في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة181)


وجوبه إنّما هو للصلاة و نحوها، فإذا جاءها ما يفسد الـصلاة من الـحيض فلا يجب غسل الـجنابـة، ما دام الـمفسد باقياً، فا لـنهي عن الاغتسال حينه إنّما يراد به عدم الـوجوب، لا عدم الـجواز، فلا منافاة بين الـروايتين.
و بعبارة اُخرى: الـنهي إنّما هو للإرشاد إلى عدم ترتّب أثر على هذا الـغسل، بعد عدم الاكتفاء به حين الـطهر، و كفايـة الـغسل الـواحد بعده.
و أمّا من الـحيثيـة الـثانيـة: فا لـمحكي عن الـمحقّق في «ا لـشرائع» و «ا لـمعتبر» هو الاجتزاء، و نسب إلى الـشهيدين و الـمحقّق الـثاني، بل إلى الـمشهور أيضاً، و عن الـشيخ و الـحلّي و جماعـة الـعدم، و استشكل فيه في الـمتن.
و منشأ الإشكال، بل الـفتوى با لـعدم: إمّا دعوى كون الـمتيقّن من الـنصوص خصوص صورة نيّـة الـجميع، و إمّا موثّقـة سماعـة الـمتقدّمـة، الـواردة في الـرجل يجامع الـمرأة، فتحيض قبل أن تغتسل من الـجنابـة، الـدالّـة على أنّ غسل الجنابـة عليها واجب، بدعوى كون الـمراد به عدم الاكتفاء بغسل الـحيض عن غسل الـجنابـة، بل هو واجب بعنوانه.
أقول: أمّا دعوى عدم ثبوت الإطلاق للنصوص، فلو سلّمت ـ بالإضافـة إلى ما عدا صحيحـة زرارة الـمتقدّمـة ـ فلا نسلّم با لـنسبـة إليها، بعد ما عرفت منّا من ظهور ذيلها في الاكتفاء بكلّ غسل بعنوانه عن سائر الأغسال، من دون اختصاص بخصوص غسل الـجنابـة الـذي تعرّض له في الـصدر.
و دعوى أنّ ظهور الـصدر فيما ذكر ـ و إن كان لا تنبغي الـمناقشـة فيه، إلاّ أنّ ظهور الـذيل في صورة نيّـة الـبعض ممّا لا وجه لادّعائه; لعدم الـشاهد عليه ـ مدفوعـة بأنّ الـشاهد هو وحدة الـسياق، و كون الـفقرة الـثانيـة ناظرة إلى تعميم الـحكم و توسعـة


(الصفحة182)


دائرته، من دون أن يكون بينهما فرق في الـكيفيـة، خصوصاً مع كون إيرادها بصورة الـتفريع، و مشتملـة على كلمـة «فاء» الـتفريعيـة.
هذا هو مقتضى الـتحقيق في مفادها، و مع قطع الـنظر عنه فإنكار الإطلاق في الـذيل ممّا لا مجال له; لأنّ حمله على خصوص صورة نيّـة الـجميع، مع كون الـصدر ناظراً إلى خصوص نيّـة الـجنابـة، يوجب الـتفكيك الـركيك بين الـفقرتين، فتدبّر.
و أمّا موثّقـة سماعـة فقد عرفت مفادها، و أنّ الـنظر فيها إنّما هو إلى دفع توهّم كون مجيء الـحيض رافعاً لوجوب غسل الـجنابـة با لـمرّة، و لو بعد ارتفاعه، و زوال ما يفسد الـصلاة، فلا دلالـة لها على عدم الاكتفاء بغسل الـحيض عن غسل الـجنابـة.
و أمّا من الـحيثيـة الـثا لـثـة: فا لـكلام فيه هو الـكلام في الـجهـة الـثانيـة، لكن عن الـمحقّق الخوانساري استظهار الاتّفاق عليه، وا لـعمدة فيه هو الإطلاق كما مرّ.
و ربّما يحكى عن ظاهر بعض في خصوص الأغسال الـمستحبّـة الـتفصيل، بين غسل الـجنابـة و غيره، بإغناء الأوّل عنها دون غيره.
و لعلّ منشأه توهّم اختصاص نصوص الإغناء با لـجنابـة، مع أنّك عرفت أنّ ذيل صحيحـة زرارة دالّ على الـتعميم، و أنّ الـمراد من الـحقوق الـمذكورة فيه يعمّ الـمندوبـة أيضاً، فا لـتفصيل في غير محلّه.
و أمّا إذا كان الـمنويّ مستحبّاً، فا لـكلام فيه يقع تارة في الاجتزاء به عن مثله من الأغسال الـمستحبّـة، و اُخرى في الاجتزاء به عن الأغسال الـواجبـة كا لـجنابـة.
أمّا الـصورة الاُولى: ففيها خلاف، فعن الـمحقّق في «ا لـمعتبر» الـعدم، و عن ظاهر الـعلاّمـة في «ا لـمنتهى» الاجتزاء، و تبعه عليه غيره.
و قد عرفت أنّ مقتضى إطلاق ذيل صحيحـة زرارة الـمتقدّمـة الاجتزاء في هذه


