في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة161)




أقوال منكري التواتر

ولا بأس بنقل كلمات بعض من الأعلام ممّن صرّح بعدم تواتر القراءات :
1 ـ ابن الجزري ـ الذي وصفه السيوطي في «الاتقان» بأنّه شيخ مشايخ القرّاء في زمانه ، وانّه أحسن من تكلّم في هذا المقام ، قال ـ على ما حكي عنه ـ «كلّ قراءة وافقت العربيّة ولو بوجه ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً ، وصحّ سندها ، فهي القراءة الصحيحة ، التي لا يجوز ردّها ، ولا يحلّ إنكارها ، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، ووجب على الناس قبولها ، سواء كانت عن الأئمّة السبعة ، أم عن العشرة ، أم عن غيرهم من الأئمّة المقبولين ، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة ، أو شاذّة ، أو باطلة سواء كانت عن السبعة ، أم عمّن هو أكبر منهم ، هذا هو الصحيح عند أئمّة التحقيق من السلف والخلفو صرّح بذلك الداني ، ومكّي ، والمهدويّ ، وأبو شامة ، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه» وقد نقل بقيّة كلامه الطويل أيضاً السيوطي في الاتقان ، ثمّ وصفه بأنّه أتقن هذا الفصل جدّاً .
2 ـ أبو شامة : في كتابه «المرشد الوجيز» قال ـ على ما حكاه عنه ابن الجزري في ذيل كلامه المتقدّم ـ «فلا ينبغي أن تغترّ بكلّ قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمّة السبعة ، ويطلق عليها لفظ الصحّة ، وانّها هكذا انزلت . إلاّ إذا دخلت في ذلك

(الصفحة162)

الضابط ـ وحينئذ ـ لا ينفرد بنقلها مصنّف عن غيره ، ولا يختصّ ذلك بنقلها عنهم ، بل ان نقلت عن غيرهم من القرّاء فذلك لا يخرجها عن الصحّة ، فإنّ الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف ، لا على من تنسب إليه ، فإنّ القراءات المنسوبة إلى كلّ قارئ ، من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه ، والشاذّ ، غير أنّ هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم» .
3 ـ الزركشي حيث قال : «إنّ التحقيق أنّ القراءات السبع متواترة عن الأئمّة السبعة ، امّا تواترها عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ففيه نظر ، فإنّ اسناد الأئمّة السبعة بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات ، وهي نقل الواحد عن الواحد» .
ومن الغريب بعد ذلك ما وقع من بعض الاُصوليّين وكذا بعض من أعلام فقهاء الشيعة الإماميّة كالشهيدين (قدس سرهما) في محكيّ «الذكرى» و«روض الجنان» من دعوى تواتر القراءات السبع .
قال في الثاني ـ بعد نقل الشهرة من المتأخّرين وشهادة الشهيد على ذلك ـ : «ولا يقصر ذلك عن ثبوت الإجماع بخبر الواحد فيجوز القراءة بها ، مع أنّ بعض محقّقي القرّاء من المتأخّرين أفرد كتاباً في أسماء الرجال الذين نقلوها في كلّ طبقة ، وهم يزيدون عمّا يعتبر في التواتر ، فيجوز القراءة بها إن شاء الله تعالى» .
ونقتصر في مقام الجواب على أمر واحد ، وهو أنّ أهل الفنّ أخبرْ بفنّهم ، والحكم في ذلك ليس من شأنهم ، مع أنّه يمكن أن يقال إنّ مراده (قدس سره) هو ثبوت التواتر عنهم ، لا عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو وإن كان ممنوعاً أيضاً ـ على ما عرفت في الاحتمال الأوّل في معنى تواتر القراءات ـ إلاّ أنّ ادّعاءه أسهل من دعوى التواتر عن

(الصفحة163)

النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مضافاً إلى أنّه لا يترتّب على ما ثبت تواتره عنهم أثر أصلاً ، لما مرّ من عدم حجّية قولهم وفعلهم وتقريرهم ، كما أنّ الظاهر انّ غرض الشهيد من إثبات التواتر مجرّد جواز القراءة بكلّ من تلك القراءات ، لتفريع جواز القراءة على ذلك في موضعين من كلامه ، ولو كان المراد ثبوت تواترها عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لكان الأثر الأهمّ والغرض الأعلى الاتّصاف بوصف القرآنية ، وجواز الاستدلال بها ، والاستناد إليها في مقام استنباط حكم من الأحكام الشرعية الإلهية ، ومن الواضح انّه لا يقاس بذلك في مقام الأهمّية مجرّد جواز القراءة ، كما هو ظاهر .
وهنا احتمال ثالث في معنى تواتر القراءات ، ذكره المحقّق القمّي (قدس سره) في كتاب القوانين ، وأذعن به حيث قال : «إن كان مرادهم تواترها عن الأئمّة (عليهم السلام) بمعنى تجويزهم قراءتها ، والعمل على مقتضاها فهذا هو الذي يمكن أن يدّعى معلوميّتها من الشارع ، لأمرهم بقراءة القرآن كما يقرأ الناس ، وتقريرهم لأصحابهم على ذلك ، وهذا لا ينافي عدم علمية صدورها عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ووقوع الزيادة والنقصان فيه ، والإذعان بذلك والسكوت عمّا سواه أوفق بطريقة الاحتياط» .
ومرجع هذا الاحتمال ـ وإن كان بعيداً في الغاية لأنّ مسألة تواتر القراءات من المسائل المهمّة المبحوث عنها عند العامّة ، ويبعد أن يكون مرادهم التواتر عن الأئمّة التي يختصّ اعتقاد حجّية أقوالهم بالفرقة المحقّة ـ إلى تواتر مجرّد جواز القراءة بتلك القراءات ، والعمل على مقتضاها ، من الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين .
وسيأتي البحث عن ذلك بعد ذكر أدلّة القائلين بالتواتر في المقام الثالث الممهّد للبحث عن جواز القراءة بتلك القراءات السبع المختلفة ، بعد عدم ثبوت تواترها بوجه ، وعدم جواز الاستدلال بها ، والاستناد إليها في مقام الاستنباط ،

(الصفحة164)

واستكشاف أحكام الله تبارك وتعالى ، إن شاء الله ، فانتظر .


(الصفحة165)




أدلّة القائلين بالتواتر

وامّا القائلون بالتواتر فمستندهم في ذلك وجوه :
الأوّل : دعوى قيام الإجماع عليه من السلف إلى الخلف .
والجواب :
إنّ ملاك حجّية الإجماع ـ عند المستدلّ ـ يتقوّم باتّفاق كلّ من يتّصف بأنّه من الاُمّة المحمّدية ، وبدون ذلك لا يتحقّق الإجماع الواجد لوصف الحجّية والاعتبار عنده ، وقد مرّ عدم تحقّق هذا الاتّفاق بوجه ، فإنّه كما تحقّق إنكار تواتر القراءات من الطائفة المحقّة الإماميّة ـ وهم جماعة غير قليلة من الاُمّة النبويّة ـ كذلك أنكره كثير من المحقّقين من علماء أهل السنّة ، وقد تقدّم نقل بعض كلماتهم ، فدعوى قيام الإجماع ـ والحال هذه ـ ممّا لا يصدر ادّعاؤها من العاقل غير المتعصّب .
الثاني : انّ اهتمام الصحابة والتابعين بالقرآن يقضي بتواتر قراءاته ، وهذا واضح لمن سلك سبيل الإنصاف ، ومشى طريق العدالة .
والجواب :
أوّلاً : انّ هذا الدليل لا ينطبق على المدّعى بوجه ، فإنّ المدّعى هو تواتر القراءات السبع أو العشر ، والدليل يقتضي تواتر قراءة القرآن ، ومن الواضح أنّ تواتر القراءة ـ على تقديره ـ لا يثبت تواتر القراءات السبع أو العشر .


