في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة401)

والنعل والخفّين وما أشبه ذلك»(1) .
وبالجملة: فالظاهر أنّ اعتبار الطهارة من كل نجاسة وقذارة في صحة الصلاة كان أمراً مفروغاً عنه ، مضافاً إلى أنّه لم يخالف فيه أحد من الأصحاب رضوان الله عليهم ، إلاّ أنّه يقع الكلام في شمول تلك الأدلة لما إذا كان محمول المصلّي نجساً وأنّه هل تعتبر طهارة المحمول أيضاً أم لا؟
لا يبعد أن يقال بدلالة الرواية الثانية المتقدّمة على ذلك لأنّه وإن كان مورد السؤال فيها هو ظن إصابة الثوب الدم أو المني ، كما هو ظاهر صدر الرواية ، إلاّ أنّ إسناد الطهارة إلى نفس السائل لا إلى ثوبه كما فعله الإمام(عليه السلام) في الجواب حيث قال : «لأنّك كنت على يقين من طهارتك» ، ربّما يدلّ على أنّ المعتبر في صحة الصلاة هو كون المصلّي طاهر .
غاية الأمر أنّ صدقه يتوقف على طهارة بدنه وثوبه معاً ، ولا يتحقّق بمجرّد طهارة بدنه فقط ، وإلاّ لم يصح الاسناد مع نجاسة الثوب كما هو واضح ، وبالجملة فالظاهر من الرواية أنّ المعتبر في صحة الصلاة كون المصلّي طاهراً ، ويتوقف ذلك على طهارة ثوبه وبدنه ، وإذا كان الأمر كذلك ، أي إذا كانت نجاسة الثوب موجبة لعدم كون المصلّي طاهراً .
فمن المعلوم أنّه لا فرق في ذلك بين ما إذا كان ثوبه نجساً أو كان ما استصحبه كذلك ، إذ الوجه في صحة هذا الإطلاق هو كون المصلّي ملابساً له بلا خصوصيّة للثوب أصلاً فلو كان محموله نجساً لا تصحّ إسناد الطهارة إليه أيضاً ، مضافاً إلى أنّ العرف إذا ألقي إليه هذا المعنى ـ وهو اعتبار الطهارة في الثوب ـ لا يفهم منه الاختصاص ، وتكون خصوصيّة الثوبيّة ملغاة بنظره .

(1) التهذيب 1: 275 ح810 الوسائل 3: 456. أبواب النجاسات ب31 ح5 .

(الصفحة402)

وربّما يدلّ على شمول الحكم للمحمول الرواية الأخيرة الدالة بمفهومها على ثبوت البأس إذا كان الشيء المصاحب للمصلّي الذي لا تتمّ الصلاة فيه وحده نجساً ، ثمّ إنّه بناءً على ما ذكرنا من أنّ المعتبر في صحة الصلاة هو كون المصلّي طاهراً ومتّصفاً بهذه الصفة ، وإنّ طهارة الثوب من مراتب طهارة نفسه ، يمكن القول ببطلان صلاة المضطجع والمستلقى الذي يصلّي على شيء نجس أو كان عليه شيء نجس ممّا لا يعدّ ثوباً ، سيّما إذا كانا ساترين له .
بخلاف ما إذا كان ثوبه الذي يصلّي فيه متّصلا بما يكون نجساً ، سيّما إذا لم يتحرّك بحركته ، كما إذا تعمّم بطرف ثوب يكون طرفه الآخر الواقع على الأرض نجساً . وكما إذا كان لباسه طويلا في الغاية بحيث كان طوله ضعف طول بدنه ، أو أزيد ، أو أنقص مثلا ، فإنّه لا يعدّ الشيء النجس ملابساً للمصلّي في هاتين الصورتين ونظائرهما ، بخلاف القسم الأوّل . هذا ، ولو قلنا بأنّ المعتبر في الصلاة طهارة البدن والثوب بما هو ثوب ، أمكن القول بعدم البطلان فيه أيضاً كما لايخفى .


هل تعتبر الطهارة في ما لا تتمّ الصلاة فيه؟

قد عرفت أنّ اعتبار الطهارة في الصلاة ممّا قام عليه الاجماع ، ويدلّ عليه الروايات الكثيرة(1) ، ولكن ذلك إنّما هو بالنسبة إلى ما تتمّ الصلاة فيه وحده ، وأمّا في غيره ممّا لا تجوز الصلاة فيه منفرداً ، فالظاهر عدم اعتبار طهارته .
والنصوص والفتاوى(2) متطابقتان على ذلك ، وقد تقدّم بعض الروايات الدالة

(1) الوسائل 1: 315. أبواب أحكام الخلوة ب9 .
(2) الخلاف 1: 479 مسألة 223; الإنتصار: 136; السرائر 1: 264; تذكرة الفقهاء 2: 481 مسألة 127; مستند الشيعة 4: 281  ـ 284.

(الصفحة403)

عليه في صدر المبحث ، ويدلّ عليه أيضاً ما رواه الشيخ عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن عقبة، عن زرارة، عن أحدهما(عليهما السلام) قال : «كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشيء مثل القلنسوة والتكّة والجورب»(1) .
وما رواه أيضاً عن سعد، عن الحسن بن عليّ، عن عبدالله بن المغيرة، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن عليّ بن أسباط، عن ابن أبي ليلى، عن زرارة قال : قلت لأبي عبدالله(عليه السلام)  : إنّ قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثمّ صلّيت فقال(عليه السلام) : «لا بأس»(2) .
هذا ، ولكن يقع الكلام في أنّ المراد بما لا تتمّ فيه الصلاة وحده ، هل هو الشيء الذي لا يكون ساتراً للعورة ولو مع تغيّر هيئته وتبديل مكانه ، أو الشيء الذي لا يكون ساتراً إذا لم تتغيّر هيئته ، ولو مع تبديل مكانه ، أو ما يكون كذلك إذا لم تتغيّر هيئته، ولم يبدّل مكانه الذي جعل ذلك الشيء لباساً له ، فعلى الأوّل لا تكون العمامة بل الخفّ والجورب ، بل التكّة في بعض الموارد ممّا لا تتمّ فيه الصلاة، مع أنّ الثلاثة الأخيرة مذكورة في الروايات المتقدّمة من جملة الأمثلة لذلك ، والاُولى وإن لم تكن مذكورة فيها إلاّ أنّها مذكورة في الرواية الواردة في الفقه الرضوي(3) ، مضافاً إلى أنّ الصدوق أفتى بعدم كون نجاستها مضرّة بصحّة الصلاة كسائر ما لا تتمّ (4)، فهذا الاحتمال في غاية البعد ، ويدور الأمر بين الاحتمالين الأخيرين .
والأظهر هو الاحتمال الثاني الذي مرجعه إلى أنّ المراد بما لا تتمّ فيه الصلاة هو

