في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة261)



عن سهل منضماً أو منفرداً في هذا السّند، و عدم إمكان نقل الكلينى عن ابن أبي نصر بلاواسطة، بل اللازم وجود واسطة بل واسطتين لايوجب كون نقله عن العدة عن سهل عنه كذلك. و لعلّ هذا هو الذي أوقع صاحب الوسائل في الإشتباه، فتخيل أن الواسطة ما هو المذكور في الحديث الأوّل.
نعم يرد على السند الأوّل ان سهلاً لايمكن له النقل عن رفاعة بلاواسطة. و لذا ذكر العلامة المجلسي (قدس سره) في شرح الحديث الأوّل إن الظاهر ان فيه سقطاً، إذ أحمد بن محمد و سهل بن زياد لايرويان عن رفاعة لكن الغالب ان الواسطة امّا فضالة أو ابن أبي عمير أو ابن فضال أو ابن أبي نصر، قال: والأخير هنا أظهر بقرينة الخبر الآتي، حيث علقه على ابن أبي نصر إلي آخر كلامه.
هذا و التحقيق اتحاد الروايتين لزرارة و ان كان الراوى عنه في أحديهما هو أبان الأزرق و في الثانية هو عبدالكريم بن عمرو. و قد عرفت ان في السند الثاني سقطاً، لأنه لايمكن للكلينى أن ينقل عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر من دون واسطة. فهى بهذا السّند غير معتبرة. و امّا بالسند الأوّل فالإشكال إنّما هو في أبان المذكور، و قد عرفت وجود التوثيق العام بالإضافة إليه و هو حجة فيما إذا لم يكن قدح خاص على خلافه. و ليس في المقام قدح أصلاً، و عليه فالظاهر اعتبارها بهذا السّند، و مقتضى الجمع بينها و بين الروايات المتقدمة هو حملها على الاستحباب والفضيلة، و حمل رواية زرارة على الجواز و المشروعية. ولكن حيث إن المشهور ذهبوا إلي عدم جواز التقديم على الثلاثة الأيام لعدم اعتبار التوثيق العام عندهم، نقول بأن مقتضى الإحتياط الوجوبي هو العدم ـ كما في المتن ـ .

(الصفحة262)



الأمر الثالث: فيما لو لم يتمكن من صوم السابع. ففي المتن صام الثامن و التاسع و أخر اليوم الثالث إلي بعد رجوعه من منى. قال والأحوط أن يكون بعد أيام التشريق، أي الحادى عشر و الثانى عشر و الثالث عشر و قد تبع المتن في أصل الحكم المشهور، بل عن ابن إدريس و غيره الإجماع عليه. و يدل عليه روايتان:
إحديهما: رواية عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) فيمن صام يوم التروية و يوم عرفة، قال: يجزيه ان يصوم يوماً آخر.(1) و في سندها مفضل بن صالح ابو جميلة و هو ضعيف.
ثانيتهما: رواية يحيى الأزرق التي رواها الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم عن النخعي عن صفوان عنه عن أبي الحسن (عليه السلام) و الصدوق بإسناده عنه، إنه سأل أبا ابراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعاً و ليس له هدي فصام يوم التروية و يوم عرفة، قال: يصوم يوماً آخر بعد أيام التشريق. و في رواية الصدوق زيادة بيوم.(2)
و الظاهر انّ المراد هو يحيى بن عبدالرحمن الأزرق و هو ثقة، لكن الإشكال في أن الصدوق صرّح في المشيخه بيحيى بن حسان الأزرق، و هو مع أنه لم يوثق ليس له بهذا العنوان رواية في الكتب الأربعة، و يحتمل قويّاً وقوع الإشتباه في الكتابة منه أو من النسّاخ. لكن الذى يسهّل الخطب انه لامستند للمشهور في هذا الحكم المخالف للقاعدة، و هي اعتبار التوالي في صيام الثلاثة أيام الاّ هاتين الروايتين فلامحالة

(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى و الخمسون، ح 1 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى و الخمسون، ح 2 .

(الصفحة263)