(الصفحة166)

وثانياً : انّ مقتضى هذا الدليل تواتر نفس القرآن ، لا تواتر كيفيّة قراءته ، خصوصاً مع ما نعلم من كون مستند بعض المشايخ والقرّاء هو الاجتهاد والنظر أو السماع ولو من الواحد .
مع أنّ حصر القراءات في السبع إنّما حدث في القرن الثالث من الهجرة ، ولم يكن له قبل هذا الزمان عين ولا أثر .
وحكى أنّ مسبّعها هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العبّاس بن مجاهد ، كان على رأس الثلاثمائة ببغداد ، فجمع قراءات سبعة من مشهوري أئمّة الحرمين والعراقين والشام ، وحكى أنّه قد لامه كثير من العلماء لما فيه من الإيهام ، وإشكال الأمر على العامّة بإيهامه كلّ من قلّ نظره أنّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر ـ يعني رواية نزول القرآن على سبعة أحرف .
وحكي عن أبي محمّد مكّي قوله : «قد ذكر الناس من الأئمّة في كتبهم أكثر من سبعين ممّن هو أعلى رتبة ، وأجلّ قدراً من هؤلاء السبعة ، فكيف يجوز أن يظنّ ظانّ أنّ هؤلاء السبعة المتأخّرين قراءة كلّ واحد منهم أحد الحروف السبعة المنصوصة عليها هذا تخلّف عظيم ، أكان ذلك بنصّ من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أم كيف ذلك؟! أو كيف يكون ذلك؟! والكسائي إنّما ألحق بالسبعة بالأمس في أيّام المؤمنون وغيره ، وكان السابع يعقوب الحضرمي ، فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة ونحوها الكسائي موضع يعقوب» .
ومع هذا الشأن فهل يكون اهتمام الصحابة والتابعين موجباً لتواتر هذه القراءات السبع خاصّة؟! فاللاّزم امّا القول بتواتر جميع القراءات من دون تبعيض ، وامّا القول بعدم تواتر شيء منها في مورد الاختلاف ، وحيث انّه لا سبيل إلى الأوّل

(الصفحة167)

فلا محيص عن الثاني ، كما لا يخفى .
الثالث : دعوى الملازمة بين تواتر أصل القرآن وبين تواتر القراءات المختلفة ، نظراً إلى أنّ القرآن إنّما وصل إلينا بتوسّط حفّاظه والقرّاء المعروفين ، ولم تكن القراءة منفكّة عن القرآن ، بحيث كان أصل القرآن واصلاً مستقلاًّ ، والقراءة واصلة مرّة اُخرى كذلك ، بل كانتا واصلتين معاً ، بتوسّط الحفّاظ والقرّاء ، وحينئذ فتواتر القرآن الذي لا ريب فيه ، ولا شيهة تعتريه ملازم لتواتر القراءات ، لما عرفت .
والجواب :
أوّلاً : منع الملازمة ين تواتر أصل شيء وبين تواتر خصوصيّاته وكيفيّاته ، ضرورة أنّ الاختلاف فيها لا ينافي الاتّفاق على أصله ، وهذا واضح جدّاً فإنّ غالبية الحوادث والوقائع والمسائل والاُمور ، أصلها مسلّم متّفق عليه ، وخصوصيّاتها مشكوكة مختلف فيها ، وذلك كواقعة الطف الكبرى ، فإنّ حدوثها ووقوعها من الواضحات البديهيّة ، وكيفيّتها مختلف فيها ، وكهجرة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ تواتر أصلها لا يسلتزم تواتر خصوصيّاتها .
وبالجملة : فدعوى الملازمة بين اتّصاف أصل الشيء بالتواتر وبين اتّصاف خصوصيّاتها به أيضاً ممنوعة جدّاً .
وثانياً : منع كون أصل القرآن واصلاً إلينا بتوسّط خصوص أولئك الحفّاظ والقرّاء ، بحيث لو لم يكونوا لما كان القرآن واصلاً إلى الخلف ، فإنّ ذلك مستلزم لعدم اتّصاف الأصل بالتواتر أيضاً ، بل من الواضح انّ وصول القرآن إلينا كان بالتواتر بين المسلمين ، ونقل الخلف عن السلف ، والتحفّظ على ذلك في صدورهم وكتاباتهم ، وذكرها اُمورهم وشؤونهم ، ولم يكن للقرّاء بأجمعهم فضلاً عن السبعة