(1) التهذيب 2 : 358 ح482 ; والوسائل 3 : 455. أبواب النجاسات ب31 ح1 .
(2) التهذيب 2: 357 ح1480; الوسائل 3: 456. أبواب النجاسات ب31 ح3.
(3) فقه الرضا (عليه السلام) : 95; المستدرك 3 : 208 . أبواب لباس المصلّي ب14 ح1 .
(4) الفقيه 1 : 42 ح167 .

(الصفحة404)

ما لا يكون ساتراً للعورة مع هيئته الفعليّة ، ولو مع تبديل موضعه الذي جعل ذلك لباساً له ، وعليه فيدخل القميص القصير الذي لا يستر العورة كما هو المتداول بين الأعاجم فيما يعتبر طهارته .
وجه الأظهريّة ـ مضافاً إلى فهم المشهور ذلك ـ ما يستفاد من المرسلة المتقدّمة(1)، حيث أنّها تدلّ بظاهرها على أنّ الخفّ على قسمين : قسم يستر العورة وتتمّ الصلاة فيه، وقسم لايكون كذلك، ولوكان المراد ممّا لا يتم هو الاحتمال الثالث ، لكان الخفّ منحصراً في القسم الثاني ، إذ الظاهر أنّ الخف لا يستر أزيد من الساق لو لم يبدّل مكانه ، وأيضاً يلزم أن يكون المحمول مما لا تتمّ دائماً ، إذ ليس شأنه أن يستر العورة مع كونه محمولا ، وإلاّ لم يكن بمحمول ، فالأظهر هو الاحتمال الثاني .
ثمّ إنّ التفصيل بين ما تتمّ وما لا تتمّ ، بعدم اعتبار طهارة الثاني في صحة الصلاة ، لا يختص بالثوب  ، بل يجري في المحمول أيضاً ، بناءً على شمول الأدلة الدالة على اعتبار الطهارة له أيضاً ، كما استظهرناه آنفاً ، وجه عدم الاختصاص واضح ، لو استندنا في اعتبار طهارة المحمول إلى مرسلة عبدالله بن سنان المتقدّمة(2) ، إذ جعل المحمول فيها مرادفاً للثوب ، وفصّل في كليهما بين ما تتمّ وما لا تتمّ .
وأمّا لو استندنا في ذلك إلى ما يستفاد من صحيحة زرارة المتقدّمة(3) ، من أنّ ظاهرها باعتبار اسناد الإمام(عليه السلام) الطهارة إلى نفس المصلّي أنّ المعتبر في صحة الصلاة هو طهارة المصلّي ، غاية الأمر أنّ طهارة الثوب من مراتب طهارة الشخص ، ومن المعلوم أنّ ذلك باعتبار ملابسته للمصلّي وهو لا يختصّ بالثوب ، بل يعم المحمول ، أو استندنا إلى أنّ خصوصيّة الثوبيّة ملغاة بنظر العرف ، أو إلى أنّه

(1) الوسائل 3 : 456 . أبواب النجاسات ب31 ح2 .
(2) الوسائل 3 : 456 ، أبواب النجاسات ب31 ح5 .
(3) الوسائل 3 : 477 . أبواب النجاسات ب41 ح1 .

(الصفحة405)

تصدق الصلاة في النجس إذا كان المحمول نجساً ، كما يظهر من الشيخ(1) ، فوجه عدم الاختصاص اتحاد مناط شمول الحكم ، وخروج بعض الأفراد عن تحته كما لا يخفى .
ثمّ إنّ الحليّ في السرائر بعد أن اعتبر في صحة الصلاة أن يكون ثوب المصلّي وبدنه طاهراً خالياً من النجاسات ، وبعد ذهابه إلى أنّ ما لاتتمّ الصلاة فيه من جميع الملابس، ومايطلق عليه اسم الملبوس تجوز فيه الصلاة ، وإن كان عليه نجاسة ، قال:
وأمّا ما لا يكون ملبوساً ولا يطلق اسم الملبوس عليه لا تجوز الصلاة فيه إذا كان فيه نجاسة ، لأنّه يكون حاملا للنجاسة ، والأوّل خرج بالاجماع من الفرقة على ذلك(2) . انتهى .
ومراده بالأوّل هو ما لا تتمّ الصلاة فيه من الملابس الذي حكم بجواز الصلاة فيه ، وإن كانت عليه نجاسة ، وظاهره اختصاص التفصيل بين ما لا تتمّ وغيره بخصوص الملابس ، وكون اعتبار الطهارة في المحمول عامّاً غير مقيد بما إذا كان ممّا لا تتمّ الصلاة فيه وحده .
وقد عرفت أنّه لا فرق بين الثوب والمحمول في اعتبار طهارتهما إذا كانا ممّا تتمّ ، وعدم اعتبار طهارتهما إذا كانا ممّا لا تتمّ ، لأنّ ما يدلّ على إخراج بعض أفراد الثوب يدلّ على تقييد الحكم في المحمول أيضاً . هذا لو قلنا بأنّ المحمول على قسمين : قسم تتمّ الصلاة فيه وحده ، وقسم لا يكون كذلك ، بناءً على أنّ المراد بما لا تتم هو الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة المتقدّمة ، كما استظهرناه .
وأمّا بناءً على أن يكون المراد هو الوجه الثالث ، وهو أن يكون المراد الشيء الذي لا يستر العورة مع كونه باقياً على هيأته الفعليّة ، ولم يبدّل موضعه الذي جعل لباساً  ، فلا يكون المحمول على قسمين ، بل يكون دائماً ممّا لا تتمّ مع بقائه على صفة

(1) الخلاف 1 : 503 مسألة 244 .
(2) السرائر 1 : 264 .

