل صرد وصردان، وأرض مخزة: كثيرة الخزان ، والخزّ معروف من الثياب مشتقّ منه عربيّ صحيح ، وهو من الجواهر الموصوف بها ، حكى سيبويه مررت بسرج خزّ والجمع خزوز ، ومنه قول بعضهم : فإذا أعرابيّ يرفل في الخزوز وبائعه خزّاز .
وفي حديث علي(عليه السلام) عن النبي(صلى الله عليه وآله) إنّه نهى عن ركوب الخزّ والجلوس عليه . قال ابن الأثير : الخزّ المعروف أولا ثياب تنسج من صوف وأبريسم، وهي مباحة قد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالمترفين ، قال : وإن أريد بالخزّ النوع الآخر وهو المعروف الآن ، فهو حرام ، لأنّه كلّه من الأبريسم ، وعليه يحمل الحديث الآخر: قوم يستحلّون الخزّ والحرير(1) ، انتهى .
والظاهر أنّ مراد صاحب لسان العرب من قوله : «وهو من الجواهر الموصوف بها» أنّ الخزّ مع كونه من الأسماء الموضوعة للذوات ، وشأنها أن لا تقع صفة لشيء  ، يصح أن يقع وصفاً لشيء آخر كالمثال الذي حكاه سيبويه عن العرب ، حيث اتّصف فيه السرج به قال في ترجمة قاموس: خزاز جامه ها بفتح أوّل معروف است وجمع آن خزوز بر وزن سرور ميآيد (مترجم گويد كه خز جانوريست مانند ثمور كه از پوست آن پوستين وغير آن ساخته ميشود و ممكن است كه مراد از جامه خز همين باشد يا آنكه از موى آن جامه ميبافند يا آنكه خز

(1) لسان العرب 4: 81 ; النهاية لابن الأثير 2: 28 .

(الصفحة353)

جامه ابريشمين را ميگويند) إلى أن قال : وخزز بر وزن صرد ـ يعنى نر خرگوشان ـ وجمع آن خزان واخزه ميآيد و جاى خرگوشها مخزه است و از اين اشتقاق شده است خز و آن حيوانى شبيه بنر خرگوش است كه از پوست آن پوستين ميبافند كه مذكور شد(1) (انتهى) .
وقال في منتهى الارب: خز بالفتح جانور يست، وجامه از پشم آن، جمع خزوز وخزز كصرد خرگوش نر، جمع خزان واخزة، ومنه اشتقّ الخزّ(2). وقال الفيّومي في المصباح: الخزّ اسم دابّة(3). وقال ابن فرشته في شرح المجمع: الخزّ صوف غنم البحر(4)، ثم اطلق على الثوب المتّخذ من وبرها، والجمع خزوز مثل فلس وفلوس، والخزز الذكر من الأرانب، والجمع خزان كصرد وصردان (انتهى) وقال في برهان قاطع: خزّ با تشديد ثانى در عربى جانوريست معروف كه از پوست آن پوستين سازند، و جامه ابريشمى را نيز گفته اند(5) . وقال في المنجد : الخزّ الحرير ، ما نسج من صوف وحرير جمع خزوز والخزز ، ذكر الأرانب جمع خزان وأخزة ، والخزّاز بائع الخزّ ، والمخزة موضع الأرانب(6) . وقال أيضاً في معنى القندس والقندر الذي احتمل بعض الفقهاء أن يكون هو الخزّ ـ حاكياً له عن بعض التجار ـ : إنّه نوع من الحيوانات المائية، له ذنب مفلطح قويّ، ولون أحمر قاتم يتّخذ منه الفراء(7) . إنتهى.

(1) ترجمة قاموس 1 : 408 .
(2) منتهى الارب 1: 314 .
(3) المصباح المنير 1: 168 .
(4) إلى هنا حكاه عنه في مجمع البحرين 4 : 18 .
(5) برهان قاطع 1 : 460 .
(6) المنجد : 173 .
(7) المنجد : 697 .

