في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>


الصفحة 181

خروجها عن حبالة الزوج ، مدفوعة بأنّ الخروج عن ذلك مقيّد على ما هو المفروض بـ «مادام كونه مخالفاً» ، فإذا استبصر تكون باقية على الزوجية الاُولى .

نعم ، ربما يستدلّ على جواز الرجوع إليها من غير عقد جديد بمكاتبة علي بن سويد ، عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث : أنّه كتب إليه يسأله عن مسائل كثيرة فأجابه بجواب هذه نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم ـ إلى أن قال : ـ وسألت عن اُمّهات أولادهم ، وعن نكاحهم ، وعن طلاقهم؟ فأمّا اُمّهات أولادهم فهنّ عواهر إلى يوم القيامة ، نكاح بغير وليّ ، وطلاق في غير عدّة ، فأمّا من دخل في دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ، ويقينه شكّه(1) ; نظراً إلى ظهور الهدم في هدم جميع الآثار السابقة حتى حرمة الزوجة على زوجها لو طلّقها بما يوافق مذهبهم .

ولكنّ الظاهر أنّه لا مجال لاستفادة الإطلاق من مثل الرواية حتى يجوز للزوج المطلّق المفروض الرجوع من غير عقد جديد .

وربما يقال بأنّه يؤيّد عدم الإطلاق فرض ما لو تزوّج بمن هي حلال عندهم حرام عندنا ، كمن زنى بذات البعل ثمّ تزوج بها ودخل ; فإنّهم لا يقولون بحرمتها على الزاني ، وعليه : فلو تزوّجها وتشيّع بعد ذلك ، فالظاهر حرمتها عليه ، وإن قلنا بصحّة نكاحه مادام سنّياً .

أقول : إن كان المستند في هذا الحكم ـ أي الحكم بالتحريم ـ هو هدم الإيمان الضلال ، واليقين الشك كما ورد في المكاتبة ، لا رواية خاصّة دالّة على التحريم ، فمضافاً إلى أنّ مقتضى ذلك كون التشيّع موجباً لرفع الآثار السّابقة ـ التي منها عدم حرمة الزوجة الكذائية ; لأنّ المفروض حدوث الحرمة بالتشيّع بعد ما لم تكن ـ


(1) الكافي : 8 / 125 قطعة من ح 95 ، وعنه وسائل الشيعة : 22 / 63 ، كتاب الطلاق ، أبواب مقدّماته وشرائطه ب 29 ح 6 .

الصفحة 182

لامؤيّداً ;لأنّ التشيّع لايكون موجباً لرفع الآثار السّابقة ، يرد عليه : أنّه لا فرق بين هذاالحكم ،وبين الحكم بجوازالرجوع بزوجته بعدالتشيّع ; لعدم الفرق بين الموردين .

هذا ، ولكن أصل التعبير بهدم إيمانه ضلاله ويقينه شكّه ممّا لا يلائم قاعدة الإلزام بوجه ; لابتنائها على أنّ اعتقاد المخالف وتديّنه بدينه يلزمه بما ألزمه به نفسه ، فالرواية أجنبية عن المقام .

وقد ظهر ممّا ذكرنا أنّه بناءً على القول بحصول الفراق بمجرّد الطلاق ، لو استبصر الزوج وأراد الرجوع إليها لا يجوز له ذلك إلاّ بعقد جديد .

الجهة الرابعة : في موارد تطبيق القاعدة ، وهي موارد كثيرة لا يسهل إحصاؤها ، ولكنّ المناسب الإشارة إلى جملة منها :

منها : مسألة الطلاق على غير السنّة التي تقدّم البحث عنها في الجهة الثالثة .