(الصفحة406)

المحمولية ، وحينئذ فيمكن القول بما ذهب إليه الحلّي كما لا يخفى .
ثمّ إنّ الحكم ببطلان الصلاة فيما لم يكن ملبوساً للمصلّي ، بل كان محمولا له مع كون المأخوذ أولا في مقام بيان ما هو المعتبر في صحة الصلاة هي طهارة الثوب والبدن ، ممّا يدلّ على أنّ المراد بالثوب ليس ما يكون مقابلا للمحمول ، بل المراد به كل ما يكون ملابساً للمصلّي ، أعمّ ممّا يكون محيطاً به أو مستصحباً له ، وهذا أيضاً ممّا يؤيّد ما استظهرناه سابقاً من اعتبار طهارة ا لمحمول ، حيث يشعر بكون مراد الفقهاء من الثوب هو الأعمّ من المحمول كما هو غير خفيّ .

لو شك في طهارة ثوب وصلّى فيه ، فانكشف أنّه كان نجساً لا يجب عليه الإعادة

لو شكّ في طهارة بدنه أو ثوبه أو غيرهما ممّا تعتبر طهارته في الصلاة ، فإن كان منشأ الشك هو عدم النصّ أو إجماله أو تعارضه ، وبالجملة كانت الشبهة حكمية ، فسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى ، وإن كان منشؤه اشتباه الاُمور الخارجية ، فإن كان مسبوقاً بالطهارة أو النجاسة فالمرجع هو استصحابهما .
وإن لم يكن كذلك فالمرجع هي قاعدة الطهارة ، فإن صلّى مع استصحاب الطهارة أو قاعدتها ، ولم ينكشف الخلاف إلى الأبد ، فلا إشكال في صحة صلاته وكونها هي المأمور به لا أنّه يكون معذوراً ، في ترك الصلاة إذا كانت مع النجاسة واقعاً ، وإن انكشف الخلاف ، فتارة يكون انكشاف الخلاف . بعد الفراغ من الصلاة ، واُخرى في أثنائها .
أمّا الأوّل: فالظاهر عدموجوب الإعادة عليه لقاعدة الإجزاءالمحقّقة في الاُصول، وحاصلها أنّ المأمور به بالأمر الواقعي الثانوي ، أو بالأمر الظاهري يقتضي الإجزاء

(الصفحة407)

بالنسبة إلى الأمر الواقعي الأوّلي ، لأنّ الظاهر أنّ الاُصول العمليّة مثلا ناظرة إلى أنّ الصلاة فيما يشكّ طهارته من الثوب والبدن مثلا هي الصلاة المأمور بها .
وبالجملة: تدلّ على توسعة المأمور به المقيد بإحراز الطهارة ، وإنّ مجرّد الشك في حصول القيد يكفي في تحقّق الامتثال المسقط للأمر ، فيرجع إلى عدم كون الطهارة الواقعيّة معتبرة في حقّ الشاكّ فيها ، وأنّ صلاته هي الصلاة الفاقدة للطهارة ، وبها يكون مطيعاً للمولى ممتثلا لأمره ، ومن المعلوم أنّ الشك المأخوذ في مجراها ليس الشك الباقي إلى الأبد ، حتى لو انكشف أحد الطرفين كشف ذلك عن عدم تحقّق موضوعها .
إذ بناءً عليه لا يكون الشاك الفعلي عالماً بتحقّق موضوعها حتى تجري في حقّه قاعدة الطهارة أو أصالتها ، والضرورة قاضية بخلاف ذلك ، فإذا كان موضوعها مطلق الشك ولو تبدّل إلى اليقين بأحد الطرفين ، وقد عرفت أنّ ظاهرها هو كون دائرة المأمور به غير مضيقة بالعلم بوجود القيد مثلا ، يظهر وجه اقتضائها للإجزاء وعدم وجوب الإعادة أو القضاء .
وممّا ذكرنا ظهر أنّ الأمر الظاهري لا يكون أمراً في قبال الأمر الواقعي ، بل مدلوله هو توسعة المأمور به ، ولذا اعترضنا في الأصول عليهم ، حيث إنّهم بعد تقسيم الأمر إلى الواقعي الأوّلي ، والواقعي الثانوي والظاهري ، يقولون إنّ اقتضاء المأمور به بكلّ أمر بالنسبة إلى أمره ممّا لا مجال للإشكال فيه .
ومحصّل الاعتراض أنّ الأمر الواقعي الثانوي ، وكذا الأمر الظاهري لا يكون أمراً في قبال الأمر الواقعي الأوّلي ، لأنّ من المعلوم أنّه إذا دخل وقت الظهر مثلا لا يتوجّه إلى المكلّف إلاّ الأمر المتعلّق بصلاة الظهر ، غاية الأمر أنّه قد علم من الدليل أنّه لو كان المصلّي واجداً للماء ، يتوقف انطباق عنوان الصلاة على المأتيّ به من الأفعال والأقوال على الطهارة المائيّة ، ولو لم يكن واجداً له يتوقف ذلك على

(الصفحة408)

