في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة281)

مسألة 13 : لو انتقل إلى شخص مال فيه الخمس ممّن لا يعتقد وجوبه كالكفّار والمخالفين لا يجب عليه إخراجه كما مرّ ، سواء كان من ربح تجارة أو معدن أو غير ذلك ، وسواء كان من المناكح والمساكن والمتاجر أو غيرها ، فإنّ أئمّة المسلمين (عليهم السلام) قد أباحوا ذلك لشيعتهم ، كما أباحوا لهم في أزمنة عدم بسط أيديهم تقبّل الأراضي الخراجيّة من يد الجائر والمقاسمة معه ، وعطاياه في الجملة ، وأخذ الخراج منه ، وغير ذلك ممّا يصل إليهم منه ومن أتباعه .
وبالجملة : نزّلوا الجائر منزلتهم ، وأمضوا أفعاله بالنسبة إلى ما يكون محلّ الابتلاء للشيعة; صوناً لهم عن الوقوع في الحرام والعسر والحرج1 .


المستحقّ إليه لا يكون إلاّ بصورة الهبة لا بعنوان الاستحقاق .
نعم ، ما تداول سيّما في بعض البلاد ومن بعض الأشخاص من المصالحة المجّانية مع عدم وجود ضرورة مسوّغة لذلك غير جائزة لما عرفت ، ومنشؤها إمّا وصول مقدار من الخمس إليه لعدم أداء الجميع إليه ، أو تحصيل الجاه والمقام عند العوام ، أعوذ بالله من مخالفة حكم الله تعالى .

1 ـ قد مرّ في المسألة الثانية من مسائل المعدن أنّه لو انتقل إلى شخص مال فيه الخمس ممّن لا يعتقد وجوبه أصلاً من الكفّار ، أو المخالفين القائلين باختصاص آية الخمس ـ التي هي الآية الوحيدة الواردة فيه بغنائم دار الحرب ـ لا يجب عليه إخراجه ، من دون فرق بين المعدن وربح التجارة وغيرهما من الاُمور المتعلّقة للخمس ، ولازم ذلك أنّه إذا انتقلت الأرض التي اشتراها الذمّي من المسلم إلى مسلم آخر لا يجب عليه التخميس; لعدم اعتقاد الذمّي بذلك وإن جاز للحاكم إجباره عليه قبل النقل، ومن دون فرق بين المناكح والمساكن والمتاجر وبين غيرها .
ومستند ذلك أنّ أئمّة المسلمين (عليهم السلام) قد أباحوا ذلك لشيعتهم ، ولعلّ السرّ فيه

(الصفحة282)



كثرة ابتلاء المسلمين وشيعة الأئمّة (عليهم السلام) بما يصل إليهم من الكفّار والمخالفين ممّا يعلم تعلّق الخمس به وعدم أدائه لأجل عدم الاعتقاد ، فلو كان اللازم عليهم التخميس يلزم الوقوع في الحرام والعسر والحرج ، خصوصاً في هذه الأزمنة التي يكون الارتباط بين الشيعة وغيرهم كثيراً; لأجل سعة دائرة التجارة واستخراج المعادن بأيدي الكفّار ، ولأجل ما ذكرنا من الوجه قد أباحوا للشيعة في أزمنة عدم بسط أيديهم تقبّل الأراضي الخراجيّة من يد الجائر والمقاسمة معه ، وأخذ عطاياه في الجملة المعروف بأخذ جوائز السلطان ، وغير ذلك ممّا يصل إلى الشيعة من السلطان الجائر بلا واسطة أو معها ، والغرض منه التسهيل على الاُمّة وشيعتهم ، خصوصاً مع ملاحظة كون السلطنة بيد غيرهم من الجائرين في الأزمنة الكثيرة جدّاً .
إلى هنا تمّ شرح كتاب الخمس من تحرير الوسيلة ، لكن ينبغي بل يلزم في الختام التنبيه على اُمور :
الأوّل : إنّك عرفت(1) أنّ أمر سهم الإمام(عليه السلام) الذي هو نصف الخمس وملك للإمام الثاني عشر(عليه السلام) في هذا الزمان في عصر الغيبة الكبرى التي لا يمكن الوصول إليه فيها نوعاً بيد المجتهد الجامع للشرائط ، وفي الحقيقة بيد مرجع تقليده في المسائل التي يلزم فيها التقليد ، لكن البحث هنا في أنّه يصرفه في أيّ شيء وما الملاك في مصرفه؟
والظاهر أنّه يصرفه فيما هو مرضيّ له مطمئنّاً ، كالصرف في إقامة الحوزات العلميّة الرائجة في بلاد الشيعة مع الاختلاف فيها من الجهات المختلفة ، وكالصرف

(1) في ص266 ـ 268 .