(الصفحة183)


ا لـصورة أيضاً; لعدم اختصاص الـحقوق بخصوص الـواجبـة، و عدم كون الـمورد خصوص صورة نيّـة الـجميع لو لم نقل بالاختصاص بخصوص صورة نيّـة الـواحد، كما مرّ.
و أمّا الـصورة الـثانيـة: فربّما يقال فيها بأ نّه ـ مضافاً إلى عدم إجزائه عن الـواجب ـ لا يجزي عن نفسه أيضاً، أمّا عدم إجزائه عن الـواجب فلأصا لـة عدم الـتداخل، و أمّا عدم إجزائه عن نفسه فلأنّ الـمقصود منه الـتنظيف، و هو لا يتحقّق مع بقاء الـحدث، و الإطلاق يدفع كلا الأمرين، مع أنّ عدم حصول الـتنظيف مع بقاء الـحدث ممنوع جدّاً، و لعلّه لذا قوّى إجزائه عن نفسه صاحب «ا لـجواهر» (قدس سره)، و إن الـتزم بعدم إجزائه عن الـواجب للأصل الـمذكور، الـذي لا مجال له مع ثبوت الإطلاق.
و يؤيّد الإطلاق في هذه الـصورة مرسلـة «ا لـفقيه» قال: و روي في خبر آخر: «من جامع في شهر رمضان، ثمّ نسي حتّى خرج شهر رمضان، إنّ عليه أن يغتسل، و يقضى صلاته و صومه، إلاّ أن يكون قد اغتسل للجمعـة، فإنّه يقضي صلاته و صيامه إلى ذلك الـيوم، و لا يقضي ما بعد ذلك».

تنبيه: في ما استدلّ به «مصباح الـفقيه»


بقي في أصل الـمسأ لـة الـتنبيه على أمر و هو: أنّ صاحب «ا لـمصباح» (قدس سره) أفاد في وجه تطبيق الاكتفاء بغسل واحد عن الأغسال الـمتعدّدة على الـقاعدة ما ملخّصه: أنّه لابدّ بعد الـعلم با لـكفايـة، كما هو صريح الـروايـة، من الالتزام بأحد اُمور ثلاثـة:
إمّا الـقول: بأنّ الـحدث الأكبر كالأصغر أمر وحداني، لا يتكرّر بتكرّر أسبابه، و الاختلاف الـحاصل بين مصاديقه باختلاف أسبابه على هذا الـتقدير، إنّما هو لأجل


(الصفحة184)


اختلاف تلك الأسباب في الـتأثير شدّة و ضعفاً، لا لأجل اختلاف أثرها ذاتاً حتّى يتكرّر بسببها الـحدث.
و إمّا الالتزام بوحدة طبيعـة الـغسل، و تأثيره في إزا لـة جنس الـحدث مطلقاً، واحداً كان أو متعدّداً.
و إمّا الالتزام بتصادف الأغسال الـمتعدّدة، الـمسبّبـة عن الأسباب الـمتكثّرة في الـفرد الـخارجي، الـواقع امتثالاً للجميع، فا لـفرد الـخارجي يصدق عليه أنّه غسل جنابـة، و جمعـة، و إحرام، و غيرها من الـعناوين.
و أمّا ما الـتزمه بعض الـمشايخ (قدس سره) بعد الالتزام بمغايرة الأحداث و الأغسال ذاتاً، من خروج هذا الـغسل الـواحد الـمجزي عن الـجميع من تحت جميع الـعناوين، و كونه طبيعـة اُخرى مغايرة للكلّ، نظراً إلى استحا لـة صيرورة شيئين شيئاً واحداً، فهو أمر آخر مغاير للجميع، مجز تعبّداً، و لا يكون في حدّ ذاته واجباً و لا مستحبّاً.
فيرد عليه: أنّ الـممتنع إنّما هو صيرورة ماهيتين ماهيـة واحدة، أو الـطبيعتين بقيد الـوجود موجوداً واحداً، و أمّا إيجاد الـطبيعتين بوجود واحد، فلا استحا لـة فيه، بل شائع ذائع.
مع أنّ هذا الـتكلّف ممّا لا يجدي أصلاً; لأنّ هذه الـطبيعـة الـمغايرة للجميع ـ إذا فرض كونها مجزيـة عنها ـ فلا محا لـة تكون في كلّ واحد منها أحد فردي الـواجب الـمخيّر، فيعود الـمحذور كما هو ظاهر.
فالاحتمالات لا تتجاوز عن ثلاثـة، و الأوّلان منها يردّهما أكثر أدلّـة الـتداخل، كصحيحـة زرارة، فإنّ قوله (عليه السلام): «فإذا اجتمعت للّه عليك حقوق أجزأك غسل واحد» كا لـصريح في تعدّد الـحقوق، الـتي اُريد بها الأغسال الـتي اشتغلت بها ذمّـة الـمكلّف بواسطـة أسبابها.