ينجبر سندهما باستناد المشهور إليهما، ولامجال لتوهم كون المسألة إجماعية مع قطع النظر عن الروايتين ـ كما ربما يظهر من الجواهر ـ بل الظاهر ثبوت الإستناد و هو جابر على ما هو التحقيق، فلا اشكال فيهما من حيث السّند.
ثم إنه هل يختص الحكم بصورة عدم التمكن من صوم اليوم السابع ـ كما هو ظاهر المتن ـ أو يعم صورة التمكن أيضاً؟ كما ربما يظهر من مثل عبارة الشرايع حيث قال فيها: ولو لم يتفق ـ أي صوم اليوم السابع ـ اقتصر على التروية و عرفة ثم صام الثالث بعد النفر. وجهان. استظهر الجواهر من الرواية التناول لحال الاختيار نظراً إلي أن القدوم يوم التروية لاينافي صوم يوم قبله قبل القدوم. ولكن الظاهر من السؤال بلحاظ الصوم يوم التروية بمجرد القدوم إنه كان عالماً بلزوم صوم اليوم السابع أيضاً و إن الباعث له على الترك هو عدم التمكن منه فى حال السفر، و الحركة الملازم خصوصاً في تلك الأزمنة للمشقة والكلفة الشديدة. وإلاّ فلم يكن وجه للترك فيه مع الصوم بمجرد القدوم، فلا دلالة للرواية على عمومية الحكم لصورة التمكن أيضاً.
مع أنه لو قلنا بأن المستند في أصل هذا الحكم هو الإجماع ـ كما ربما يظهر من صاحب الجواهر ـ يكون مقتضى الإقتصار في الأدلة اللبيّة على القدر المتيقن هو تخصيص الحكم بصورة عدم التمكن أيضاً.
ثم إنه ربما يظهر في بادي النظر وجود روايات متعددة في مقابل الروايتين الواردتين في المقام، و قد جعلها بعض الأعلام (قدس سره) على طوائف ثلاث:
الطائفة الأولى: ما تدل بالإطلاق على لزوم التتابع و انه لو صام يومين

(الصفحة264)



ولايتابع اليوم الثالث فقد فاته صيام ثلاثة أيام، مثل رواية عليّ بن الفضل الواسطي، قال: سمعته يقول: إذا صام المتمتع يومين لايتابع الصوم اليوم الثالث، فقد فاته صيام ثلاثة أيام في الحج، فليصم بمكة ثلاثة أيام متتابعات، فإن لم يقدر و لم يقيم عليه الجمّال، فليصمها في الطريق أو إذا قدم على اهله صام عشرة أيام متتابعات.(1)
و الرواية مع كونها مضمرة و ضعيفة بعلى بن الفضل الواسطي، مطلقة شاملة للفروض والصور المتعددة كصيام اليوم السابع و الثامن و صيام يومين قبل الأيام الثلاثة أو مع بهضها و للمقام أيضاً فأدلة المقام صالحة لتقييد إطلاقها و إخراج المقام منها فالتعارض بدوى.
الطائفة الثانية: ما يدل على ان من فاته صوم هذه الأيام ولو بفوت يوم واحد، يصوم ثلاثة بعد أيام التشريق، مثل صحيحة حمّاد بن عيسى، قال: سمعت ابا عبدالله (عليه السلام) يقول: قال علّى (عليه السلام) صيام ثلاثة أيام في الحجّ قبل التروية بيوم، و يوم التروية، و يوم عرفة فمن فاته ذلك فليستحر ليلة الحصبة يعنى ليلة النفر، و يصبح صائماً، و يومين بعده و سبعة إذا رجع.(2)
و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن متمتع لم يجد هدياً، قال: يصوم ثلاثة أيام في الحج، يوماً قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة، قال: قلت فإن فاته ذلك، قال: يتسحّر ليلة الحصبة و يصوم ذلك اليوم و يومين بعده،

(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى و الخمسون، ح 4 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثالث و الخمسون، ح 3 .

(الصفحة265)



قلت: فإن لم يقم عليه جمّاله ايصومها في الطريق؟ قال: إن شاء صامها في الطريق، و إن شاء إذا رجع إلي أهله.(1)
و احتمال كون المراد بالفوت هو فوت صيام ثلاثة أيام بأجمعها يدفعه صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عبّاد البصري عن متمتع لم يكن معه هدي، قال: يصوم ثلاثة أيام قبل التروية بيوم و يوم التروية ويوم عرفة، قال: فإن فاته صوم هذه الأيام فقال: لايصوم يوم التروية ولايوم عرفة ولكن يصوم ثلاثة أيام متتابعات بعد أيّام التشريق.(2) فإن النهي عن صوم يوم التروية و يوم عرفة في صورة فوت صوم الأيام الثلاثة قرينة على عدم كون المراد بالفوت هو فوت الجميع ـ كما هو ظاهر هذا ـ ولكن الرواية بهذه الكيفية المنقولة في الطبع الحديث من الوسائل الذى يكون من ناحية المكتبة الاسلامية بطهران لاتكون موجودة في التهذيب والإستبصار، بل الموجود فيهما ما هو المنقول في الطبعة الحديثة لآل البيت (عليهم السلام) من قوله (عليه السلام) : يصوم ثلاثة أيام قبل يوم التروية، ثم قول السائل فإن فاته صوم هذه الأيام، فقال: لايصوم يوم التروية ولايوم عرفة...
و عليه فظاهر الرواية تعين صيام ثلاثة أيام قبل يوم التروية ولاشهادة فيها على ما ذكرنا. لكن الرواية (عليه السلام) مع انها مخالفة للنصوص المختلفة الواردة في صيام ثلاثة أيام تكون مخالفة للفتاوى أيضاً. حيث إنه لم يقل أحد من الأصحاب بتعين قبل يوم التروية، بل الظاهر عدم ثبوت الاستحباب له أيضاً. و عليه فالرواية تكون معرضاً

(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس و الاربعون، ح 4 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى و الخمسون، ح 3 .