ومنها : مسألة التعصيب ; وهو توريث العصبة ما فضل من السّهام ، والمراد من العصبة هم أقرباء الميّت الذين يتعصبون له ، وهم الأب والإبن ومن يتقرّب بهما إلى الميّت ، فلو كانت للميّت بنت واحدة وأخ أو عمّ ، فبناءً على مذهب الإمامية القائلين ببطلان التعصيب ، يكون جميع التركة للبنت ، غاية الأمر ثبوت نصفها فرضاً وثبوت النصف الآخر ردّاً ، والأخ وكذا العمّ لا يرثان مع وجود البنت أصلا . وكذلك لو كانت للميّت بنتان مثلا وأخ أو عمّ ، فعلى قول الإمامية يكون جميع التركة للبنتين : الثلثان فرضاً والثلث الباقي ردّاً ، ولا يرث الأخ ولا العمّ ، بل في فيها ـ أي العصبة ـ التراب ، كما ورد في الرواية(1) .

وأمّا على القول بالتعصيب فيعطى النصف الزائد على فرض البنت للأخ أو العمّ في المثال الأوّل ، والثلث الزائد على فرض البنتين للأخ أو العمّ في المثال الثاني ،


(1) الكافي : 7 / 75 ح 1 ، تهذيب الأحكام : 9 / 267 ح 972 ، وعنهما وسائل الشيعة : 26 / 64 ، كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب موجبات الإرث ب 1 ح 3 .

الصفحة 183

وهكذا في سائر موارد الإرث التي فيها التعصيب .

وحينئذ ، فإن كان من هو من العصبة إماميّاً غير قائل بالتعصيب ، فمقتضى قاعدة الإلزام أنّه يجوز له الأخذ بعنوان العصبة ، ويصير ملكاً له شرعاً ، وقد ورد في رواية عبد الله بن محرز ورواية محمد بن إسماعيل بن بزيع المتقدّمتين(1) التصريح بذلك ، بل في الرواية الاُولى : «خذوا منهم ما يأخذون منكم» ، وهو بمنزلة التعليل ، وكيف كان ، فلا شبهة في هذه المسألة بوجه .

ومنها : أنّه لو تزوّج الشيعي بامرأة من المخالفين بدون حضور شاهدين عادلين على اليد ، فلو مات هذا الشيعي بعد الدخول بها يجوز لورثة الميّت إن كانوا من الشيعة منعها من الإرث والمهر وكلّ ما تستحقّه بسبب الزوجيّة ; لأنّها كانت معتقدة لبطلان هذا العقد ; لاشتراط صحّته عندهم بحضور شاهدين(2) ، بخلاف الطلاق ، عكس ما يعتقد به الإماميّة في النكاح والطلاق(3) ، فمقتضى قاعدة الإلزام منعها من جميع ذلك بعد بطلان العقد باعتقادها ، كما لا يخفى .

ويمكن أن يقال بأ نّ القدر المتيقّن من قاعدة الإلزام المستفادة من النصوص المتقدّمة ، هو ما لو كان المخالف عاملا على وفق دينه ومذهبه ، بحيث كان عمله صحيحاً حسب اعتقاده ، وأمّا لو كان عمله مخالفاً لما يعتقده ويدين به ، كما في التزويج في المثال ، وكما في الجمع بين العمّة والخالة ، وبنت الأخ أو الاُخت ، فلا تكون هذه الصورة مشمولة للقاعدة ، فإنّ الظاهر من قوله (عليه السلام) في رواية عبد الله بن طاووس المتقدّمة(4) : «من دان بدين قوم لزمته أحكامهم» ، أنّه من دان بدين


(1) في ص 169 ـ 170 .
(2) الأُمّ : 5 / 23 ، بدائع الصنائع : 2 / 522 ـ 523 ، بداية المجتهد : 2 / 17 .
(3) الخلاف : 4 / 261 مسألة 13 و ص 453 مسألة 5 ، الانتصار : 281 ـ 282 و 299 ، الوسيلة إلى نيل الفضيلة : 291 و 321 المراسم العلوية : 153 و 163 ، الكافي في الفقه : 293 و 305 ، غنية النزوع : 345 و 371 .
(4) في ص 169 .

