في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة321)

فقراء بلده ، والأقوى إيصاله إلى الحاكم الشرعي ، كما أنّ الأقوى حصول الملك لغير الشيعي أيضاً بحيازة ما في الأنفال من العشب والحشيش والحطب وغيرها ، بل وحصول الملك لهم أيضاً للموات بسبب الإحياء كالشيعي1 .


1 ـ المذكور في هذه المسألة حكم الأنفال بعد الفراغ عن بيان موضوعها ، وهو اُمور :
الأوّل : الظاهر إباحة الأنفال في الجملة للشيعة في زمن الغيبة على وجه يجري عليها حكم الملك; أي بسبب الحيازة والإحياء لا في نفسه ، كالمباحات الأصلية العامّة كمياه البحار ونحوها ، ويدلّ عليه قوله(صلى الله عليه وآله) : ثمّ هي لكم منّي(1) ، وقد مرّ قوله(عليه السلام) : من أحيا أرضاً مواتاً فهي له(2) ، من غير تقييد الأرض بغير الأنفال ، مضافاً إلى السيرة القطعية المستمرّة بين المتشرّعة ، فإنّهم لا يزالون يتصرّفون فيها ويتمتّعون منها من غير نكير بالضرورة ، وهذا الأمر في الجملة ممّا لا ريب فيه ولا خلاف ، كما أنّ الظاهر عدم مدخلية الفقر في هذا الأمر ، بل الفقير والغني سواء في هذه الجهة كالمباحات على ما ذكرنا .
الثاني : في إرث من لا وارث له ، وقد استشكل بعض الأعلام (قدس سره) فيه ، بل في صفايا الملوك ، أو ما اُخذ من الكفّار بغير قتال من المنقولات غير الأراضي ، كالمواشي ونحوها ; نظراً إلى أنّه لم يدلّ دليل على إباحتها وجواز التصرّف فيها ، فإنّ أدلّة التحليل كلّها ضعاف ما عدا روايتين ، وهما تختصّان بما انتقل من الغير ، فالتصرّف في هذه الاُمور بدعوى أنّها من الأنفال وقد أباحوها للشيعة غير جائز ،

(1) سنن البيهقي 9 : 91 ، كتاب إحياء الموات ب3 ذ ح12001 ، عوالي اللئالي 1 : 44 ح58 ، مستدرك الوسائل 17 : 112 ، أبواب إحياء الموات ب1 ح5 .
(2) في ص310 .

(الصفحة322)

إذ لم يثبت ذلك بحيث يتناول المقام قطعاً(1) .
قلت : ضعف أدلّة التحليل ينجبر بعمل المشهور على طبقها والاستناد إليها ، ولا خصوصية للانتقال من الغير مع العلم بالحال ، ووضوح الكيفيّة كما في مسألة اعتبار اليد والانتقال من ذي اليد ، فإنّه في صورة الشكّ في ثبوت الملكيّة معها كما لايخفى .
نعم ، قد عرفت(2) في مسألة الخمس أنّه لا خمس على من انتقل إليه غير المخمّس ممّن لا يعتقد الخمس أو لا يؤدّي الخمس عملاً ، وهذا لا ارتباط له بمسألة الأنفال ، وحلّيتها إذا تحقّق الانتقال من الغير وإن كان يمكن دعوى الإطلاق فيهما لكن الظاهر أنّ النظر فيهما إلى الخمس ولا يشمل الأنفال .
وأمّا إرث من لا وارث له ، فإنّ الأقوى فيه أوّلاً الإيصال إلى الحاكم الشرعي الذي هو نائب الإمام(عليه السلام) والقائم مقامه ، وأمّا مع عدمه أو تعذّر الإيصال إليه لأيّة جهة فحيث إنّه قد اُحرز من الشرع أنّه لا يجوز تعطيل المال المعدّ للاستفادة منه لقضاء الحوائج وتأمين المعاش فالأحوط صرفه في فقراء البلد ثمّ في مطلق الفقراء; لاستبعاد جواز أخذ الغنيّ منه مع عدم تحمّل عمل في الوصول إليه والتسلّط عليه بخلاف المعدن والغوص ونحوهما ، ولا يرضى الشارع من ناحية بركود الثروة وتعطيلها .
الثالث : في عدم اختصاص ملكيّة الأنفال الحاصل بالحيازة ، بل بالإحياء في الأراضي الميتة بالشيعة ، وشمول ذلك لعامّة الناس أعمّ من الشيعة ، والوجه فيه

(1) مستند العروة الوثقى ، كتاب الخمس : 365 .
(2) في ص281 ـ 282 .