(الصفحة168)

أو العشرة دخل في ذلك أصلاً ، وحينئذ فتواتر القرآن الثابت بنقل المسلمين بهذا النحو كيف يكون ملازماً لتواتر القراءات السبع أو العشر ، وكيف يقاس أصل القرآن بخصوصيّات القراءات؟! .
ثمّ على تقدير كون مراد المستدلّ تواتر خصوص القراءات السبع أو العشر ـ كما هو الظاهر ـ يكون بطلان الدليل أوضح ، لأنّ دعوى الملازمة بين تواتر أصل القرآن وبين تواتر خصوص هذه القراءات ـ مع وضوح عدم كون القرآن واصلاً إلى الخلف ، بتوسّط خصوص هؤلاء القرّاء المعدودين ، والنفر المحصورين ـ ممّا لا يكاد يصدر ادّعاؤها ممّن له أدنى حظّ من العلم ، وأقلّ نصيب من الإنصاف والعدالة ، كما لا يخفى على اُولي النّهى والدراية .
الرابع : انّ اختلاف القراءات قد يرجع إلى الاختلاف في أصل الكلمة كالاختلاف الواقع بينهم في قراءة «ملك» و«مالك» وحينئذ لو لم تكن القراءات متواترة فيلزم أن يكون بعض القرآن غير متواتر ، فإنّ الاختلاف في إعراب مثل كلمة «والأرحام» وإن لم يكن مستلزماً لعدم تواتر القرآن على فرض عدم تواتر القراءات ، إلاّ أنّ الاختلاف في مثل كلمة «مالك» و«ملك» يستلزم ذلك على التقدير المذكور وفرض عدم تواتر القراءات ، ضرورة أنّ تخصيص أحدهما بالاتّصاف بوصف القرآنية تحكم ، فلا محيص عن الالتزام بتواتر كليهما ، حذراً عن خروج بعض القرآن عن كونه غير متواتر .
وهذا الدليل محكي عن ابن الحاجب ، وارتضاه جماعة ممّن تأخّر عنه .
والجواب :
انّه إن كان المدّعي هو تواتر خصوص القراءات السبع ـ كما هو الظاهر ـ فيرد

(الصفحة169)

عليه عدم اقتضاء الدليل ذلك ، فإنّ مقتضاه ـ على فرض تماميّته ـ تواتر جميع القراءات ، خصوصاً مع ما عرفت من تصريح بعض المحقّقين من علماء أهل السنّة بأن فيمن عدى القرّاء السبعة من هو أعلى رتبة وأجلّ قدراً من السبعة ، بل قد عرفت في كلام أبي محمّد مكّي المتقدّم انّه قد ذكر الناس من الأئمّة في كتبهم أكثر من سبعين ، ممّن هو أعلى رتبة ، وأجلّ قدراً من هؤلاء السبعة . ومن الواضح انّه لا دخل للأوثقية والأرجحيّة في ذلك .
وبالجملة : الدليل ـ على فرض صحّته ـ يقتضي تواتر جميع القراءات ، من دون رجحان ومزيّة لبعضها على البعض الآخر .
وإن كان المراد هو تواتر جميع القراءات ، فيرد عليه ـ مضافاً إلى وضوح بطلان هذه الدعوى ، بحيث لم يصرّح بها أحد من القائلين بتواتر القراءات ، بل ولم يظهر من أحد منهم ـ منع الملازمة ، فإنّ الاختلاف إن كان في الكلمة مطلقاً ـ مادّة وهيئة ـ لكان لها سبيل ، وامّا في مثل المثال ممّا يكون الاختلاف راجعاً إلى الكيفيّة والهيئة فقط ، فتواتر القرآن إنّما تتّصف به المادّة فقط ، والاختلاف لا ينافي تواترها . نعم يكون موجباً لالتباس ما هو القرآن بغيره ، وعدم تميّزه من حيث الهيئة كعدم التميّز من حيث الإعراب في مثل كلمة «والأرحام» .
وقد انقدح من جميع ما ذكرنا عدم اتّصاف شيء من القراءات السبع أو العشر بالتواتر ، فضلاً عن غيرها ، هذا تمام الكلام في المقام الأوّل .