(الصفحة185)


ولا وجه للتأويل بأنّ إطلاق الـحقوق على ما اشتغلت به الـذمّـة، بلحاظ تعدّد أسبابه، لا تعدّد ما في الـذمّـة».
و قد استفاد ما أفاده من كثير من الـروايات، ثمّ قال: إنّ الأوفق با لـقواعد ـ بحيث لا يستلزم مخا لـفـة شيء من أخبار الـتداخل، و لا إطلاقات الأوامر بالأغسال ـ هو الالتزام بتغاير الـطبائع الـمتعلّقـة للأوامر، و تصادقها على الـفرد الـمجزي.
فلوأتى بهذا الـفرد بقصد امتثال جميع الأوامر، يتحقّق بفعله امتثال الـجميع، و يسقط أوامرها.
و لوأتى به بقصد امتثال الـبعض فلا تأمّل في صحّـة غسله با لـنسبـة إلى هذا الـبعض، و إجزائه عمّا عدا الـمنويّ، مبنيّ على أنّ متعلّق الأوامر هل هي نفس الأغسال بعناوينها الـخاصّـة، فلا يعقل الإجزاء إلاّ با لـقصد؟ أو أنّ الأمر بالأغسال إنّما هو لأجل كونها مؤثّرة في الـتطهير، و أنّ الـمطلوب الـواقعي إزا لـة أثر الـجنابـة مثلاً؟ كما ليس با لـبعيد.
و حينئذ بعد بيان الـشارع أنّ غسل الـجنابـة مثلاً مزيل لهذه الآثار و لو لم يشعر بها الـمكلّف، لا إشكال في سقوط الأوامر لحصول ما هو الـمقصود منها، و إن لم تتحقّق إطاعتها فيما عدا الـمنويّ، لأنّ الـمدار في سقوط الأوامر حصول الـغرض، لا تحقّق الإطاعـة.
أقول: و لا ينافي ذلك كون الإجزاء في الـمقام على سبيل الـرخصـة، كما هو الـمنسوب إلى ظاهر الأصحاب، و إن كان الـمحكي عن الـشيخ الأعظم (قدس سره) أنّ الـتأمّل في كلماتهم يعطي خلاف ذلك، و أنّه عندهم عزيمـة، و قد أوضحه (قدس سره).
و الـوجه في عدم الـمنافاة ما عرفت: من أنّه لا مانع عقلاً أن يكون للطهارة مراتب،


(الصفحة186)


و الـذي يجب تحصيله هي مرتبـة خاصّـة من تلك الـمراتب، يؤثّر كلّ غسل في حصول تلك الـمرتبـة، و الـزائدة عليها مطلوبـة للمولى استحباباً، يمكن تحصيلها بعد حصول الـمرتبـة الـواجبـة.
و يستفاد ذلك من الـتعبير بالإجزاء في لسان الـروايات، بناء على ظهوره في الـكفايـة بنحو الـرخصـة، كما أنّه لو كان الـمراد بالإجزاء هو الـكفايـة بنحو الـعزيمـة، يكون مرجعه إلى أنّه لا يبقى مع حصول الـمرتبـة الـواجبـة مرتبـة زائدة، يمكن تحصيلها با لـغسل الـثاني، كما لايخفى.


(الصفحة187)








فصل في الـتيمّم








(الصفحة188)





(الصفحة189)

و الـكلام في مسوّغاته، و فيما يصحّ الـتيمّم به، و في كيفيته، و فيما يعتبر فيه، و في أحكامه.

ا لـقول في مسوّغاتـه


مسأ لـة 1: مسوّغات الـتيمّم اُمور:
منها: عدم وجدان ما يكفيه من الـماء لطهارته ـ غسلاً كانت أو وضوءً ـ و يجب الـفحص عنه إلى الـيأس، و في الـبريـة يكفي الـطلب غلوة سهم في الـحزنـة، و غلوة سهمين في الـسهلـة، في الـجوانب الأربعـة مع احتمال وجوده في الـجميع، و يسقط عن الـجانب الـذي يعلم بعدمه فيه، كما أنّه يسقط في الـجميع إذا قطع بعدمه فيه و إن احتمل وجوده فوق الـمقدار، نعم لو علم بوجوده فوقه وجب تحصيله إذا بقي الـوقت و لم يتعسّر1 .



(1) قبل الـورود في شرح هذا الـفصل، ينبغي الـتعرّض لاُمور ذكرها الـماتن ـ دام ظلّه ـ في رسا لـة الـتيمّم:

ا لـمقدّمـة الاُولى: مشروعيّـة الـتيمّم


منها: أنّه لا إشكال في مشروعيّـة الـتيمّم في الـجملـة، و يدلّ عليها الـكتاب و الـسنّـة و الإجماع، بل هي من ضروريّات الـفقه. و أمّا كونه من ضروريّات الـدين ففيه تأمّل و إن كان لاتبعد دعويه، نعم في كون إنكار الـضروري موجباً للكفر مطلقاً، أو في الـجملـة، كلام يأتي في مباحث الـنجاسات إن شاء اللّه.