الصفحة 184

وعمل على طبق دينه ومذهبه ، لا على خلافه ومضادّه .

وعليه : فلم يعلم شمول القاعدة لهذا الفرض ، بل يمكن أن يقال : بأنّه لا يتحقق قصد النكاح والإنشاء ممّن يرى مدخليّة الأمر الفاقد في صحّة النكاح شرعاً ; فإنّه مع الالتفات إلى ضرورة وجود الشاهدين في النكاح كيف يتمشّى منه قصد الإنشاء مع فقدهما ، ومن المعلوم أنّه مع عدم القصد يكون النكاح باطلا بحسب اعتقاد الفريقين ، فتدبّر جيّداً .

ومنها : العدّة على اليائسة ; فإنّه لا عدّة عليها في مذهبنا(1) بخلافهم ; إِذ أنّهم يقولون : إنّها تعتدّ ثلاثة أشهر من تاريخ طلاقها ، كما في الفقه على المذاهب الأربعة(2) ، وربما يقال في تطبيق القاعدة على هذا المورد : إنّ قاعدة الإلزام تلزم من كان من العامّة يرى ثبوت العدّة عليها ، أن لا يعقد في عدّتها على الاُخت وسائر من يحرم عندهم الجمع بينهما ، وكذلك لا يجوز عقده على الخامسة مادامت في العدّة ، وهكذا بقيّة أحكام العدّة .

مع أنّه لا يخفى أنّ هذا الإلزام لا يكون ناشئاً من قاعدة الإلزام الجارية في حقّ الشيعة بالإضافة إلى المخالف ; فإنّ الملزم له على ترتيب أحكام العدّة وآثارها هو اعتقاده بلزوم العدّة وثبوتها في اليائسة ، لا قاعدة الإلزام الثابتة لنا بالنسبة إليهم ، بل مقتضاها في هذا الفرع عدم جواز التزويج لنا بالمرأة المطلّقة اليائسة مادامت لم تخرج من العدّة ، وجواز مطالبة المطلّقة منه بالنفقة مادامت في العدّة على تقدير الثبوت في عدّة المطلّقة الشيعية ، ومثل ذلك .

ومنها : طلاق المكرَه الذي لا يصحّ عندنا(3) ، ولكنّه يصحّ عند أبي حنيفة


(1) الخلاف : 5 / 53 مسألة 1 .
(2) الفقه على المذاهب الأربعة : 4 / 549 ـ 552 ، المغني لابن قدامة : 9 / 89 . .
(3) الخلاف : 4 / 478 مسألة 44 ، المختصر النافع : 307 ، نهاية المرام : 2 / 11 .

الصفحة 185

وجمع كثير منهم(1)  ، فلو كان المطلّق ممّن يقول بقولهم وصدر عنه الطلاق عن إكراه ، فمقتضى قاعدة الإلزام جواز التزويج من المطلّقة كذلك كالمطلّقة ثلاثاً في الفرع المتقدّم ، وهكذا طلاق السكران(2) وطلاق الحائض مع حضور الزوج(3) ، والطلاق في طهر المواقعة(4) ، ففي جميع ذلك يكون الطلاق فاسداً على مذهبنا ، ويكون صحيحاً عند فقهائهم جميعاً ، أو في بعض المذاهب ، فيجوز إلزامهم بذلك .

ومنها : الطلاق المعلّق ، فإن كان المعلّق عليه مشكوك الحصول ; وهو المعبّر عنه بالشرط ، فالظاهر اتفاقنا على البطلان(5) ، واتفاقهم على الصحة مع وجود الشرط(6) ، وعليه : فلو وقع من المخالف الطلاق المعلّق بهذا النحو ، يجوز للموافق ترتيب آثار الصحة عليه ، والتزوّج بزوجته المطلّقة كذلك .

