في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة61)


تارة: بتحقّق معنى الـمسجديـة فيها و زيادة.
و اُخرى: با لـتعظيم.
و ثا لـثـة: بالأخبار الـدالّـة على المنع عن دخول الجنب بيوت النبي و الأئمّـة (عليهم السلام)في حال الـحياة، بضميمـة ما ورد من أنّ حرمتهم بعد وفاتهم كحرمتهم في حال الـحياة، بل هم أحياء عند ربّهم يرزقون.
و قد جمع هذه الـروايات في «ا لـوسائل» في الـباب الـسادس عشر من أبواب الـجنابـة، و إن كان الـعنوان الـذي ذكره له هي الـكراهـة دون الـحرمـة، ولكنّ الـروايات بنفسها ظاهرة في الـحرمـة، و لايكون لها معارض أصلاً.
أقول: أمّا الأوّل: فيرد عليه أنّ الـحكم قد علّق في ظواهر الأدلّـة على عنوان الـمسجديـة، و لا دليل على إسرائه فيما كان بمعناها; لعدم إحراز كون الـملاك مجرّد شرافـة الـمكان، و أفضليـة الـصلاة فيه; لاحتمال أن يكون لعنوان الـمسجديـة ـ الـمتمحّضـة في الإضافـة إلى اللّه تعا لـى و الانتساب إليه ـ دخلٌ فيه، فلايجوز الـتعديـة.
و أمّا الـثاني: فمضافاً إلى عدم الـدليل على وجوب الـتعظيم، غايـة الأمر حرمـة الـتوهين، و قد مرّ مراراً أنّ الـحكم لايسري من عنوان متعلّقه إلى شيء آخر، فحرمـة الـتوهين لاتستلزم حرمـة الـدخول فيها، نقول: إنّ تحقّق الـتوهين بذلك ممنوع، خصوصاً فيما إذا تعلّق بدخوله في الـمشاهد غرض عقلائي، كما إذا لم يقدر على الـدخول في غير هذه الـحا لـة.
و أمّا الـثا لـث: فتارة، لابدّ من الـبحث في أنّ دخول الـجنب بيوتهم في حال حياتهم هل يكون محرّماً، أم لا؟


(الصفحة62)


و اُخرى، لابدّ من الـكلام في أنّ الـدخول في مشاهدهم بعد وفاتهم هل يكون كذلك، أم لا؟
أمّا دخول الـجنب بيوتهم في حال حياتهم، فا لـروايات الـواردة فيه الـمجموعـة في الـوسائل في الـباب الـمذكور خمسـة، أربعـة منها ترتبط بقصّـة أبي بصير، غايـة الأمر أنّ الـراوي لها قد يكون هو أبابصير، و قد يكون من معه من الـداخلين على أبي عبدا للّه (عليه السلام)، كما أنّ الـمستفاد منها أنّ الـعلّـة لدخول أبي بصير عليه (عليه السلام) جنباً، مرّة كانت هو الاختبار، و أن يعطيه من دلائل الإمامـة مثل ما أعطاه أبوجعفر (عليه السلام)، واُخرى مخافـة فوت الـدخول معهم.
و واحدة ما رواه جابر، عن علي بن الـحسين (عليهما السلام) أنّ أعرابيّاً دخل على الـحسين فقال له: «أما تستحي يا أعرابي، تدخل على إمامك و أنت جنب، أنتم معاشر الـعرب إذا خلوتم خضخضتم».
فقال الأعرابي: قد بلغت حاجتي فيما جئت له، فخرج من عنده فاغتسل، و رجع إليه فسأ لـه عمّا كان في قلبه.(1)
أقول: أمّا الـروايات الـواردة في قصّـة أبي بصير فا لـظاهر أنّه لم يكن في الـحقيقـة إلاّ قصّـة واحدة، ضرورة أنّ نقل أبي بصير لها تارة، و نقل مصاحبه لها اُخرى لايوجب تعدّدها.
كما أنّ الـتعدّد بلحاظ الاختبار و بلحاظ فوت الـدخول، أيضاً لايكاد يتمّ; فإنّ ما كان الـغرض منه فوت الـدخول، إن كان واقعاً قبل الآخر، فلايبقى موقع للاختبار بعد إخباره بجنابـة أبي بصير أوّلاً، خصوصاً مع كون الاختبار متحقّقاً بمثل ذلك.


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 7، الـحديث 24.


(الصفحة63)