(الصفحة283)



في فقراء الشيعة غير السادة وغيرهما من الاُمور الراجعة إلى بقاء الشريعة وحفظ كيان الشيعة من الأبنية وغيرها ، وذلك لأنّ ثبوت الولاية العامّة للفقيه والمجتهد لا يقتضي جواز صرفه في أيّ مصرف شاء ولو لم يرتبط بالاُمور الدينيّة .
واحتمال كون الوظيفة في عصر الغيبة الكبرى هو حفظ سهم الإمام(عليه السلام)بعينه بما يشابه الدفن كالجمع في البنوك والوصية بذلك عند ظهور آثار الموت مدفوع:
أوّلاً: بأنّه لم يرد الشارع قطعاً ركود الثروة المالية وإخراجها عن الاستغلال ، ولذا نرى منه تشريع المضاربة الذي مرجعه إلى كون المال من واحد والعمل من آخر .
وثانياً: باحتياج حفظ الشعائر وبقاء كيان الشيعة إلى الماليّة ، ونحن نرى بالوجدان أنّ هذه الحوزات العلمية المؤثِّرة كاملاً في ترويج الشيعة لها احتياج إلى الجهات المالية بصورة الراتب الشهري ، ولا يكفي في ذلك الأوقاف المنطبقة ولو مع التمكّن منها .
وقد نقل لي بعض الثقات المطّلعين أنّ الرئيس الأعظم للمسيحيّين المسمّى بـ «البابا» كان تحت نظره مليونان من الروحانيين المسمّين بـ «القسّيس» في تمام نقاط العالم ، وعمدة مخارجهم تحصل من النذورات البالغة في السنة بخمسين مليار دولاراً ، مع أنّ كلّ دولار في هذا الزمان له قيمة ثمانمائة تومان ، ولهم غير النذورات إعانات اُخرى ، فهل يجوز مع هذه الموقعيّة عدم صرف سهم الإمام(عليه السلام) في الحوزات العلمية وإبقاؤه بالنحو الذي ذكرنا ، أم لابدّ من الصرف في المورد المذكور وما يشابهه ، مثل الأبنية في الموارد اللازمة وإعطاء فقراء الشيعة الذين يتأثّرون من الفقر كاملاً ؟ وقد حكي أنّ بعض المراجع العظام الساكن في النجف الأشرف قد يعطي سهم الإمام(عليه السلام) للشرطة غير الشيعة حفظاً لهم عن الإيذاء وإيجاد بعض

(الصفحة284)



المحذورات للشيعة ، فتدبّر .
الأمر الثاني : إنّك قد عرفت(1) أنّ الأحوط لو لم يكن الأقوى احتياج صرف السادة العظام من المساكين وأبناء السبيل والأيتام إلى إذن المجتهد أعني مرجع تقليده أيضاً ; لأنّه وليّ المالك بعد عدم تشخّصه وعدم تعيّنه ، وإن كان يمكن المناقشة في ذلك بأنّ عدم التشخّص لا يستلزم التوقّف على الإذن ، وعدم ذكر اللام في الآية الشريفة بالإضافة إلى الأصناف الثلاثة الأخيرة لا يدلّ بل ولا يشعر بذلك أصلاً .
اللّهم إلاّ أن يقال : إنّ زيادة الخمس على حاجة الأصناف في طول التاريخ سيّما في بعض المناطق من ناحية ، وعدم إرادة الشارع وعدم رضاه بتربية الفقر والفقراء من جهة عدم الاشتغال بشيء من الاُمور الرائجة في تهيئة المعاش من ناحية اُخرى ، ولزوم التبعيض من جهة استفادة بعضهم من الخمس كاملاً ومحروميّة البعض الآخر كذلك من ناحية ثالثة ، وغير ذلك من النواحي ، يقتضي أن يكون أمر سهم السادة أيضاً بيد المجتهد .
وما ذكرنا لو لم يوجب الفتوى بذلك فلا أقلّ من إيجابه الاحتياط ، خصوصاً مع أنّه لو كان أمره بيده يمكن له إجباره عليه بحيث لو لم يتحقّق الإجبار لم يدفع الخمس ، وخصوصاً مع أنّا نرى بالوجدان أنّ في بعض البلدان حيث إنّ أهله كان مقلّداً لمن لا يرى افتقار صرف سهم السادة إلى الإذن ، كيف وقع الاختلال من هذه الحيثية والنقيصة في الوجوه الشرعية الموجبة للخلل في أمر الراتب الشهري أحياناً ومحرومية الأصناف في الجملة ثانياً .


(1) في ص269 .

(الصفحة285)



فالاحتياط للمقلّد يقتضي الرجوع إلى مرجع تقليده والعمل بإذنه ، كما أنّ الاحتياط للمجتهد أيضاً الاستئذان من بعض السادة بالإضافة إلى حقّهم ، كما حكي ذلك عن بعض الأعاظم من الفقهاء غير السادة ، فتدبّر .
وقد اعتبرنا في تعليقتنا على العروة إذن المجتهد في صرف سهم السادة احتياطاً(1) .
الأمر الثالث : قد عرفت(2) أنّ ملكيّة الله تعالى والرسول وذي القربى لنصف الخمس ليست هي ملكيّة اعتبارية كملكيّة زيد بالنسبة إلى داره ، بل المراد بها أولويّة التصرّف غير المنتقلة في الرسول والإمام (عليهما السلام) إلى الوارث وإن زاد الغاصب الأوّل قول «ما تركناه صدقة»(3) بعد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث درهماً ولا ديناراً» الذي يكون المقصود منه أنّه ليس من شأن النبي بما هو نبيّ أن يورّثهما ، بل كان من شأنه الاستفادة من الوحي النازل إليه كما لا يخفى . فهل الأمر بالإضافة إلى الأصناف الثلاثة الاُخرى المستحقّين للخمس كذلك؟ الظاهر العدم ، بل هي ملكية كسائر الأملاك .
ويمكن أن يقال : بأنّ الملكية بالإضافة إلى الله تعالى أيضاً ملكية اعتبارية وإن كان هو واجد للملكية الحقيقيّة بالنسبة إلى جميع ما غنمتم ، لا خصوص الخمس الذي يكون ظاهر الآية اختصاصه به تعالى وبالأصناف الخمسة الاُخرى; لتقديم الخبر على المبتدأ الدالّ على الحصر ، والجمع بين الملكيّتين ممّا لا مانع

(1) الحواشي على العروة الوثقى : 195 مسألة 17 .
(2) في ص268 .
(3) السنن الكبرى للبيهقي 9 : 438 ـ 439 ح13007 ـ 13010 ، المسند لأحمد بن حنبل 1 : 342 ح1391 وص379 ح1550 ، وج3 : 490 ح9979 ، بحار الأنوار 28 : 104 .