(الصفحة354)

ولا يخفى أنّ الظاهر أن لا يكون الخزّ هو الأرانب أو ذكرها ، بل الخزز إنّما يقال على ذكر الأرانب كما تدلّ عليه أغلب الكلمات المتقدّمة من أهل اللغة ، كما أنّه لا يطلق الخزّ على الثوب المعمول من صوفها أو وبرها ممزوجاً بالأبريسم أو غير ممزوج ، لمخالفته لما يظهر من الأخبار الواردة عن الأئمة(عليهم السلام) ، من أنّه حيوان بحريّ تخرج من الماء أو تصاد من الماء وإذا فقد الماء تموت كما في بعضها(1) ، أو أنّه ثوب منسوج من الوبر والأبريسم كما في بعضها الآخر(2) .
ويدلّ على أنّه ليس المراد بالخزّ هو الأرانب أو ذكرها، ما يظهر من بعض الأخبار من عدم جواز الصلاة في وبر الخزّ المغشوش بوبر الأرانب(3) ، فإنّ ظاهره أنّ وبر الخزّ يغاير وبر الأرانب ، نعم لا ينبغي توهّم المنافاة بين ما يظهر من بعضهم من أنّه كلب الماء(4) ، ومن آخر من أنّه غنم البحر ، ومن ثالث من أنّه وبر السمك ، لأنّ الظاهر أنّ مرجع ذلك كلّه إلى شيء واحد ، غاية الأمر ثبوت الاختلاف في التشبيه كما لا يخفى .
وكيف كان فالظاهر أنّه لا إشكال في كونه حيواناً من الحيوانات المائية ، كما يدلّ عليه رواية ابن أبي يعفور الآتية ، ورواية عبدالرحمن بن الحجّاج وغيرهما من الروايات ، وإطلاقه على الثوب المنسوج من وبره إنّما هو باعتبار إطلاقه على نفسه.
وإنّما الإشكال في أنّه هل يكون مثل السمك في أن لا يعيش في خارج الماء ويكون إخراجه من الماء الذي يتعقّبه الموت تذكية له كالسمك كما في بعض

(1) الكافي 3: 399 ح11; التهذيب 2: 211 ح828 ; الوسائل 4: 359. أبواب لباس المصلّي ب8 ح4 .
(2) الوسائل 4: 362. أبواب لباس المصلّي ب10 .
(3) الوسائل 4: 361. أبواب لباس المصلّي ب9 ح1.
(4) الكافي 6: 451 ح3; علل الشرائع: 357 ب71 ح1; الوسائل 4: 363. أبواب لباس المصلّي ب10 ح1. وج24: 191. أبواب الأطعمة ب39 ح3.

(الصفحة355)

الروايات(1) ، أو أنّه لا يموت بمجرّد خروجه من الماء ، بل يكون كالحيوانات التي تعيش في الماء وفي خارجه معاً كالضفدع ، كما في بعض الروايات الاُخر؟(2)
ثمّ إنّ المستفاد من بعض الروايات كرواية سعد بن سعد عن الرضا(عليه السلام) التي سيجيء نقلها وغيرها ، إنّه يمكن أن يعمل الثوب من وبر الخزّ من دون أن يكون ملصقاً بجلده ، وعليه فيشكل الأمر في الثوب الذي يكون لبسه متعارفاً في الشتاء في هذا الزمان الذي يسمّونه بالخزّ ، ويكون وبره متّصلا بجلده .
لأنّ الظاهر أنّ وبره ليس بمقدار يمكن أن ينسج منه الثوب ، فيخطر بالبال أنّه ليس هو الخزّ الملبوس في الأزمنة السالفة . وممّا ذكرنا يظهر أنّ التفصيل في جواز الصلاة بين الوبر والجلد من الخزّ بثبوت الجواز في الأوّل ، والمنع في الثاني ، كما يظهر من الحلّي في السرائر ، والعلاّمة في المنتهى(3) ، يمكن أن يكون وجهه القول بأنّه ميتة ، إمّا لأنّ خروجه من الماء ليس مستلزماً لموته ، لأنّه يعيش في خارج الماء أيضاً، ومن المعلوم عدم تعارف فري الأوداج الأربعة فيه ، فلا يكون مذكّى ، وإمّا لأنّ خروجه من الماء وإن كان ملازماً لموته ، إلاّ أنّه لم يثبت أنّ إخراجه منه حيّاً يكون تذكية له ، لاحتمال اختصاص حصول التذكية بهذه الكيفيّة بالسمك .
ويمكن أن يكون الوجه فيه عدم الدليل على استثناء الصلاة في جلد الخزّ عن عموم الأدلة المانعة عن الصلاة في أجزاء غير المأكول ، كما ثبت في الوبر ، وعليه فالأمر سهل بناءً على مذهب الحلّي ، من عدم حجّية خبر الواحد ، وأمّا بناءً على مذهب العلاّمة الموافق للمشهور(4) ، فيشكل الأمر لوجود الدليل كما سيظهر .

