في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة581)



واسطة ، إلاّ أنّ الظاهر كونها واسطة في الثبوت لا في العروض ، كعروض النجاسة للماء المتغيّر لأجل التغيّر ، وكذا ظاهر النصوص(1) خصوصاً ما عبّر فيها بأنّ لها النفقة الظاهر في ملكيّتها لها ، فضلا عن إضافتها إليها ، مع أنّ الالتزام ببعض ما يتفرّع على ثبوتها للحمل مشكل ، فالظّاهر حينئذ هو القول الثاني .
ثمّ إنّه أفاد في المتن موردين آخرين لعدم وجوب نفقة الحامل :
أحدهما : ما إذا كانت الحامل منقطعة له ، وقد انتقضت مدّتها أو صارت بقيّة المدّة موهوبة لها ، ولعلّ الوجه فيه عدم ثبوت النفقة في المنقطعة في حال بقاء النكاح ولو حملت ، وكان وضع الحمل مع بقاء النكاح ، فضلا عمّا إذا انقضت المدّة أو صارت بقيّة المدّة موهوبة لها ، فإنّ عدم ثبوت النفقة حينئذ بطريق أولى ، وإن أبيت عن ذلك فهو مقتضى الأصل ، كما لا يخفى .
ثانيهما : الحامل المتوفّى عنها زوجها ، قال المحقّق في الشرائع : وفي الحامل المتوفّى عنها زوجها روايتان : أشهرهما أنّه لا نفقة لها ، والأُخرى ينفق عليها من نصيب ولدها(2) .
فمن الروايات الدالّة على عدم ثبوت النفقة لها صحيحة الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال في الحبلى المتوفّى عنها زوجها : إنّه لا نفقة لها(3) .
ورواية أبي الصباح الكناني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في المرأة الحامل المتوفّى عنها


(1) الوسائل : 21/518 ـ 521 ، أبواب النفقات ب7 و8 .
(2) شرائع الإسلام : 2/349 .
(3) الكافي : 6/114 ح3 ، التهذيب : 8/151 ح522 ، الإستبصار : 3/345 ح1229 ، الوسائل : 21/522 ، أبواب النفقات ب9 ح1 .

(الصفحة582)



زوجها هل لها نفقة؟ قال : لا(1) .
ورواية زرارة ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في المرأة المتوفّى عنها زوجها هل لها نفقة؟ فقال : لا(2) .
ورواية زيد أبي اُسامة قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الحُبلى المتوفّى عنها زوجها هل لها نفقة؟ قال : لا(3) .
ومن الرّوايات الدالّة على الثبوت من مال الزوج رواية السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن عليّ (عليهم السلام) قال : نفقة الحامل المتوفّى عنها زوجها من جميع المال حتّى تضع(4) .
وفي رواية أبي الصباح الكناني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : المرأة الحُبلى المتوفّى عنها زوجها يُنفق عليها من مال ولدها الّذي في بطنها(5) .
وأورد في الجواهر على هذه الرواية بأنّها قد وصفت بالصحّة ، ولكن في سندها محمّدبن الفضيل، وهو مشترك بين الثقة والضعيف(6). هذامضافاًإلى أنّ لأبي الصباح


(1) الكافي : 6/115 ح8 ، التهذيب : 8/150 ح521 ، الإستبصار : 3/344 ح1228 ، الوسائل : 21/522 ، أبواب النفقات ب9 ح2 .
(2) الكافي : 6/115 ح9 ، التهذيب : 8/151 ح523 ، الإستبصار : 3/345 ح1230 ، الوسائل : 21/522 ، أبواب النفقات ب9 ح3 .
(3) التهذيب : 8/151 ح524 ، الإستبصار : 3/345 ح1231 ، الوسائل : 21/523 ، أبواب النفقات ب9 ح7 .
(4) التهذيب : 8/152 ح528 ، الإستبصار : 3/343 ح1235 ، الفقيه : 3/330 ح 1596 ، الوسائل : 21/524 ، أبواب النفقات ب10 ح2 .
(5) الكافي : 6/115 ح10 ، التهذيب : 8/152 ح526 ، الإستبصار : 3/345 ح1233 ، الفقيه : 3/330 ح 1595 ، الوسائل : 21/524 ، أبواب النفقات ب10 ح1 .
(6) جواهر الكلام : 31/325 .

(الصفحة583)

مسألّة 7 : لو ادّعت المطلّقة بائناً أنّها حامل مستندة إلى وجود الأمارات الّتي يستدلّ بهاعلى الحمل عند النّسوان ، فتصديقها بمجرّد دعواها محلّ إشكال. نعم لا يبعُد قبول قول الثقة الخبيرة من القوابل قبل ظهور الحمل من غير احتياج إلى شهادة أربع منهنّ أو إثنين من الرجال المحارم ، فحينئذ أُنفقَ عليها يوماً فيوماً إلى أن يتبيّن الحال ، فإن تبيّن الحمل وإلاّ استعيدت منها ما صرف عليها ، وفي جواز مطالبتها بكفيل قبل تبيّن الحال وجهان بل قولان ، أرجحهما الثاني إن قُلنا بوجوب تصديقها ، وكذلك مع عدمه وإخبار الثقة من أهل الخبرة1.


روايتين ، والسؤال في الأُولى عن ثبوت مطلق النفقة لها ، فالجواب بالنفي كذلك مرجعه إلى عدم الثبوت ولو من مال الولد ، فكيف يجتمع ذلك مع الرواية الدّالّة على وجوب الإنفاق عليها من مال ولدها الّذي في بطنها .
هذا ، مع أنّه ربّما يُقال : بأنّ ثبوت المال للولد يتوقّف على خروجه حيّاً وهو أوّل الكلام ، وإن كان يجب أن يخرج من مال الميّت سهم ذكرين لأحتمال خروجه كذلك ، فالإنفاق من مال الولد ربّما لا يمكن تحقّقه .
فالإنصاف أن يُقال : إنّ الإنفاق من مال الزوج على الحامل المتوّفى عنها زوجها لا دليل عليه ، إلاّ رواية السكوني وهي غير ظاهرة فيه ، ومن مال الولد أيضاً غير واجب; لإنحصار دليلها برواية أبي الصباح الكناني ، الّتي عرفت ما فيها من عدم صحّة السند وعدم اجتماعها مع الرواية الأُخرى له .