وإن كان المعلّق عليه معلوم الحصول كطلوع الشمس وغروبها ، فمنّا من يقول بالصحة(7) ، وبعضنا يقول بالبطلان(8) ، وإن كان يظهر من الجواهر أنّ البطلان قول مشهور ، بل حكى عن جمع من الكتب الفقهية الإجماع عليه(9) وجعله الحجّة(10) ، فإن كان الشيعي ممّن يقول بالصحة ، فإجراء أحكام الصحة لا يرتبط حينئذ بقاعدة


(1) تبيين الحقائق : 2 / 194 ، بدائع الصنائع : 3 / 160 و ج 6 / 193 ـ 194 ، المغني لابن قدامة : 8 / 259 .
(2) الاُمّ : 5 / 270 ، المجموع : 18 / 192 ، إعانة الطالبين : 3 / 5 ، الخلاف : 4 / 480 مسألة 45 .
(3 ، 4) المبسوط للسرخسي : 6 / 16 ، المغني المحتاج : 3 / 309 ، المجموع : 18 / 205 ـ 209 ، الخلاف : 4 / 446 مسألة 2 ، الانتصار : 306 .
(5) الانتصار : 298 .
(6) المجموع شرح المهذّب : 18 / 274 ـ 275 ، بداية المجتهد : 2 / 78 ـ 79 .
(7) نهاية المرام : 2 / 31 .
(8) كشف اللثام : 8 / 37 .
(9) كالانتصار : 298 ، وإيضاح الفوائد : 3 / 310 ، والتنقيح الرائع : 3 / 308 ، والروضة البهية : 6 / 16 .
(10) جواهر الكلام : 32 / 78 .

الصفحة 186

الإلزام ، وإن كان ممّن يقول بالبطلان فالحكم بالصحة يبتني على هذه القاعدة ويصير من مواردها .

ومنها : الحلف بالطلاق ; فإنّه لا ينعقد اليمين بالطلاق عندنا بخلافهم(1) ، قال ابن رشد في محكيّ البداية : «واتفق الجمهور في الأيمان التي ليست إقساماً بشيء ، وإنّما تخرج مخرج الإلزام الواقع بشرط من الشروط ، مثل أن يقول القائل : فإن فعلت كذا فعليّ مشى إلى بيت الله ، أو إن فعلت كذا وكذا فغلامي حرّ ، أو امرأتي طالق ، أنّها تلزم في القرب ، وفيما إذا التزمه الإنسان لزمه بالشرع ، مثل الطلاق والعتق ، واختلفوا هل فيها كفّارة أم لا؟»(2) وعليه : فلو حلف العامي أنّه إن فعل كذا وكذا فامرأته طالق ، وصادف أنّه فعل ذلك الشيء ، فيجوز للشيعي ترتيب آثار الطلاق والتزويج بالمطلّقة الكذائية .

ومنها : خيار الشرط ، فالشيعة لا تقيّده بوقت ، بل يعتبرون أن يكون مدّة مضبوطة لا تحتمل الزيادة والنقصان(3) ، والمالكية بعد تقسيمهم مدّة خيار الشرط بالنسبة إلى المبيع إلى أربعة أقسام : منها : بيع العقار ، قالوا فيه : بأنّه يمتدّ إلى ستّة وثلاثين يوماً(4) . والشافعية(5) والحنفية(6) يشترطون ثلاثة أيّام ، والحنابلة(7)يقولون بمثل قولنا ، وعليه : فربما يقال في تطبيق القاعدة على هذا المورد بأنّه