(الصفحة266)



عنها.
هذا و الظاهر انّ نسبة هذه الطائفة المعارضة في بادي النظر للروايتين اليهما مع قطع النظر عن احتمال كون المراد بالفوت هو فوت جميع الايام الثلاثة لامطلق الفوت الشامل لفوت صوم يوم واحد او يومين ايضاً هو الاطلاق والتقييد، لأنّ مفاد هذه الطائفة لزوم التسحر ليلة الحصبة في جميع موارد الفوت و فروضه و صوره الشامل لفوت يوم واحد أو يومين أو جميع الثلاثة و في فوت اليوم الواحد مطلق شامل لفوت اليوم السابع أو الثامن أو التاسع، كما ان الفوت مطلق شامل للفوت الإختيارى و للفوت مع عدم التمكن، و دليل المقام يخرج مورداً واحداً يكون مشتملاً على خصوصيتين، إحديهما: كون الفوت مستنداً إلى عدم التمكن، لما عرفت من الإختصاص بهذه الصورة و ثانيتهما: كون الفائت يوماً واحداً و هو خصوص اليوم السابع دون شيء من اليومين بعده أو أزيد من يوم واحد، فالنسبة هي الإطلاق و التقييد، ولاتعارض بحسب الحقيقة بوجه.
الطائفة الثالثة: ما تدل بظاهرها على النهى عن صوم يوم التروية و كذا صوم يوم عرفة للمتمتع الذى ورد يوم التروية، مثل صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن متمتع يدخل يوم التروية وليس معه هدي، قال: فلايصوم ذلك اليوم ولايوم عرفة و يتسحّر ليلة الحصبة، فيصبح صائماً و هو يوم النفر و يصوم يومين بعده.(1)

(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى و الخمسون، ح 5 .


(الصفحة267)

في عدم جواز صيام الثلاثة في أيام التشريق

مسألة 18 ـ لا يجوز صيام الثلاثة في أيام التشريق في منى، بل لا يجوز الصوم في أيام التشريق في منى مطلقاً. سواء في ذلك الآتي بـالحج وغيره . [1]


الحج، وبعد دلالة الروايات التي عرفتها على أن المستحب هو صوم اليوم السابع ويومين بعده، والغالب وقوع إحرام حج التمتع يوم التروية، وإن كان الظاهر من المحقق في بعض كتبه والشهيدين إشتراط التلبس بالحج. لكنه غير تام.
الأمر الخامس: في اليوم الذي لابد وأن يصومه بعد العيد. وقد احتاط في المتن أن يكون بعد الأيام الثلاثة للتشريق. وسيأتي البحث فيه في شرح المسألة التاسعة عشر. إن شاء الله تعالى.
[1] المشهور عدم جواز صيام الثلاثة في أيام التشريق. بل عن الخلاف الإجماع عليه. لكن المحكي عن أبي علي جواز صومها فيها. ويدل على المشهور روايات مستفيضة:
منها: ما عن الفقيه من قوله: وروي عن الأئمة (عليهم السلام) إن المتمتع إذا وجد الهدي ولم يجد الثمن صام ـ إلى أن قال ـ ولا يجوز له أن يصوم أيام التشريق، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) بعث بديل بن ورقا الخزاعي على جمل أورق «و» فأمره أن يتخلل الفساطيط، وينادي في الناس أيام منى ألا لا تصوموا، فإنها أيام أكل وشرب وبعال(1). والبعال ما

(1) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الواحد والخمسون، ح9.