1 ـ المطلّقة البائن إذا ادّعت أنّها حامل لأجل وجوب الإنفاق على زوجها على ما مرّ(1) من البحث ، والزوج لا يكون منكراً لذلك بل محتملا للصدق والكذب ،


(1) في ص577 ـ 578 .

(الصفحة584)



فإن كانت دعواها مستندة إلى علمها بذلك ولم يجر في علمها احتمال الخلاف ، بمعنى صدقها في دعوى علمها وإن كان أصل الحمل مشكوكاً ، فالظّاهر قبول قولها; لأنّ الحمل لا يُعرف إلاّ من قبلها خصوصاً في الأوائل ، وإن كانت مستندة إلى وجود الأمارات الظنيّة الّتي يستدلّ بها عند النسوان في العرف والعادة ، فقد ذكر أنّ تصديقها بمجرّد دعواها محلّ إشكال ، خصوصاً إذا كانت متّهمة في الدّعوى ، نظراً إلى إرادة الإنفاق معها ، ووجه الإشكال أنّ المفروض كون الأمارات ظنيّة غير معتبرة شرعاً .
نعم ، نفى البعد عن قبول قول الثقة الخبيرة من القوابل قبل ظهور الحمل من غير احتياج إلى شهادة أربع منهنّ أو إثنين من الرجال المحارم ، والوجه فيها كونها من القوابل ، والمفروض كونها ثقة ، فالاعتماد على قولها لا يرجع إلى مجرّد اعتبار قول الثقة في الموضوعات الخارجيّة حتى يمنع ذلك; لأجل عدم إجتماعه مع اعتبار البيّنة التي يغايره في العدد والعدالة كما قرّرناه في محلّه ، بل إلى اعتبار قول الثقة المتخصّص في هذه الجهة كسائر الموارد ، فحينئذ أنفق عليها يوماً فيوماً إلى أن يتبيّن الحال ، فإن تبيّن وإلاّ استعيدت منها ما صُرف عليها .
قال المحقّق في الشرائع : إذا ادّعت البائن أنّها حامل صرفت النفقة إليها يوماً فيوماً ، فإن تبيّن الحمل وإلاّ استعيدت(1) . وظاهره وإن كان هو الوجوب بمجرّد الإدّعاء ولو لم يكن هناك ثقة خبيرة من القوابل ، وعلّله في الجواهر بأنّه لو لم يجب الإنفاق عليها بادّعائها لزم الحرج بحبسها عليه من غير إنفاق ، مع نهيهُنَّ عن كتمان


(1) شرائع الإسلام : 2/351 .

(الصفحة585)



ما خلق الله في أرحامهنّ(1) . والأمر بالإنفاق على أُولات الأحمال(2) مع كون المرجع فيه غالباً إلى ادّعائهنّ(3) . وإن كان في هذا التعليل نظر; لأنّ النهي عن الكتمان لا يستلزم قبول قولهنّ مطلقاً ، كما أنّ الأمر بالإنفاق على أُولات الأحمال لا يوجب الإنفاق مع الشكّ في الحمل .
وعن الشيخ في المبسوط(4) تعليق الوجوب على ظهور الحمل ، وعن ابن إدريس(5) تعليق الوجوب على شهادة أربع قوابل(6) . وعن المسالك لعلّه أجود; لأنّ وجوب الإنفاق على الزوجة إنقطع بالطلاق البائن ، ووجوبه عليها مشروط بالحمل ـ كما هو مقتضى قوله تعالى : { وَإنِ كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْل}(7) والأصل عدمه . . . وهذا الوصف لا يتحقّق بمجرّد الدعوى(8) .
وكيف كان فإن تبيّن الحمل فذاك وإلاّ استُعيدت النفقة ، نظراً إلى عموم على اليد(9) وقاعدة من أتلف والتسليط كان مقيّداً بثبوت الحمل لا مطلقاً .
وفي جواز مطالبة المرأة بكفيل لاحتمال ظهور الخلاف وجهان ، وفي المسالك :


(1) كما في سورة البقرة : 2/228 .
(2) سورة الطلاق : 65/6 .
(3) جواهر الكلام : 31/357 .
(4) المبسوط : 6/26 .
(5) كذا في الجواهر ، ولكن لم نعثر عليه في السرائر ـ نعم نسبه الشهيد في المسالك إلى التحرير .
(6) تحرير الاحكام : 2/46 .
(7) سورة الطلاق : 65/6 .
(8) مسالك الأفهام : 8/474 .
(9) السنن الكبرى للبيهقي : 6/95 ، كنز العمّال : 10/360 ح29811 وص 636 ح30338 .

(الصفحة586)

مسألة 8 : لا تقدير للنفقة شرعاً ، بل الضابط القيام بما تحتاج إليه المرأة من طعام وإدام وكسوة وفراش وغطاء وإسكان وإخدام وآلات تحتاج إليها لشربها وطبخها وتنظيفها وغير ذلك .
فأمّا الطعام فكمّيته بمقدار ما يكفيها لشبعها ، وفي جنسه يرجع إلى ما هو المتعارف لأمثالها في بلدها والموالم لمزاجها وما تعوّدت به بحيث تتضرّر بتركه .