و إن كان واقعاً بعد الآخر، فكيف يمكن صدور ذلك من أبي بصير مع الـنهي الـصريح قبله عنه؟! و مخافـة فوت الـدخول لاتكون أهمّ من الاختبار الـذي وقع الاعتراض حا لـه، فلا مجال لأن يقال: إنّ أبابصير يحتمل عدم الـحرمـة مع مخافـة فوت الـدخول، كما لايخفى.
و على ما ذكرنا، فا لـظاهر أنّ الـقصّـة لم تكن إلاّ واحدة غير متعدّدة، و حينئذ فلا يعلم أنّ الـتعبير الـصادر من الإمام (عليه السلام) فيها، هل كان بلفظ ظاهر في الـحرمـة، أو بلفظ لايدلّ على أزيد من الـكراهـة، كلفظـة «لاينبغي» الـواقعـة في روايـة بكر بن محمّد.و ليس غضب الإمام (عليه السلام) ـ على ما يشعر به بعض الـروايات ـ دليلاً على حرمـة الـفعل و استحقاق الـعقاب عليه; لإمكان أن يكون غضبه لكراهـة الـفعل، و منافاته لمرتبـة أبي بصير الـذي لاينبغي أن يصدر منه ما ينافي الأدب و يكون مرجوحاً شرعاً.
و أمّا روايـة جابر، فا لـظاهر عدم إفادتها للحرمـة أيضاً، و الـشاهد لـه إدامـة الإمام(عليه السلام) لكلامه بعد بيان الـحكم له; و إعلامه بأنّه جنب، ولو كان ذلك محرّماً لما كان ينبغي له (عليه السلام)ذلك.
و با لـجملـة: فلا يظهر من الـروايات حكم الـحرمـة، و قد عرفت أنّ صاحب «ا لـوسائل» ذكر في عنوان الـباب «ا لـكراهـة» دون «ا لـحرمـة».
و يؤيّده أنّه من الـبعيد أن لايدخل في بيوتهم من يعولون من أزواجهم، و أولادهم، و جواريّهم، و خدّامهم إذا كانوا جنباً.
بل يمكن دعوى الـقطع بعدمه، كيف؟! ولو كان الأمر كذلك لشاع الـحكم بين أصحابهم، ولم يكن يختفي على مثل أبي بصير الـذي لم يزل يتردّد إلى بيتهم، و كان مدّة من الـزمن في محضر أبي جعفر (عليه السلام) قبل ذلك، خصوصاً مع عدم الاختفاء على غيره;


(الصفحة64)


لأجل عدم حدوث مثل الـقصّـة بالإضافـة إليه.
ثمّ إنّه على تقدير الـقول با لـحرمـة نقول: إنّ مقتضى بعض الـروايات أنّ الـمحرّم هو الـدخول على شخص الإمام، الـظاهر في الـدخول عليه في حال حياته; من دون فرق بين أن يكون في بيته، أو في محلّ آخر، و مقتضى بعضها الآخر أنّ الـمحرّم هو الـدخول في بيوتهم الـتي هي بيوت الأنبياء، و ظاهره حرمـة الـدخول في بيوتهم و إن لم يكونوا فيها، و عليه فيمكن أن يقال: بأنّه يكفي في إضافـة «ا لـبيت» إليهم مجرّد الـنسبـة; سواء كان في حياتهم، أو بعد مماتهم، فلا يحتاج أصل الاستدلال إلى مقدّمـة خارجيّـة: و هي أنّ حرمتهم أمواتاً كحرمتهم أحياءً، و إن كان يمكن الـمناقشـة في ذلك: بعدم صدق «ا لـبيت» على الـقبر، و أنّه لايصدق على قبورهم عنوان «ا لـبيت» عرفاً.
و كيف كان فربّما يقال: إنّ الـقول بحرمـة دخول الـجنب في الـمشاهد الـمشرّفـة، أهون من الالتزام بحرمـة الـدخول في بيتهم حال حياتهم; لأنّ الـمشاهد من الـمشاعر الـعظام الـتي تشدّ الـرحال للتشرّف إليها، فلا يبعد دعوى كون دخول الـجنب هتكاً لحرمتها عند الـمتشرّعـة، و هذا بخلاف بيوتهم حال حياتهم، فإنّها لم يعهد كونها ـ من حيث هي ـ في عصرهم بهذه الـمكانـة من الـشرف في أنظار أهل الـعرف، حتّى يكون دخول الـجنب هتكاً.
و أنت خبير بأنّ كونه هتكاً عند الـمتشرّعـة إنّما هو لثبوت الـحرمـة عندهم، لما وصل إليهم من مراجعهم في الـفتوى، و إلاّ فبدونه لامجال لكونه هتكاً، و كأنّه لأجل ما ذكرنا توقّف في الـحكم جماعـة، و إن كان هو الأحوط تبعاً للمتن.
كما أنّ الأحوط هو الإلحاق با لـمسجدين; لتعليق الـحكم على مجرّد الـدخول من غير استثناء.


(الصفحة65)


و كما أنّ الأحوط هو إلحاق الـرواق با لـضريح; لصدق الـبيت عليه أيضاً على تقدير الـصدق عليه، و تحقّق الـدخول عليه (عليه السلام) ـ إذا دخل في الـرواق ـ كتحقّقه إذا دخل في الـمشهد، و إن لم يكن مثله في الـوضوح و الـظهور، فتدبّر.

وضع الـشيء في الـمساجد

الأمر الـرابع: من الاُمور الـمحرّمـة على الـجنب وضع شيء في الـمساجد، و إن كان من الـخارج، أو في حال الـعبور، و الـدليل على حرمـة الـوضع الـصحيحتان الـمتقدّمتان في جواز الأخذ، و قد مرّ أنّ مرسلـة علي بن إبراهيم ـ الـدالّـة على جواز الـوضع ـ متروكـة، لم يعمل بها أحد، فأصل حرمـة الـوضع ممّا لا إشكال فيه.
إنّما الإشكال في أنّه هل يكون الـوضع محرّماً بعنوانه و لذاته، كما يظهر من الـمتن، حيث وقع الـتصريح فيه بحرمته، و إن كان من الـخارج، أو في حال الـعبور، و كما هو ظاهر كلماتهم، حيث أفردوه با لـذكر، و جعلوه قسيماً للدخول؟
أو يكون محرّماً لأجل استلزامه نوعاً للدخول و اللبث في الـمسجد، فلا يتحقّق الـتحريم فيما إذا لم يستلزم الـدخول، و قد حكي عن صاحب «ا لـجواهر» تقويـة هذا الـوجه، و عن ابن فهد الـتصريح به.
و الـظاهر هو الأوّل; لأنّه يدلّ عليه ـ مضافاً إلى ظهور الـنصّ في أنّ الـمحرّم هو عنوان الـوضع ـ وضوح الـفرق بين تجويز الأخذ الـمستلزم للدخول، و بين تحريم الـوضع الـمستلزم له أيضاً، فإنّ تجويز الأخذ الـكذائي لايكاد يجتمع عند الـعرف مع حرمـة الـدخول، الـذي لايتحقّق الأخذ بدونه نوعاً.
و أمّا تحريم الـوضع كذلك، فإن كان الـمحرّم هو الـدخول دون الـوضع بعنوانه