(الصفحة268)



يتعلق بالبعل من النكاح وملاعبته بأهله.
ومنها: رواية ابن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تمتع فلم يجد هدياً، قال: فليصم ثلاثة أيام، ليس فيها أيام التشريق. ولكن يقيم بمكة حتى يصومها، وسبعة إذا رجع إلى أهله. وذكر حديث بديل بن ورقا(1).
ومنها: رواية ابن مسكان، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل تمتع ولم يجد هدياً، قال: يصوم ثلاثة أيام. قلت له: أفيها أيام التشريق؟ قال: لا، ولكن يقيم بمكة حتى يصومها وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يقم عليه أصحابه ولم يستطع المقام بمكة، فليصم عشرة أيام إذا رجع إلى أهله. ثم ذكر حديث بديل بن ورقا(2).
ومنها: رواية عبدالرحمن بن الحجاج، قال: كنت قائماً أصلي وأبو الحسن قاعد قدامي، وأنا لا أعلم فجاءه عبّاد البصري فسلّم ثم جلس، فقال له: ياأبا الحسن ما تقول في رجل تمتع ولم يكن له هدي؟ قال: يصوم الأيام التي قال الله تعالى، قال فجعلت سمعي إليهما، فقال له عبّاد: وأي أيام هي؟ قال: قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، قال: فإن فاته ذلك؟ قال: يصوم صبيحة الحصبة ويومين بعد ذلك، قال: فلا تقول كما قال عبدالله بن الحسن. قال: فأي شيء قال؟ قال: (قالخ) يصوم أيام التشريق، قال: إن جعفراً كان يقول إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بديلا ينادي إن هذه أيام أكل وشرب فلا يصومنّ أحد. قال: ياأبا الحسن إن الله قال: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم. قال: كان جعفر يقول ذو الحجة كلّه من

(1) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الواحد والخمسون، ح1.
(2) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الواحد والخمسون، ح2.

(الصفحة269)



أشهر الحج(1).
ومنها: غير ذلك من الروايات الظاهرة في النهي عن صيام الثلاثة في أيام التشريق أو مطلق الصيام في تلك الأيام. لكن في مقابلها روايتان:
إحديهما: موثقة إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) عن أبيه، إنّ علياً (عليه السلام) كان يقول: من فاته صيام الثلاثة الأيام التي في الحج فليصمها أيام التشريق، فإن ذلك جائز له(2).
ثانيتهما: رواية عبدالله بن ميمون القداح عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) ان علياً (عليه السلام) كان يقول: من فاته صيام الثلاثة الأيام في الحج، وهي قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، فليصم أيام التشريق فقد أُذن له(3).
والتعليل في الروايتين يوجب صرف ظهور قوله «فليصمها ...» في وجوب الصوم في خصوص أيام التشريق، وحمله على مجرد الجواز والمشروعية مع أن الأمر في مقام توهم الخطر، فلا ظهور له في الوجوب.
هذا والروايتان مضافاً إلى ضعف سند الثانية بجعفر بن محمد الراوي عن عبدالله لجهالته، فقد ذكر الشيخ (قدس سره) إنهما شاذان مخالفان لسائر الأخبار ولا يجوز المصير إليهما مع أنهما موافقان لمذهب بعض العامة، فيحتمل الحمل على التقية، وإن كان يبعده النقل عن علي (عليه السلام) خصوصاً مع التعبير بــ «كان» الظاهر في تكرر صدور هذا القول منه (عليه السلام) هذا بالإضافة إلى صيام الثلاثة في أيام التشريق.

(1) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الواحد والخمسون، ح4.
(2) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الواحد والخمسون، ح5.
(3) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الواحد والخمسون، ح6 .

(الصفحة270)

في مبدأ الصيام بعد الأضحى

مسألة 19 ـ الأحوط الأولى لمن صام الثامن والتاسع صوم ثلاثة أيام متوالية بعد الرجوع من منى، وكان أولها يوم النفر. أي: يوم الثالث عشر، وينوي أن يكون ثلاثة من الخمسة للصوم الواجب . [1]


وأما عدم جواز الصوم في أيام التشريق مطلقاً لمن كان بمنى من دون فرق بين الآتي بالحج وغيره، فيدل عليه حديث ابن ورقاء المذكور في جملة من الروايات المتقدمة.
ومنها صحيحة ابن الحجاج، فإن قوله (صلى الله عليه وآله) «لا يصومنّ أحد» ظاهر في عمومية النهي، ولا مجال لتوهم كون الخطاب منحصراً بالمتمتع الذي لم يكن واجد الهدي ولم يصم الثلاثة قبل الأضحى ضرورة قلة مصاديقه، بالإضافة إلى الجمع الكثير الذي كانوا معه (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع، مع روايات اُخرى دالة على النهي بنحو الإطلاق. ولعله يأتي بعضها، إن شاء الله تعالى.
[1] لا شبهة في اقتضاء الاحتياط الاستحبابي لصيام خمسة أيام لمن لم يدرك صيام الثلاثة قبل الأضحى، والنية بالنحو المذكور في المتن.
إنما الاشكال والخلاف في مبدأ الصوم بعد الأضحى بعد وضوح أنه لا يجوز أن يكون المبدأ هو الحادي عشر، فالمشهور والمعروف أنه يصوم الثلاثة الأيام بعد التشريق ولا يصوم شيئاً منها في أيامه. وعن بعضهم أنه يصوم يوم النفر وهو اليوم الثاني عشر الذي هو النفر الأعظم، ويتحقق النفر فيه من أكثر الحجاج، أو الثالث عشر الذي هو النفر الثاني الذي ينفر فيه من كان يجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر

(الصفحة271)



والرمي في يومه.
ومال إلى هذا القول صاحب الجواهر، وقد ذكر في آخر كلامه: «إن الإنصاف مع ذلك عدم إمكان إنكار ظهور النصوص في إرادة صوم يوم النفر الذي هو اليوم الثالث عشر أو الثاني عشر».
ويدل على مرامه روايات، مثل:
صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن متمتع يدخل يوم التروية وليس معه هدي، قال: فلا يصوم ذلك اليوم ولا يوم عرفة ويتسحر ليلة الحصبة فيصبح صائماً وهو يوم النفر ويصوم يومين بعده(1).
وطرح الرواية باعتبار النهي عن صوم يوم التروية ويوم عرفة ـ كما اخترناه ـ لا ينافي لزوم العمل بها بالإضافة إلى ذيلها الذي هو محل البحث في المقام.
وصحيحة حماد التي جعلت في الوسائل والكتب الفقهية روايتين، مع وضوح الوحدة، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: قال علي (عليه السلام) صيام ثلاثة أيام في الحج قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، فمن فاته ذلك فليتسحر ليلة الحصبة ـ يعني ليلة النفر ـ ويصبح صائماً ويومين بعده وسبعة إذا رجع(2).
هذا ولكن يعارضها روايات، مثل:
صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تمتع فلم يجد هدياً، قال: فليصم ثلاثة أيام ليس فيها أيام التشريق، ولكن يقيم بمكة حتى

(1) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الثاني والخمسون، ح5.
(2) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الثالث والخمسون، ح3.

(الصفحة272)



يصومها، وسبعة إذا رجع إلى أهله. وذكر حديث بديل بن ورقا(1).
وصحيحة ابن مسكان، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل تمتع ولم يجد هدياً، قال: يصوم ثلاثة أيام، قلت له: أفيها أيام التشريق؟ قال: لا ولكن يقيم بمكة حتى يصومها، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يقم عليه أصحابه ولم يستطع المقام بمكة، فليصم عشرة أيام إذا رجع إلى أهله. ثم ذكر حديث بديل بن ورقا(2).
ورواية إبراهيم بن أبي يحيى عن أبي عبدالله (عليه السلام) عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: يصوم المتمتع قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، فإن فاته ذلك ولم يكن عنده دم، صام إذا انقضت أيام التشريق يتسحر ليلة الحصبة، ثم يصبح صائماً(3).
والترجيح مع هذه الطائفة إما لأجل موافقتها للشهرة الفتوائية، وهي أول المرجحات في الخبرين المتعارضين، وإما لأجل أنه بعد التعارض والتساقط يرجع إلى حديث بديل الذي هو الأصل في هذه المسألة.
والشاهد على دلالته على النهي عن صوم شيء من الأيام الثلاثة في شيء من أيام التشريق ولزوم كون الصوم واقعاً بعدها، صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج المتقدمة(4) حيث إنه قد جمع فيها بين الصوم صبيحة الحصبة ويومين بعد ذلك، وبين عدم جواز صوم أيام التشريق، مستدلا بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بديلا ينادي أن هذه أيام أكل وشرب فلا يصومنّ أحد. فإنه لا يكاد يتم إلاّ مع كون المراد بالحصبة هو

(1) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الواحد والخمسون، ح1.
(2) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الواحد والخمسون، ح2.
(3) الوسائل: أبواب الذبح، الباب السادس والأربعون، ح20.
(4) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الواحد والخمسون، ح4.

(الصفحة273)