(1) الوسائل 4 : 359. أبواب لباس المصلّي ب8 ح4 .
(2) التهذيب 9: 49 ذ ح205 ; الوسائل 24: 191. أبواب الأطعمة المحرمة ب39 ح2.
(3) السرائر 1 : 261 ـ 262; المنتهى 1 : 231 .
(4) من حجّية خبر الواحد.

(الصفحة356)

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّه يدلّ على صحة الصلاة في جلد الخزّ الروايات الواردة في حكم الخزّ من حيث جواز الصلاة في وبره ، أو مع جلده ، ومن حيث جواز لبسه التي جمعها في الوسائل في الباب الثامن والتاسع والعاشر من أبواب لباس المصلّي ، والخبر الخامس من الباب الثامن ، وهو ما رواه الشيخ عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن معاوية بن حكيم، عن معمّر بن خلاّد قال : سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) عن الصلاة في الخزّ؟ فقال : «صلِّ فيه»(1) ، فإنّ الحكم بجواز الصلاة في الخزّ على نحو الاطلاق وترك الاستفصال يدلّ على جواز الصلاة في جلد الخزّ ، كما يدلّ على جوازها في وبره .
ويدلّ على ذلك أيضاً الخبر الرابع من ذلك الباب ، وهو ما رواه الكليني عن عليّ بن محمد، عن عبدالله بن إسحاق العلوي، عن الحسن بن علي، عن محمّد بن سليمان الديلمي عن قريب، عن ابن أبي يعفور قال : كنت عند أبي عبدالله(عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من الخزّازين فقال له : جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخزّ؟ قال : «لا بأس بالصلاة فيه» فقال له الرجل : جعلت فداك إنّه ميّت وهو علاجي وأنا أعرفه، فقال له أبو عبدالله(عليه السلام) : «أنا أعرف به منك» فقال له الرجل : إنّه علاجي وليس أحد أعرف به منّي، فتبسّم أبو عبدالله (عليه السلام) ثم قال له : «أتقول: إنّه دابّة تخرج من الماء أو تصاد من الماء فتخرج فإذا فقد الماء مات؟» فقال الرجل : صدقت جعلت فداك هكذا هو . فقال له أبو عبدالله(عليه السلام)  : «فإنّك تقول: إنّه دابّة تمشي على أربع وليس هو في حدّ الحيتان فتكون ذكاته خروجه من الماء»، فقال الرجل : أي والله هكذا أقول، فقال له أبو عبدالله(عليه السلام) : «فإنّ الله تعالى أحلّه وجعل ذكاته موته، كما أحلّ الحيتان وجعل ذكاتها موتها»(2) .

(1) التهذيب 2 : 212 ح829 ; الوسائل 4 : 360 . أبواب لباس المصلّي ب8 ح5 .
(2) الكافي 3: 399 ح11; التهذيب 2: 211 ح828 ; الوسائل 4: 359. أبواب لباس المصلّي ب8 ح4 .

(الصفحة357)

فإنّ الحكم بجواز الصلاة في الخزّ على نحو الإطلاق كما ورد في الجواب الأوّل وإن كان دالاًّ على جوازها في جلد الخزّ أيضاً ، إلاّ أنّ اعتراض السائل على الإمام(عليه السلام)حيث نفى البأس عن الصلاة فيه بأنّه لا وجه للحكم بذلك مع كونه ميتة ، ربّما يؤكّد أنّ المقصود في السؤال الأوّل إنّما هو الاستفتاء عن الصلاة في جلده ، إذ لو كان المراد الصلاة في وبره لم يكن وجه للإشكال بذلك مع كون الوبر من الأجزاء التي لا تحلّها الحياة ، فشمول الإطلاق للصلاة في جلده بل اختصاصه بذلك ممّا لا إشكال فيه كما عرفت .
ثمّ لا يخفى أنّ المراد بقوله(عليه السلام) في ذيل الرواية «فإنّ الله تعالى أحلّه . . .» ، ليس حلية الأكل لأجل التشبيه بالحيتان كما توهّم ، بل المراد هو حلية استعمال جلده ولبسه كما هو واضح ، ولكن لا يخفى أنّ سند الرواية في غاية الضعف لمجهولية بعض رواتها وعدم وثاقة بعضها الآخر ، وكون الثالث منهم مرمياً بالغلوّ والضعف .
مضافاً إلى عدم وجود رواية اُخرى في روايات العامة والخاصة بهذا السند ، لأنّ النقل عن قريب منحصر بهذه الرواية ، فلا يجوز الاعتماد عليها .
ولكنّه لا يخفى أنّ هذا الكلام الصادر من الإمام(عليه السلام) في مقام الجواب عن السؤال عن الصلاة في جلد الخزّ منقول بسند صحيح موثوق به ، وهو ما رواه الكليني عن أبي علي الأشعري، عن محمّد بن عبدالجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن عبدالرحمن بن الحجاج قال : سأل أبا عبدالله(عليه السلام) رجل وأنا عنده عن جلود الخزّ؟ فقال : «ليس به بأس» فقال الرجل : جعلت فداك إنّها علاجي وإنّما هي كلاب تخرج من الماء، فقال أبو عبدالله(عليه السلام) : «إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟» فقال الرجل : لا ، قال : «ليس به بأس»(1) .
فإنّ الظاهر اتحاد الروايتين، بمعنى صدور هذا الكلام من الإمام(عليه السلام) في جواب