(الصفحة170)




المقام الثاني ـ حجّية القراءات

المقام الثاني : في حجّية القراءات وجواز الاستدلال بها على الحكم الشرعي وعدمها فنقول :
حكي عن جماعة حجّية هذه القراءات وجواز استناد الفقيه إليها في مقام الاستنباط ، فيمكن الاستدلال على حرمة وطء الحائض بعد نقائها من الحيض ، وقبل أن تغتسل بقوله تعالى : {ولا تقربوهنّ حتّى يطهّرن} على قراءة الكوفيين ـ غير حفص ـ بالتشديد ، وظاهر تلك الجماعة حجّيتها على فرض عدم التواتر أيضاً ، بمعنى أنّ الحجّية على فرض التواتر ممّا لا ريب فيه عندهم أصلاً ، فيجوز الاستدلال بكلّ واحدة منها حسب اختيار الفقيه وإرادته ، وعلى فرض عدم التواتر أيضاً يجوز الاستدلال بها ، فلا فرق بين القولين من هذه الجهة ، غاية الأمر أنّ الجواز على الفرض الأوّل أوضح .
والدليل على الحجّية ـ على فرض التواتر ـ هو القطع بأنّ كلاًّ من القراءات قرآن منزل من عند الله ، فهي بمنزلة الآيات المختلفة النازلة من عنده تعالى ، وعلى فرض عدم التواتر يمكن أن يكون هو شمول الأدلّة القطعية الدالّة على حجّية خبر الواحد ، الجامع للشرائط لهذه القراءات أيضاً ، فإنّها من مصاديق خبر الواحد على هذا التقدير ، فتشملها أدلّة حجّيته .


(الصفحة171)

والجواب :
امّا على التقدير الأوّل : انّ التواتر وإن كان موجباً للقطع بذلك ـ على فرض كون المراد به هو التواتر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ إلاّ انّه :
إن كان المراد بالحجّية هي الحجّية في نفسها ، بمعنى كون كلّ واحدة من القراءات صالحة للاستدلال بها ، مع قطع النظر عن مقام المعارضة ، فلا مانع من الالتزام بها على هذا الفرض ، إلاّ أنّ الظاهر عدم كونها بهذا المعنى مراداً للقائل بالحجّية ، وجواز الاستدلال .
وإن كان المراد بها هي الحجّية المطلقة الراجعة إلى جواز الاستدلال بها ، ولو مع فرض المعارضة والاختلاف ، فيرد عليه عدم اقتضاء التواتر لذلك ، فإنّ مقتضاه القطع بها من حيث السند والصدور ، وامّا من حيث الدلالة فيقع بينهما التعارض ولا مجال للرجوع إلى أدلّة العلاج الدالّة على الترجيح والتخيير ، فإنّ موردها الأخبار التي يكون سندها ظنّياً ، ولا تعمّ مثل الآيات والقراءات التي يكون صدورها قطعيّاً على ما هو المفروض ، فاللاّزم مع فرض التعارض للعلم الإجمالي بعدم كون الجميع مراداً في الواقع الرجوع إلى الأظهر لو كان في البين ، وكان قرينة عرفية على التصرّف في غيره الظاهر ، ومع عدمه يكون مقتضى القاعدة التساقط والرجوع إلى دليل آخر .
وامّا على التقدير الثاني ـ أي تقدير عدم التواتر :
أوّلاً : انّ شمول أدلّة حجّية خبر الواحد للقراءات غير ظاهر لعدم ثبوت كونها رواية ، بل يحتمل أن تكون اجتهادات من القرّاء ، واستنباطات منهم ، وقد صرّح بعض الأعلام بذلك فيما تقدّم ، ولا محيص عن الالتزام بذلك ، ولو بالإضافة