اليوم الذي انقضى قبله أيام التشريق.
ويرد على صاحب الجواهر ان جواز الصوم يوم النفر لا يجتمع مع النهي عن صوم أيام التشريق. ودعوى كون المحرم صوم أيام التشريق لمن أقام بمنى لا مطلقاً ـ كما احتملها صاحب الجواهر ـ مدفوعة بأن لازم ذلك لغوية النهي، لأنه لا يتحقق مورد الإقامة بمنى أصلا. لأن الحجاج بين من ينفر يوم الثاني عشر ـ كما هو الغالب ـ وبين من ينفر يوم الثالث عشر ـ كما عليه جماعة منهم ـ فلا يتحقق مورد الإقامة بمنى حتى يصح النهي عن صيام أيام التشريق، وهل هو إلاّ كالنهي عن صيام يوم الحادي عشر بعرفات، فإن هذا النهي لغو جداً، والإقامة يوم الحادي عشر بمنى لا تصير وجهاً إلاّ للنهي عن صيام خصوص ذلك اليوم بمنى، لا النهي عن صيام ثلاثة أيام التشريق به ـ كما هو ظاهر ـ .
ثم إن المحكي عن الشيخ (قدس سره) في الخلاف ان الأصحاب قالوا: يصبح ليلة الحصبة صائماً وهي بعد انقضاء أيام التشريق. وعنه في المبسوط انه جعل ليلة التحصيب ليلة الرابع. وقد استظهر أن مراده ليلة الرابع من يوم النحر لا الرابع عشر. ولا شاهد عليه ـ خصوصاً بعد تصريح بعض اللغويين بأنه يوم الرابع عشر ـ وقد احتمل في كشف اللثام أن يكون يفسر يوم الحصبة بيوم النفر وليلتها بليلة النفر في صحيحتي حماد والعيص المتقدمتين من الراوي، كما أنه احتمل أن يكون المراد بليلة الحصبة هي الليلة الواقعة بعدها لا قبلها، كما في ليلة الخميس، وأن يكون المراد من صبيحة الحصبة في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج هي اليوم الذي بعدها.
ثم إنه ذكر في مجمع البحرين في معنى لغة الحصبة: «إنّ الحصباء صغار الحصى، وفي

(الصفحة274)



حديث قوم لوط فأوحى الله إلى السماء أن أحصبيهم ـ أي: أرميهم بالحصباء ـ وواحدها حصبة كقصبة. وفي الحديث: فرقد رقدة بالمحصّب، و هو بضم الميم وتشديد الصاد موضع الجماد عند أهل اللغة، والمراد به هنا ـ كما نصّ عليه بعض شراح الحديث ـ الأبطح، إذ المحصب يصح أن يقال لكل موضع كثيرة حصاءه، والأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى، وهذا الموضع تارة يسمى بالأبطح واُخرى بالمحصب، ـ إلى أن قال: ـ وليس المراد بالمحصب موضع الجمار بمنى، وذلك لأن السنّة يوم النفر من منى أن ينفر بعد رمي الجمار وأول وقته بعد الزوال، وليس له أن يلبث حتى يمسي، وقد صلى به النبي المغرب والعشاء الآخرة، وقد رقد به رقدة، فعلمنا أن المراد من المحصب ما ذكرناه» الخ.
بقي الكلام في رواية رفاعة المشتملة على تفسير الحصبة بيوم نفره، على ما رواه الكليني عنه بسند ضعيف وغير المشتملة على التفسير المذكور على ما رواه الشيخ عنه بسند صحيح وحيث إنها مشتملة على التفصيل الذي لم يلتزم به أحد من الأصحاب، فلا مجال للأخذ بها مع أن التفسير المذكور واقع في نقل الكليني، وهو ضعيف.
وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا، ان مبدأ الصيام إنما هو بعد أيام التشريق ومقتضى الاحتياط أيضاً ذلك.

(الصفحة275)

في ما لو لم يصم يوم الثامن أيضاً

مسألة 20 ـ لو لم يصم يوم الثامن أيضاً أخّر الصيام إلى بعد الرجوع من منى فصام ثلاثة متوالية، ويجوز لمن لم يصم الثامن، الصوم في ذي الحجة وهو موسع له إلى آخره، وإن كان الأحوط المبادرة إليه بعد أيام التشريق . [1]


[1] في هذه المسألة فرعان:
الفرع الأول: ما لو لم يصم يوم الثامن أيضاً كالسابع، سواء كان المنشأ هو عدم التمكن، أو كان هو العمد والاختيار. فلا يجزيه الشروع من يوم عرفة وتأخير اليومين إلى بعد أيام التشريق، بل يتعين تأخير الثلاثة بأجمعها. والوجه فيه انك عرفت أن القاعدة الأولية هي لزوم رعاية التوالي والتتابع في جميع الأيام الثلاثة خرج من هذه القاعدة مورد واحد، وهو ما لو صام الثامن والتاسع في خصوص صورة عدم التمكن من صوم السابع.
ومن المحتمل قوياً أن يكون للمورد خصوصية من جهة اليومين المخصوصين أولا، ومن جهة التتابع بين اليومين ثانياً، وكلتا الجهتين مفقودتان في المقام، فلا يمكن أن يصار إليه إلاّ مع الدليل، وهو غير موجود. وعليه فالظاهر لزوم التأخير أولا ورعاية التتابع في جميع الأيام ثانياً.
الفرع الثاني: أنه مع ترك الصيام قبل الأضحى يجوز التأخير بنحو الواجب الموسع إلى آخر ذي الحجة.
والوجه فيه ان ظاهر الروايات الدالة على أن من فاته صيام الثلاثة قبل

(الصفحة276)