(الصفحة66)


تلزم اللغويـة، فإنّه كيف يمكن جعل متعلّق الـحكم الـذي يكون متعلّقه هو الـدخول هو الـوضع؟ مع أنّه في صحيحـة زرارة و محمّد بن مسلم، قد جمع بين الـنهي عن الـدخول و بين الـنهي عن الـوضع، فهل يمكن الالتزام بوحدة هذين الـحكمين؟ و الـتعليل الـواقع فيها لو لم يكن مؤيّداً لما ذكرنا لايكون منافياً له قطعاً.
فالإنصاف: وضوح الـفرق بين الأخذ و الـوضع، فلاوجه لما في «ا لـمستمسك» اعتراضاً على «ا لـعروة» من أنّ الـتفكيك غير ظاهر.
كما أنّه على ما ذكرنا لايبقى مجال لما في «ا لـمصباح» من أنّ مرسلـة علي بن إبراهيم ـ با لـنسبـة إلى الـفقرة الاُولى ـ لامعارض لها; لأنّ الـمراد منها الـرخصـة في الـوضع من غير دخول، كما يدلّ عليه الـعلّـة الـمنصوصـة، و ذلك لأنّه ـ مضافاً إلى أنّ عدم الـمعارض لايكفي بعد كونها مرسلـة فاقدة لشرائط الـحجيّـة ـ نقول الـصحيحتان با لـتقريب الـذي ذكرنا تعارضان الـمرسلـة، خصوصاً الـصحيحـة الـثانيـة، فلا مجال لها معهما كما لايخفى.

قراءة شيء من سور الـعزائم

الأمر الـخامس: قرائـة شيء من سور الـعزائم، ولو بعض آيـة منها، ولو بعض الـبسملـة بقصد إحداها.
و نقول: الـروايات الـواردة في هذا الأمر مختلفـة:
فيظهر من بعضها جواز قرائة الجنب القرآن من دون استثناء، كرواية زيد الشحّام، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) قال: «ا لـحائض تقرأ الـقرآن، و الـنفساء، و الـجنب أيضاً».(1)


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 19، الـحديث 1.


(الصفحة67)


و روايـة ابن بكير قال: سأ لـت أباعبدا للّه (عليه السلام) عن الـجنب، يأكل و يشرب و يقرأ الـقرآن.
قال: «نعم، يأكل، و يشرب، و يقرأ، و يذكر اللّه عزّوجلّ ما شاء».(1)
و غيرهما من الـروايات الـكثيرة الـدالّـة عليه.
و يظهر من بعضها الـحرمـة كذلك، مثل ما رواه الـصدوق بإسناده عن أبي سعيد الـخدري ـ في وصيّـة الـنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) أنّه قال: «يا علي، من كان جنباً في الـفراش مع إمرأته، فلا يقرأ الـقرآن، فإنّي أخشى أن تنزل عليهما نار من الـسماء فتحرقهما».(2)
و يظهر من بعضها الـتفصيل بين سبع آيات أو سبعين، و بين أزيد، كموثّقـة سماعـة قال: سأ لـته عن الـجنب هل يقرأ الـقرآن؟
قال: «ما بينه و بين سبع آيات».(3)
و في روايـة زرعـة عن سماعـة قال: «سبعين آيـة».(4)
و من كثير منها الـتفصيل بين الـسجدة و غيرها، كحسنـة محمّد بن مسلم أو صحيحته قال: قال أبوجعفر (عليه السلام): «ا لـجنب و الـحائض يفتحان الـمصحف من وراء الـثوب، و يقرآن من الـقرآن ما شاءا إلاّ الـسجدة».(5)


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 19، الـحديث 2.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 19، الـحديث 3.
(3) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 19، الـحديث 9.
(4) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 19، الـحديث 10.
(5) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 19، الـحديث 7.


(الصفحة68)


و صحيحـة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: قلت له: الـحائض و الـجنب هل يقرآن من الـقرآن شيئاً؟
قال: «نعم، ما شاءا إلاّ الـسجدة، و يذكران اللّه على كلّ حال».(1)
و ما حكاه الـمحقّق (قدس سره) في «ا لـمعتبر» قال: «يجوز للجنب و الـحائض أن يقرءا ما شاءا من الـقرآن، إلاّ سور الـعزائم الأربع، و هي إقرء باسم ربّك، و الـنجم، و تنزيل الـسجدة، و حم الـسجدة، روى ذلك الـبزنطي في «جامعه» عن الـمثنى، عن الـحسن الـصيقل، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام)».(2)
أقول: أمّا قرائـة سور الـعزائم أو خصوص الـسجدة منها، فقد حكي دعوى الإجماع على حرمته عن غير واحد، و أمّا غيرها فا لـمشهور ـ كما في «ا لـحدائق» دعواه ـ كراهـة ما زاد على الـسبع، و عن ابن ا لـبرّاج نفي جواز مازاد على سبع آيات، و عن سلاّر تحريم الـقرائـة مطلقاً، و عن بعض الأصحاب تحريم ما زاد على سبعين.
أقول: أمّا ما يدلّ على الـتحريم مطلقاً، فلا يكون إلاّ روايـة واحدة، و هي مع ضعف سندها، وكون راويها من العامّة، وموافقتها لمذهبهم، لاتصلح للاستناد إليها على الحرمة، بعد صراحـة الأخبار الـكثيرة، و نصوصيتها في الـجواز في الـجملـة، بل في بعضها ـ كما عرفت ـ عطف قرائة القرآن على الأكل و الشرب، فلامجال لدعوى الـحرمة مطلقاً.
وقد حمل الـصدوق الـرواية ـ بعد نقلـها ـ على قرائـة الـعزائم دون غيرها، ويمكن الـحمل على الـكراهـة و إن كان يبعّده الـتعبير الـواقع فيها، و كيف كان فلايمكن الالتزام بذلك.