الطهارة الترابيّة .
وكذلك يتوقف صدق عنوانها بالنسبة إلى غير الشاكّ في طهارة ثوبه أو بدنه على إحراز الطهارة ، وبالنسبة إلى الشاك يكفي الاعتماد على استصحاب الطهارة أو قاعدتها ، فالأدلّة الدالة على الأوامر الإضطراريّة ، أو الأمارات الظنّية ، أو الأصول العمليّة إنّما هي ناظرة إلى توسعة المأمور به ، وإنّ تحققه لا يتوقف على إحراز ما جعل شرطاً أو جزءً في غير حال الاضطرار أو الشك ، لا أن يكون مدلولها معذوريّة المكلّف في ترك أصل الصلاة ، إذ الظاهر أنّ ادعاء احتمال كون المكلّف الذي اعتمد على الاُصول ممّن لم يصلّ أصلا فيما إذا لم ينكشف الخلاف ممّا لا يصدر من أحد ، وقد عرفت أنّ الشك المعتبر في جريان الأصول والأمارات ليس الشك الباقي للتالي ، بل مطلق الشك ولو انكشف الخلاف .
ومن الواضح عدم الفرق بينهما أصلا ، فإذا كان فعل من لم ينكشف له الخلاف منطبقاً لعنوان الصلاة ، فغيره أيضاً لا يكون تاركاً لها معذوراً في تركها ، بل الصلاة في حقّه هي ما أتى به من الأفعال مطابقاً لما تقتضيه الأمارة أو الأصل الجاري في حقّه ، فظهر من جميع ذلك أنّه لا يجب الإعادة على من صلّى في النجاسة شاكّاً فيها اعتماداً على الأصل ، ولو انكشف الأمر بعد الفراغ عنها .
ويدلّ على ذلك أيضاً ما وردت من الروايات الواردة في هذا الباب :
منها : ما رواه الكليني عن أبي بصير، عن أبي عبدالله(عليه السلام) في رجل صلّى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به، قال : «عليه أن يبتدئ الصلاة». قال : وسألته عن رجل صلّى وفي ثوبه جنابة أو دم حتّى فرغ من صلاته ثم علم؟ قال : «مضت صلاته ولا شيء عليه»(1) .

(1) الكافي 3 : 405 ح6 ; التهذيب 2 : 360 ح1489 ; الإستبصار 1 : 181 ح634; الوسائل 3 : 474. أبواب النجاسات ب40 ح2 .

(الصفحة409)

ومنها : ما رواه أيضاً عن عبدالله بن سنان قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال : «إن كان قد علم أنّه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلّي ثمّ صلّى فيه ولم يغسله فعليه أن يعيد ما صلّى، وإن كان لم يعلم به فليس عليه إعادة، وإن كان يرى أنّه أصابه شيء فنظر فلم يرَ شيئاً أجزأه أن ينضحه بالماء»(1) .
ومنها : رواية عبد الرحمن بن أبي عبدالله قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن الرجل يصلّي وفي ثوبه عذرة من إنسان أو سنّور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال(عليه السلام) : «إن كان لم يعلم فلا يعيد»(2) . وفيه دلالة على عدم البأس ولو كانت النجاسة عذرة ما لا يؤكل لحمه، بل وإن كان نجس العين .
ومنها : رواية عيص بن القاسم قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل صلّى في ثوب رجل أيّاماً، ثم إنّ صاحب الثوب أخبره أنّه لا يصلّى فيه؟ قال : «لا يعيد شيئاً من صلاته»(3) .
ومنها : رواية أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلّى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه، وإن هو علم قبل أن يصلّي فنسي وصلّى فيه فعليه الإعادة»(4) .
ومنها : ما رواه في قرب الاسناد عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن

(1) الكافي 3: 406 ح9، التهذيب 2: 359 ح1488; الإستبصار 1: 182 ح636; الوسائل 3: 475. أبواب النجاسات ب40 ح3.
(2) الكافي 3: 404 ح2 وص406 ح11، التهذيب 2: 359 ح1487; الإستبصار 1: 180 ح630; الوسائل 3: 475. أبواب النجاسات ب40 ح5.
(3) الكافي 3: 404 ح1، التهذيب 2: 360 ح1490; الإستبصار 1: 180 ح631; الوسائل 3: 475. أبواب النجاسات ب40 ح6.
(4) التهذيب 1 : 254 ح737; الإستبصار 1 : 182 ح637; الوسائل 3 : 476 . أبواب النجاسات ب40 ح7.

(الصفحة410)

جعفر(عليهما السلام)قال : سألته عن الرجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع؟ فقال : إن كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلّي ولا ينقص منه شيء، وإن كان رآه وقد صلّى فليعتدّ بتلك الصلاة ثم ليغسله»(1) .
ومنها : صحيحة زرارة المتقدّمة المشتملة على قوله : «قلت : فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أرَ فيه شيئاً، ثم صلّيت فرأيت فيه؟ قال : تغسله ولا تعيد الصلاة . قلت : لِمَ ذاك؟ قال : لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً . . .»(2) .
ولا يخفى أنّ الجواب عن سؤال الوجه لعدم وجوب الإعادة في مفروض السائل بجريان استصحاب الطهارة قبل الشروع في الصلاة ممّا يدلّ على أنّ اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء كان أمراً مسلّماً مفروغاً عنه ، ولا ينبغي الارتياب فيه .
ومنها : رواية محمّد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) قال : سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً وهو يصلّي؟ قال : لا يؤذنه حتّى ينصرف . . .»(3) . فإنّه لو كانت الصلاة الواقعة في النجاسة واقعاً مع عدم العلم بها فاسدة لما كان إخباره بنجاسة ثوب أخيه إيذاء له كما لا يخفى .
ومع وجود هذه الروايات الكثيرة الدالة على عدم وجوب الإعادة مع الجهل بوقوع الصلاة في النجاسة لا اعتبار بما يدلّ بظاهره على خلاف ذلك ، خصوصاً مع اعتضاد الطائفة الاُولى بعمل الأصحاب عليها ، واستنادهم إليها ، وبالشهرة المحقّقة

(1) قرب الإسناد: 177 ح796، الوسائل 3: 477. أبواب النجاسات ب40 ح10.
(2) الوسائل 3 : 477 . أبواب النجاسات ب41 ح1 .
(3) الكافي 3 : 406 ح8 ; التهذيب 2 : 361 ح1493; الوسائل 3 : 474 . أبواب النجاسات ب40 ح1.