في جواز صوم الثلاثة في السفر

مسألة 21 ـ يجوز صوم الثلاثة في السفر. ولا يجب قصد الإقامة في مكة للصيام، بل مع عدم المهلة للبقاء في مكة جاز الصوم في الطريق، ولو لم يصم الثلاثة إلى تمام ذي الحجة يجب الهدي يذبحه بنفسه أو نائبه في منى ولا يفيده الصوم . [1]


الأضحى يصوم يوم الحصبة ويومين بعده، وإن كان لزوم المبادرة بعد الرجوع من منى، إلاّ أن هناك رواية صحيحة دالة على جواز التأخير في صورة المشية. وهي ما رواه الصدوق بإسناده عن زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) إنه قال: من لم يجد ثمن الهدي فأحب أن يصوم الثلاثة الأيام في العشر الأواخر، فلا بأس بذلك(1).
والجمع بينها وبين روايات الحصبة يقتضي الحمل على الاستحباب. كالجمع بين الروايات الظاهرة في تعين يوم قبل التروية ويومها ويوم عرفة، وبين ما دل على الجواز عند شروع ذي الحجة على ما عرفت. ومنه يظهر أن الاحتياط في المتن استحبابي لا وجوبي لمسبوقيته بالفتوى بالتوسعة.
[1] تشتمل هذه المسألة على بيان حكمين:
الأول: جواز صوم الثلاثة في السفر، وعدم وجوب قصد الإقامة في مكة للصيّام. ويدل عليه صحيحة رفاعة المشتملة على سؤاله عن أبي عبدالله (عليه السلام) بقول: قلت يصوم وهو مسافر؟ قال: نعم أليس هو يوم عرفة مسافراً؟ إنّا أهل بيت نقول

(1) الوسائل: أبواب الذبح، الباب السادس والأربعون، ح13.

(الصفحة277)

في وجوب صيام سبعة أيام

مسألة 23 ـ يجب صوم سبعة أيام بعد الرجوع من سفر الحج، والأحوط كونها متوالية، ولا يجوز صيامها في مكة ولا في الطريق، نعم لو كان بناءه الإقامة في مكة جاز صيامها فيها بعد شهر من يوم القصد للجوار والاقامة، بل جاز صيامها إذا مضى من يوم القصد مدة لو رجع وصل إلى وطنه، ولو أقام في غير مكة من سائر البلاد أو في الطريق لا يجوز صيامها ولو مضى المقدار المتقدم، نعم لا يجب أن يكون الصيام في بلده، فلو رجع إلى بلده جاز له قصد الإقامة في مكان آخر لصيامها . [1]


ذلك لقول الله ـ عزوجل ـ فصيام ثلاثة أيام في الحج يقول في ذي الحجة(1). بل قد عرفت بعض الروايات الدالة على أنه إن لم يقم عليه جماله في مكة يجوز إيقاعها في الطريق. فلا إشكال في هذا الحكم.
الثاني: أنه لو لم يصم الثلاثة إلى تمام ذي الحجة ماذا حكمه؟ وسيأتي في المسألة الخامسة والعشرين، إن شاء الله تعالى.
[1] لا شبهة في أصل وجوب صوم سبعة أيام بعد الثلاثة لمن كان عاجزاً عن الهدي وغير واجد له. والظاهر بمقتضى الآية الدالة على أن الوجوب بعد الرجوع، إنّ قيد الرجوع لا يكون قيداً ترخيصياً راجعاً إلى جواز تأخير صيام السبعة إلى بعد الرجوع. بل يكون قيداً دخيلا في الصحة ـ كظرفية الحج ـ بالإضافة إلى الثلاثة،

(1) الوسائل: أبواب الذبح، الباب السادس والأربعون، ح1.

(الصفحة278)



وظاهر الآية الوقوع في سياقه وكون كلا القيدين دخيلين بنحو واحد.
كما ان الظاهر ان المراد من الرجوع في قوله تعالى: (... إذا رَجَعْتُمْ...) (1) هو الرجوع إلى الأهل والوطن لا الفراغ من أعمال الحج ولا الخروج من مكة سائراً في الطريق ولا بعد أيام التشريق ـ كما هو المحكي عن غيرنا ـ .
ويدل على ما ذكرنا ـ مضافاً إلى ظهور الآية فيه في نفسها ـ روايات متعددة، مثل:
صحيحة سليمان بن خالد المروية بطريقين، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل تمتع ولم يجد هدياً، قال يصوم ثلاثة أيام بمكة وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يقم عليه أصحابه ولم يستطع المقام بمكة فليصم عشرة أيام إذا رجع إلى أهله(2).
وصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن متمتع لم يجد هدياً، قال: يصوم ثلاثة أيام في الحج، يوماً قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة، قال: قلت: فإن فاته ذلك؟ قال: يتسحر ليلة الحصبة ويصوم ذلك اليوم ويومين بعده، قلت: فإن لم يقم عليه جماله أيصومها في الطريق؟ قال: إن شاء صامها في الطريق وإن شاء إذا رجع إلى أهله(3). وغير ذلك من الروايات الدالة على هذا المعنى؟.
إذا ظهر لك ذلك، فالكلام يقع في اُمور:
الأمر الأول: اعتبار التوالي في السبعة كالثلاثة على ما تقدم وعدمه. والمشهور هو العدم. بل عن المنتهى والتذكرة لا نعرف فيه خلافاً، لكن المحكي عن ابن أبي