(1) الكافي 6 : 451 ح3; علل الشرائع: 357 ب71 ح1 ; الوسائل 4 : 362 . أبواب لباس المصلّي ب10 ح1 .

(الصفحة358)

الخزاز دفعة واحدة ، غاية الأمر حضور جماعة، منهم: ابن أبي يعفور وابن الحجّاج في ذلك المجلس، واختلاف ألفاظ الروايتين ككون السؤال في الرواية الاُولى عن الصلاة في الخزّ من دون ذكر الجلد ، وفي الثانية عن جلود الخزّ من دون ذكر الصلاة فيه ، وغيره من موارد الاختلاف لا يوجب أن تكونا روايتين  .
لأنّ المعلوم أنّ الاختلاف إنّما نشأ من عدم تحفّظ الراوي أو من اختلاف أغراضهم في نقل الرواية . هذا ، ولا يخفى أنّه لو قيل بالمنع من كونهما رواية واحدة ـ والمفروض أنّ سند الاُولى مظلم لا يجوز الاعتماد عليه ، فالاعتبار إنّما هو بالثانية ، وقد عرفت أنّ السؤال فيها إنّما هو عن جلود الخزّ لا عن الصلاة فيها ، ومن المعلوم انصرافه إلى السؤال عن جواز استعمالها في اللبس، وهو لا يلازم جواز الصلاة فيها ـ لكان له وجه، لعدم دليل معتبر على الاتحاد .
ومن هنا يظهر أنّه لا دلالة للخبر الرابع عشر من الباب العاشر على جواز الصلاة في جلود الخزّ ، كما يظهر من صاحب الجواهر والمحقّق الهمداني(1) وهو ما رواه الشيخ عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن البرقي، عن سعد بن سعد، عن الرضا(عليه السلام) قال : سألته عن جلود الخزّ؟ فقال : «هو ذا نحن نلبس»، فقلت : ذاك الوبر جعلت فداك؟ قال : «إذا حلّ وبره حلّ جلده»(2) .
حيث إنّ الظاهر أنّ السؤال إنّما هو عن لبس جلود الخزّ لا عن جواز الصلاة فيها ، واعتراض الراوي عليه يشعر بأنّ الشبهة في جواز لبس جلوده إنّما يكون منشؤها احتمال كونه ميتة نجسة غير مذكّى ، فالجواب بالملازمة بين حلية الوبر وحلية الجلد إنّما ينفي هذا الاحتمال .
وبالجملة : فالملازمة بين حلية استعمال الوبر في اللبس ، والانتفاع بالجلد

(1) جواهر الكلام 8 : 87 ; مصباح الفقيه ، كتاب الصلاة، لباس المصلى ص129 .
(2) الكافي 6 : 452 ح7; التهذيب 2 : 372 ح1547; الوسائل 4 : 366 . أبواب لباس المصلّي ب10 ح14 .

(الصفحة359)