(الصفحة411)

على وفاقها(1) .
ومن تلك الروايات رواية وهب بن عبد ربّه عن أبي عبدالله(عليه السلام) في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم به صاحبه فيصلّي فيه ثم يعلم بعد ذلك؟ قال : «يعيد إذا لم يكن علم»(2) .
ومنها : رواية أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سألته عن رجل صلّى وفي ثوبه بول أو جنابة؟ فقال : «علم به أو لم يعلم، فعليه إعادة الصلاة إذا علم»(3) .
هذا مضافاً إلى أن تقييد الإعادة بما إذا لم يكن علم كما في الرواية الاُولى الظاهر في عدم وجوبها مع عدمه ، وهي صورة العلم بالنجاسة ، ربّما يدلّ على كون الصادر من الإمام(عليه السلام) كلمة «لا يعيد» ، فسقطت كلمة «لا» سهواً من الراوي أو الناسخ ، ويحتمل بعيداً الحمل على الاستفهام الانكاري كما احتمله صاحب الوسائل .
وكيف كان ، فهذان الخبران يدلاّن على وجوب الإعادة بالظهور ، والأخبار السابقة تدلّ على عدم الوجوب بالصراحة ، فهي مقدّمة عليهما ، ودعوى أنّ ثاني الخبرين صريح في الوجوب ، باعتبار ذكر العالم أيضاً ، مدفوعة بما حقّقناه في محلّه ، من أنّ ظهور الأمر في الوجوب إنّما هو من قبيل ظهور الفعل ، وإلاّ فصيغته لا تدلّ إلاّ على إنشاء الطلب المشترك بين الوجوب والاستحباب .
ثمّ إنّه لا فرق في الحكم المذكور ـ وهو عدم وجوب الإعادة ـ بين من علم بعد الفراغ من الصلاة بوقوعها في النجاسة ، وبين من علم بالنجاسة واحتمل حدوثها بعد الصلاة ، كما أنّه لا فرق في الأول بين من كان غافلا حين الشروع فيها عن

(1) النهاية: 52 و94; المقنعة: 149; السرائر 1: 183; المعتبر 1: 442; المنتهى 1: 183; شرائع الإسلام 1: 54; مدارك الأحكام 2: 348.
(2) التهذيب 2: 360 ح1491; الإستبصار 1: 181 ح635; الوسائل 3: 476. أبواب النجاسات ب40 ح8 .
(3) التهذيب 2: 202 ح792; الإستبصار 1: 182 ح639; الوسائل 3: 476. أبواب النجاسات ب40 ح9.

(الصفحة412)

نجاسة ثوبه أو بدنه ، وبين من كان ملتفتاً متردّداً فيها ، لأنّه مضافاً إلى دلالة بعض الروايات المتقدّمة عليه يجري في حقّه أيضاً قاعدة الطهارة ، إذ مدلولها وجوب ترتيب آثار النجاسة في صورة العلم بها ، وأمّا مع عدمه سواء كان متردّداً أو غافلا ، لا تجري أحكام النجاسة .
وقد عرفت أنّها تقتضي الإجزاء ، وكذا لا فرق في الثاني المتردّد بين صورتي الفحص وعدمه ، لاطلاق الأخبار المتقدّمة المعتضدة بالشهرة المحقّقة .
هذا ، ويظهر من بعض الروايات التفصيل في الحكم المذكور بين الناظر وغيره ، مثل ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : ذكر المنيّ فشدّده فجعله أشدّ من البول، ثمّ قال : «إن رأيت المنيّ قبل أو بعدما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صلّيت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك، وكذلك البول»(1) . فإنّ مفهومها يدلّ على أنّه لو لم يتفحّص ولم ينظر في ثوبه فيجب عليه الإعادة .
وما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ بن عبدالله، عن عبدالله بن جبلة، عن سيف عن ميمون الصيقل، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : قلت له : رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل، فلمّا أصبح نظر فإذاً في ثوبه جنابة؟ فقال(عليه السلام) : «الحمد لله الذي لم يدع شيئاً إلاّ وله حدّ، إن كان حين قام نظر فلم يرَ شيئاً فلا إعادة عليه، وإن كان حين قام لم ينظر فعليه الإعادة»(2) .
هذا ، ومن هنا قد يفصل بين صورتي الفحص وعدمه ، ويجعل هذان الخبران

(1) التهذيب 1 : 252 ح730 وج2: 223 ح880 ; الفقيه 1 : 161 ح758; الوسائل 3 : 478 . أبواب النجاسات ب41 ح2 .
(2) الكافي 3 : 406 ح7; التهذيب 2 : 202 ح791 وج1: 424 ح1346; الإستبصار 1 : 182 ح640 ; الوسائل 3 : 478 . أبواب النجاسات ب41 ح3 .