(الصفحة323)

مضافاً إلى السيرة وجود الإطلاق في بعض الأدلّة ، مثل قوله(عليه السلام) : من أحيا أرضاً مواتاً فهي له(1) ، وغيره ممّا يضاهي ذلك ، فالأقوى ما أفاده في المتن خصوصاً مع اشتمال النبوي على عنوان المسلمين مطلقاً .

الحمد لله الذي وفّقني لشرح كتاب الخمس المشتمل على أبواب الأنفال من تحرير الوسيلة للإمام الراحل الخميني (قدس سره) مع وجود كسالات متعدّدة وأمراض متكثّرة ، ومع عدم رؤية العين كاملاً لأجل عروض ما يسمّى بـ «آب مرواريد» وعدم نجاح العمل لأجل وجود مرض السكّر وكثرة سابقته ، بحيث انجرّ إلى الترشّحات الدمية في الأعراق العميقة من العين المانعة من كمال الرؤية ، وأنا الأقلّ الفاني محمد الفاضل اللنكراني ابن الفقيه الفقيد آية الله الحاج الشيخ فاضل اللنكراني ، تغمّده الله بغفرانه وأسكنه بحبوحات جنانه ، وكان الفراغ منه اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك من شهور سنة 1421 الهجرية القمرية على مهاجرها آلاف الثناء والتحية ، وعلى أهل بيته العترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين ، ومن الله أستمدّ وأستعين لأن يوفّقني لإتمام شرح ما لم يُشرح بعد من الكتاب المذكور ، حتّى يصير إن شاء الله دورة كاملة فقهية ـ جامعة لجميع مباحث الفقه ، إلاّ ما لم يقع التعرّض له في المتن; وهي مباحث العبيد والإماء لأجل عدم الابتلاء بهما في هذه الأزمنة ـ ومورداً للاستفادة طول الأيّام والأزمنة ، لعلّه يكون ذخيرة لي يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون ، ووسيلة لأن يغفر الله لي ولوالديّ ، فإنّ لهما حقّاً عظيماً عَليَّ ، لعلّي أصير موفّقاً لأدائه ولو ببعضه!


(1) وسائل الشيعة 25 : 412 ، كتاب إحياء الموات ب1 ح5 ، وقد تقدّم مراراً .

(الصفحة324)


فائدة
في بعض الآيات التي تستفاد منها إمامة الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)

وقد بدا لي أن أتبرّك في الختام بذكر بعض الآيات التي يستفاد منها إمامة الأئمّة الأطهار عليهم الصلاة والسلام أجمعين من غير الافتقار إلى الاستمداد بالروايات ، ككثير من الآيات الواردة في هذا المجال ، وهو قوله تعالى في سورة البقرة : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}(1) إلى الآيتين بعدها ، فإنّ المستفاد منها أنّ إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) حين رفعهما القواعد من الكعبة قد دعيا الله وطلبا منه اُموراً متعدّدة:
منها: قولهما : {رَبَّنا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}(2) فإنّ الظاهر بملاحظة وقوع هذا الدعاء من إبراهيم الذي كانت له مرتبة الرسالة والنبوّة أنّ المراد من هذا الإسلام هو أعلى مراتب التسليم في مقابل الله تبارك وتعالى ، وإلاّ لا يكاد يجتمع مع وجود النبوّة الفعلية والرسالة الثابتة حال الدعاء .
ولا مجال لدعوى كون المراد هو الإبقاء على الإسلام ، فإنّه خلاف الظاهر جدّاً وإن كان ربما يؤيّد بقولنا حكاية عن القرآن في الصلوات اليومية: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}(3) ، ثمّ قالا : {وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}(4) ومفاده
أمران :
أحدهما: اختصاص بعض الذريّة المنسوبة إلى إبراهيم من طريق إسماعيل .

(1) سورة البقرة 2 : 127 .
(2) سورة البقرة 2 : 128 .
(3) سورة الفاتحة 1 : 6 .
(4) سورة البقرة 2 : 128 .