(الصفحة286)



منه ، كالجمع بين الملكيّة الاعتبارية لنا بالنسبة إلى مثل الثوب والدار ، مع أنّنا وجميع ما يتعلّق بنا ملك حقيقي لله تعالى على ما هو مفاد {إِنَّا للهِِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(1) وكان شائعاً في الأزمنة السابقة كتابة هذا الشعر الفارسي على جدار السيّارة حكاية عن مالكها :
در حقيقت مالك اصلى خداست بهر روزى اين امانت نزد ماست
فكما أنّه لا مانع من أن يكون الشيء مملوكاً باعتبارين: الحقيقي والاعتباري ، كذلك لا مانع من اجتماع الجهتين بالإضافة إلى المالك ، والعلّة في عدم انتقال سهم الإمام(عليه السلام) إلى وارث الرسول أو الإمام إنّما هي كون المالك هي حيثيّة الرسالة والإمامة بالحيثيّة التقييديّة المانعة عن الانتقال إلى الوارث بما هو وارث ، فملكيّة الإمام لسهم الإمام وإن كانت ملكية اعتبارية ، إلاّ أنّها لا تنتقل إلى جميع الورثة كالدار المملوكة له مثلاً ، وإذا بنينا على ذلك يصير الطريق إلى ملكية السادة لسهم السادة سهلاً لا يكون مخالفاً لاتحاد السياق بوجه ; لأنّ المفروض كون الملكيّة في الجميع على نسق واحد .
وهذا بخلاف ما إذا قلنا بتغاير الملكيّتين ، فإنّه مخالف لاتحاد السياق ، وقد أشرنا في أوّل كتاب الخمس إلى هذه الجهة ، وهذا كما في التعبير بـ «اللاّم» و«على» الشائع استعماله فينا في مثل الدين ، كقوله: «لزيد على عمرو كذا» ولكن هذا التعبير وقع في الكتاب بالإضافة إلى بعض العبارات كالحجّ في قوله تعالى : {وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ

(1) سورة البقرة 2 : 156 .

(الصفحة287)



الْبَيْتِ}(1) فإنّ المورد وإن كان فعلاً من أفعال المكلّف ، إلاّ أنّه لا ينافي مع كونه بجميع شؤونه وأفعاله ملكاً له تعالى ، ومع ذلك يكون المكلّف مديوناً له تعالى .
فانقدح أنّه لا مانع من أن تكون الملكية في الجميع ملكيّة اعتبارية ، كما لايخفى .
لكنّ الكلام في أنّه يجب البسط بالإضافة إلى الأصناف بل الأفراد ، فقد صرّح المشهور بعدم الوجوب في الأوّل ، والظاهر أنّه لا خلاف في عدم لزوم البسط في الثاني(2) ; لعدم إمكانه أصلاً ، ضرورة أنّ دفع الخمس إلى جميع أفراد الأصناف الثلاثة سواء كانوا في البلد أو غيره غير ممكن ، خصوصاً مع ما عرفت من الضمان في بعض مصاديق النقل من البلد إلى بلد آخر كما مرّ (3) . والظاهر عدم لزوم البسط على الأصناف أيضاً وإن كان ربما يتوهّم أنّ ظاهر الآية ذلك; لقلّة ابن السبيل في نفسه ، بل عدمه أحياناً وقيام السيرة على عدم الوجوب ، فيستفاد من ذلك أنّ المالك هو الكلّي الجامع بين الأصناف الثلاثة وهم الفقراء المحتاجون من أقرباء بني هاشم ، وعليه فيكون كلّ صنف مصرفاً له يجوز صرف نصف الخمس إليه بمقدار مؤونة سنته كما تقدّم .
ومنه يظهر عدم إمكان تحقّق الاستطاعة الموجبة لحجّة الإسلام من طريق أداء الخمس إليه; لعدم كونه جزءاً من المؤونة .
الأمر الرابع : في نقل جملة من أخبار التحليل :
منها : صحيحة الفضلاء ، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) : هلك الناس في بطونهم وفروجهم; لأنّهم لم يؤدّوا إلينا حقّنا ، ألا وإنّ

(1) سورة آل عمران 3 : 97 .
(2) كفاية الأحكام: 44 ، مستند الشيعة 10 : 99 ـ 100 .
(3) في ص272 ـ 273 .