(الصفحة172)

إلى بعضها ، والدليل عليه إقامة الدليل على تعيّنها ، ورجحانها على الاُخرى ، كما لا يخفى .
وثانياً : انّه على تقدير ثبوت كونها رواية لم تثبت وثاقتهم ، ولم يحرز كونها واجدة لشرائط الحجّية ، كما يظهر من التتبّع في أحوالهم ، وملاحظة تراجمهم .
وثالثاً : انّه على تقدير كونها رواية جامعة لشرائط الحجّية ، إلاّ انّه مع العلم الإجمالي بعدم صدور بعضها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقع بينها التعارض ، ولابدّ من إعمال قواعد التعارض من الترجيح أو التخيير ، فلا يبقى مجال لدعوى الحجّية ، وجواز الاستدلال بكلّ واحدة منها ، كما هو ظاهر .



المقام الثالث ـ جواز القراءة بها

المقام الثالث; في جواز القراءة بكلّ واحدة من القراءات وعدمه فنقول :
المشهور بين علماء الفريقين جواز القراءة بكلّ واحدة من القراءات السبع في الصلاة ، فضلاً عن غيرها ، وقد ادّعى الإجماع على ذلك جماعة منهم .
وحكي عن بعضهم تجويز القراءة بكلّ واحدة من العشر ، وقد عرفت تصريح ابن الجزري في عبارته المتقدّمة : «بأنّ كلّ قراءة وافقت العربية ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ـ ولو احتمالاً ـ وصحّ سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردّها ولا يحلّ لأحد إنكارها ومقتضى ذلك جواز القراءة بكلّ قراءة جامعة لهذه

(الصفحة173)

الأركان الثلاثة ، ولو لم تكن من السبعة أو العشرة .
والدليل على الجواز في أصل المقام ـ على فرض تواتر القراءات ـ واضح لا خفاء فيه ، وامّا على تقدير العدم ـ كما هو المشهور والمنصور ـ فهو انّه لا ريب في أنّ هذه القراءات كانت معروفة في زمان الأئمّة المعصومين ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ ولم ينقل إلينا انّهم ردعوا القائلين بإمامتهم عن القراءة بها ، أو عن بعضها ، ولو ثبت لكان واصلاً إلينا بالتواتر ، لتوفّر الدواعي على نقله ، مع أنّه لم ينقل بالآحاد أيضاً ، فتقريرهم (عليهم السلام) شيعتهم على ذلك ـ كما هو المقطوع ـ دليل على جواز القراءة بكلّ واحدة منها .
بل ورد عنهم (عليهم السلام) إمضاء هذه القراءات بقولهم : «اقرأ كما يقرأ الناس» وبقولهم : «اقرأوا كما تعلّمتم» ومثلهما من التعابير .
وقد تقدّم من المحقّق القمّي (قدس سره) في كتاب القوانين تفسير تواتر القراءات بتجويز الأئمّة (عليهم السلام) القراءة على طبقها ، ودعوى القطع بذلك وثبوت ذلك منهم (عليهم السلام) بنحو التواتر والإذعان به .
نعم مقتضى ذلك الاقتصار على خصوص القراءات المعروفة في زمانهم (عليهم السلام)من دون اختصاص بالسبع أو العشر ، ومن دون عموميّة لجميعها ، بل خصوص ما هو المعروف منهما ، أو ن غيرهما ، كما لا يخفى .
ولولا الدليل على الجواز لكان مقتضى القاعدة عدم جواز الاقتصار على قراءة واحدة في الصلاة ، لأنّ الواجب فيها هي قراءة القرآن .
وقد عرفت عدم ثبوته إلاّ بالتواتر ، فلا تكفي قراءة ما لم يحرز كونه قرآناً ، بل مقتضى قاعدة الاحتياط الثابتة بحكم العقل بأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ

(الصفحة174)

والبراءة اليقينيّة ، تكرار الصلاة ، حسب اختلاف القراءات ، أو تكرار مورد الاختلاف في الصلاة الواحدة ، فيجمع بين قراءة «مالك» و«ملك» أو يأتي بصلاتين ، وهكذا الحال بالإضافة إلى السورة الواجبة بعد قراءة الفاتحة وحكايتها ، إلاّ أن يختار سورة لم يكن فيها الاختلاف في القراءة أصلاً .
هذا تمام الكلام فيما يتعلّق بالقراءات .


(الصفحة175)







أُصول التفسير



(الصفحة176)



الأمر الأوّل : ظواهر الكتاب . الأمر الثاني : قول المعصوم ، الأمر الثالث : حكم العقل .


(الصفحة177)

التفسير الذي مرادنا به هو : كشف مراد الله تبارك وتعالى من ألفاظ كتابه العزيز ، وقرآنه المجيد ، كاستكشاف مراد سائر المتكلِّمين من البشر من كتبهم الموضوعة ، لإفهام مقاصدهم ، وبيان مراداتهم ـ سواء أكان التفسير بمعناه اللغوي مساوياً لهذا المعنى المقصود ، أو أخصّ من ذلك ، باعتبار كونه عبارة عن كشف الغطاء ، إذ ليس البحث في معناه ، بل في إيضاح مراد الله من القرآن المجيد ، والتعبير بالتفسير للدلالة على ذلك لا لإراءة معناه اللغوي ، والخصوصية المأخوذة فيه ، بناء على مدخليتها ـ لا يجوز أن يعتمد فيه إلاّ على ما ثبت اعتباره وحجّيته فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنّ غير الحجّة ، ولا على الاستحسان ، ولا على غيرهما ممّا لم تثبت حجّيته كقول المفسِّر ـ قديماً كان أم حديثاً ، موافقاً كان أم مخالفاً ـ وذلك للنهي عن متابعة الظنّ .
قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء : {ولا تقف ما ليس لك به علم}(1) ، ولحرمة الاسناد إلى الله تعالى بغير اذنه لأنّه افتراء عليه ، قال الله تبارك وتعالى في

(1) الاسراء : 36 .

(الصفحة178)

سورة يونس : {قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون}(1) وغيرهما من الآيات والروايات الدالّة على النهي عن القول أو العمل بغير العلم والناهية عن التفسير بالرأي ـ بناءً على عموم معنى التفسير ـ مضافاً إلى حكم العقل بذلك .
وبالجملة : لا محيص عن الاتّكاء في ذلك على ما ثبت اعتباره ، وعلمت حجّيته من طريق الشرع ، أو من حكم العقل ، فإذن لابدّ للمفسّر في استكشاف مراد الله تبارك وتعالى من اتّباع ظواهر الكتاب ، التي يفهمها العارف بالعربيّة الفصيحة ، ويلائمها اللغة الصحيحة ، فإنّ ظواهر الكتاب حجّة على ما سنبيّن ، أو يتبع ما حكم به العقل الفطري الصحيح ، الذي هو المرجع لإثبات أساس التوحيد ، واتّصاف الكتاب بالإعجاز المثبت للرسالة ، فإنّه لا ريب في حجّيته ، أو يستند إلى ما ثبت عن المعصوم من النبيّ ، أو الإمام في بيان مراد الله تبارك وتعالى .
ولابدّ لنا من التكلّم في هذه الاُمور الثلاثة التي هي اُصول التفسير ومداركه ، فنقول :


(1) يونس : 59 .