لا يخلو أوّلهما من قوّة للجمع بين الحقّين(1) . وفي الجواهر : أنّ ثانيهما أقوى بعد فرض وجوب الدّفع; لإطلاق الأدلّة وأصل البراءة . وفي المتن أرجحيّة الثاني إن قُلنا بوجوب تصديقها مطلقاً أو مع إخبار الثقة من أهل الخبرة(2) .
أقول : وجوب الدفع مطلقاً أو مع الإخبار المذكور وإن كان لا يُنافي الضمان مع ظهور الخلاف ، كما في وجوب دفع الطّعام إلى من كان مشرفاً على الموت جوعاً ، حيث إنّه لا يُنافي لزوم دفع البدل مثلا أو قيمته إلى صاحب الطعام ، إلاّ أنّ الظاهر عدم اجتماعه مع مطالبة الكفيل ، حيث إنّ المتفاهم عُرفاً من أدلّة وجوب الإنفاق هو الإنفاق من دون كفيل ، كما أنّ الظاهر أنّه لو أنفق على الحامل مع إحراز حملها ثمّ مات الحمل قبل أن يولد بالسقط أو بغيره لا يكون هناك ضمان للنفقة الّتي أتلفها . فإنّ المتفاهم العرفي عدم الضمان في هذه الصّورة ، فتدبّر جيّداً .
وهذا من دون فرق بين أن نقول بأنّ النفقة إنّما هي للحامل أو للحمل ، كما لا يخفى .


(1) مسالك الأفهام : 8/474 .
(2) جواهر الكلام : 31/359 .

(الصفحة587)

وأمّا الإدام فقدراً وجنساً كالطعام يُراعى ما هو المتعارف لأمثالها في بلدها وما يوالم مزاجها وما هو معتاد لها ، حتى لو كانت عادة أمثالها أو الموالم لمزاجها دوام اللّحم مثلا وجب ، وكذلك لو اعتادت بشيء خاصّ من الإدام بحيث تتضرّر بتركه ، بل الظاهر مراعاة ما تعارف اعتياده لأمثالها من غير الطعام والإدام كالشاي والتنباك والقهوة ونحوها ، وأولى بذلك المقدار اللازم من الفواكه الصيفيّة التي تناولها كاللازم في الأهوية الحارة ، بل وكذا ما تعارف من الفواكه المختلفة في الفصول لمثلها .
وكذلك الحال في الكسوة ، فيلاحظ في قدرها وجنسها عادة أمثالها وبلد سكناها والفصول الّتي تحتاج إليها شتاءً وصيفاً ، ضرورة شدّة الاختلاف في الكمّ والكيف والجنس بالنسبة إلى ذلك ، بل لو كانت من ذوات التجمّل وجب لها زيادة على ثياب البدن ثياب على حسب أمثالها .
وهكذا الفراش والغطاء ، فإنّ لها ما يفرشها على الأرض وما تحتاج إليه للنوم من لحاف ومخدّة وما تنام عليها ، ويرجع في قدرها وجنسها ووصفها إلى ما ذكر في غيرها ، وتستحقّ في الإسكان أن يسكنها داراً تليق بها بحسب عادة أمثالها ، وكانت لها من المرافق ما تحتاج إليها ولها أن تطالبه بالتفرّد بالمسكن عن مشاركة غير الزوج ضرّة أو غيرها من دار أو حجرة منفردة المرافق ، إمّا بعارية أو إجارة أو ملك ، ولو كانت من أهل البادية كفاها كوخ أو بيت شعر منفرد يناسب حالها .
وأمّا الإخدام فإنّما يجب إذا كانت ذات حشمة وشأن ومن ذوي الأخدام ، وإلاّ خدمت نفسها ، وإذا وجبت الخدمة فإن كانت من ذوات الحشمة بحيث يتعارف من مثلها أن يكون لها خادم مخصوص لابدّ من اختصاصها به ، ولو بلغت


(الصفحة588)

حشمتها بحيث يتعارف من مثلها تعدّد الخدّام فلا يبعُد وجوبه .
والأولى إيكال الأمر إلى العُرف والعادة في جميع المذكورات ، وكذا في الآلات والأدوات المُحتاج إليها ، فهي أيضاً تلاحظ ما هو المتعارف لأمثالها بحسب حاجات بلدها الّتي تسكن فيها1.


1 ـ قال المحقّق في الشرائع : وقدر النفقة ، فضابطه القيام بما تحتاج المرأة إليه من طعام وإدام وكسوة وإسكان وإخدام وآلة الإدهان، تبعاً لعادة أمثالها من أهل البلد(1).
أقول : المهمّ في المقام ملاحظة أمور :
منها : الدّليل على كون المعيار الإيكال إلى العرف في عادة الأمثال ، وهو إطلاق الأمر بالإنفاق كتاباً(2) وسنّة(3) الذي يرجع في مثله إليهما ، بعد إن لم يكن ثمّ تقدير شرعي ، وإن ورد في بعض الروايات(4) التقدير بالإضافة إلى بعض خصوصيّات الطعام أو الكسوة أو غيرهما ، والظاهر أنّه محمول على الاستحباب ، والذي ينبغي أن يلاحظ أنّها لو كانت لها عادة خاصّة على خلاف ما هي عادة لأمثالها من أهل البلد ـ مثل ما إذا كانت عادتها أكل اللحم في كلّ يوم لأجل الابتلاء بمرض خاصّ ، مع كون المتداول في البلد أكل اللحم في كلّ ثلاثة أيّام مثلا ، كما وقع تقديره به في بعض الروايات(5) ـ فهل اللازم حينئذ مراعاة حالها شخصيّاً أو مراعاة الأمثال في


(1) شرائع الإسلام : 2/349 .
(2) سورة البقرة : 2/233 ، سورة النساء : 4/34 ، سورة الطلاق : 65/6 .
(3) الوسائل : 21/507 ـ 513 ، أبواب النفقات ب1 .
(4) الوسائل : 21/512 ـ 513 ، أبواب النفقات ب1 ح11 وب2 ح1 .
(5) الكافي : 5/511 ح5 ، الوسائل : 21/513 ، أبواب النفقات ب2 ح1 .