(الصفحة288)



شيعتنا من ذلك وآباءهم في حلٍّ(1) . وفي العلل(2) : وأبناءَهم بدل وآباءهم .
ومنها: صحيحة زرارة ، عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال : إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) حلّلهم من الخمس ـ يعني الشيعة ـ ليطيب مولدهم(3) . والظاهر عدم كونها رواية اُخرى كما نبّهنا عليه مراراً في نظائرها .
ومنها : رواية الحارث بن المغيرة النصري قال : دخلت على أبي جعفر(عليه السلام)فجلست عنده ، فإذا نجية قد استأذن عليه فأذن له ، فدخل فجثا على ركبتيه ، ثمّ قال : جعلت فداك إنّي اُريد أن أسألك عن مسألة والله ما اُريد بها إلاّ فكاك رقبتي من النار ، فكأنّه رقّ له فاستوى جالساً ـ إلى أن قال ـ : اللّهم إنّا قد أحللنا ذلك لشيعتنا . . . الخ(4) .
وقد وقع التعبير عنها في محكيّ الحدائق بالموثّقة(5) ، وهو يتمّ على أنّ الوقوع في أسناد كتاب كامل الزيارات كاف في اعتبار الرواية ووثاقة الراوي ، وقد مرّ البحث عنه مراراً .
وفي مقابلها طائفتان اُخريان من الروايات :
إحداهما : ما تدلّ على إباحة الخمس للشيعة إباحة مطلقة بلا قيد ولا شرط ، ومقتضاها الإباحة ولو انتقل إليهم من شيعة أُخرى ، مثل رواية داود بن كثير

(1) التهذيب 4 : 137 ح386 ، الاستبصار 2 : 58 ح191 ، المقنعة : 282 ، الوسائل 9 : 543 ، أبواب الأنفال ب4  ح1 .
(2) علل الشرائع : 377 ب106 ح2 .
(3) علل الشرائع : 377 ب106 ح1 ، الوسائل 9 : 550 ، أبواب الأنفال ب4 ح15 .
(4) التهذيب 4 : 145 ح405 ، الوسائل 9 : 549 ، أبواب الأنفال ب4 ح14 .
(5) الحدائق الناضرة 12 : 431 .

(الصفحة289)



الرقي ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سمعته يقول : الناس كلّهم يعيشون في فضل مظلمتنا إلاّ أنّا أحللنا شيعتنا من ذلك(1) .
ثانيتهما : ما تدلّ على عدم الإباحة مطلقاً ، مثل ما رواه المفيد في المقنعة عن أبي بصير ، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فإنّ لنا خمسه ، ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا نصيباً(2) .
نعم ، يوجد في الروايات(3) ما هو بمنزلة الطائفة الرابعة ، وهي ما تدلّ على التحليل بالإضافة إلى من انتقل إليه الخمس ، فيثبت في ذمّة من انتقل عنه بخلاف الزكاة الثابتة على من انتقل إليه .
ومقتضى الجمع بينهما ـ خصوصاً بعد ملاحظة آية الخمس وأنّ مشروعيّته لا تكون في مرحلة الإنشاء كما يدلّ عليه فعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكما لعلّه يدلّ عليه التعبير بالإباحة الظاهر في أنّه لولا الإباحة لكان اللازم الأداء ، كما أنّ الإباحة بالنسبة إلى الخمس بأجمعه ظاهر في أنّ أمر سهم السادة أيضاً بيد الإمام ، وإلاّ لكان اللازم تخصيص دائرة الإباحة بسهم الإمام(عليه السلام) ، فتدبّر ـ ما أفاده في المتن من التحليل لخصوص الشيعة في صورة تحقّق الانتقال إليه من مثل المخالف الذي لا يعتقد الخمس ، من دون فرق بين الموارد المذكورة في المتن من المتاجر والمساكن والمناكح وغيرها .
هذا ، وأمّا مسألة جوائز السلطان وقبول عطاياه وتقبّل الأراضي الخراجية منه

(1) الفقيه 2 : 24 ح90 ، التهذيب 4 : 138 ح388 ، الوسائل 9 : 546 ، أبواب الأنفال ب4 ح7 .
(2) المقنعة : 280 ، الوسائل 9 : 542 ، أبواب الأنفال ب3 ح10 .
(3) الوسائل 9 : 544 ، أبواب الأنفال ب4 ح4 .

(الصفحة290)



والمقاسمة معه فتفتقر إلى مجال واسع ، وعمدة البحث فيها في باب المكاسب المحرّمة كما في متاجر الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره)(1) .
الأمر الخامس : أنّه لا يكاد يتعلّق الخمس بالخمس ، ضرورة أنّ ظاهر الآية تعلّق الخمس بما ينطبق عليه عنوان «ما غنمتم» في نفسه ، وأمّا الغنيمة الحاصلة بلحاظ الخمس المتعلّق بالغنيمة فلا يكاد تشملها الآية بوجه .
وأمّا الاستطاعة المالية الموجبة لحجّة الإسلام فلا تكاد تتحقّق للسادة من ناحية سهمهم; لما عرفت من أنّه يعتبر فيه أن لا يكون زائداً على مؤونة السنة ، والحجّ لا يكون منها ، وأمّا بالإضافة إلى سهم الإمام(عليه السلام) فهو تابع لما يراه مرجعه مصلحة ومرضيّاً له(عليه السلام) ، فإذا رأى المصلحة في إعزام جمع أو جماعة خاصّة للحجّ لإراءة شخصيات الشيعة لسائر المسلمين ، أو لأن لا يخلو الحجّ من الأعمال الصحيحة المطابقة لمكتب الشيعة وفقه الأئمّة (عليهم السلام) ، فلا مانع من القول بحصول الاستطاعة الموجبة لحجّة الإسلام لهم ، وأمّا وجوب الحجّ من ناحية ذخيرة بعض لسهم الإمام والقناعة في أمر المعاش بمقدار تحصل الاستطاعة فالظاهر العدم ، ولذا نرى أنّ بعض المراجع من الماضين لم يتصدّ للحجّ مع ثبوت القدرة المالية له أضعاف الاستطاعة ، فتدبّر .