(الصفحة190)



ا لـمقدّمـة الـثانيـة: عدم اتّصاف الـطهارات با لـوجوب


و منها: أنّه قد مرّ في بعض الـمباحث الـسابقـة، أنّ الـطهارات الـثلاث لاتكاد تتّصف با لـوجوب أصلاً، لا نفسياً و لاغيرياً، و لا من طريق تعلّق الـنذر و شبهه.
أمّا عدم اتّصافها با لـوجوب الـنفسى، فلعدم الـدليل عليه; لأنّ ظاهر تعلّق الأمر بها في مثل قوله تعا لـى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الـصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...) هو الإرشاد إلى الـشرطيـة، كما في سائر الأوامر الـمتعلّقـة بالأجزاء و الـشرائط.
كما أنّ ظاهر الـنهي في مثله هو الإرشاد إلى الـمانعيـة، كقوله (عليه السلام): «لا تصلّ في وبر ما لايؤكل لحمه»، بل الـتعبير عن بعضها با لـفريضـة، كما في صحيحـة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «يا زرارة، الـوضوء فريضـة».(1) لادلالـة له على كونه مطلوباً نفسياً; لأنّ الـظاهر كون الـمراد من مثله هو أنّ الـوضوء فريضـة في الـصلاة، و الـشاهد له صحيحـة اُخرى لزرارة قال: سأ لـت أباجعفر (عليه السلام) عن الـفرض في الـصلاة.
فقال: «ا لـوقت، و الـطهور، و الـقبلـة، و الـتوجّه، و الـركوع، و الـسجود، و الـدعاء ...» ا لـحديث.(2)
فإنّ الـسؤال فيها ـ و كذا الـجواب ـ بلحاظ عدّ الـوقت أيضاً من الـفرائض في عداد الـطهور و شبهه، دليل على عدم كونه فرضاً مستقلاًّ كما هو ظاهر.
و أمّا عدم اتّصافها با لـوجوب الـغيري، فلما حقّقناه في مبحث مقدّمـة الـواجب من إنكار وجوب الـمقدّمه أوّلاً، و كون الـواجب ـ على تقديره ـ هو عنوان الـموصل بما


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـوضوء، الـباب 1، الـحديث 2.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـوضوء، الـباب 1، الـحديث 3.


(الصفحة191)


هو موصل ثانياً، و لايسري الـوجوب من هذا الـعنوان إلى الـعناوين الأوّليـة الـثابتـة للمقدّمات، كعناوين الـوضوء و الـغسل و الـتيمّم.
و أمّا عدم اتّصافها با لـوجوب من قبل الـنذر و شبهه، فلما مرّ غير مرّة من أنّ متعلّق الـوجوب في الـنذر هو عنوان الـوفاء با لـنذر، و لايعقل أن يسري منه الـوجوب إلى ما يتّحد معه وجوداً; لاستحا لـة الـسرايـة في نفسها أوّلاً، و كونها مستلزمـة لتعلّق حكمين بفعل واحد ـ كصلاة الليل مثلاً إذا وقعت متعلّقـة للنذر ـ ثانياً.
فانقدح من ذلك: أنّ الـتيمّم الـذي هو مورد الـبحث لا يتّصف با لـوجوب أصلاً، و لامنافاة بين ذلك، و بين عباديـة الـتيمّم; لأنّ منشأ اتّصافه با لـعباديـة ليس تعلّق الـوجوب به حتّى يكون الـمنع عنه موجباً للمنع عن عباديته، ضرورة أنّ الـوجوب على تقديره إنّما تعلّق بما هو عبادة في نفسها; لأنّ متعلّق الـوجوب هي الـمقدّمـة، و الـتيمّم غير الـعبادي لايكون مقدّمـة بوجه، فلابدّ من الالتزام بأنّ وصف الـعباديـة لايرتبط بتعلّق الـوجوب أصلاً، و حينئذ يشكل الأمر من جهـة أنّ الأصحاب لم يلتزموا في الـتيمّم باستحبابه الـنفسي، الـموجب لثبوت وصف الـعباديـة له، و الـتزموا في الـوضوء بكونه كذلك.
و يمكن أن يقال: باشتراكهما في الاستحباب الـنفسي، غايـة الأمر افتراقهما في أنّ الـوضوء مستحبّ نفسي مطلقاً حتّى فيما كان له وضوء; لأنّ الـوضوء على الـوضوء نور على نور، و الـتيمّم يكون استحبابه الـنفسي في ظرف خاصّ، و هو ظرف مشروعيته و قيامه مقام الـوضوء أو الـغسل، فتأمّل.