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 19، الـحديث 4.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 19، الـحديث 11.


(الصفحة69)


و أمّا الـروايتان الـدالّتان على التفصيل بين السبع أو السبعين، و بين مازاد، فا لـظاهر أنّهما روايـة واحدة راويها سماعـة، و الاختلاف إنّما هو بين من روى عنه و عليه، فلايعلم أنّ الـصادر هل هو الـسبع، أو الـسبعون؟ بل يكون مردّداً بينهما.
و ظاهره و إن كان هو حرمـة ما زاد على الـسبع أو الـسبعين، إلاّ أنّه لابدّ من الـحمل على الـكراهـة; للروايات الـكثيرة الـدالّـة على جواز القرائـة مطلقاً، أو غير الـعزائم.
و قد وقع فيها الـتعليق على الـمشيـة الـصريح في عدم ثبوت الـحدّ في الـجواز، فلا محيص عن الـحمل على الـكراهـة، خصوصاً بعد عدم ظهورها في نفسها في الـحرمـة، فتدبّر.
و لايبقى فرق على ما ذكرنا بين مازاد على الـسبع، و ما زاد على الـسبعين من جهـة الـكراهـة شدّة و ضعفاً.
نعم، على تقدير كونهما روايتين مستقلّتين لكان مقتضى الـجمع الـفرق بينهما من هذه الـجهـة، و الـحكم بكون ما زاد على الـسبعين أشدّ كراهـة ممّا زاد على الـسبع.
كما أنّه على كلا الـتقديرين وقع الـبحث في الـمراد من الـكراهـة، و أنّها هل هي با لـمعنى الـمصطلح، أو بمعنى أقلّيـة الـثواب؟ و لعلّه يجيء الـكلام فيه فيما بعد.
و أمّا الـروايات الـدالّـة على التحريم في العزائم، فقد عرفت أنّ كثيراً منها تدلّ على تحريم الـسجدة، و واحدة منها على تحريم سور الـعزائم مع ذكر أساميها.
و الـطائفـة الاُولى يمكن أن يكون الـمراد بها هي آيـة الـسجدة، لا سورتها، و لذا تردّد بعض الـمتأخّرين، بل قوّى بعض اختصاص الـحرمـة بقرائـة الآيات دون مطلق الـسور.


(الصفحة70)


ويؤيّده بل يدلّ عليه الروايات الـكثيرة، الظاهرة في كون السجدة بعض العزيمة، كروايـة أبي عبيدة الـحذّاء، قال سأ لـت أباجعفر (عليه السلام) عن الـطامث، تسمع الـسجدة.
فقال: «إن كانت من الـعزائم فلتسجد إذا سمعتها».(1)
و روايـة أبي بصير، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) قال ـ في حديث ـ : «... و الـحائض تسجد إذا سمعت الـسجدة».(2)
و غير ذلك من الـروايات الـواردة في قرائـة سورة فيها الـسجدة في الـمكتوبـة، أو في إمام يقرء الـسجدة، فيحدث قبل أن يسجد، و لايبقى بعد ملاحظتها ارتياب في كون الـمراد من الـسجدة هو خصوص آيتها، لا مجموع الـسورة، إلاّ أنّ الـذي يوهن ذلك الـتصريح في روايـة الـبزنطي، بكون الـمراد هو مجموع الـسورة، ولكن يمكن الـمناقشـة فيها:
أوّلاً: باحتمال كون ما ذكره أوّلاً هو مضمون الـروايـة، بحسب ما استفاده منها، لانفسها.
و ثانياً: با لـقدح في الـسند با لـمثنى و الـحسن بن زياد الـصيقل.
و ثا لـثاً: بعدم معلوميـة كون ما بيده هو جامع الـبزنطي، بعد فصل زمان طويل بينهما، خصوصاً مع عدم ثبوت هذه الـروايـة في الـكتب الـمعدّة لنقل الأخبار و الأحاديث، كا لـكتب الأربعـة مع قرب عهدهم بزمان الأئمّـة (عليهم السلام) و أصحابهم. واعتقاده بكونه كذلك لاتكون حجّـة بالإضافـة إلينا.
و بعض هذه الـمناقشات و إن كان يمكن دفعها كا لـمناقشـة الـثانيـة، نظراً إلى أنّ


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـحيض، الـباب 36، الـحديث 1.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـحيض، الـباب 36، الـحديث 3.