كذلك ، لا تدلّ على الملازمة بين جواز الصلاة في الوبر وجوازها في الجلد كما هو واضح ، ويدلّ على أنّ السؤال إنّما هو عن جواز اللبس مضافاً إلى ما ذكرنا ، أنّ مورد الشبهة في أذهان الناس إنّما هو جواز لبسه ، خصوصاً مع علمهم بما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله)من النهي عن ركوب الخزّ والجلوس عليه ، كما تقدّم في محكيّ كلام ابن المنظور(1) ، وخصوصاً مع كون ثوب الخزّ كثير القيمة شائع الاستعمال بين المترفين والمتنعّمين .
ويدلّ على ذلك ما روي من أنّ علي بن الحسين(عليهما السلام) كان بعدما اشترى جبّة الخزّ بخمسمائة درهم ومطرفه أيضاً بخمسين ديناراً يقول : {قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده . . .}(2)،(3) ، فإنّ استشهاده بهذه الآية يشعر بعدم كون جواز لبس الخزّ ممّا يعرفه الناس  ، بل كان مورداً لشكّهم ، وبالجملة فالرواية أجنبيّة عن المقام .
نعم قد يتوهّم دلالة الخبر الأوّل من الباب الثامن وأمثاله على جواز الصلاة في جلده أيضاً ، وهو ما رواه الصدوق عن سليمان بن جعفر الجعفري أنّه قال : «رأيت الرضا(عليه السلام) يصلّي في جبّة خز»(4) ، وأنت خبير بأنّ هذه الرواية وأمثالها إنّما تكون حاكية للفعل ، ومن الواضح أنّ الفعل لا اطلاق له ، فلعلّ ذلك الخزّ كان منسوجاً من الوبر، فلا دلالة لها على جواز الصلاة في جلده كما لا يخفى .
ثمّ إنّ ظاهر عبارة القدماء من الأصحاب استثناء الخزّ الخالص دون

(1) تقدّم في ص352.
(2) الأعراف  : 32 .
(3) الكافي 6: 451 ح4; قرب الإسناد: 286 ح1296; الوسائل 4: 364 و 365. أبواب لباس المصلّي ب10 ح6 و 10.
(4) الفقيه 1 : 170 ح802 ; التهذيب 2: 212 ح832 ; الوسائل 4 : 359. أبواب لباس المصلّي ب8 ح1 .

(الصفحة360)

المغشوش بوبر الأرانب والثعالب(1) ، ولا يخفى أنّ ما يتصوّر فيه الخالصيّة والمغشوشية إنّما هو وبر الخزّ دون جلده ، فيعلم أنّ المراد من المستثنى إنّما هو الوبر دون لجلد ، فلا يستفاد من كلماتهم جواز الصلاة في جلد الخزّ، واحتمال أن يكون المستثنى شاملا للجلد أيضاً .
غاية الأمر أنّ التقييد بالخلوص إنّما يكون في الوبر فقط خلاف الظاهر . هذا ، وعبارة المحقّق في الشرائع إنّما تكون كعبارة القدماء في عدم استفادة الجواز منها(2) ، وأمّا في المعتبر فقد استقرب الجواز بعد أن تردّد في المسألة(3) ، وأمّا العلاّمة فالمحكيّ عن كلامه في التحرير والمنتهى هو المنع والتفصيل بين الوبر والجلد(4) ، خلافاً لما يظهر من سائر كتبه من تعميم الجواز(5) كما هو المعروف بين المتأخرين(6) .
وتحقيق المسألة وتقريب القول بالجواز أو العدم فيها مبني على اُمور :
أحدها : إنّه هل يكون الخزّ من الحيوانات التي يحلّ أكل لحمها أو ممّا يحرم؟ الظاهر هو الثاني لقيام الاجماع على حرمة الحيوانات المائية عدى السمك الذي له فلس(7) ، ومخالفة صاحب الحدائق(8) وأمثاله لا يضرّ بتحققه .

(1) المقنعة: 150; المبسوط 1: 82; النهاية: 97; الإستبصار1: 135; الكافي في الفقه: 140; المهذّب 1: 74; الغنية: 66; السرائر 1: 262; مستند الشيعة 4 : 320 ـ 322; تذكرة الفقهاء 2 : 468; كشف اللثام 3 : 190 ـ 193 .
(2) شرائع الإسلام 1 : 59 .
(3) المعتبر 2 : 85 .
(4) تحرير الاحكام 1 : 30; ; المنتهى 1 : 231 .
(5) نهاية الأحكام 1: 374 ـ 375; تذكرة الفقهاء 3: 468 ـ 469 مسألة: 122; قواعد الأحكام 1: 255.
(6) المعتبر 2: 84 ـ 85 ; جامع المقاصد 2: 78 ; الذكرى 3: 35 ـ 36; مسالك الأفهام 1: 163; مجمع الفائدة والبرهان 2: 82 ; مدارك الأحكام 3: 168 ـ 169; رياض المسائل 3: 163 ـ 164; جواهر الكلام 8 : 86 ـ 87 .
(7) المقنعة: 576; الخلاف 6: 29 مسألة 31; الغنية: 394; السرائر 3: 90; المعتبر 1: 102; وج2: 84 ; الذكرى 3: 36; جواهر الكلام 36: 241.
(8) الحدائق الناضرة 5 : 71 .

<<التالي الفهرس السابق>>