(الصفحة589)



البلد؟ لا يبعُد أن يُقال بلزوم مراعاة الحال الشخصيّة خصوصاً مع علمه بالحال حال النكاح ، وبوجوب الإنفاق على الزوجة; لأنّ رزقها عبارة عن ذلك ، فيستفاد من قوله تعالى : { وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ}(1) هو الرزق المضاف إلى الزوجة الخاصّة ، لا الرزق المضاف إلى الأزواج المنصرف إلى ما هو المعتاد لأمثالها ، وهكذا بالإضافة إلى غير الطعام .
ومنها : إنّ ما أفاده من أنّه لا فرق في المسكن بين أن يكون بعارية أو إجارة أو ملك يمكن أن يُقال بوجود الفرق بينها بحسب عادة أمثالها من أهل البلد ، فإنّها ربّما لا تكون السكونة في بيت غير ملكيّ لائقة بحالها ، بحيث لو سكنت في دار غير ملكيّ يكون نقصاً لها بحسب العادة ، وفي هذه الصورة لا يبعُد أن يُقال بلزوم إسكانها في دار كذلك; لِما عرفت من أنّه لا تقدير للنفقة شرعاً ، والإطلاقات محمولة على عادة الأمثال في البلد .
ومنها : إنّ ما أفاده من أنّ لها أن تطالبه بالتفرّد بالمسكن عن مشاركة غير الزوج ضرّة أو غيرها ، يرد عليه إختلاف الأزواج بحسب ذلك ، فإن كان في بلد متداولا الجمع بين الضرّتين في دار واحد وكانت عادة أمثالها غير مقتضية للتفرّد فالمطالبة بالتفرّد حينئذ لا وجه لها ، وقد ذكر صاحب الجواهر : أنّ الأحسن الإحالة إلى العادة ، ولأجله يكون في كلماتهم التشويش والإضطراب ، وكأنّهم تبعوا ما في كتب العامّة(2) من التعرّض لأمثال هذه الأمور الّتي تستعملها قضاتهم لتناول العشر منها ، أو غير ذلك من المقاصد الفاسدة(3) .


(1) سورة البقرة : 2/233 .
(2) المجموع : 19/356 ـ 373 ، الأمّ : 5/95 ، المغني والشرح الكبير : 9/231 ـ 233 .
(3) جواهر الكلام : 31/336 .

(الصفحة590)

مسألة 9 : الظاهر أنّه من الإنفاق الذي تستحقّه الزوجة أُجرة الحمام عند الحاجة ، سواء كان للإغتسال أو للتنظيف إذا كان بلدها ممّا لم يتعارف فيه الغسل والاغتسال في البيت أو يتعذّر أو يتعسر ذلك لها لبرد أو غيره ، ومنه أيضاً الفحم والحطب ونحوهما في زمان الاحتياج إليها ، وكذا الأدوية المتعارفة التي يكثر الاحتياج إليها بسبب الأمراض والآلام الّتي قلّما يخلو الشخص منها في الشهور والأعوام . نعم الظاهر أنّه ليس منه الدواء وما يصرف في المعالجات الصعبة الّتي يكون الاحتياج إليها من باب الاتّفاق خصوصاً إذا احتاج إلى بذل مال خطير ، وهل يكون منها اُجرة الفصد والحجامة عند الاحتياج إليهما؟ فيه تأمّل وإشكال1.


1 ـ لا إشكال في لزوم تهيئة الحمّام في المنزل إذا كان من شأنها الاغتسال والتنظيف في البيت ، أو أُجرة الحمّام لأجله إذا لم يمكن الإغتسال في البيت لبرد أو نحوه من خراب أو غيره; لأنّه من أهمّ ما تحتاج إليه المرأة في تعيّشها مع زوجها ، ففي زماننا هذا الذي يكون الحمّام في البيت متداولا بين أغلب الناس لابدّ للزوج من تهيئته إذا كان من شأن أمثالها ذلك ، وهكذا الفحم والحطب أو ما يقوم مقامها في الشتاء كما هو المتداول في هذه الأزمنة ، وهكذا وسيلة التبريد المعمولة فيها المتداولة بين أكثر الناس ، فهو من النفقة .
وأمّا الأدوية فقد فصّل فيها بين الأدوية المتعارفة الّتي يكثر الاحتياج إليها بسبب الأمراض والآلام ، الّتي قلّما يخلو الشخص منها في الشهور والأعوام ، كالأمراض سهلة المعالجة العامّة غالباً ، وبين ما يصرف في المعالجات الصعبة الّتي يكون الاحتياج إليها من باب الإتّفاق ، بثبوت كون النوع الأوّل من النفقة دون الثاني ، خصوصاً إذا احتاج إلى بذل مال خطير ، والوجه فيه أنّه في النوع الأوّل

(الصفحة591)

مسألة 10 : تملك الزوجة على الزوج نفقة كلّ يوم من الطعام والإدام وغيرهما ممّا يصرف ، ولا يبقى عينه في صبيحته ملكاً متزلزلا يراعى بحصول تمام التمكين منها ، وإلاّ فبمقداره وتستردّ البقيّة ، فلها أن تطالبه بها عنده ، فلو منعها مع التمكين وانقضى اليوم استقرّت في ذمّته وصار ديناً عليه ، وكذا يشترط ذلك في الاستقرار مع انقضاء أيّام ، فيستقرّ بمقدار التمكين على ذمّته نفقة تلك المدّة ، سواء طالبته بها أو سكتت عنها ، وسواء قدّرها الحاكم وحكم بها أم لا ، وسواء كان موسراً أو معسراً ، ومع الإعسار يُنظر إلى اليسار ، وليس لها مطالبة نفقة الأيّام الآتية1.