(الصفحة71)


ا لـبزنطي من أصحاب الإجماع، و نقله يكفي في توثيق من روى عنه، إلاّ أنّ الـبعض الآخر يصعب دفعه.
فالإنصاف: أنّ الـمسأ لـة مشكلـة، و إن كان الـمحكي عن «ا لـمدارك» أنّ الأصحاب قاطعون بتحريم الـسور كلّها، و نقلوا عليه الإجماع، فالأحوط تركها.
ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الـنصوص و الـفتاوى و معاقد الإجماعات، بل تصريح جملـة منهم كا لـمتن، أنّه لافرق بين قرائـة مجموع الـسورة من أوّلها إلى آخرها، و بين قرائـة بعضها; لأنّ الـمتبادر من الـنهي عن قرائـة الـسورة ـ كقرائـة الـقرآن ـ إنّما هو قرائـة أبعاضها، كلاًّ أو بعضاً. و لايختصّ تبادر ذلك با لـمقام، بل يجري في جميع الـموارد الـتي تعلّق الـنهي فيها بالأفعال الـمركّبـة، خصوصاً في الـتدريجيـة منها، كا لـجلوس في الـمسجد يوم الـجمعـة، و استماع الـخطبـة الـتي يقرئها الإمام، و قرائـة كتاب الـضلال، و أشباه ذلك.
و عليه فلا مجال لدعوى أنّ الـمتبادر من الـنهي عن قرائـة الـسورة هي قرائـة مجموعها; لأنّ الـسورة اسم للمجموع، فلا دلالـة لها على حرمـة قرائـة الـبعض.
ثمّ إنّ الـبعض إن كان من الآيات الـمختصّـة، فلا حاجـة إلى نيّـة كونها منها; لأنّ تعيّنها الـواقعي يكفي في حرمتها، و إن كان من الآيات الـمشتركـة بينها و بين غير الـعزائم، كا لـبسملـة على تقدير كونها آيـة، كما هو مقتضى الـتحقيق، فا لـظاهر أنّ صيرورتها بعضاً منها تتوقّف على نيّـة كونها منها، ضرورة أنّه بدون الـنيّـة لا تتعيّن لذلك.
نعم، فيما إذا قرئها من الـمصحف و نحوه، يكفي في الـحرمـة ولو من دون نيّـة، لأنّ كتابتها جزء من الـسورة، تعيّنها في الـجزئيـة و الـقرائـة من الـمصحف، حكايـة عمّا هو الـمتعيّن كذلك، فلا حاجـة إلى نيّـة الـجزئيـة.


(الصفحة72)

مسأ لـة 1: إذا احتلم في أحد الـمسجدين، أو دخل فيهما جنباً ـ عمداً، أو سهواً، أو جهلاً ـ وجب عليه الـتيمّم للخروج، إلاّ أن يكون زمان الـخروج أقصر من الـمكث للتيمّم، أو مساوياً له، فحينئذ يخرج بدون الـتيمّم على الأقوى1 .



و قد انقدح أنّ حرمـة قرائـة الـبسملـة ولو بعضها إنّما هي في صورتين:
إحداهما: نيّـة الـجزئيـة للعزيمـة.
ثانيتهما: الـقرائـة من الـمصحف.
نعم، لابدّ من الـعلم بكونه في الـمصحف جزء لها، أو كان الـمقصود هي الـحكايـة عن خصوص هذه الـقطعـة، و إلاّ مع عدم الـعلم بذلك، و عدم كون الـمقصود كذلك، لايبعد عدم الـحرمـة، فتدبّر.

إذا احتلم في أحد الـمسجدين

(1) و يدلّ على وجوب الـتيمّم للخروج في الـجملـة صحيحـة أبي حمزة الـثما لـي قال: قال أبوجعفر (عليه السلام): «إذا كان الـرجل نائماً في الـمسجد الـحرام، أو مسجد الـرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فاحتلم، فأصابته جنابـة فليتيمّم، و لايمرّ في الـمسجد إلاّ متيمّماً، و لا بأس أن يمرّ في سائر الـمساجد، و لايجلس في شيء من الـمساجد».(1)
و عن «ا لـكافي» روايتها، عن أبي حمزة بسند فيه رفع، ولكنّه زاد فيها: «وكذلك الـحائض إذا أصابها الـحيض تفعل ذلك، و لا بأس أن يمرّا في سائر الـمساجد ...».
و حكى الـروايـة في محكي «ا لـمعتبر» بعطف: «أو أصابته جنابـة».
و مقتضى الـجمود على مورد الـنصّ اختصاص الـحكم با لـمحتلم، كما هو ظاهر الـمحكي عن جماعـة، كا لـشيخ في «ا لـمبسوط» و بني زهرة و إدريس و سعيد و بعض


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 15، الـحديث 6.


(الصفحة73)