(1) الانتصار : 352 ، الخلاف : 6 / 139 مسألة 32 ، الحاوي الكبير : 19 / 462 ـ 467 ، حلية العلماء : 7 / 289 .
(2) بداية المجتهد : 1 / 428 ـ 429 .
(3) الانتصار : 433 ، الخلاف : 3 / 31 مسألة 42 .
(4) أسهل المدارك : 2 / 95 .
(5) المهذّب في فقه الشافعي : 2 / 5 ، المحلّى بالآثار : 7 / 262 .
(6) المحلّى بالآثار : 7 / 260 مسألة 1421 ، المبسوط للسرخسي : 13 / 41 ، عمدة القارئ : 8 /471 ، اللباب في شرح الكتاب : 2 / 12 .
(7) المبسوط للسرخسي: 7 / 41، المغني لابن قدامة: 4 / 95 ـ 96، عمدة القارئ: 8 / 471 .

الصفحة 187

للجعفري إلزام غيره من اتّباع هؤلاء ـ غير الحنابلة ـ بتحديد مدّة الشرط وعدم التجاوز عن ذلك .

وأنا أقول : لا وجه للإلزام بالتحديد وعدم التجاوز ; فإنّهم تارة : يشترطون الخيار في المدّة المحدودة ، واُخرى : يتجاوزون عنها في مقام الاشتراط ، وثالثة : يشترطون أصل الخيار من غير ذكر المدّة ، أو مع ذكر المدّة من دون قيد ، أو ذكر مدّة مجهولة .

ففي الأوّل : لا مجال لجريان قاعدة الإلزام كما هو واضح .

وفي الثاني : تجري القاعدة وتحكم بالبطلان رأساً ، أو الرجوع إلى الحدّ ، بناءً على جريان قاعدة الإلزام فيما لو عملوا على خلاف اعتقادهم ، على خلاف ما احتملناه سابقاً من الاختصاص بما إذا كان عملهم مطابقاً لاعتقادهم .

وفي الثالث : إن كانوا يحكمون فيه بالبطلان لا وجه لجريان قاعدة الإلزام ; لتوافق الفريقين على ذلك ، وإن كانوا يحكمون فيه بالصّحة والرجوع إلى الحدّ ، كما يؤيّده فتوى بعض الخاصّة بذلك في بعض فروض القسم الثالث ، كما يظهر من مراجعة خيارات مكاسب الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) (1) ، فمقتضى قاعدة الإلزام تأثير الفسخ في المدّة فيما لو كان الفسخ موافقاً لنظر الطرف الذي هو إماميّ على المفروض ; فإنّ مقتضى قوله (عليه السلام)  : من دان بدين قوم لزمته أحكامهم(2) ، الالتزام بتأثير الفسخ .

وأمّا اقتضاؤه لجواز الفسخ وتأثيره مطلقاً فغير معلوم ، بل معلوم العدم ; لعدم جريان قاعدة الإلزام في مثل هذه الصّورة ممّا كان بعض الخاصّة موافقاً لهم ، خصوصاً إذا كان ذلك البعض ممّن يشار إليه بالبنان ويعدّ من الأركان ; لأنّ الظاهر


(1) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) : 5 / 116 ـ 119 .
(2) مر في ص 169 .

الصفحة 188

أنّ مجرى القاعدة هو ما إذا كان مرامهم ومذهبهم واضحاً عند الإماميّة ومعدوداً من مشخّصاتهم ومميزاتهم . وأمّا مع ثبوت الاختلاف وكون بعضنا موافقاً لهم فلا مجال لجريانها ، كما لا يخفى .

ومنها : إرث الزوجة ، فإنّهم يحكمون بأنّه يكون من جميع تركة زوجها ، نقوداً ، أو عروضاً ، أو أراضي مملوكة ، أو بساتين ، أو غيرها ، من غير فرق ظاهراً بين ذات الولد من الزوج وغير ذات الولد(1) . وأمّا الإمامية فهم وإن اختلفوا في ذات الولد ، إلاّ أنّهم اتفقوا في غير ذات الولد على عدم إرثها من جميع التركة ، بل لا ترث من الأرض لا عيناً ولا قيمة ، وترث من الأشجار والبناء والنخيل وسائر ما هو ثابت في الأرض القيمة دون العين(2) .