(الصفحة325)

وثانيهما: أنّ المراد من وصف الإسلام هو الذي طلباه لأنفسهما لا الإسلام بالمعنى المطلق في مقابل الكفر ، ثمّ دعيا أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة(1) من غير بيان كونهم في ضلال ، كما في آية {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}(2) الواردة بالإضافة إلى جميع المؤمنين ، نظراً إلى أنّ أعراب الجاهليّة كانوا في ضلال في أبعاد شتّى ، من جهة الاعتقاد ، ومن جهة الأعمال ، ومن جهة الأخلاق .
ومن الواضح أنّ الاُمّة المسلمة مع هذه الخصوصية لا تكاد تنطبق إلاّ على أئمّتنا (عليهم السلام) ، ولا يكاد يكون المراد بالاُمّة المسلمة مطلق المسلمين بعد عدم كونهم من ذريّة إبراهيم وإسماعيل ، وعدم كون إسلامهم بالمعنى المقصود لهما كما عرفت .
أضف إلى هذه الآيات قوله تعالى في آخر سورة الحجّ : {وَجَاهِدُوا فِى اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِى هَذَا} الخ(3). فإنّ الأمر بالجهاد حقّ المجاهدة لا يلائم عموم الناس، بخلاف الأمر بالتقوى حقّ تقاته الذي يكون المأمور به عموم الناس.
خصوصاً مع ملاحظة قوله عزّوجلّ : {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} الظاهر في اجتباء جماعة
مخصوصة ، وقد ذكر الله تعالى أنّه {يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ مَن يَشَاءُ}(1) .
وأوضح منه قوله : {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} ، فإنّ كلمة الأب ظاهرة في الأب
(1) اقتباس من سورة الجمعة 62 : 2 .
(2) سورة آل عمران 3 : 164 .
(3) سورة الحج 22 : 78 .

(الصفحة326)

النسبي ، والاُبوّة من الجهات الاُخر كالتعليم والتزويج إنّما يكون على سبيل التسامح والعناية ، وإلاّ فالأب ظاهر في مقابل الولد النسبي .
هذا ، مضافاً إلى أنّ إبراهيم لم يسمّ جميع المسلمين بهذا العنوان في القرآن الكريم ، بل الظاهر أنّ هذه الآية إشارة إلى الآيات المتقدّمة المنطبقة على خصوص الأئمّة (عليهم السلام); لما عرفت من أنّ مرادهما من الإسلام ليس هو الإسلام العادي ، بل أعلى مراتب التسليم في جنب الله .
ويؤيّده بل يدلّ عليه دلالة واضحة أنّه تعالى قسّم الجميع في ذيل آية الحجّ إلى ثلاثة أقسام: الرسول ، والناس ، والمخاطبون بقوله : {وَجَاهِدُوا فِى اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} وجعل الرسول شهيداً على المخاطبين ، وجعلهم شهداء على الناس ، فهل يمكن أن يكون المراد بالمخاطبين غير الاُمّة المسلمة في الآيات السابقة؟
والذي يقتضيه الإنصاف الخالي من التعصّب أنّ دلالة مجموع الآيات في نفسها  ـ من غير الاستناد إلى الروايات ، ومن غير الاتّكاء على نفس ظاهر الكتاب ـ على إمامة أئمّة الشيعة الإماميّة لا ينكرها إلاّ معاند مخالف ، وإلاّ فظهورها في ذلك ممّا لا ريب فيه ، فافهم واغتنم .
وارتكاب التأويل في بعض ما ذكر من الخصوصيّات ـ كما فعله صاحب تفسير المنار المتمايل إلى مكتب الوهابيّة وتسليم عقائد ابن تيمية صاحب كتاب منهاج السنّة الضالّ المضلّ ـ ممّا لا يسوغ عند العقل السليم والمنطق الصحيح ، فإنّ الأصل الأوّلي في تفسير الكتاب والوصول إلى مقاصد الله تعالى هو ظاهر الكتاب مع عدم قيام دليل على خلافه ، كما في قوله تعالى : {وَجَاءَ رَبُّكَ}(1) الظاهر في جسميّة الربّ من
(1) سورة آل عمران 3 : 179 .