آخر، فلا يتعدّى عنه إلى من حدثت له الـجنابـة الـعمديـة في الـمسجد، فضلاً عمّن كانت جنابته خارج الـمسجد فدخل، خصوصاً إذا كان دخوله عمداً.
ولكنّ الـظاهر الـتعدّي; لأنّ الـمتفاهم من الـنصّ عرفاً كون ذلك من آثار الـجنابـة، و اتّصاف الـشخص بكونه جنباً، و يؤيّده عطف الـحائض على الـجنب في روايـة «ا لـكافي» و عطف إصابـة الـجنابـة على الاحتلام بـ «أو» على ما في محكيّ «ا لـمعتبر»، مع أنّ الـحكم لايكون مخا لـفاً للقاعدة حتّى يقتصر فيه على مورد الـنصّ; لأنّه بعد ما ثبت بالأخبار الـمستفيضـة الـمتقدّمـة خصوصيـة لهذين الـمسجدين، و هي عدم جواز الاجتياز فيهما كا للبث، لكونهما أعظم حرمـة عند اللّه من سائر الـمساجد، فا لـواجب بحكم الـعقل إزا لـة الـجنابـة حقيقـة، أو حكماً عند الاضطرار إلى الـجواز، أو الـمكث فيهما.
و حيث إنّ الـغسل فيهما متعذّر نوعاً مطلقاً، أو في زمان مساو لزمان الـتيمّم، أو أقصر، فلا محيص عن الـتيمّم; لأنّ الـتراب أحد الـطهورين، لكنّه بشرط أن يكون زمان الـخروج أطول من زمان الـتيمّم.
و أمّا إذا كان با لـعكس، أو مساوياً، فربّما يقال كما عن «ا لـذكرى» و غيرها، بأنّ إطلاق الـنصّ يشملها، و أنّه لافرق بينهما و بين الـصورة الاُولى.
لكن عن «شرح الـمفاتيح» للوحيد (قدس سره) الـقطع بسقوط الـتيمّم فيما إذا كان زمانه أطول من زمان الـخروج، و لايبعد دعواه.
نعم، في صورة الـتساوي ربّما يقال با لـتخيير بين الـتيمّم و الـخروج، ولكنّ الإنصاف انصراف الـنصّ إلى خصوص ما إذا كان زمان الـتيمّم أقصر، فا لـحكم في الـفرضين الأخيرين هو الـخروج بدون الـتيمّم، كما قوّاه في الـمتن، فتدبّر.


(الصفحة74)

مسأ لـة 2: لو كان جنباً، و كان ما يغتسل به في الـمسجد، يجب عليه أن يتيمّم، و يدخل الـمسجد لأخذ الـماء، و لاينتقض الـتيمّم بهذا الـوجدان إلاّ بعد الـخروج مع الـماء، أو بعد الاغتسال.
و هل يباح بهذا الـتيمّم غير دخول الـمسجد و اللبث فيه بمقدار الـحاجـة؟
فيه تأمّل و إشكال1 .



إذا كان ما يغتسل به في الـمسجد

(1) إن كان الـمسجد غير الـمسجدين فلا حاجـة إلى الـتيمّم للدخول لأخذ الـماء، لما عرفت من جواز الـدخول فيه بقصد أخذ شيء منه، نعم في الـمسجدين حيث لايكون الـدخول كذلك مستثنى، فلامانع من ذلك، كما أنّه يجري الـحكم في غيرهما لو دخل بقصد الاغتسال فيه، لا لمجرّد أخذ الـماء.
نعم، يقع الـكلام فيما إذا أمكن كلا الأمرين: أخذ الـماء من الـمسجد و الـغسل في خارجه، أو الاغتسال في داخل الـمسجد، و أنّه هل يكون مخيّراً بين الأمرين، أم يكون رجحان في الـبين؟
و الـظاهر أنّه مع عدم الـتيمّم للدخول يتعيّن الأخذ و الـغسل في الـخارج; لأنّ جواز الـدخول بدونه ينحصر في هذه الـصورة.
و أمّا مع الـتيمّم له فيمكن أن يقال بعدم مشروعيّـة هذا الـتيمّم; لأنّه على تقدير إمكان أخذ الـماء من الـمسجد، و الـغسل في خارجه، لايكون دخول الـجنب فيه بقصد ذلك محرّماً حتّى يتوقّف رفع الـحرمـة على الـتيمّم، و لم يدلّ دليل على مشروعيته في هذه الـصورة، و مع دخول فيه بدونه يتعيّن الأخذ و الاغتسال في الـخارج.


(الصفحة75)


فينحصر فرض الـمسأ لـة فيما إذا لم يكن له طريق إلى الاغتسال إلاّ في الـمسجد، ففي هذا الـفرض لابدّ و أن يقال بوجوب الـتيمّم عليه للدخول و الـمكث، و إن كان يمكن الـمناقشـة فيه بعدم الـدليل على وجوب الـتيمّم في الـفرض.
و وجوبه في الـمسأ لـة الـسابقـة إنّما كان في مورد الاضطرار; لأنّه كان يجب عليه الـخروج من الـمسجدين، و أمّا في الـمقام فلا اضطرار، و وجود الـماء في الـمسجد، و إمكان الاغتسال فيه، إنّما يترتّب عليه وجوب الـغسل مع مشروعيّـة الـدخول بقصده، و بدونها كما هو الـمفروض لايكون الـغسل واجباً، و مع عدمه لاتكون مشروعيّـة للتيمّم لأجل الـدخول و الاغتسال.
و كيف كان: فعلى تقدير وجوب الـتيمّم لأجله يقع الـكلام في حكم هذا الـتيمّم من جهتين:
الاُولى: أنّه هل يبطل تيمّمه بهذا الـوجدان، أم يتوقّف الـبطلان على الاغتسال، أو الـخروج مع الـماء على تقدير الـمشروعيـة فيه أيضاً؟
ربّما يقال: إنّ الـتمكّن من الـغسل في الـمسجد ممّا يقتضي وجوده عدمه، فإنّه بمجرّد استباهـة الـمكث للغسل با لـتيمّم ينتقض الـتيمّم; للتمكّن من الـماء، و إذا انتقض الـتيمّم يحرم الـكون في الـمسجد للغسل، فوجود الـتمكّن يستلزم عدمه.
و الـجواب: أنّه مغا لـطـة، فإنّ الـتمكّن من الـماء إنّما هو بالإضافـة إلى سائر الـغايات، و أمّا با لـنسبـة إلى الـكون الـواجب عليه مقدّمـة للغسل فلا، و لادليل على كون وجدان الـماء ناقضاً للتيمّم مطلقاً، بل بشرط الـتمكّن من إيجاد الـغايـة الـواجبـة عليه بعد انتقاض الـتيمّم متطهّراً، نظير من ضاق وقته عن الـغسل فإنّه غير واجد للماء، بالإضافـة إلى خصوص الـصلاة، و واجد له با لـنسبـة إلى غيرها، فلايباح بسبب تيمّمه