(1) كتاب المكاسب «تراث الشيخ الأنصاري» : 165 ـ 210 .

(الصفحة291)




القول في الأنفال



وهي ما يستحقّه الإمام (عليه السلام) على جهة الخصوص لمنصب إمامته ، كما كان للنبيّ (صلى الله عليه وآله) لرئاسته الإلهية ، وهي اُمور :
منها : كلّ ما لم يوجف عليها بخيل وركاب ; أرضاً كانت أو غيرها ، انجلى عنها أهلها أو سلّموها للمسلمين طوعاً1 .


1 ـ جرت العادة بين الفقهاء بذكر البحث عن الأنفال بعد كتاب الخمس للمناسبة بينهما ; لأنّ الخمس نصفه للإمام(عليه السلام) والأنفال كلّها له(عليه السلام) ، وفي القرآن سورة بهذا العنوان ، وقد وقع في ابتدائها قوله تعالى : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الاَْنفَالِ قُلِ الاَْنفَالُ للهِِ وَالرَّسُولِ}(1) الآية ، بضميمة ما مرّ من دلالة الروايات الكثيرة على أنّ ما كان لله فهو للرسول وما كان للرسول فهو للإمام(2) ، فهي عبارة عن الاُمور التي يستحقّها الإمام(عليه السلام) لمنصب إمامته، كما كانت للنبيّ; لرئاسته الإلهية والنبوّة والإمامة زائدة على الاُمور الاُخر ، وكلمة النفل بمعنى الزيادة كالنافلة التي جمعها النوافل في

(1) سورة الأنفال 8 : 1 .
(2) وسائل الشيعة 9 : 512 ، أبواب قسمة الخمس ب1 ح6 وص516 ح11 وص519 ب2 ح1 وص527 ح12 وص530 ح19 .

(الصفحة292)



مقابل الفريضة ، وقد وقع الاختلاف في مصاديقها ، فنقول: هي كما في المتن اُمور :
منها : كلّ ما لم يوجف عليها بخيل وركاب; أرضاً كانت أو غيرها ، انجلى عنها أهلها أو سلّموها للمسلمين طوعاً ، ويدلّ عليه عدّة من الأخبار :
مثل معتبرة زرارة ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : قلت له : ما يقول الله: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الاَْنفَالِ قُلِ الاَْنفَالُ للهِِ وَالرَّسُولِ}؟ قال: الأنفال لله وللرسول(صلى الله عليه وآله) ، وهي كلّ أرض جلى أهلها من غير أن يُحمل عليها بخيل ولا رجال ولا ركاب ، فهي نفل لله وللرسول(صلى الله عليه وآله)(1) .
وصحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه سمعه يقول : إنّ الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم ، أو قوم صولحوا وأعطوا بأيديهم ، وما كان من أرض خربة ، أو بطون أودية ، فهذا كلّه من الفيء والأنفال لله وللرسول ، فما كان لله فهو للرسول يضعه حيث يحبّ(2) .
وموثّقة سماعة بن مهران قال : سألته عن الأنفال؟ فقال : كلّ أرض خربة أو شيء يكون للملوك فهو خالص للإمام وليس للناس فيها سهم ، قال : ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب(3) .
ومنها: بعض الروايات الاُخر(4) .
والظاهر تسالم الأصحاب على ذلك وإن وقع بينهم الاختلاف في الاختصاص بالأرض وعدمه ، ولكن لابدّ من التنبيه على أمر مهمّ; وهو أنّ الآيات الواردة في

(1) التهذيب 4 : 132 ح368 ، الوسائل 9 : 526 ، أبواب الأنفال ب1 ح9 .
(2) التهذيب 4 : 133 ح370 ، الوسائل 9 : 526 ، أبواب الأنفال ب1 ح10 .
(3) التهذيب 4 : 133 ح373 ، الوسائل 9 : 526 ، أبواب الأنفال ب1 ح8 .
(4) الوسائل 9 : 523 ، أبواب الأنفال ب1 ح1 و3 .

(الصفحة293)



باب الخمس والأنفال ربما يتراءى الاختلاف بينها ، فنقول: هي أربع :
الاُولى : الآية الواردة في الخمس المتقدّمة مكرّراً التي يكون موضوعها ما غنمتم من شيء ، سواء كان المراد بالغنيمة هو مطلق الفائدة كما مرّ(1) ، أو خصوص غنائم دار الحرب كما عليه غيرنا ، والحكم فيها ثبوت الخمس للأصناف الستّة ، وقد تقدّم البحث فيها من جهات مختلفة ولا وجه للإعادة ، كما هو واضح .
الثانية : قوله تعالى في أوّل سورة الأنفال : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الاَْنفَالِ قُلِ الاَْنْفَالُ للهِِ وَالرَّسُولِ} وظاهره في نفسه أنّ موضوع الأنفال كان معلوماً عند السائلين ، والسؤال إنّما هو عن حكمها ، كما أنّ ظاهره اختصاصها بالله والرسول .
الثالثة : قوله تعالى في سورة الحشر : {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَ رِكَاب وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ}(2) ، قال في مجمع البحرين : هو من الإيجاف; وهو السير الشديد ، والمعنى: فما أوجفتم على تحصيله وتغنيمه خيلاً ولا ركاباً ، وإنّما مشيتم إليه على أرجلكم فلم تحصّلوا أموالهم بالغلبة والقتال ، ولكنّ الله سلّط رسله عليهم وخوّله أموالهم(3) .
ومثله ما قاله صاحب تفسير الميزان ، وهذه عبارته : الإفاءة الإرجاع من الفيء بمعنى الرجوع ، وضمير «منهم» لبني النضير ، والمراد من أموالهم ، وإيجاف الدابّة تسييرها بإزعاج وإسراع ، والخيل: الفرس ، والركاب: الإبل ، و«من خيل ولا ركاب» مفعول «فما أوجفتم» ومن زائدة للاستغراق . والمعنى: والذي أرجعه الله