(الصفحة327)

جهة نسبة المجيء إليه ، ومن المعلوم أنّه محال ، وفي غير مثله يكون المحور هو ظاهر الكتاب .
وممّا ذكرنا ظهر أنّ ما اشتهر من تسمية إبراهيم(عليه السلام) اُمّة الرسول الخاتم(صلى الله عليه وآله)بأجمعهم بالاُمّة المسلمة ليس على ما ينبغي ; لعدم الشاهد عليه في الكتاب . نعم ، يبدو في النظر أنّ لازم ما ذكر اختصاص دليل نفي الحرج بهم; لأنّهم المخاطبون به .
والجواب عنه وضوح المساواة بينهم وبين غيرهم في هذه الجهة لو لم يكن الغير أولى وأرجح في هذه الجهة; لأنّ الدين المبني على السمحة السهلة لا يكاد يلائم الحرج بوجه ، كما أنّ ثبوت نظارة الرسول وشهادته عليهم لا يخدش في مقامهم ، بل يثبته ويؤيّده ، ولعلّه لأجل عدم الاختصاص استدلّ بهذه الآية في بعض الروايات كما في حديث المسح على المرارة ونحوه(2) .
وكيف كان ، فالاختصاص وعدمه أمر ، ودلالة الكتاب على إمامة الشخصيات المذكورين أمر آخر لا ارتباط بينهما كما لا يخفى ، والمقصود هو الثاني .
وقد روى في الكافي عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن
ابن اُذينة ، عن بريد العجلي قال : قلت لأبي جعفر(عليه السلام): قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَجَاهِدُوا فِى اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} قال : إيّانا عنى ونحن المجتبون ، ولم يجعل الله ـ تبارك وتعالى ـ في الدين {مِنْ حَرَج} فالحرج أشدّ من الضيق {مِلَّةَ

(1) سورة الفجر 89 : 22 .
(2) الوسائل 1 : 464 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ب39 ح5 .

(الصفحة328)

أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}
إيّانا عنى خاصّة ، و{سَمَّاكُمُ(1) الْمُسْلِمينَ} الله ـ عزّوجلّ ـ سمّـانا المسلمين {مِنْ قَبْلُ} في الكتب التي مضت ، {وَفِى هَذَا} القرآن {لِيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً(2) وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}(3) فرسول الله(صلى الله عليه وآله) الشهيد علينا بما بلّغنا عن الله تبارك وتعالى ، ونحن الشهداء على الناس ، فمن صدّق يوم القيامة صدّقناه ، ومن كذّب كذّبناه(4) .
وهي وإن كانت ظاهرة في أنّ التسمية باسم المسلمين كانت من الله ، لكنّه لا ينافي كون التسمية من إبراهيم كما هو ظاهر هذه الآيات على ما مرّ .
وكيف كان ، فلم تقع التسمية بهذا الإسم في القرآن الكريم إلاّ في الآيات التي ذكرناها أوّلاً ، وعرفت ظهورها فيما ذا ، فتدبّر .


(1) في القرآن : هُو سَمّاكُم .
(2) في القرآن : شَهيداً عَلَيكُم .
(3) سورة الحج 22 : 77 ـ 78 .
(4) الاُصول من الكافي 1 : 191 ، باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) شهداء الله ـ عزّوجلّ ـ على خلقه ح4 .

(الصفحة329)


كتاب الخمس


تقريراً لما أفاده الإمام المحقّق آية الله العظمى السيّد حسين الطباطبائي البروجردي (قدس سره)


بقلم
سماحة آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني(مدّظلّه)


(الصفحة330)





(الصفحة331)



كلمة المقرر المعظّم

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد التحيّة والسلام ; عندما كنت أتجوّل في المسودّات التي كتبتها في سالف الزمان ، إذاً واجهت مع مسودّة مختصرة كتبتها قبل أربعين سنة، وهي رسالة فقهية في بحث الخمس مستفادة من محاضرات الاُستاذ الأكبر زعيم الحوزات العلمية في زمانه; آية الله العظمى السيِّد الحاجّ آقا حسين الطباطبائيّ البروجردي قدّس سرّه الشريف .
والرسالة وإن كانت في كمال الاختصار، إلاّ أنّه حيث كان المعظّم له خرّيت فنّ الفقه وما يتوقّف عليه من العلوم المختلفة ، فلا محالة تكون مشتملة على فوائد عظيمة لعلّ بعضها لم يوجد إلاّ فيها ، فطلبت من بعض الأفاضل الباحثين في مركز فقه الأئمّة الأطهار  (عليهم السلام) الذي أسّسته ، القيام بتخريج مصادرها من الأقوال والروايات وسائر الجهات ثمّ إبرازها إلى عالم الطبع ، لعلّه كان شكراً لأنعمه الكثيرة عليّ ، ومنشأً للانتقال إلى المطالب الاُخرى ، فإنّه ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، وربما يستفيد بعض من خلالها المخفيّ مالا يستفاد من ظاهرها. مستمدّاً بذلك من الله تبارك وتعالى، لإنجاز هذا المشروع ومنتظراً للأجر والثواب .