(الصفحة76)


إلاّ الـصلاة الـتي يضيق الـوقت عن إتيانها مع الـغسل، مع أنّه يمكن قلب الـدليل حيث إنّ مقتضاه وجوب الـصلاة متيمّماً; نظراً إلى أنّه إذا جاز له الـدخول في الـصلاة مع الـتيمّم، جاز له الـكون في الـمسجد، و إذا جاز له الـكون في الـمسجد، لاتجوز له الـصلاة مع الـتيمّم; لتمكّنه من الـطهارة الـمائيـة.
ا لـثانيـة: أنّه هل يباح بهذا الـتيمّم غير دخول الـمسجد و اللبث فيه بمقدار الـحاجـة، أم لا؟
و قد تأمّل و استشكل في الـمتن في الأوّل، ولكنّه ربّما يقال: بأنّ الـتيمّم الـمشروع في الـمقام هو ما يكون بدلاً عن الـغسل ضرورة، فالالتزام بوجوبه الـغيري فرع الالتزام بوجوب الـغسل كذلك، مع أنّه ممتنع; لأنّ الـغسل لا يكون مقدّمـة لغسل آخر، إذ به يباح كلّ غايـة، و لايتوقّف على غسل آخر.
و عليه يمتنع أن يكون الـتيمّم خارج الـمسجد مقدّمـة للغسل في الـمسجد، بل يتعيّن أن يكون واجباً مقدّمـة للصلاة، فيستبيح الـصلاة بمجرّد فعله.
و اُجيب عنه ـ كما في «ا لـمستمسك» ـ : بأنّ وجوب الـتيمّم خارج الـمسجد لايكون مقدّمـة للغسل في الـمسجد، ليلزم وجوب الـغسل مقدّمـة له، و هو ممتنع، بل إنّما يجب في نظر الـعقل من جهـة وجوب الـجمع بين غرضي الـشارع، من تحريم كون الـجنب في الـمسجد، و وجوب الـصلاة با لـطهارة الـمائيـة، نظير شراء الـدواء لعلاج الـمرض، فإنّ وجوب الـشراء ليس مقدّميّاً للعلاج; لأنّ الـعلاج كما يكون با لـدواء الـمباح كذلك يكون با لـمغصوب، بل لحكم الـعقل بوجوب الـجمع بين الـغرضين: حرمـة الـغصب، و وجوب الـعلاج.
و نظيره أيضاً ما لو غرق طفل في حوض الـمسجد، بحيث توقّف إنقاذه على دخول


(الصفحة77)


ا لـمسجد مع كون الـمنقذ جنباً، فإنّه يجب عليه الـتيمّم من باب وجوب الـجمع بين الـغرضين، لا لمقدميـة الـتيمّم للإنقاذ.
أقول: إن قلنا بمشروعيـة الـتيمّم في هذه الـصورة ـ كما هو الـمفروض ـ فتارة يقال: بأنّ الـغايـة الـمشروع لها الـتيمّم هي الـدخول و الـمكث في الـمسجد مطلقاً، مع قطع الـنظر عن الاغتسال فيه، بمعنى أنّه يجوز له الـتيمّم و الـدخول و الـمكث، و إن لم يرد الاغتسال فيه، و لم يغتسل، و اُخرى: بأنّ الـغايـة هي الـدخول و الـمكث للاغتسال فقط.
فعلى الأوّل: لاحاجـة إلى ما أفاده في «ا لـمستمسك»، بل الـجواب ما هو ذكر سابقاً من أنّ عدم وجدان الـماء ـ بالإضافـة إلى غايـة ـ لايوجب استباحـة الـغايـة الاُخرى، الـتي يكون الـرجل واجداً للماء بالإضافـة إليها، ضرورة أنّ عدم الـوجدان في الـمقام إنّما هو بالإضافـة إلى الـدخول و الـمكث في الـمسجد، لا مطلقاً، فلا يباح به غيره ممّا هو واجد للماء با لـنسبـة إليه.
و على الـثاني: يصير نفس الاغتسال في الـمسجد من الـغايات الـمترتّبـة على الـتيمّم، و لامجال حينئذ لمشروعيـة الـغايـة الـمترتّبـة على الـغسل قبله بمجرّد الـتيمّم; لأنّ الـمفروض أنّه قد شرع للوصول إلى الـغسل الـذي هو مقدّمـة لمثل الـصلاة، فكيف يمكن استباحتها بمجرّد الـتيمّم؟!
نعم، قد عرفت الـمناقشـة في أصل مشروعيـة الـتيمّم في مثل الـفرض، إلاّ أن يقال باستحبابه; للكون على الـطهارة، و سيأتي الـبحث فيه إن شاء اللّه تعا لـى.


(الصفحة78)

و منها: يكره على الـجنب اُمور: كالأكل و الـشرب، و ترتفع كراهتهما با لـوضوء الـكامل، و تخفّف كراهتهما بغسل الـيد و الـوجه و الـمضمضـة، ثمّ غسل الـيدين فقط.
و كقرائـة مازاد على سبع آيات غير الـعزائم، و تشتدّ الـكراهـة إن زاد على سبعين آيـة.
وكمسّ ما عدا خطّ المصحف من الجلد والورق والهامش وما بين السطور.
و كا لـنوم، و ترتفع كراهته با لـوضوء، و إن لم يجد الـماء تيمّم بدلاً عن الـغسل، أو عن الـوضوء، و عن الـغسل أفضل.
و كا لـخضاب، و كذا إجناب الـمختضب نفسه قبل أن يأخذ اللون.
و كا لـجماع لو كان جنباً بالاحتلام.
و كحمل الـمصحف و تعليقه1 .