(الصفحة413)

شاهدين للجمع بين الأخبار الكثيرة المتقدّمة الدالة على الإجزاء وعدم وجوب الإعادة مطلقاً ، وبين الروايتين المتقدّمتين الدالّتين على عدم الإجزاء ، وعدم الفرق في وجوب الإعادة بين العالم بالنجاسة قبل الصلاة والجاهل بها ، بحمل الطائفة الاُولى على صورة الفحص ، واطلاق الأخيرين على صورة عدمه .
ولكن لا يخفى أنّ دلالة الخبرين على التفصيل إنّما هي بالظهور ، ودلالة الأخبار المطلقة المتقدّمة على الإجزاء إنّما هي بالصراحة والنصوصيّة .
ودعوى أنّ تلك الأخبار وإن كانت دلالتها على وجوب الإعادة دلالة صريحة ، إلاّ أنّ دلالتها على اطلاق الحكم المذكور فيها وشموله لصورة عدم الفحص إنّما هي بالظهور ، كما أنّ دلالة الخبرين على التفصيل إنّما هي بالصراحة سيّما الأخير منهما ، وإن كان شمولهما لصورة عدم الفحص إنّما هو بالظهور .
مدفوعة بما عرفت من اعتضاد اطلاق تلك الأخبار بالشهرة المحقّقة ، فلا مجال للأخذ بهما معها ، مضافاً إلى أنّ في مورد الأخير منهما ـ وهي رواية ميمون الصيقل ـ يكون الثوب ملوّثاً بالجنابة عادة ، فرؤيتها فيه تكشف عن عدم المبالات في غسله فتأمّل .
وقد يفصل في أصل المسألة أيضاً بين الوقت وخارجه بوجوب الإعادة ، فيما إذا انكشف الخلاف في الوقت والإجزاء ، فيما إذا انكشف في خارجه ، وهو محكيّ عن بعض القدماء من الأصحاب(1) ، كما أنّ التفصيل المذكور أولا محكيّ عن بعض المتأخّرين(2) ، وبه جمع بين الأخبار المتعارضة ، بحمل اطلاقات ما يدلّ على الإجزاء على خارج الوقت ، واطلاق غيره على الوقت .

(1) الفقيه 1 : 42; المبسوط 1: 13 و38 و90; المراسم : 89 ; السرائر 1 : 88 .
(2) مختلف الشيعة 1 : 244; مسالك الافهام 1 : 127; القواعد 1 : 8 ; رسائل المحقّق الكركي 1 : 115 .

(الصفحة414)

هذا ولكن لا يخفى أنّه وإن كان يمكن أن يقال بكشف هذا عن وجود نصّ في الجوامع الأوّلية شاهد على الجمع بينها بهذا الوجه لكونه محكيّاً عن بعض القدماء ، إلاّ أنّ هذا الاحتمال مرجوح ، لما عرفت من أنّ الشهرة على خلافه .
ثمّ إنّه يظهر من السيّد(قدس سره) في العروة جريان الحكم المذكور فيما إذا علم قبل الدخول في الصلاة بطهارة ثوبه وصلّى فيه ، ثم ظهر بعد الفراغ بقاء نجاسته ، حيث قال فيها : إنّه لو غسل ثوبه النجس وعلم بطهارته ثمّ صلّى فيه ، وبعد ذلك تبيّن له بقاء نجاسته ، فالظاهر إنّه من باب الجهل بالموضوع ، فلا تجب عليه الإعادة أو القضاء(1) انتهى .
أقول : لو كان مستنده في الحكم المذكور هو شمول الأخبار المتقدّمة الدالة على عدم وجوب الإعادة ، فيما إذا صلّى في النجاسة مع الجهل بها لهذا المورد ، فمن الواضح أنّ موردها إنّما هي صورة الجهل بالنجاسة ، بأن كان متردّداً فيها ، أو غافلا عنها ، ولا تشمل صورة العلم بالطهارة أصلا ، ولو كان جهلا مركّباً .
وإن كان مستنده فيه ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن ميسر قال : قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فأصلّي فيه فإذا هو يابس، قال(عليه السلام) : «أعد صلاتك، أمّا أنّك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شيء»(2) ، وتقريب الاستناد إليه أنّ ظاهره عدم وجوب الإعادة لو غسل ثوبه نفسه ، ولو تبيّن بقاء المني بعد الفراغ من الصلاة .
ومن المعلوم أنّ المكلّف المريد لامتثال أمر المولى مع العلم بكونه متوقّفاً على طهارة ثوبه ، لا يصلّي فيه إلاّ مع العلم بطهارته ، أو إحرازها بالأصول الشرعية

(1) العروة الوثقى 1: 75. أحكام النجاسات مسألة 2 .
(2) الكافي 3 : 53 ح2; التهذيب 1 : 252 ح726; الوسائل 3 : 428 . أبواب النجاسات ب18 ح1 .

(الصفحة415)

العملية ، فالرواية تدلّ على عدم وجوب الإعادة في الفرض المذكور .
ففيه : انّه يلزم بناءً عليه القول بالتفصيل بين ما إذا غسل المصلّي ثوبه وبين ما إذا وكّل الغير في غسله ـ كما هو مفاد هذه الرواية ـ وحينئذ فلا موقع لما ذكره بعد تلك العبارة من عدم وجوب الإعادة أيضاً فيما لو علم بنجاسة الثوب فأخبره الوكيل في تطهيره بطهارته .
هذا ، والأقوى وجوب الإعادة أو القضاء في الفرض المذكور ، والظاهر أنّ المراد من قوله(عليه السلام) في الرواية : «أمّا إنّك لو كنت غسلت . . .» ، هو أنّه لو كنت غسلت ثوبك لبالغت في غسله بحيث لا يبقى فيه أثر المني أصلا لا أنّه لا يضرّ العلم بوقوع الصلاة في النجاسة بعد الفراغ عنها إذا علم بالطهارة قبلها كما لا يخفى . هذا كلّه فيما لو رأى النجاسة بعد الفراغ من الصلاة .