(الصفحة332)





(الصفحة333)






الخمس



لا ريب في وجوبه في الشريعة المقدّسة الإسلامية ، بل هو من الضروريات ، ويدلّ عليه ما عدا العقل من الأدلّة الأربعة: الكتاب(1) والسنّة(2) والإجماع(3) ، فأصل وجوبه في الجملة ممّا لا ينبغي الارتياب فيه ، وإن وقع الاختلاف الكثير في فروعاته ، كما ستقف عليه .
قال الله تعالى في سورة الأنفال :{وَاعلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَىء}الآية ، وهي نازلة بعد حرب بدر الذي سمّـاه الله تعالى في هذه الآية يوم الفرقان ويوم التقى الجمعان ; لأنّ الله فرّق فيه بين المسلمين والمشركين بقمع هؤلاء وإعزاز اُولئك ، وكان يوماً التقى الجمعان فيه ، وقد وقع في سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية

(1) سورة الأنفال 8 : 41 .
(2) الوسائل 9 : 483 ، أبواب ما يجب فيه الخمس ب1 .
(3) اُدّعي الإجماع في كثير من كتب فقهائنا، كالانتصار : 226 ، والخلاف 2 : 117 ـ 118 مسألة 138 و139 ، وغنية النزوع : 129 ، والمهذّب البارع 1 : 556 ، وذخيرة المعاد : 477 ، ورياض المسائل 5 : 237 ، ومستند الشيعة 5 : 10 ، وجواهر الكلام 5 : 16 .

(الصفحة334)

عشر شهراً ، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، وجمع الكافرين بين تسعمائة إلى ألف من صناديد قريش ورؤسائهم ، ومع ذلك فهزموهم وقتلوا منهم زيادة على السبعين ، وأسروا منهم مثل ذلك ، وقد وصل إلى المسلمين من تلك الحرب فوائد كثيرة وغنائم عظيمة .
ثم خاطبهم الله بقوله تعالى:{وَاعلَمُوا} إلخ ، ومفاده أنّ ما اغتنمتم من الغنائم يكون خمسه للطوائف المذكورين في الآية، ومقتضى الجمود على ظاهر الآية الشريفة وإن كان اختصاص الحكم بخصوص الغنائم التي اغتنمها المسلمون في حرب بدر ، ولا دلالة لها على غيرتلك الغنائم ، إلاّ أنّه لا إشكال بين المسلمين في عدم الاختصاص بذلك . غاية الأمر أنّ العامّة يخصّون الحكم بغنائم دار الحرب أعمّ من حرب بدر وغيره(1) .
وأمّانحن فنحكم بشمول الحكم لكلّ غنيمةوفائدةواستفادة;لإلغاء الخصوصيّة من غنيمة حرب بدر وتسرية الحكم إلى مطلق الغنيمة والناس للنصوص .
ثمّ إنّ الخمس المستعمل في الآية ليس له حقيقة شرعيّة بحيث كان لفظه موضوعاً شرعاً بإزاء الحقّ المالي الثابت في الآية للطوائف المذكورة فيها ، بل معناه هو الكسر المعهود الذي هو من جملة الكسور التسعة ، وليس ظاهراً في خصوص المشاع حتّى لا ينطبق على الكلّي في المعيّن وغيره من الاُمور المحتملة في باب الخمس ، كما سيجيء .
ثمّ إنّ ظاهر الآية كون الخمس متعلّقاً لحقّ ستّة ، ولابدّ من أن يقتسم كذلك ، وقد ذهب إليه أصحابنا(2) ، ولكنّه حكي عن جماعة كابن عبّاس وإبراهيم

(1) المغني لابن قدامة 7 : 297 ، بداية المجتهد 1 : 407 ، مغني المحتاج 3 : 99 ، بدائع الصنائع 6 : 90 .
(2) الانتصار : 225 ، الخلاف 4 : 209 مسألة 37 ، غنية النزوع : 130 ، التبيان 5 : 123 ، مجمع البيان 4 : 429 ، فقه القرآن للراوندي 1 : 243 ، مستند الشيعة 10 : 83 .