(1) سورة البقرة (2): 196 .
(2) الوسائل: أبواب الذبح، الباب السادس والأربعون ح7.
(3) الوسائل: أبواب الذبح، الباب السادس والأربعون، ح4.

(الصفحة279)



عقيل وأبي الصلاح هو الوجوب.
ويدل للمشهور مضافاً إلى أن مقتضى إطلاق الآية هو العدم، موثقة إسحاق بن عمار، قال :قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) اني قدمت الكوفة ولم أصم السبعة الأيام حتى فزعت (نزعت) في حاجة إلى بغداد، :قال صمها ببغداد، قلت: أفرقها؟ قال: نعم(1). وفي السند محمد بن أسلم وليس له توثيق خاص بل توثيق عام في كتابي «كامل الزيارات» و«تفسير علي بن إبراهيم».
والظاهر ان محط السؤال الأول ومورد نظر السائل هو كونه من أهل الكوفة، ولكنه اضطر الحاجة إلى الذهاب إلى بغداد، فأراد أن يصوم في بغداد مع كونه غير وطنه. فالجواب يرجع إلى الجواز وأنه لا مانع من الصوم ببغداد بعد تحقق الرجوع إلى الاهل بقدوم الكوفة.
والسؤال الثاني سؤال مستقل مرجعه إلى جواز التفريق في السبعة وعدمه كالثلاثة، فالجواب أيضاً يرجع إلى الجواز وثبوت الفرق بين الثلاثة والسبعة، واحتمال كون المراد هو التفريق في البلاد والأمكنة، وأن السؤال إنما هو عن التفريق بالنسبة إلى مثل بغداد والكوفة، وعليه فالحكم بالجواز لا يرتبط بالمقام خلاف الظاهر جداً. خصوصاً بعد وضوح الفرق بين التفريق الزماني والتفريق المكاني في مثل المقام لاحتياج الثاني إلى التعرض للظرف المكاني دون الأول، فتدبر. وعليه فالرواية ظاهرة الدلالة على جواز التفريق هنا.
واستدل للوجوب برواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال:

(1) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الخامس والخمسون، ح1.

(الصفحة280)



سألته عن صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيصومها متوالية أو يفرق بينها؟ قال: يصوم الثلاثة «الأيام» لا يفرق بينها، والسبعة لا يفرق بينها ولا يجمع بين السبعة والثلاثة جميعاً(1). وفي السند محمد بن أحمد العلوي وهو مجهول الحال. لكن العلامة وصف بعض الروايات الواقع هو في سندها بالصحة. وتكفي هذه الشهادة بعد عدم ثبوت القدح بالإضافة إليه.
وأما الدلالة، فظاهر السؤال هو السؤال عن جواز التفريق في الثلاثة مستقلا وفي السبعة كذلك. وإن كان قوله (عليه السلام) في ذيل الجواب: «ولا يجمع بين السبعة والثلاثة جميعاً» ربما يؤيد كون السؤال عن الجميع، فتدبر.
والجواب ظاهر في اعتبار التوالي وعدم جواز التفريق في كل من الثلاثة والسبعة مستقلا. لكن مقتضى الجمع الدلالي بينها وبين الموثقة هو الحمل على الكراهة، ويؤيده تكرار النهي عن التفريق في الثلاثة والسبعة مع عدم حاجة إليه ظاهراً، خصوصاً مع الجمع بينهما في السؤال، فالتكرار لعله بملاحظة الاختلاف بينهما في عدم الجواز وثبوت الكراهة.
وقد ظهر أنه لا مجال للفتوى باعتبار التوالي ولا للاحتياط الوجوبي الذي هو ظاهر المتن.
الأمر الثاني: أنه لا يجوز صيام السبعة في مكة ولا في الطريق، لما مر في صدر المسألة، من ظهور الآية في كون قيد الرجوع في السبعة إنما هو كقيد الحج في الثلاثة، ولازمه هو التعين.

(1) الوسائل: أبواب الذبح، الباب الخامس والخمسون، ح2.

<<التالي الفهرس السابق>>