(الصفحة192)



ا لـمقدّمـة الـثا لـثـة: في الـخروج من عنوان واجد الـماء


و منها: أنّه لاخفاء في أنّ الـتكليف إذا تعلّق بعنوانين متقابلين ـ كا لـمسافر و الـحاضر ـ لايجب على الـمكلّف حفظ أحد الـعنوانين بعدم الـخروج منه إلى الآخر، بل يجوز الـتبديل دائماً، سواء كان قبل تحقّق الـتكليف و تنجّزه، أولا; لعدم اقتضاء الـتكليف حفظ موضوعه، و كذا إذا كان الـتعلّق بنحو الاشتراط، كما إذا قيل: إن كنت في الـسفر فكذا، و إن كنت في الـحضر فكذا; لعدم اقتضاء الـمشروط حفظ شرطه، و هذا واضح.
و كذلك لاريب في أنّه إذا توجّه الـتكليف إلى الـمكلّف بنحو الإطلاق، لايجوز له تعجيز نفسه; لأنّ الـقدرة لاتكون من الـعناوين الـمأخوذة في الـمكلّف، كعنوان الـحاضر، و لاتكون شرطاً للتكليف، لاشرعاً; لخلوّ دليله عنه، و لاعقلاً لما قرّرناه في محلّه من أنّه ليس للعقل تقييد حكم الـشرع، غايـة الأمر حكمه بأنّ الـعاجز معذور في مخا لـفـة الـتكليف الـفعلي. ولو كانت الـقدرة مأخوذة بنحو الـشرطيـة لكان للمكلّف تعجيز نفسه بمقتضى ما ذكرنا، و لما وجب عليه الاحتياط في الـشكّ في الـقدرة، مع الـتزامهم به فيه.
و يلحق بهذا الـقسم من الـقسم الأوّل: ما لوفرض دلالـة الـدليل على وجود اقتضاء الـتكليف الـثابت لتحقّق عنوان عند عروض عنوان آخر موجب لتعلّق تكليف آخر به، كما لو فرض دلالـة دليل الـطهارة الـمائيـة ـ أو الـصلاة معها ـ على ثبوت اقتضاء لزومي حتّي في حال فقدان الـماء، فلاتجوز إراقته، أو تحصيل الـعجز في هذه الـصورة أيضاً.


(الصفحة193)


إذا عرفت ذلك، يقع الـكلام في حال الـطهارة الـمائيـة و الـترابيـة، و أنّ عنواني الـواجد و الـفاقد هل يكونان كعنواني الـمسافر و الـحاضر، أو أنّ انتقال الـتكليف إلى الـطهارة الـترابيـة إنّما هو للاضطرار و الـعجز ـ و إلاّ فالاقتضاء اللزومي في الـطهارة الـمائيـة باق على حا لـه ـ ؟
و لابدّ لاستكشاف ذلك من ملاحظـة الآيـة الـشريفـة، و الـروايات الـواردة في الـطهارة الـترابيـة.
فنقول: قال اللّه تعا لـى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَر أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).(1)
أمرا للّه تعا لـى با لـوضوء في صدر الآيـة مطلقاً، أي من دون قيد، و كذا با لـغسل في صورة الـجنابـة كذلك; لأنّ الـظاهر أنّ الـمراد من قوله: (فَاطَّهَّرُوا) هو الـغسل; لوقوعه بعد الأمر با لوضوء، وقبل فرض العجز عن الماء وعدم وجدانه، فالأمر با لوضوء ـ و كذا الـغسل ـ مطلق، و لايكون مقيّداً با لـوجدان; لأنّ منشأ توهّم الـتقييد: إمّا كون قيد الـوجدان غا لـب الـحصول و الـفقدان نادراً، و إمّا فرض عدم الـوجدان في الـذيل في مقام بيان وجوب التيمّم، فإنّه يوجب كون المفروض في الـصدر هو عنوان الواجد، فيصير بحسب الـظاهر كعنواني الـمسافر و الـحاضر من دون فرق بين الـمقامين.
هذا، ولكن غلبـة الـحصول مع أنّها لاتقتضي الـتقييد، لعدم كون الـكثرة مانعـة


(1) ا لـمائدة / 6.


(الصفحة194)