لو رأى النجاسة في أثناء الصلاة
أمّا الثاني : لو رآها في أثنائها فإن احتمل حدوثها في الأثناء وأمكن له غسله صحّت الصلاة مع غسله لاستصحاب الطهارة إلى حين الرؤية ، ولا يضر وقوع بعض الأكوان المتخلّلة بين الأفعال في النجاسة ، لما يستفاد من الروايات الكثيرة المستفيضة الواردة فيما لو حصل للمصلّي رعاف في أثناء الصلاة ، وأمكن له الغسل من وجوب الغسل والاتمام وعدم وجوب الإعادة أو القضاء .
ومن المعلوم أنّه لا خصوصيّة للرعاف ، فلو أصابه في أثناء الصلاة دم من نفسه أو من غيره ثم أزاله وأتمّ صلاته صحّت الصلاة ، كما أنّه يحكم العرف بعدم اختصاص ذلك الحكم بالدم ، بل يجري في كل قذارة ونجاسة ، كما أنّه لا خصوصيّة للغسل ، بل المناط هو رفع النجاسة وإزالتها ، لئلاّ تقع الصلاة فيها ولو بقلع الثوب وإلقائه ، فيستفاد من تلك الروايات قاعدة كلية ، وهي عدم بطلان الصلاة لو وقع

(الصفحة416)

بعض أكوانها المتخلّلة بين أفعالها في النجاسة ، إذا لم يأت بفعل أو قول معها .
هذا إذا احتمل حدوثها في الأثناء وإن لم يحتمل حدوثها فيه بل تبيّن له أنّها كانت من قبل  ، بحيث وقع بعض أفعال الصلاة معها ، فمقتضى قاعدة الإجزاء وجوب الاتمام مع إمكان غسله ، وعدم وجوب الإعادة أو القضاء ، كما أنّ مقتضى الروايات المتقدّمة ـ الواردة فيما لو تبيّن وقوع الصلاة في النجاسة بعد الفراغ عنها ـ ذلك ، لأنّه إذا كانت الصلاة الواقعة بتمامها فيها صحيحة مجزية ، فوقوع بعض أفعالها في النجاسة مع الجهل بها ، فصحّتها وإجزائها بطريق أولى .
وقد عرفت أنّه لا يضرّ وقوع بعض الأكون المتخلّلة بين الأفعال في النجاسة ، فمقتضى القاعدة عدم وجوب الإعادة ، إلاّ أنّه يظهر من بعض الروايات الفرق بين ما إذاتبيّن الخلاف في الأثناء، وبين ماإذا تبيّن بعد الفراغ، وأنّه تجب الإعادة في الصورة الاُولى دون الثانية ، مثل رواية أبي بصير المتقدّمة عن أبي عبدالله(عليه السلام)حيث قال(عليه السلام) في رجل صلّى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به ، قال: «عليه أن يبتدئ الصلاة» وقال في مقام الجواب عن السؤال عمّا إذا علم بوقوعها في النجاسة بعد الفراغ: «مضت صلاته ولا شيء عليه»(1). ومثل صحيحة زرارة المتقدّمة(2).
وحيث إنّ الرواية متضمّنة لأحكاموفروع كثيرة، فلابأس بنقلها بتمامها فنقول:
روى الشيخ في التهذيب عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة قال(3) : قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من منيّ، فعلّمت أثره إلى أن أصيب له الماء، فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أنّ بثوبي شيئاً

(1) الوسائل 3 : 474 . أبواب النجاسات ب40 ح2 .
(2) الوسائل 3 : 477 . أبواب النجاسات ب41 ح1 .
(3) رواه الصدوق في العلل عن أبيه، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، وعليه لا تكون الرواية مضمرة «منه» .

(الصفحة417)

وصلّيت، ثم إنّي ذكرت بعد ذلك، قال(عليه السلام)  : «تعيد الصلاة وتغسله» . قلت : فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنّه أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلما صلّيت وجدته، قال : «تغسله وتعيد» . قلت : فإن ظننت أنّه أصابه ولم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أرَ شيئاً ثمّ صلّيت فيه فرأيت فيه، قال : «تغسله ولا تعيد الصلاة» . قلت : لِمَ ذلك؟ قال : «لانّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً» . قلت : فإنّي قد علمت أنّه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله؟ قال : «تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك». قلت : فهل عليّ إن شككت في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟ قال : «لا ، ولكنّك إنّما تريد أن تذهب بالشكّ الذي وقع في نفسك» . قلت : إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟ قال : «تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وإن لم تشكّ ثم رأيته رطباً قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة، لأنك لا تدري لعلّه شيء أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ»(1) .
فإنّ الجواب عن السؤال الثالث يدلّ على عدم وجوب الإعادة ، فيما إذا انكشف الخلاف بعد الفراغ والاتمام ، والجواب عن السؤال الأخير يدلّ على وجوب الإعادة فيما إذا التفت إلى النجاسة في الأثناء ، وعلم بوقوع بعض الأفعال فيها ، وعلى عدم وجوبها في هذه الصورة ، فيما إذا علم أو احتمل حدوثها في الأثناء .
وبالجملة: فظاهر الرواية التفصيل بين ما إذا تبيّن وقوع الصلاة في النجاسة بعد الفراغ ، وبين ما إذا تبيّن ذلك في الأثناء ، ولكن قد يدعى القطع بعدم الفرق بين

(1) التهذيب 1: 421 ح1335; الإستبصار 1: 183 ح641، علل الشرائع: 361، الوسائل 3: 477. أبواب النجاسات ب41 ح1.