(1) في ص10 .
(2) سورة الحشر 59 : 6 .
(3) مجمع البحرين 3 : 1911 .

(الصفحة294)



إلى رسوله من أموال بني النضير خصّه به وملكه وحده إيّاه ، فلم تسيروا عليه فرساً ولا إبلاً بالركوب حتّى يكون لكم فيه حقّ ، بل مشيتم إلى حصونهم مشاة لقربها من المدينة ، ولكنّ الله يسلّط رسله على من يشاء والله على كلّ شيء قدير ، وقد سلّط النبيّ(صلى الله عليه وآله) على بني النضير ، فله فيئهم يفعل فيه ما يشاء .
قوله تعالى : {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَىوَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِوَابْنِ السَّبِيلِ}(1) إلخ ظاهره أنّه بيان لموارد مصرف الفيء المذكور في الآية السابقة مع تعميم الفيءلفيء أهل القرى أعمّ من بني النضير وغيرهم.
وقوله : {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} أي منه ما يختصّ بالله ، والمراد به صرفه وإنفاقه في سبيل الله على ما يراه الرسول ، ومنه ما يأخذه الرسول لنفسه ، ولا يصغى إلى قول من قال : إنّ ذكره تعالى مع أصحاب السهام لمجرّد التبرّك(2) ، انتهى موضع الحاجة .
وكلامه (قدس سره) لا يخلو عن التهافت والتناقض ، فإنّه بعدما فرض اشتراك الآيتين فيما أفاء الله على رسوله وعدم الإيجاف بخيل ولا ركاب ، فإن كان المراد اختصاص الفيء بالرسول في الآية الاُولى الواردة في بني النضير يفعل به ما يشاء كما هو ظاهر صدر العبارة ، فلا معنى; لأنّ مصرفه هي الموارد الستّة المذكورة في الآية الثانية ، واختصاص سهم الله تعالى به ينفق به في سبيل الله ، وأنّه لا يصغى إلى قول القائل بعدم وجود السهم لله ، وأنّ ذكره لأجل التبرّك والتيمّن . وإن كان المراد أنّ المصرف في كلا الفيئين هي الموارد الستّة فلا مجال لدعوى اختصاص الأوّل بالرسول ، كما ينادي به بأعلى صوته .
وبالجملة: فالظاهر أنّه لم يتمكّن من الجمع بين الآيتين . ودعوى اختصاص

(1) سورة الحشر 59 : 7.
(2) الميزان في تفسير القرآن 19 : 203 .

(الصفحة295)



الاُولى ببني النضير وعموميّة الثانية لجميع القرى المشاركة لمأواهم ، كما ترى لا تلجأ إلى ركن وثيق .
وأعجب من ذلك أنّه لم يتعرّض في البحث الروائي لصحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر(عليه السلام) الآتية الواردة في تفسير الآيتين ، ومنشأ ذلك أنّ المتصدّي لتفسير القرآن لابدّ إمّا أن يكونوا أشخاصاً متعدّدة يكون كلّ شخص متخصّصاً في جهة خاصّة وعلم مخصوص من أدبيات العرب والكلام والفقه والاُصول والتاريخ والموعظة والنصيحة وما يشابهها من العلوم; لأنّ القرآن ليس مخصوصاً بعلم خاصّ ، بل كتاب اُنزل لإخراج الناس من جميع مصاديق الظلمة إلى النور ، وفي هذه الجهة قد استفاد من كلّ ما له دخل في ذلك ، وإمّا أن يكون فرداً خاصّاً جامعاً لجميع العلوم المتقدّمة ، ولذا لم يتعرّض فقهاؤنا نوعاً إلاّ لتفسير آيات الأحكام فقط; لما رأوا من افتقار التفسير الكامل إلى التخصّص في علوم شتّى حتّى الفلسفة ، ولذا كان في نظري من سالف الزمان تأسيس لجنة مذكورة لتفسير كامل للقرآن على طريقة الشيعة حتّى لا يطعن عليهم بعدم اعتنائهم كاملاً إلى الكتاب الذي هو الثقل الأكبر الباقي بعد الرسول(صلى الله عليه وآله) ، وحتّى لا يقع عليهم الطعن باشتراك الشيعة معنا في ترك العمل بحديث الثقلين ، غاية الأمر أنّنا تاركون العمل بالثقل الأصغر والشيعة تركوا العمل بالثقل الأكبر ، ويثبت لهم أنّ العامل بحديث الثقلين ليس إلاّ الشيعة وإن كان هناك بعض الاُمور مؤيّداً لهم ، مثل ما نرى من أنّ المحدّث النوري مع عظم شأنه وعلوّ مقامه قد نقل آية الحفظ في كتابه «فصل الخطاب» الموضوع لإثبات تحريف الكتاب هكذا: «إنّا أنزلنا الذكر وإنّا له لحافظون» .
والإنصاف أنّ مثل ذلك بل مثل أصل تأليف الكتاب المذكور قد قصم ظهر الشيعة وقد أثبتنا في كتابنا المسمّى بـ «مدخل التفسير» عدم تحريف القرآن بصورة مفصّلة بما لا مزيد عليه فراجع .