عن ثبوت الإطلاق، ممنوعـة صغرى، خصوصاً بملاحظـة تلك الأمكنـة و الأزمنـة.
و أمّا فرض عدم الـوجدان في الـذيل، فلا يصلح لتقييد الـصدر بحيث صار معنوناً بعنوان الـواجد; لأنّ الـعرف لايفهم من عنوان الـفاقد و مثله من الـعناوين الاضطراريـة إلاّ أنّ الـحكم الـمتعلّق به إنّما هو في فرض الاضطرار و الـعجز عن تحصيل الـمطلوب الأوّلي، فنفس عنوان الـفاقد يرشدنا إلى كون الـحكم الـثابت في ظرفه إنّما هو في طول الـحكم الأوّلي، لا في عرضه، مع أنّ جعل الـمرضى في عداد الـمسافر دليل على أنّ الـحكم اضطراري في جميع موارده.
كما أنّ الـتذييل بقوله: (ما يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج) ظاهر في أنّ الانتقال إلى الـتيمّم في موارده إنّما هو لأجل الـتسهيل، و رفع الـحرج الـثابت عند الـتكليف با لـطهارة الـمائيـة في جميع الـموارد حتّى في حال عدم الـوجدان، و إلاّ فمع قطع الـنظر عن استلزام الـحرج، يكون الـتكليف الأوّل باقياً بحا لـه; لثبوت الاقتضاء فيه كذلك، نعم في حال عدم الـوجدان، يكون الـتيمّم مؤثّراً فيما كانت الـطهارة الـمائيـة مؤثّرة فيه، و هي الـطهارة.
فالإنصاف: تماميـة دلالـة الآيـة على عدم كون الـتكليفين في عرض واحد، و أنّ الـتكليف با لـتيمّم إنّما هو في حال الاضطرار و في طول الـتكليف الأوّلي.
و أمّا الـروايات فمنها: صحيحـة محمّد بن مسلم، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) قال: سأ لـت عن رجل أجنب في سفر و لم يجد إلاّ الـثلج أو ماء جامداً.
فقال: «هو بمنزلـة الـضرورة يتمّم، و لا أرى أن يعود إلى هذه الأرض الـتي يوبق دينه».(1)


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 9، الـحديث 9.


(الصفحة195)


و الـظاهر أنّ مفروض الـسؤال: هو عدم وجدان غير الـثلج أو الـماء الـجامد ممّا يغتسل به، لا عدم وجدان الـماء و الـتراب معاً.
و بعبارة اُخرى: محطّ نظر الـسائل أنّ وظيفـة الـرجل الـمفروض هل هو الـغسل أو الـتيمّم؟ لا أنّ وظيفته الـتيمّم لكن لايدري أنّه بماذا يتيمّم.
فما في «ا لـوسائل» بعد نقل الـروايـة: من أنّ هذا محمول على أنّه يتيمّم من غبار ثوبه و نحوه، و ليس بظاهر في أنّه يتيمّم با لـثلج، خلاف ظاهر الـروايـة.
و يؤيّده ظاهر الـجواب الـمشتمل على الـصغرى و الـكبرى، الـظاهر في مفروغيـة الـكبرى.
و الـمراد من الـصغرى: أنّه و إن كان يمكن الاغتسال في الـماء الـجامد، إلاّ أنّ خوف ترتّب الـضرر على استعما لـه ـ سيّما مع كون الـمكلّف مسافراً ـ يوجب تحقّق الـضرورة الـمسوغـة للتيمّم.
و على ما ذكرنا: فذيل الـروايـة باعتبار توصيف الأرض بكونها موبقـة للدين، يدلّ على أنّ الـطهارة الـترابيـة لاتكون وافيـة بما تفي به الـطهارة الـمائيـة.
نعم، لامجال لإنكار إشعار الـذيل بكون هذه الأرض و مثلها ممّا يوجب الانتقال إلى الـتيمّم، قلّما يتّفق أن تصير مورداً للابتلاء مع أنّ موارد الانتقال إلى الـتيمّم كثيرة، أفلا يكون ذلك قرينـة على ما أفاده صاحب «ا لـوسائل» في فهم الـمراد من الـروايـة؟! إلاّ أن يقال: إنّ هذا الإشعار لايكاد يقاوم مع ظهور الـسؤال، و كذا صدر الـجواب فيما ذكر، فتدبّر.
و منها: الـروايات الـدالّـة على وجوب الماء للطهارة و إن كثر الثمن، كروايـة صفوان قال: سأ لـت أباا لـحسن (عليه السلام) عن رجل احتاج إلى الـوضوء للصلاة، و هو


(الصفحة196)


لايقدر على الـماء، فوجد بقدر ما يتوضّأ به بمأة درهم، أو بأ لـف درهم، و هو واجد لها، أيشتري و يتوضّأ، أو يتيمّم؟
قال: «لا، بل يشتري، قد أصابني مثل ذلك فاشتريت و توضّأت، و ما يسؤوني (يسرّني) بذلك مال كثير».(1)
و دلالتها على كون الـمطلوب الأعلى هو الـوضوء، و أنّ الـتيمّم لايكاد يشتمل على ما يشتمل عليه الـوضوء من الـجهات الـباعثـة على الـتكليف، واضحـة.
و منها: الـروايات الـدالّـة على وجوب الطلب التي سيأتي التعرّض لها و لمفادها إن شاء اللّه تعا لـى،(2) فإنّ وجوب الـطلب لايجتمع عرفاً مع جواز الإراقـة بعد الـطلب و الـوجدان، فيدلّ على عدم كون الـتكليفين في عرض واحد.
نعم، في مقابلها روايات ظاهرها الـمنافاة لما ذكر، كروايـة إسحاق بن عمّار قال: سأ لـت أباإبراهيم (عليه السلام) عن الـرجل يكون مع أهله في الـسفر فلايجد الـماء، يأتي أهله؟
فقال: «ما اُحبّ أن يفعل ذلك إلاّ أن يكون شبقاً، أو يخاف على نفسه».
و رواه ابن إدريس في آخر «ا لـسرائر» نقلاً من «كتاب محمّد بن علي بن محبوب» مثله، و زاد قلت: يطلب بذلك اللذّة.
قال: «هو له حلال».
قلت: فإنّه روي عن الـنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أباذر سأ لـه عن هذا فقال: «إيت أهلك تؤجر».