حيث يكون الابتلاء بتلك الأمراض كثيراً يكون الاحتياج بالأدوية المؤثّرة في معالجتها كثيراً ، فيكون جزء للنفقة ، بخلاف النوع الثاني الذي تكون الابتلاء به قليلا ومن باب الاتّفاق ، فإنّ ما يُصرف في معالجته لا يكون جزء للنفقة ، إلاّ أن يقال بعدم اشتغال الزوجة بشغل نوعاً ، وكون إدارة الحياة الاجتماعية الزوجيّة بيد الزوج موجباً لثبوت نفقة معالجة تلك الأمراض أيضاً على الزوج ، ولا يبعد الالتزام به ، وأمّا اُجرة الفصد والحجامة فعند عدم الاحتياج إليهما فلا إشكال في عدم ثبوتها على الزوج ، وأمّا في صورة الاحتياج فيجري عليها حكم ما يصرف في معالجة الأمراض الّتي نفينا البعد عن عدم الفرق بين السهلة والصعبة ، كما مرّ .
1 ـ لا خلاف في أنّ الزوجة تملك المطالبة بنفقة يومها مع التمكين; لانّ وجوب الإنفاق على الزوج ليس مجرّد حكم تكليفيّ ، بل هو حكم وضعيّ غاية الأمر أنّها تملكها ملكاً متزلزلاً مراعى بحصول التمكين منها في جميع آنات اليوم ، والظاهر عدم توقّف الملكيّة على قبضها ، إذ ـ مضافاً إلى أنّه ليس في الأدلّة ما يقتضي مدخليّة

(الصفحة592)



القبض في الملكيّة ـ لا يجتمع ذلك مع كونها ديناً عليه إذا منع من النفقة مع انقضاء اليوم والتمكين في ذلك اليوم .
نعم حكي عن كشف اللثام(1) إمكان القول بعدم اعتبار الملك فيه ، وأنّ الواجب إنّما هو البذل والإباحة .
وفي صحيحة شهاب بن عبد ربّه قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما حقّ المرأة على زوجها؟ قال : يسدّ جوعتها ويستر عورتها ولا يقبّح لها وجهاً ، فإذا فعل ذلك فقد والله أدّى إليها حقّها ، قلت : فالدهن؟ قال : غبّاً يوم ويوم لا ، قلت : فاللّحم؟ قال : في كلّ ثلاثة فيكون في الشهر عشرة مرّات لا أكثر من ذلك ، والصبغ في كلّ ستّة أشهر ، ويكسوها في كلّ سنة أربعة أثواب : ثوبين للشتاء وثوبين للصيف ، ولا ينبغي أن يقفر بيته من ثلاثة أشياء : دهن الرأس والخلّ والزيت ويقوتهنّ بالمدّ فإنّي أقوت به نفسي ، وليقدّر لكلّ إنسان منهم قوته ، فإن شاء أكله وإن شاء وهبه وإن شاء تصدّق به ، ولا تكون فاكهة عامّة إلاّ أطعم عياله منها ، ولا يدع أن يكون للعبد عندهم فضل في الطعام أن يسنا لهم (ينيلهم) في ذلك شيء ما لم يسناه لهم (لا ينيلهم) في سائر الأيّام(2) .
والظاهر أنّ جواز الأكل الملازم للإتلاف لأجل حصول الملكيّة لا لمجرّد الإباحة إلاّ أن يقال : إنّ تقدير القوت بالإضافة الى كلّ إنسان منهم ، أي من عياله دون خصوص الزوجة ـ مع أنّ الكلام كان في الزوجة والضمائر القبلية راجعة إليها ـ دليل على عدم ثبوت الملكية في الزوجة أيضاً ، كما لا يخفى . وكما أنّ التقدير بما ذكر


(1) كشف اللثام : 7/569 .
(2) الكافي : 5/511 ح5 ، التهذيب : 7/457 ح 1830 ، الوسائل : 21/513 ، أبواب النفقات ب2 ح1 .

(الصفحة593)



في الرواية محمول على العادة والغالب ولو في زمان صدور الرواية ، لا لأجل كونه ضابطاً في جميع الأعصار والأمصار بالإضافة إلى جميع الأشخاص .
وكيف كان فلا دليل ظاهراً على حصول الملكيّة للزوجة بالإضافة إلى النفقة ولو في كلّ يوم ، وثبوتها ديناً عليه إذا امتنع مع ثبوت التمكين لها إنّما هو باعتبار عدم إمكان الإباحة والبذل بالنسبة إلى ما مضى ، اللّهم إلاّ أن يمنع ذلك ويقال بثبوتها كما كانت ، فتدبّر جيّداً .
غاية الأمر أنّ في صبيحة كلّ يوم يكون الوجوب متزلزلا مراعى باجتماع الشرائط كلّها في تمام ذلك اليوم ، ومن الشرائط الحياة ، كما أنّ منها التمكين ، وبعد انقضاء اليوم كذلك يستقرّ لو لم يدفع الزوج .
نعم ، وقع الخلاف بعد الاتّفاق على أنّه لا يجبر الزوج على عين المأكول من الخبز أو اللحم المطبوخ على أنّه هل يكفي دفع الحبّ ومؤونة إصلاحه ، وكذا الإدام من اللحم ، أم لا بدّله من جعل الحبّ دقيقاً؟ ففي محكيّ قواعد العلاّمة التصريح بعدم وجوب تسليم الدقيق في الخبز والقيمة إلاّ مع التراضي منهما(1) ، وذكر كاشف اللثام في الشرح : أمّا القيمة فالأمر فيها ظاهر ، فإنّ الواجب إنّما هو الطعام ، وأمّا الدقيق والخبز فظاهر أنّه لا يجبر الزوج عليهما إذا دفع الحبّ مع مؤونة الطحن والخبز ، وأمّا الزوجة فالظّاهر أنّها تُجبر على القبول كما يعطيه كلام الإرشاد(2) . ويحتمل العدم كما هو قضيّة الكلام هنا; لأنّهما لا يصلحان لجميع ما يصلح له الحبّ(3) .
أقول : الظاهر اختلاف الأمكنة والأزمنة في هذا ، ففي مثل زماننا الذي لا يمكن


(1) قواعد الأحكام : 2/53 .
(2) إرشاد الأذهان : 2/34 .
(3) كشف اللثام : 7/569 .