(الصفحة296)



الرابعة : قوله تعالى متّصلاً بالآية السابقة : {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَىْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاَْغْنِيَاءِ مِنكُمْ} الآية .
قال في مجمع البحرين أيضاً: أي والذي أفاءه الله وردّه من أموال اليهود ، وأصل الفيء الرجوع ، كأنّه في الأصل لهم ثمّ رجع إليهم ـ إلى أن قال :ـ ومنه قيل للظلّ الذي بعد الزوال: فيء; لرجوعه من المغرب إلى المشرق(1) .
وعن المحقّق الأردبيلي في كتاب زبدة البيان ـ الموضوع لتفسير آيات الأحكام ـ أنّ المشهور بين الفقهاء أنّ الفيء له(صلى الله عليه وآله) وبعده للقائم مقامه يفعل به ما يشاء ، كما هو ظاهر الآية الاُولى ـ أي في سورة الحشر ـ والآية الثانية تدلّ على أنّه يقسّم كالخمس ، فإمّا أن يجعل هذا غير مطلق الفيء بل فيئاً خاصّاً كان حكمه هكذا ، أو منسوخاً ، أو يكون تفضّلاً منه(صلى الله عليه وآله) ، وكلام المفسّرين أيضاً هنا لا يخلو عن شيء(2) ، انتهى .
وعن الشيخ في تفسيره الكبير المسمّى بـ «التبيان» أنّ الآيتين ناظرتان إلى مال واحد هو الفيء ، يشير الصدر إلى من بيده أمر هذا المال والذيل إلى من يستحقّ التصرّف فيه ، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن يقوم مقامه يضعه في المذكورين في هذه الآية(3) .
وعن بعض الأعلام (قدس سره) في شرح العروة أنّ موضوع الآية الاُولى هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، وهو راجع إلى النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، والآية المباركة ظاهرة في

(1) مجمع البحرين 3 : 1425 .
(2) زبدة البيان 1 : 286 .
(3) التبيان في تفسير القرآن 9 : 562 .

(الصفحة297)



ذلك ، ومع التنزّل عن ظهور الآية ودعوى سكوتها عن بيان المصرف فالروايات صريحة الدلالة على ذلك ، ولا خلاف في المسألة .
وأمّا الآية الثانية: فموضوعها ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ، والمراد منه ما يؤخذ منهم بالقتال وبعد الغلبة عليهم ودخول قراهم بقرينة المقابلة مع الآية الاُولى ، ولم يذكر فيها أنّ ما يرجع إلى النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) أيّ مقدار ممّا غنمه المسلمون ، إلاّ أنّ آية الغنيمة قد كشفت القناع عنه وبيّنت أنّ ما يغنمه المسلمون فخمسه يرجع إليه ، كما وبيّن أيضاً مصرفه في كلتا الآيتين ، ولا يقدح تخصيصه بالذكر مع أنّه أحد الستّة; لكونه المحور والأصيل في هذا التسهيم كما لايخفى . وأنّ صحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر(عليه السلام)صريحة في أنّ الآية الثانية ناظرة إلى الغنيمة ، كما أنّ الاُولى ناظرة إلى الأنفال .
قال(عليه السلام) فيها: الفيء والأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء ، وقوم صولحوا وأعطوا بأيديهم ، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهو كلّه من الفيء ، فهذا لله ولرسوله ، فما كان لله فهو لرسوله يضعه حيث شاء ، وهو للإمام بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) . وأمّا قوله: {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَ رِكَاب} قال : ألا ترى هو هذا ؟ وأمّا قوله : {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} فهذا بمنزلة المغنم . . . الخ(1) .
ولا ينافيه التعبير بالمنزلة المشعر بالمغايرة; لجواز كون التغاير من أجل اختلاف المورد بعد الاشتراك في الحكم ، نظراً إلى أنّ الغالب في الغنائم الاستيلاء عليها في دار الحرب وميدان القتال لا من أهل القرى ، فاُشير إلى تنزيل إحدى الغنيمتين

(1) التهذيب 4 : 134 ح376 ، الوسائل 9 : 527 ، أبواب الأنفال ب1 ح12 .

(الصفحة298)