ما يكره على الـجنب

(1) قد ذكر في الـمتن ممّا يكره على الـجنب اُموراً:
الأوّل و الـثاني: الأكل و الـشرب، و قد نسبت الـكراهـة إلى الـشهرة، بل عن «ا لـغنيـة» دعوى الإجماع، و عن «ا لـتذكرة» الـنسبـة إلى علمائنا، و ما عن «ا لـفقيه» و «ا لـهدايـة» من الـتعبير بـ «لايجوز»، و عن «ا لـمقنع» من الـنهي محمول على الـكراهـة، بقرينـة الـتعليل الـواقع في كلامهما بمخافـة الـبرص.
و كيف كان: فا لـروايات الـواردة في هذا الـباب على قسمين:
قسم منهما: يُدلّ با لـصراحـة على الـجواز، كموثّقـة ابن بكير قال: سأ لـت أباعبدا للّه (عليه السلام) عن الـجنب، يأكل و يشرب، و يقرأ الـقرآن.


(الصفحة79)


قال: «نعم، يأكل و يشرب، و يقرأ، و يذكر اللّه عزّوجلّ ما شاء».(1)
و قسم آخر: يدلّ بظاهره على عدم الـجواز إلاّ بعد مثل الـوضوء أو غسل الـيد، كصحيحـة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ا لـجنب إذا أراد أن يأكل و يشرب غسل يده، و تمضمض، و غسل وجهه، و أكل و شرب».(2)
و روايـة الـسكوني، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) في حديث قال: «لايذوق الـجنب شيئاً حتّى يغسل يديه، و يتمضمض، فإنّه يخاف منه الـوضح».(3)
قال في محكي «ا لـحدائق»: «ا لـوضح: الـبرص».
و صحيحـة الـحلبي، عن أبي عبدا للّه، عن أبيه (عليهما السلام) قال: «إذا كان الـرجل جنباً لم يأكل، و لم يشرب حتّى يتوضّأ».(4)
و روايـة الـحسين بن زيد، عن الـصادق، عن آبائه، عن أميرا لـمؤمنين علي بن أبيطا لـب (عليهم السلام) في حديث الـمناهي قال: «نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الأكل على الـجنابـة، و قال: إنّه يورث الـفقر».(5)
و صحيحـة عبدا لـرحمان بن أبي عبدا للّه في حديث قال: قلت لأبي عبدا للّه (عليه السلام)يأكل الـجنب قبل أن يتوضّأ؟
قال: «إنّا لنكسل، ولكن ليغسل يده، فا لـوضوء أفضل».(6)


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 19، الـحديث 2.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 20، الـحديث 1.
(3) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 20، الـحديث 2.
(4) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 20، الـحديث 4.
(5) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 20، الـحديث 5.
(6) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 20، الـحديث 7.


(الصفحة80)


و الـجمع بين الـقسمين يقتضي حمل الـنهي على الـكراهـة، خصوصاً مع ملاحظـة الـتعليل بإيراث الـفقر، أو مخافـة الـبرص، غايـة الأمر أنّ للكراهـة مراتب ترتفع اُولاها بغسل الـيد الـظاهر في نفسه في غسل الـيدين، خصوصاً مع الـتصريح به في روايـة الـسكوني. و ثانيتها بغسل الـيدين، و الـمضمضـة. و ثا لـثتها بهما و بغسل الـوجه.
و ترتفع الـكراهـة رأساً با لـوضوء، الـمشتمل على جميع الـمذكورات مع إضافـة لاستحباب الـمضمضـة فيه أيضاً، و يدلّ على أفضليـة الـوضوء ـ مضافاً إلى ما ذكر ـ صحيحـة عبدا لـرحمان، الـدالّـة عليها، و كان على المتن التعرّض للمرتبـة الثانيـة أيضاً.
و أمّا عدم تعرّضه للاستنشاق مع كونه مذكوراً في بعض الـكلمات، فلعدم الـتعرّض له في شيء من الـروايات الـمتقدّمـة، نعم هو مذكور في «ا لـفقه الـرضوي» الـذي لم يثبت اعتباره بوجه.
ثمّ إنّ الـمحكيّ عن «ا لـمدارك» أنّه بعد زعم انحصار الـمدرك الـصحيح للحكم ـ فيما نحن فيه ـ بصحيحـة عبدا لـرحمان و صحيحـة زرارة، أنكر دلالتهما على الـكراهـة، و قال: مقتضى الاُولى استحباب الـوضوء لمريد الأكل و الـشرب، أو غسل الـيد خاصّـة. و مقتضى الـثانيـة الأمر بغسل الـيد و الـوجه، و الـمضمضـة، و ليس فيهما دلالـة على كراهـة الأكل و الـشرب بدون ذلك.
و يرد عليه ـ مضافاً إلى عدم انحصار الـمدرك بهما على مبناه أيضاً; لأنّ صحيحـة الـحلبي أيضاً واجدة لشرائط الـحجيّـة عليه ـ أنّ الـظاهر من صحيحـة زرارة تعليق الـجواز على الأفعال الـمذكورة فيها، و الـشاهد له هو فهم الـعرف، وا لـتبادر، فإنّ مثل

<<التالي الفهرس السابق>>