(الصفحة594)

مسألة 11 : لو دفعت إليها نفقة أيّام كاسبوع أو شهر مثلا وانقضت المدّة ولم تصرفها على نفسها ـ إمّا بأن أنفقت من غيرها أو أنفقَ إليها شخص ـ كانت ملكاً لها ، وليس للزوج استردادها ، وكذا لو استفضلت منها شيئاً بالتقتير على نفسها كانت الزيادة ملكاً لها ، فليس له استردادها . نعم لو خرجت عن الاستحقاق قبل انقضاء المدّة بموت أحدهما أو نشوزها أو طلاقها بائناً يوزّع المدفوع على الأيّام الماضية والآتية ، ويستردّ منها بالنسبة إلى ما بقي من المدّة ، بل الظاهر


للزوجة خصوصاً في الأمصار سيّما في بعضها تبديل الحبّ بالخبز ، بل جعله دقيقاً أيضاً لابدّ من دفع الخبز ، وصلاحية الحبّ لغيره لا توجب الاكتفاء به بعد كون عادة الغالب هو أكل الخبز ، وما ورد في الرواية المتقدّمة من «سدّ جوعتها» لا يُراد به إلاّ سدّ الجوعة بالمتعارف لأمثالها لا لجعل شيء أمكن .
ثمّ إنّ التفصيل بين اليوم الّذي تطالب النفقة في صبيحته وبين الأيّام الآتية مع اشتراكهما في عدم التحققّق بعد ، وعدم معلوميّة إجتماع الشرائط في الزمان الآتي ، إنّما هو بلحاظ أنّ المقصود من النفقة حيث يكون سدّ جوعتها والمنع من تضرّرها ، فالواجب أن يدفع إليها يوماً فيوماً; لأنّ الحاجة تندفع بهذا المقدار خصوصاً مع عدم الوثوق باجتماع الشرائط ، وخصوصاً لو قُلنا بأنّه لا يجب على الزوج إلاّ الحبّ ومؤونة الإصلاح; لأنّ جعل الحبّ دقيقاً والدقيق خبزاً يحتاج إلى زمان لا محالة ، ولا يلزمها الصبر إلى الليل ليستقرّ الوجوب ، لأنّها ربّما تجوع وتتضرّر بالتأخير .
ثمّ إنّه لو كان الزوج معسراً يصير ثبوت هذا الدّين عليه كسائر الديون ، قال الله تعالى : {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة}(1) كما لا يخفى .


(1) سورة البقرة : 2/280 .

(الصفحة595)

ذلك أيضاً فيما إذا دفع لها نفقة يوم وعرض أحد تلك العوارض في أثنائه ، فيستردّ الباقي من نفقة اليوم1.


1 ـ لو دُفعت إليها نفقة أيّام كاسبوع مثلا وانقضت المدّة ولم تصرفها على نفسها ، أو استفضلت منها شيئاً بالتقتير على نفسها ، فالظّاهر أنّ النفقة بأجمعها في الفرض الأوّل والزيادة في الفرض الثاني تكون ملكاً لها تفعل بها ما تشاء ، وأضاف الجواهر عقيب الأوّل قولا واحداً ، وعقيب الثاني بلا خلاف أجده بينهم(1) .
أقول : وهذا دليل على عدم ثبوت الملكيّة بالقبض من الأوّل ، إذ بعد صيرورتها ملكاً لها لا تعقل صيرورتها ملكاً لها ثانياً ، فالحكم بالملكيّة في هذه الصورة شاهد على عدمها من أوّل الأمر ، والظاهر أنّ الوجه في الثبوت هنا أنّه لا يجري فيه البذل والإباحة بعد خروجه عن محلّ الابتلاء نوعاً ومجيىء نفقة جديدة في البين ، فلا يجوز للزوج استرداد النفقة أو الزيادة .
نعم ، لو خرجت عن الاستحقاق قبل انقضاء المدّة بموت أحدهما أو نشوزها أو طلاقها بائناً مع عدم الحمل يوزع المدفوع على الأيّام الماضية والآتية ، ويستردّ منها بالنسبة إلى ما بقي من المدّة ، والظاهر أنّه لا فرق بين اليوم والأيّام ولا فرق بين يوم الطلاق وغيره ، وإن كان ظاهر عبارة قواعد الفاضل(2) بلحاظ استثناء يوم الطلاق هو الفرق ، إلاّ أنّ الظاهر العدم وإن قيل في وجه الفرق : بانّها في صورة الطلاق مسلّمة للعوض الذي هو التمكين ، وإنّما ردّه الزوج بالطلاق بخلاف غيره من الصور ، إلاّ أنّها كما ترى .


(1) جواهر الكلام : 31/344 ـ 345 .
(2) قواعد الأحكام : 2/54 .

(الصفحة596)

مسألة 12 : كيفيّة الإنفاق بالطّعام والإدام إمّا بمؤاكلتها مع الزوج في بيته على العادة كسائر عياله ، وإمّا بتسليم النفقة لها وليس له إلزامها بالنحو الأوّل ، فلها أن تمتنع من المؤاكلة معه وتُطالبه بكون نفقتها بيدها تفعل بها ما تشاء ، إلاّ أنّه إذا أكلت وشربت معه على العادة سقط ما عليه وليس لها أن تُطالبه بعده1.