(الصفحة335)

وغيرهما أنّ الخمس يقسّم على خمسة أسهم ، وأنّ سهم الله والرسول(صلى الله عليه وآله) واحد ، ويصرف هذا السهم إلى الكراع والسلاح(1) .
وحكي عن الشافعي أنّ الخمس يقسّم على أربعة أسهم: سهم ذي القربى لقرابة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، والأسهم الثلاثة لمن ذكروا بعد ذلك من سائر فرق المسلمين(2) .
وحكي عن أبي حنيفة أنّه قال: يقسّم على ثلاثة أسهم ; لأنّ سهم الرسول قد سقط بوفاته عندهم ; لأنّ الأنبياء لا يورّثون فيما يزعمون ، وسهم ذي القربى قد سقط ; لأنّ أبا بكر وعمر لم يعطيا سهم ذي القربى ، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة عليهما(3) .
وحكي عن بعض أهل العراق أنّه قال : لو أُعطي فقراء ذوي القربى سهماً والآخرون ثلاثة أسهم جاز ، ولو جعل ذوو القربى أسوة الفقراء ولا يفرد لهم سهم جاز(4) .
وهذه الأقوال مشتركة في أنّ افتتاح الكلام بالله في الآية الشريفة إنّما هو على جهة التيمّن والتبرّك ; لأنّ الأشياء كلّها له عزّ وجلّ ، ولكن نحن معاشر الإماميّة نقول بما يقتضيه ظاهر الآية الشريفة من ثبوت سهم لله ـ عزّوجلّ ـ وهو مع سهم الرسول له(صلى الله عليه وآله) في حال حياته ، وبعده هما مع سهم ذي القربى للإمام القائم مقام

(1) حكى عنهم في التبيان 5 : 123 ، ومجمع البيان 4 : 429 ، والمغني لابن قدامة 7 : 300 ، والمبسوط للسرخسي 10 : 8 .
(2) الأمّ 4: 147، وحكى عنه في التبيان 5 : 123 ـ 124 ومجمع البيان 4 : 429 ، لكن المعروف عن الشافعي أنّه يقسّم على خمسة أقسام ، راجع الخلاف 4 : 209 ـ 210 مسألة 37 ، والجامع لأحكام القرآن 8 : 10 ، وبداية المجتهد 1 : 407 ، والحاوي الكبير 10 : 481 ، والمغني لابن قدامة 7 : 300 .
(3) حكى عنه في الخلاف 4 : 182 مسألة 2 ، ومجمع البيان 4 : 429 ، وبدائع الصنائع 6 : 102 ـ 103 ، والمغني لابن قدامة 7 : 301 ، وشرح فتح القدير 5 : 234 ـ 244 .
(4) حكاه الطبرسي في مجمع البيان 4 : 429 ، وانظر البحر الرائق 5 : 153 ـ 154 .

(الصفحة336)

الرسول(صلى الله عليه وآله)، لا مطلق ذوي قربيه ; لكونه مذكوراً بنحو الإفراد في الآية الشريفة .
نعم ، اعتقادنا أنّ المراد بـ «اليتامى» هم يتامى آل محمّد(صلى الله عليه وآله) ، كالمساكين وابن السبيل ; للروايات الصادرة عن العترة الطاهرة ـ صلوات الله عليهم ـ الدالّة على ذلك ، ويمكن تطبيق الآية عليه بحيث لاينافيه ذلك من جهة عدم إعادة «اللام» في «اليتامى» وتالييه الظاهر في التبعيّة ، وكونهم من شؤون ذي القربى كما لايخفى ، فتدبّر .
ثمّ إنّه يقع الكلام فيما يتعلّق بالخمس من جهات : ما يجب فيه الخمس ، وشرائط وجوبه ، ومن يجب عليه ، ومن يستحقّه من الأصناف المذكورة في الآية الشريفة ; وليعلم قبل الورود في التكلّم في هذه الجهات أنّه ليس للعامّة القائلين بوجوب الخمس في خصوص غنائم دار الحرب دليل إلاّ الآية الشريفة المتقدّمة ، ورواياتهم في هذا الباب موقوفة لا تنتهي إلى النبي(صلى الله عليه وآله) أصلا ، بل تنتهي إلى الصحابة أو التابعين(1) .
ومن المعلوم عدم حجيّة الروايات الصادرة عن عترة النبي(صلى الله عليه وآله) التي رواها الخاصّة عندهم، وقد طعن فيها بعضهم بعدم انتهائها إلى النبي(صلى الله عليه وآله) بل إلى ائمّتكم . وقد غفل عن أنّ أئمّتنا (عليهم السلام)قد نبّهوا في موارد كثيرة على أنّ كلّ ما يقولون ويفتون به من الأحكام مستند إلى النبي(صلى الله عليه وآله) ومنقول عنه ، وقد كانت عندهم الصحيفة التي كانت إملاء الرسول(صلى الله عليه وآله) وبخطّ علي(عليه السلام) مشتملة على الأحكام مرجعاً لهم فيها(2) ، فهذا الطعن ناش من قلّة التتبّع وشدّة التعصّب أعاذنا الله منه .
وكيف كان، فلا ريب في حجيّة رواياتنا بناءً على مسلكهم أيضاً ، وأنّه