(الصفحة418)

الصورتين ، بل بأولويّة عدم وجوب الإعادة في الصورة الثانية ، خصوصاً بعد اشتراكهما في العلّة التي علّل الإمام(عليه السلام) عدم وجوب الإعادة في الصورة الاُولى بها ، وهي جريان الاستصحاب واقتضاء دليله الإجزاء .
وهذا يوجب طرح الرواية مضافاً إلى أنّ من البعيد أن لا يسأل زرارة بعد سؤاله عن علّة الحكم في الصورة الاُولى عن علّة حكم هذه الصورة ، خصوصاً بعد اشتراكهما في التعليل كما عرفت آنفاً .
هذا ، ولا يخفى أنّه لا وجه لطرح الرواية بعد كونها صحيحة ، ومجرّد الاستبعاد لا يوجب ذلك، واقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء ودلالته على توسعة المأمور به بالأمر الواقعيّ الأوّلي إنّما هو مقتضى ظاهر دليله ، فلا ينافي ورود دليل خاصّ على خلافه، كما قام في الطهارة الحدثيّة على وجوب الإعادة ، فيما إذا تبيّن كونه فاقداً لها .
وبالجملة: فالظاهر لزوم الأخذ بمقتضى الرواية وجعلها دليلا على التفصيل في المسألة، وإن كان خلاف القاعدة .
هذا ، وقد يتوهّم دلالة صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة على ما ذكرنا أيضاً ، حيث قال الإمام(عليه السلام) فيها : «إن رأيت المنيّ قبل أو بعدما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صلّيت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك ، وكذلك البول»(1) .
ولا يخفى أنّ ظاهرها التفصيل بين ما إذا كان مسبوقاً بالعلم ، وما إذا لم يكن كذلك ، لا الفرق في الثاني بين الأثناء وبعد الفراغ ، كما هو مفروض المسألة ، لأنّ المراد بقوله(عليه السلام) : «إن رأيت . . .» إنّه إن رأيت المنيّ قبل الشروع في الصلاة أو بعد الدخول فيها ونسيت إزالته وصلّيت ثم ذكرت فعليك الإعادة ، فهذه

(1) الوسائل 3: 478. أبواب النجاسات ب41 ح2.

(الصفحة419)

الجملة  ـ الجملة الاُولى ـ متعرّضة لحكم ما إذا سبق العلم قبل إتمام الصلاة ، ووقعت باقي أجزائها فيها .
غاية الأمر إنّ ذلك لا يتحقّق من القاصد للامتثال الملتفت إلى شرطيّة الطهارة ، إلاّ مع نسيان الإزالة ، ويؤيّد ذلك عطف قوله «بعدما تدخل» على قوله «قبل» الدالّ على أنّ الفرض هو ما إذا وقعت الصلاة أو بعض أجزائها مسبوقة بالعلم بالنجاسة ، كما يؤيّده أيضاً قوله : «فعليك إعادة الصلاة» كما لا يخفى .
ثمّ إنّه قد يتوهّم أيضاً دلالة رواية اُخرى لمحمّد بن مسلم على التفصيل المتقدّم الذي دلّت عليه صحيحة زرارة المتقدّمة ، وهي ما رواه في الكافي عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن محمّد بن مسلم قال : قلت له : الدم يكون في الثوب عليّ وأنا في الصلاة، قال : «إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصلّ، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، وما كان أقلّ من ذلك فليس بشيء رأيته قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله وصلّيت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه»(1) .
وعن التهذيب زيادة لفظة «و» قبل قوله «ما لم يزد» واسقاط قوله «وما كان أقل»، وعليه تكون جملة «مالم يزد . . .» ، جملة مستأنفة خبرها قوله : «فليس بشيء» .
وحيث إنّ الشيخ رواها في التهذيب عن كتاب الكافي ، فيدلّ ذلك على أنّ النسخة الموجودة عنده منه مطابقة لما في التهذيب ، فلا مجال للقول بأنّ ما في الكافي

(1) الكافي 3 : 59 ح3; الفقيه 1 : 161 ح758; التهذيب 1 : 254 ح736; الإستبصار 1: 175 ح609; الوسائل 3 : 431 . أبواب النجاسات ب20 ح6 .

(الصفحة420)

أضبط ممّا في غيره .
وكيف كان فلابدّ من توضيح معنى الرواية ، وبيان مقدار دلالتها ليظهر حال التوهّم المذكور فنقول :
الظاهر اطلاق السؤال وشموله لما إذا علم بوقوع بعض أجزاء الصلاة في الدم المرئي في الأثناء ، ولما إذا احتمل حدوثه في الأثناء ، كما أنّ الظاهر عدم شموله لما إذا صلّى في الدم عالماً ، إذ لا يتحقّق ذلك من المكلّف القاصد للامتثال الملتفت إلى شرطيّة الطهارة .
وأمّا الجواب فهو متضمّن لأربع جملات :
أحدها : قوله(عليه السلام)  : «إن رأيته . . .» ، المراد إنّه لو رأيته في الأثناء وأمكن لك الإزالة وتحصيل الطهارة ، بحيث لا تبقى مكشوف العورة يجب عليك ذلك ولو بإلقاء الثوب وطرحه ، إذ من المعلوم أنّه لا خصوصيّة لطرح الثوب ، كما أنّه لا خصوصيّة لأن يكون على المصلّي ثوب غير ما فيه الدم ، بل المراد إمكان إزالة الدم عمّا تعتبر طهارته في الصلاة ولو كان له ثوب واحد .
وحكم هذه الصورة وجوب الإزالة وإتمام الصلاة وعدم وجوب الإعادة ، وهو وإن كان مطلقاً شاملا لما إذا كان الدم أقلّ من الدرهم ، إلاّ أنّه بقرينة قوله(عليه السلام)فيما بعد : «وما كان أقل . . .» ، يجب تقييده بغير هذه الصورة .
ومن المعلوم أنّه لا دلالة لهذه الجملة على التفصيل الذي دلّت عليه صحيحة زرارة المتقدّمة ، بل مقتضى اطلاقها صحة الصلاة ، ولو فيما علم بوقوع بعض الصلاة في الدم ، فتكون معارضة لها بالاطلاق والتقييد ، فيجب تقييدها بها كما لا يخفى ، ولو حمل مورد السؤال على خصوص ما إذا احتمل حدوث الدم في الأثناء ، فلا تعارض بينهما بوجه أصلا .
ثانيها : قوله(عليه السلام)  : «وإن لم يكن عليك ثوب غيره . . .» ، ظاهرها إنّه لو لم تتمكّن

<<التالي الفهرس السابق>>