مسألة 13 : ما يدفع إليها للطعام والأدام إمّا عين المأكول كالخبز والتمر والطبيخ واللحم المطبوخ ممّا لا يحتاج في إعداده للأكل إلى علاج ومزاولة ومؤونة وكُلفة ، وإمّا عين تحتاج إلى ذلك كالحبّ والارز والدقيق ونحوها ، فإن لم يكن النحوان خلاف المُتعارف فالزوج بالخيار بينهما ، وليس للزوجة الامتناع ، ولو اختار النحو الثاني واحتاج إعداد المدفوع للأكل إلى مؤونة كالحطب وغيره كان عليه ، وإن كان أحدهما خلاف المتعارف يتّبع ما هو المتعارف2


1 ـ لا شبهة في أنّه إذا أكلت وشربت مع الزوج على العادة سقط ما عليه من الإنفاق وليس لها أن تطالبه بعده ، إلاّ أنّ الكلام في أنّه هل يتعيّن على الزوجة قبول ذلك أو أنّ لها أن تمتنع من المؤاكلة معه وتُطالبه بكون نفقتها بيدها؟ ظاهر المتن هو الثاني ، ولعلّ الوجه فيه أنّ أمر النفقة بيد الزوجة ، ولعلّها لم يصرفها بل يبقيها إلى أوان آخر ، خصوصاً مع كون المؤاكلة معه على خلاف عادتها الشخصيّة في نوع الغذاء أحياناً ، والإنصاف التفصيل بين الصورتين .
2 ـ تقدّم البحث في هذه المسألة في ذيل المسألة العاشرة ، ولا حاجة إلى الإعادة ، فراجع .


(الصفحة597)

مسألة 14 : لو تراضيا على بذل الثمن وقيمة الطعام والإدام وتسلّمت ملكته وسقط ما هو الواجب عليه ، وليس لكلّ منهما إلزام الآخر به1.

مسألة 15 : إنّما تستحقّ في الكسوة أن يكسوها بما هو ملكه أو بما استأجره أو استعاره ، ولا تستحقّ عليه أن يدفع إليها بعنوان التمليك ، ولو دفع إليها كسوة لمدّة جرت العادة ببقائها إليها فكستها فخلقت قبل تلك المدّة أو سرقت وجب عليه دفع كسوة أُخرى إليها ، ولو انقضت المدّة والكسوة باقية على نحو يليق بحالها ليس لها مطالبة كسوة أُخرى ، ولو خرجت في أثناء المدّة عن الاستحقاق لموت أو نشوز أو طلاق تستردّ إذا كانت باقية ، وكذا الحال في الفراش والغطاء


1 ـ لا شبهة في أنّه مع التراضي على بذل الثمن وقيمة الطعام والإدام ، وتسلّمت الزوجة ملكته وسقط ما هو الواجب عليه ، أمّا سقوط ما هو الواجب عليه فواضح مع ثبوت التراضي من الطرفين ، وأمّا الملكية فلاستلزامها للإباحة المطلقة هنا ، وإن كان بالنسبة إلى الطعام الذي يدفعه الزوج إليها يجري احتمال إباحة الأكل غير الملازم للملكية ، كما في إطعام الضيف ، والفرق إنّما هو في الوجوب والاستحباب من دون حصول الملكية في احديهما ، وأمّا مع عدم التراضي فالواجب على الزوج الإنفاق بالكيفيّة المذكورة ، وأمّا القيمة فلا يجب على الزوج ، وليس للزوجة إلزامه بها بعد فرض كونها قيمة للطعام والإدام لأنفسهما ، كما لا يخفى .
والواجب على الزوج إنّما هو الطعام والإدام كما عرفت(1) . وربّما لا يكون الزوج واجداً للقيمة حتى يعطيها الزوجة مع مطالبتها إيّاها ، فالحقّ ما أفاده في المتن من أنّه ليس لكلّ منهما إلزام الآخر به ، أي ببذل الثمن وقيمة الطعام والإدام .


(1) في ص591 ـ 594 .

(الصفحة598)

واللّحاف والآلات الّتي دفعها إليها من جهة الإنفاق ممّا تنتفع بها مع بقاء عينها ، فإنّها كلّها باقية على ملك الزوج تنتفع بها الزوجة ، فله استردادها إذا زال استحقاقها إلاّ مع التمليك لها1.


1 ـ الذي ينبغي التعرّض له هنا أنّ الكسوة لا تكون مثل طعام اليوم وإدامه ، فإنّك عرفت(1) حصول الملكية لهما للزوجة ، بل عرفت(2) كونها ـ أي النفقة ملكاً لها لو أنفق نفقة اسبوع أو شهر وانقضت المدّة ولم تصرفها أو استفضلت منها زيادة ، وأمّا الكسوة فلا حاجة فيها إلى التمليك بل تستحقّ فيها أن يكسوها بما هو ملكه أو بما استأجره أو استعاره . لا يقال : إنّ لبس اللباس غير الملكي ربّما يكون منافياً لشأنها وعادة أمثالها ، كما نراه بالوجدان في زماننا بالإضافة إلى بعض القبائل; لأنّا نقول حيث إنّ الثوب الاستعاري أو الاستيجاري لا يكون مشخّصاً حتى للزوجة ، فلا يجب عليه أزيد من ذلك . نعم ، مع التميّز لا يبعُد أن يُقال بعدم الجواز .
وممّا ذكرنا يظهر حكم المسكن والخدام ونحوهما ممّا علم من الأدلّة عدم اعتبار الملك في إنفاقهنّ ، بل المقصود مجرّد الإمتاع ، كما أنّه ظهر إنّه لو دفع إليها كسوة لمدّة جرت العادة ببقائها إليها ، فكستها فخلقت قبل تلك المدّة أو سرقت وجب عليه دفع كسوة أُخرى إليها ، والظاهر أنّ المراد هي الخلقة بحيث لم يكن يتعارف من أمثالها كسوته ، فإنّ الأشخاص مختلفة من هذه الجهة .
وما وردت في صحيحة شهاب المتقدّمة(3) من أنّها لا تستحقّ في السنة إلاّ أربعة أثواب : ثوبين للشتاء وثوبين للصيف ، فهو محمول على ما هو المتعارف في ذلك


(1) في ص591 ـ 594 .
(2) في ص594 ـ 595 .
(3) في ص592 .