(1) سنن الترمذي 4 : 153 ح1603 ، السنن الكبرى للبيهقي 9 : 423 ـ 424 و490 .
(2) بصائر الدرجات : 142 ـ 146 ب12 ، الكافي 1 : 238 ح1 .

(الصفحة337)

لا  ينبغي مع وجودها الرجوع إلى القياس والاستحسان ، كما فصّل الكلام فيه بما لا مزيد عليه سيِّدنا الاُستاذ دام ظلّه العالي في مقدّمة الوسائل المرتّبة ، مستنداً في ذلك إلى ما يستفاد من كلماتهم في باب الرجوع إلى القياس وشرائطه(1) .
وكيف كان، فما يجب فيه الخمس اُمور:


(1) جامع أحاديث الشيعة 1 : 326 .

(الصفحة338)


الأوّل : غنائم دار الحرب

تدلّ على ثبوت الخمس فيها مطلقاً ـ مضافاً إلى الآية الشريفة(1) ـ الروايات الواردة فيها(2) ، مضافاً إلى عدم الخلاف فيه بين المسلمين وإن وقع الاختلاف في كيفيّة تقسيم الخمس المتعلّق بها ، كما عرفت .
وليعلم أنّ الخمس المتعلّق بالغنيمة يغاير الخمس المتعلّق بالمعدن والغوص ونحوهما ممّا يجب فيه الخمس، فإنّ الغنيمة تقسّم من أوّل الأمر أخماساً : خمسه للأصناف المذكورة في الآية، وأربعة أخماسه للغانمين ، وأمّا غيرها ممّا يجب فيه الخمس فهو بأجمعه ملك لمالكه ، غاية الأمر أنّه يجب عليه إخراج خمسه وصرفه في مصارفه .
ثمّ إنّه استثني من الغنائم أشياء:
منها : صفايا الإمام من فرس وجارية ونحوهما ; لصحيح ربعي، عن الصادق(عليه السلام)(3) .
ومنها: الجعائل; وهي مايجعله الإمام (عليه السلام) على فعل مصلحة من مصالح المسلمين، ومن جملة الجعائل السَلَب ; لعدم استحقاق القاتل إيّاه بدون إذن الإمام(عليه السلام).
ومنها : الرضائح(4) المجعولة للعبيد والنساء الحاضرين في الحرب لأجل بعض

(1) سورة الأنفال 8 : 41 .
(2) الوسائل 9 : 485 ، أبواب ما يجب فيه الخمس ب2 .
(3) التهذيب 4 : 128 ح365 ، الاستبصار 2 : 56 ح186 ، الوسائل 9 : 510 ، أبواب قسمة الخمس ب1 ح3.
(4) وظاهر «المنجد» أنّ الرضح بالحاء وبالخاء ، بمعنى العطاء اليسير ، (المقرّر).

(الصفحة339)