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 26، الـحديث 1.
(2) و قد جمعها في «وسائل الـشيعـة» في الـبابين الأوّلين من أبواب الـتيمّم.


(الصفحة197)


فقال: يارسول اللّه، و اُؤجر؟
قال: «نعم، إنّك إذا أتيت الـحرام اُزرت، فكذلك إذا أتيت الـحلال اُجرت».
فقال: «ألا ترى أنّه إذا خاف على نفسه فأتى الـحلال اُجر».(1)
هذا، ولكنّ الـتأمّل فيها يقضي بأنّ مفادها كون نقض الـطهارة با لـجنابـة غير محبوب، بل مكروه، و أنّ الـجواز الـخا لـي من الـكراهـة إنّما هو في صورة الـشبق، أو الـخوف على الـنفس الـذي يترتّب على الـجماع فيها الأجر أيضاً، خصوصاً مع ملاحظـة كون أصل الـجماع من سنن الـمرسلين، و أنّ الـتضييق فيه ربّما يورث الـوقوع في الـحرام، فلا مجال لإلغاء الـخصوصيّـة منه.
و روايـة الـسكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن أبي ذر رضي ا للّه عنه أنّه أتى الـنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يارسول اللّه، هلكت، جامعت على غير ماء، قال: فأمر الـنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بمحمل فاستترت به، و بماء فاغتسلت أنا و هي، ثمّ قال: «يا أباذر، يكفيك الـصعيد عشر سنين».(2)
ولكنّ الـظاهر من الـذيل إبطال تخيّل أبي ذر و اعتقاده با لـهلاكـة، و أنّه عمل على خلاف الـتكليف لأجل الـجماع على غير ماء، فمفادّه أنّ الـتيمّم في مثل هذه الـموارد يقوم مقام الـغسل. و أمّا كون الـتيمّم وافياً بتمام مايفي به الـغسل، فلا دلالـة للروايـة عليه.
و بعبارة اُخرى: مفاد الـروايـة و مثلها ممّا وقع فيه هذا الـتعبير، الـذي يرجع إلى كفايـة الـصعيد و إجزائه، و أنّ ربّه هو ربّ الـماء و أنّه أحد الـطهورين، هي مساواة


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 27، الـحديث 2ـ1.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 14، الـحديث 12.


(الصفحة198)


ا لـطهارتين في مقام الإجزاء و حصول الـموافقـة، و أمّا مساواتهما في تمام الـمصلحـة و اتّحادهما في جميع مراتب الـمطلوبيـة، فلا، و إلاّ لكان الـتيمّم مشروعاً مع وجدان الـماء أيضاً، فلايستفاد منها إلاّ الـتسويـة في أصل الـطهوريـة و إجزاء الـصلاة.
و من ذلك يظهر الـجواب عن جملـة من الـروايات الـتي يتوهّم منها الـمنافاة لما ذكرنا، كصحيحـة حمّاد بن عثمان قال: سأ لـت أباعبدا للّه (عليه السلام) عن الـرجل لايجد الـماء، أيتيمّم لكلّ صلاة؟
فقال: «لا، هو بمنزلـة الـماء».(1)
و صحيحـة محمّد بن حمران و جميل بن درّاج، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) في حديث قال: «... إنّ اللّه جعل الـتراب طهوراً، كما جعل الـماء طهوراً».(2)
و روايـة أبي أيّوب، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) قال: «ا لـتيمّم با لـصعيد لمن لم يجد الـماء كمن توضّأ من غدير ماء، أ لـيس اللّه يقول: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) ...»(3)
و غير ذلك من الـروايات الـواردة بمثل هذا الـمضمون، هذا كلّه مع أنّ الـروايات الاُولى تكون راجحـة لأجل الـموافقـة للكتاب و فتوى الأصحاب، فلا مجال للطائفـة الـثانيـة على تقدير الـمخا لـفـة معها.
فالأقوى بعد ذلك: عدم جواز إراقـة الـماء و تحصيل الاضطرار، و عدم كون الـمقام من قبيل الـحاضر و الـمسافر ممّا يجوز فيه الـتبديل و الانتقال من أحد الـعنوانين إلى آخر.


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 23، الـحديث 2.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 23، الـحديث 1.
(3) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 19، الـحديث 19.