(الصفحة599)

مسألة 16 : لو اختلف الزوجان في الإنفاق وعدمه مع اتّفاقهما على الاستحقاق ، فإن كان الزوج غائباً أو كانت الزوجة منعزلة عنه فالقول قولها بيمينها وعليه البيّنة ، وإن كانت في بيته داخلة في عيالاته فالظاهر أنّ القول قول الزوج بيمينه وعليها البيّنة1.


الزمان ، وإلاّ فربّما تحتاج إلى أزيد من أربعة وربّما لا تحتاج إلى أربعة أيضاً ، كما إنّه قد ظهر أنّه لو خرجت في أثناء المدّة عن الاستحقاق لموت أو نشوز أو طلاق تستردّ إذا كانت باقية ، وهكذا الحال في الفراش والغطاء واللحاف والآلات الّتي يدفعها إليها من جهة إطاعة ما هو وظيفته في باب الإنفاق نعم لو ملّكها زائداً على ما هو الواجب عليه يجري عليه حكم الهبة ، فتدبّر .

1 ـ لو اختلف الزوجان في الإنفقاق وعدمه مع الاتّفاق على الاستحقاق من جهة عدم النشوز ونحوه من موانع الاستحقاف ، فقد فصّل في المتن بين ما لو كان الزوج غائباً أو كانت الزوجة منعزلة عنه ، فالقول قولها وعليه البيّنة ، وإن كانت في بيته داخلة في عيالاته فاستظهر أنّ القول قول الزوج بيمينه وعليها البيّنة ، والظاهر أنّ منشأه هو جعل المعيار في تشخيص المدّعي والمنكر هو أنّ المدّعي من يكون قوله مخالفاً للظاهر ، والمنكر من يكون قوله مو افقاً للظاهر ، وقد أثبتنا في كتاب القضاء(1) أنّ التشخيص إنّما هو بيد العرف ، وقد جعل الماتن(قدس سره) الأولى الرجوع إليه ، مع أنّ مجرّد غيبة الزوج لا يستلزم الظهور في العدم ، خصوصاً إذا كان الزوج متديّناً متعهّداً بأحكام الشرع ، ويعلم أنّ من أحكام الزوجيّة الإنفاق على الزوجة .
فالإنصاف تقديم قول الزوج بيمينه مع عدم ثبوت البيّنة للزوجة في جميع


(1) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ، كتاب القضاء : 75 ـ 77 .

(الصفحة600)

مسألة 17 : لو كانت الزوجة حاملا ووضعت وقد طلّقت رجعيّاً واختلفا في زمان وقوع الطلاق ، فادّعى الزوج أنّه قبل الوضع وقد انقضت عدّتها به فلا نفقة لها ، وادّعت أنّه بعده ولم تكن بيّنة فالقول قولها مع اليمين ، فإن حلفت ثبت لها استحقاق النفقة ، لكن يحكم عليه بالبينونة وعدم جواز الرجوع أخذاً بإقراره1.

مسألة 18 : لو طالبته بالإنفاق وادّعى الإعسار وعدم الاقتدار ولم تصدّقه وادّعت عليه اليسار فالقول قوله بيمينه إن لم يكن لها بيّنة ، إلاّ إذا كان مسبوقاً


الموارد ، إلاّ فيما إذا حصل الظنّ المتاخم للعلم الذي يكون علماً عقلائيّاً ، كما أنّ العلم الحقيقي يكون حجّة عقلا بأنّها داخلة في عيالاته وساكنة في بيته ، بحيث تأكل معهم على خوان واحد وعلى سفرة واحدة ، فإنّه حينئذ يظنّ كذلك بثبوت الإنفاق ، ولعلّه لم يحتجّ إلى يمين الزوج ، نعم الرجوع إلى اليمين مع عدم بيّنة الزوجة دليل على عدم كون المراد هذه الصورة ، فالتفصيل المذكور ممّا لا يكاد يستقيم بوجه .

1 ـ لو كانت الزوجة المطلّقة رجعيّاً حاملا وقد وضعت واختلفا في زمان وقوع الطّلاق ، فادّعى الزوج أنّه قبل الوضع وقد انقضت عدّتها بالوضع ، فلا نفقة لها لانقضاء العدّة والخروج عن الزوجيّة ، وادّعت الزوجة أنّ الانقضاء بعد الوضع وعدم تماميّة العدّة بالوضع ، ولها النفقة ولم تكن هناك بيّنة للزوج المدّعي ، فالقول قولها مع اليمن لاستصحاب بقاء العدّة إلى ما بعد الوضع ، لكن المفروض ما إذا كان تاريخ الوضع معلوماً وتاريخ الانقضاء مشكوكاً ، وإلاّ فيجري فيه حكم مجهولي التاريخ أو جهل تاريخ الوضع ، فإن حلفت ثبت لها استحقاق النفقة لكن يحكم على الزوج بالبينونة وعدم جواز الرجوع أخذاً بإقراره; لأنّه يدّعي الإنقضاء قبل الوضع فحصلت البينونة قبله فلا رجوع .

<<التالي الفهرس السابق>>