(الصفحة179)




الأمر الأوّل : ظواهر الكتاب

والمراد من ظاهر القرآن الذي هو حجّة على قولنا ـ في قبال جماعة من المحدّثين المنكرين لاعتباره ـ هو الظاهر الذي يفهمه العارف باللغة العربية الصحيحة الفصيحة من اللفظ ، ولم يقم على خلافه قرينة عقلية أو نقلية معتبرة ، فمثل قوله تعالى : {وجاء ربّك والملك صفّاً صفّاً} و{الرحمن على العرش استوى}و{واسئل القرية التي كنّا فيها} ممّا قامت القرينة العقلية القطعية على خلاف ظواهره خارج عن محلّ البحث .
وكذا الظواهر التي دلّت القرائن النقليّة المعتبرة على خلافها ، كالعمومات المخصّصة بالروايات بمقدار ورود التخصيص عليها ـ وإلاّ فهي حجّة في غير مورد التخصيص ـ والمطلقات المقيّدة بها كذلك ـ أي بذلك المقدار ـ وسائر الظواهر التي وقعت القرينة على خلافها في النقل المعتبر خارج عنه أيضاً ، وحينئذ نقول : إنّ الدليل على حجّية هذه الظواهر التي هي مورد البحث اُمور :
أدلّة حجّية ظواهر الكتاب :
الأوّل : انّه لا ينبغي الارتياب في أنّ القرآن إنّما اُنزل وأتى به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ليفهم الناس معانيه ، ويتدبّروا آياته ، ويجعلوا أعمالهم مطابقة لأوامره ونواهيه ، وعقائدهم موافقة للعقائد الصحيحة التي يدلّ عليها .


(الصفحة180)

ومن المعلوم انّ الشارع لم يخترع لنفسه طريقة خاصّة لإفهام مقاصده ، بل تكلّم مع الناس بالطريقة المألوفة المتداولة في فهم المقاصد والأغراض من طريق الألفاظ والعبارات ، وحينئذ فلا محيص عن القول باعتبار ظواهر الكتاب كظواهر سائر الكتب الموضوعة للتفهيم وإراءة المقاصد والأغراض ، كيف وقد حثّ الكتاب بنفسه الناس على التدبّر في آياته ، واعترض على عدم التدبّر بلسان التخصيص ، فقال : {أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}(1) ، وقال في سورة محمّد 24 : {أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها} .
وقد وصف نفسه بما لا محيص بملاحظته عن الالتزام بظواهره من الأوصاف والخصوصيّات ، كتوصيفه بأنّه المخرج للناس من الظلمات إلى النور ، وانّه بيان للناس ، وانّه هدىً وموعظة للمتّقين ، وانّه قد ضرب فيه للناس من كلّ مثل لعلّهم يتذكّرون ، وغير ذلك من الأوصاف والمزايا والخصوصيّات الملازمة لاعتبار ظواهر الكتاب .
الثاني : انّه قد مرّ في بعض المباحث : انّ القرآن هي المعجزة الوحيدة الخالدة على النبوّة والرسالة إلى يوم القيامة ، وقد تحدّى البشر من الأوّلين والآخرين ، بل والجنّ على أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بعشر سور مثله ، أو بسورة واحدة مثله أو من مثله ، ولو لم تكن العرب عارفة بمعاني القرآن ، ولم تكن تفهم مقاصده من ألفاظه وآياته ، بل لو كان القرآن من قبيل الألغاز ـ وهو غير قابل للفهم والمعرفة ـ لم يكن وجه لاتّصافه بالإعجاز ، ولا مجال لطلب المعارضة والتحدّي أصلاً .


(1) النساء : 83 .
<<التالي الفهرس السابق>>