(الصفحة199)


نعم، يبقى إشكال: و هو أنّ لازم ما ذكرنا ـ من كون الـتيمّم مختصّاً بحال الاضطرار، و لايجوز تحصيل تلك الـحال; لعدم وفائه بجميع ما يفي به الـمبدل ـ وجوب الاكتفاء فيه على قدر الـضرورة، مع عدم الـتزامهم به، لما سيأتي من جواز الـبدار، و جواز الاستئجار، و حصول الاستباحـة للغايات غير الـمضطرّ إليها، و صحّـة الاقتداء با لـمتيمّم، و غير ذلك ممّا لايجتمع مع الالتزام بنقص الـطهارة الـترابيـة; و لعلّه لذلك الـتزم الـمحقّق (قدس سره)في محكيّ «ا لـمعتبر» بجواز الإراقـة.
و قد دفع الإشكال بعض الـمحقّقين: بأنّ الـطهارة الـمائيـة يكون لها مطلوبيـة عند الإتيان بشيء من غاياتها الـواجبـة زائدة على مطلوبيتها لأجل الـمقدّميـة لها، و وجوب حفظ الـماء و حرمه إراقته إنّما هو لأجل ذلك، لا لثبوت خصوصيـة في الـغايات عندها تجب مراعاتها و يلزم تحصيلها.
و اُورد عليه ـ مضافاً إلى أنّ ما ذكر خلاف ما هو الـمرتكز عند الـمتشرّعـة، لعدم ثبوت هذه الـمطلوبيـة الـنفسيـة بوجه ـ : بأنّ ظاهر الآيـة الـشريفـة ينافي ما ذكر; لأنّك عرفت أنّ مقتضاها اختلاف مرتبي الـصلاة مع الـطهارتين، و أنّ الـطهارة الـترابيـة لاتكون وافيـة بجميع ما تفي به الـمائيـة، و كذلك الـروايات الـمتقدّمـة.
و قد دفع أصل الإشكال الـماتن دام ظلّه في «رسا لـة الـتيمّم» بما يرجع إلى أنّ الـصلاة مع الـمائيـة و إن كانت أكمل بمقدار تجب مراعاته، و مقتضى ذلك عدم تجويز الـبدار، و عدم حصول الاستباحـة للغايات غير الـمضطرّ إليها، إلاّ أنّه مع الـعجز تتحقّق مفسدة واقعيـة مانعـة عن عدم تجويز الـبدار و مثله، و عليه فحرمـة الإراقـة إنّما هو لإجل لزوم تحصيل الـمصلحـة الـكاملـة، و جواز الـبدار إنّما هو للفرار عن تحقّق الـمفسدة الـمانعـة، فلا منافاة بين الأمرين، و يرتفع الإشكال من الـبين.


(الصفحة200)


قال: و أمّا الالتزام بحصول جهـة مقتضيـة في ظرف الـفقدان، توجب تسهيل الأمر على الـمكلّفين، فغير دافع للإشكال; لأنّ الـجهـة الـمقتضيـة إن كانت مصلحـة جابرة يجوز للمكلّف تحصيل الـعجز، و إلاّ لايعقل تفويت الـمصلحـة بلا وجه تأمّل.
و لعلّ وجه الـتأمّل: أنّه يمكن أن يقال بكونها مصلحـة جابرة في ظرف خاصّ، وهو عدم حصول الاضطرار بالإراقـة و الاختيار، فتدبّر.
ثمّ الـظاهر أنّه لافرق في وجوب حفظ الـماء و عدم جواز الإراقـة بين ما إذا حضر زمان الـتكليف، و ما إذا لم يتحقّق الـحضور.
و دعوى أنّه قبل حضور زمان الـتكليف لايكون الـتكليف متعلّقاً بذي الـمقدّمـة، أو لايكون تعلّقه فعلياً أو منجّزاً، و من الـمعلوم أنّ الـمقدّمـة تابعـة لذيها، مدفوعـة بابتنائها على الـقول بوجوب الـمقدّمـة، ضرورة أنّه على الـقول با لـعدم ـ كما اخترناه ـ لايبقى أصل للتبعيـة، بل لابدّ من الـرجوع إلى الـعقل الـذي هو الـحاكم الـوحيد في الـباب، و لا إشكال في أنّ الـعقل يحكم بعدم جواز تحصيل الـعجز عن تكليف يعلم بحضور وقته و حصول جميع شرائط الـفعليـة و الـتنجّز، بل لايجوز تفويت الـمقدّمـة ولو مع احتمال حصول الـقدرة عند حضور وقت الـعمل.
و أولى بذلك ما إذا كان واجداً في الـوقت، فأراد الإراقـة مع احتمال الـوجدان الـمجدّد فيه، فإنّ مجرّد الاحتمال لايسوّغ الإراقـة، و لايكون عُذراً.
و أمّا ما يقال: من أنّه لامانع من جريان الـبرائـة في هذه الـصورة; لأنّ انحصار الـمقدّمـة مشكوك، و توقّف ذي الـمقدّمـة عليها با لـخصوص غير معلوم، و با لـنتيجـة يكون وجوب الـحفظ مشكوكاً فتجري الـبرائـة.
فيرد عليه: أنّ إجراء الـبرائـة في الـمقدّمـة لايتمّ; لعدم وجوبها أوّلاً، و عدم كون

<<التالي الفهرس السابق>>