المصالح ، والمراد منها المال القليل والعطاء اليسير .
ومنها : النفل ، وهو العطاء لبعض الغانمين .
ومنها : المؤن التي تنفق في مصالح الغنيمة من حفظ وحمل ورعي ونحوها، كما في سائر الاُمور التي يجب فيها الخمس .
والدليل على استثناء ما ذكر ـ مضافاً إلى بعض الروايات الواردة في بعضها(1)وموافقة الفتاوى(2) ـ ظاهر الآية الشريفة ، حيث إنّها تدلّ على ثبوت خمس المقدار من الغنيمة ، الذي يقسّمه الغانمون بينهم; للراجل سهم وللفارس سهمان ، ومن المعلوم أنّ التقسيم بالنحو المذكور كان بعد استثناء ما ذكر .
ثم إنّ مقتضى تعلّق الخمس بالغنيمة التي اغتنمها الغانمون . ولابدّ أن تقسّم بينهم أنّ الحرب لابدّ لأن يكون بإذن الإمام(عليه السلام) ; لأنّه لو لم يكن بإذنه يكون الجميع للإمام(عليه السلام) ولا حظّ لغيره منها ; لما ورد في هذا الباب من خبر الورّاق(3) .
ثم إنّ المعروف بين الشيخ (قدس سره) ومن تأخّر عنه كالفاضلين(4) والشهيدين(5)وغيرهم(6) أنّ الغنائم التي يجب فيها الخمس أعمّ ممّا حواه العسكر ممّا يحوّل وينقل ، وما لم يحوه من أرض وغيرها ، وحكي عن صاحب الحدائق أنّه أنكر ذلك على

(1) الوسائل 9 : 524 ، أبواب الأنفال ب1 ح4 وص528 ب1 ح15 وج15 : 112 ، أبواب جهاد العدوّ ب41 ح6 وج9 : 499 ، أبواب ما يجب فيه الخمس ب8 ح1 .
(2) راجع جواهر الكلام 21 : 186 و191 و195 .
(3) التهذيب 4 : 135 ح378 ، الوسائل 9 : 529 ، أبواب الأنفال ب1 ح16 .
(4) شرائع الإسلام 1 : 179 ، تذكرة الفقهاء 5 : 409 ، قواعد الأحكام 1 : 361 ، تحرير الأحكام 1 : 433 ، إرشاد الأذهان 1 : 292 ، منتهى المطلب 1 : 544 .
(5) البيان : 213 ، الروضة البهيّة 2 : 65 .
(6) كالشيخ في النهاية: 198، والقاضي في المهذّب 1: 178 ، وابن ادريس في السرائر 1 : 485 ، والكيدري في إصباح الشيعة: 126، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد 3: 50 ، والسيّد العاملي في مدارك الأحكام 5 :  360.

(الصفحة340)

الأصحاب وقصّر الخمس على ما يحوّل وينقل(1) ، ولعلّه موافق لمقتضى الآية الشريفة الواردة في الخمس ، والروايات الواردة في أحكام الأراضي المفتوحة عنوة(2) ، وكذا الروايات الواردة في قسمة الغنائم أخماساً أو أسداساً على الطوائف المذكورة في الآية وعلى الغانمين(3) .
أمّا الآية، فلأنّ ظاهرها وجوب الخمس فيما اغتنمها الغانمون المحاربون من كلّ شيء ، من قليل أو كثير ، ثوباً كان أو ذهباً ، أو غيرهما من الأمتعة ، والنقود ، ووسائل الحرب ، والحيوانات وغيرها .
ومن المعلوم أنّ الأراضي والمساكن لا يصدق عليها الغنيمة بالنسبة إلى المحاربين ، بل غاية الأمر أنّ النسبة والإضافة التي كانت بينها وبين السلطان المغلوب في الحرب قد زالت وحدثت بالنسبة إلى السلطان الغالب ، وله أن يتصرّف فيها ويصرف عوائدها في مصالح الإسلام والمسلمين ، فلا تشملها الآية الظاهرة في وجوب الخمس فيما يصدق عليه عنوان الغنيمة بالنسبة إلى المحاربين .
وبالجملة : فظاهر الآية الشريفة أنّ ما يملكه الغانمون ويكون ملكاً لهم بأجمعه لولا وجوب الخمس الثابت بالآية يجب تخميسه لأرباب الخمس ; ومن الواضح أنّ الأراضي لا تكون مملوكة للغانمين ولا تعدّ غنيمة بالنسبة إليهم ، بل هي مملوكة لجميع المسلمين ، فهي خارجة عن الآية الكريمة .
وأمّا الروايات الواردة في أحكام الأراضي الخراجيّة ، فمفادها أنّها موقوفة على المسلمين ; من كان موجوداً منهم حال الحرب ، ومن يوجد منهم بعد إلى يوم القيامة . وليس المراد من ذلك كونها مملوكة لهم على حسب الإشاعة ، بل المالك لها

(1) الحدائق الناضرة 12 : 324 ـ 325.
(2) الوسائل 15 : 157 ، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدوّ ب72 .
(3) الوسائل 9 : 509 ، أبواب قسمة الخمس ب1 .
<<التالي الفهرس السابق>>