منزلة الاُخرى(1) .
وهذا الذي أفاده وإن كان يقرّبه ذكر الأصناف الستّة في الآية الثانية كذكرها في آية الخمس من دون تفاوت ، حتّى في ذكر اللاّم في الأصناف الثلاثة الاُولى دون الثانية كتلك الآية من دون فرق ، وكذا يقرّبه ذكر قوله : {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَ رِكَاب} في الآية الاُولى دون الثانية ، إلاّ أنّ الذي يبعّده ذكر «ما أفاء الله على رسوله» في كلتا الطائفتين وإن كان مورد الاُولى بني النضير ومورد الثانية العموم لكلّ أهل القرى ، والصحيحة مذيّلة بقوله(عليه السلام) : «كان أبي يقول ذلك ، وليس لنا فيه غير سهمين: سهم الرسول وسهم القربى ، ثمّ نحن شركاء الناس فيما بقي» مع أنّ صريح صدر الصحيحة والروايات المتكثّرة أنّ ما كان لله فهو للرسول ، وما كان للرسول فهو الباقي ، فسهم الإمام هو النصف ، كما أنّ النصف الآخر سهم سائر الناس .
فلابدّ من أن يقال بأنّ الرواية معرض عنها ، أو يقال بأنّ الإعراض عن بعض الأحكام التي تشتمل عليها الرواية لا يوجب الإعراض عن مجموع الرواية ، فتدبّر .
ثمّ إنّ الظاهر باعتبار كون الآية الثانية مبنيّة لحكم الغنيمة اعتبار السيادة في الأصناف الثلاثة الاُخر أيضاً ، مع أنّ قوله تعالى : {كَىْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاَْغْنِيَاءِ مِنكُمْ}(2) ظاهر في اعتبار الفقر فقط ، كما لا يخفى .
ثمّ إنّه يظهر منه أنّ أهل القرى باعتبار قلّة أفرادهم وأراضيهم يمكن التسلّط

(1) مستند العروة الوثقى ، كتاب الخمس : 352 ـ 353 .
(2) سورة الحشر 59 : 7 .

(الصفحة299)



عليهم بغير الحرب وحدوث ميدان القتال ، مع أنّ «القرية» في الكتاب لا تكون في مقابل البلد ، كقوله : {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا}(1) وقد اشتهر التعبير عن مكّة المكرّمة باُمّ القرى .
ثمّ إنّ التعبير بقوله(عليه السلام): «فهذا بمنزلة المغنم» ربما يشعر باختصاص الغنيمة في آية الخمس بغنائم دار الحرب ، ضرورة أنّه لو كان المراد بالغنيمة مطلق الفائدة والاستفادة لا يكون فرق بين الموردين أصلاً ، كما لا يخفى . وهذا الأمر أيضاً من جملة الاُمور المضعفة للرّواية .
ويرد على ما أفاده من اقتضاء قرينة المقابلة ذلك: أنّ الاعتماد على هذه القرينة إنّما هو بالإضافة إلى القيد الذي له كمال الدخالة في الحكم المذكور في الجملة المقابلة غير تام ، خصوصاً مع عدم الظهور العرفي في ذلك ، حتّى ذكر جماعة من المفسّرين ممّن مضى أنّ مورد الآية الثانية هو مورد الآية الاُولى(2) كما مرّ .
والالتزام بكون الآية الثانية منسوخة كما ترى ، كما أنّ الالتزام بثبوت شيء ثالث وفيء خاصّ كذلك ، والظاهر أنّه لا محيص عن الجمع بمثل ما أفاده وإن كان بعيداً في نفسه كما لا يخفى ، والعلم عند الله تعالى .
ثمّ إنّه بعد ذلك يقع الكلام في اختصاص هذا النوع من الأنفال بالأراضي كما عن المشهور(3) ، أو يعمّ غيرها كالفرش والأواني ونحوهما كما هو صريح المتن ، وقد استدلّ على التعميم ببعض الروايات ، مثل:


(1) سورة يوسف 12 : 82 .
(2) الكشاف 4 : 502 ، الصافي في تفسير القرآن 2 : 682 ، كنز العرفان : 377 .
(3) النهاية : 199 ، السرائر 1 : 497 ، شرائع الإسلام 1 : 183 ، تذكرة الفقهاء 5 : 439 .

(الصفحة300)



إطلاق صحيحة حفص بن البختري ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، أو قوم صالحوا ، أو قوم أعطوا بأيديهم ، وكلّ أرض خربة ، وبطون الأودية ، فهو لرسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء(1) .
وعموم صحيحة معاوية بن وهب قال : قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : السريّة يبعثها الإمام فيصيبون غنائم كيف يقسّم؟ قال : إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم أخرج منها الخمس لله وللرسول وقسّم بينهم أربعة(2) أخماس ، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ(3) . فإنّ مقتضى عموم الموصول الشمول لغير الأرض ، خصوصاً مع أنّ الخمس لا يختصّ بها ، وقد وقع مقابلاً للأنفال في الرواية الثانية ، فدلالتها على العموم بالدلالة اللفظية ، كما أنّ دلالة الاُولى بالإطلاق كما لا يخفى .
ولكن ربما يقال بأنّ في مقابل العموم الشامل للإطلاق الروايات المتقدّمة في صدر بحث الأنفال الظاهرة في الاختصاص بالأرض; لورودها في مقام التحديد والبيان ، وظاهرها أنّ للأرض خصوصيّة في هذه الجهة ، والمفهوم وإن لم نقل بثبوته حتّى بالإضافة إلى مفهوم الشرط الذي هو في رأس المفاهيم كما قرّر في محلّه من علم الاُصول ، إلاّ أنّه في غير ما ورد من القضايا المفهومية في مقام التحديد والتفسير كالأخبار الواردة في تحديد الكرّ(4) ، وفيه تقتضي القضيّة الدلالة على

(1) الكافي 1 : 539 ح3 ، الوسائل 9 : 523 ، أبواب الأنفال ب1 ح1 .
(2) كذا في المصدر ، ولكن في الوسائل: ثلاثة .
(3) الكافي 5 : 43 باب قسمة الغنيمة ح1 ، الوسائل 9 : 524 ، أبواب الأنفال ب1 ح3 .
(4) وسائل الشيعة 1: 164 ـ 167 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ب10 و11 .
<<التالي الفهرس السابق>>