وعليه : فمقتضى قاعدة الإلزام في هذا المورد ، أنّه إذا كان الميت مخالفاً والزوجة شيعية ولم تكن ذات ولد من الزوج ، الحكم بأنّها ترث من جميع التركة ، ولا تكون محرومة من شيء ، وإرثها من العين دون القيمة .

ومنها : طواف النساء ، فإنّهم لا يوجبونه في الحج(3) ، والشيعة قائلون بوجوبه(4) ، وإن لم يكن ركناً من أركان الحج ، وفرّعوا عليه أنّ الإخلال به يوجب عدم حلّية النساء عليه مطلقاً حتى العقد عليها ، وحينئذ لو حج سنّي وزوجته شيعية ، أو بالعكس ، لا يحلّ لكلّ واحد الطرف المقابل عندنا ، ولكن مقتضى قاعدة


(1) الخلاف : 4 / 116 مسألة 131 ، المغني لابن قدامة : 7 / 18 ـ 19 ، المجموع شرح المهذب : 17 / 208 .
(2) السرائر : 3 / 258 ـ 259 ، مسالك الأفهام : 13 / 184 ـ 195 ، رياض المسائل : 12 / 582 ـ 590 .
(3) بداية المجتهد : 1 / 357 ، ردّ المحتار على الدرّ المختار : 3 / 468 ـ 470 ، المهذّب في فقه الشافعي : 1 403 ، 417 و 422 ، الخلاف : 2 / 363 مسألة 199 ، الوجيز في فقه الشافعي : 1 / 260 ، 263 و 265 ، السراج الوهّاج : 156 ، 162 و 164 ، المغني لابن قدامة : 3 / 469 .
(4) المبسوط : 1 / 360 ، الكافي في الفقه : 194 ـ 195 ، المهذّب : 1 / 231 ـ 232 ، تذكرة الفقهاء : 8 / 353 ـ 355 ، إصباح الشيعة : 154 ـ 155 ، الجامع للشرائع : 200 .

الصفحة 189

الإلزام الجارية في حق الشيعة الحلّية ; نظراً إلى دينه ، وأنّ من دان بدين قوم لزمته أحكامهم ، وكذا يجوز للموافق التزويج بالحاج المخالف التارك لطواف النساء على مذهبه ; لهذه القاعدة ، إلاّ أن يقال بعدم جريانها إلاّ في موارد يكون إلزام المخالف ضرراً عليه ، ولا يجري في غير موارد الضّرر ; لأنّ كلمة الإلزام ظاهرة فيه ، وفي المقام يكون الإلزام بنفعه دون ضرره .

وعليه : فلابدّ لحلّ مشكلة حجّ المخالف من التطرّق إلى غير قاعدة الإلزام ، فنقول :

يمكن أن يكون الوجه فيه جريان سيرة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) المختلطين بالعامّة اختلاطاً كثيراً ، خصوصاً مع كثرتهم ومعاملتهم مع حجّاجهم المعاملة مع حجّاج الشيعة في ما يرتبط بمسألة النّساء ، وحكمهم ببقاء نسائهم على الزوجية بعد الحج ، وجواز العقد على مرأة جديدة ، ولم يظهر من الأئمة (عليهم السلام) الردع عن ذلك ، مع كون هذه الجهة بمرأى ومسمع منهم ، فسكوتهم دليل على الرّضا ، ونتيجة ذلك امضاء حجّهم ولو كان فاقداً لطواف النساء ، ولا ارتباط له بقاعدة الإلزام أصلا ; لما ذكرنا في وجهه . وحكمهم (عليهم السلام) باعتبار طواف النساء في الحج(1) ، ومدخليته في حلّية النساء بقاءً وحدوثاً لا يكون ردعاً عن هذه السيرة العملية ; لاحتياج الردع في مثلها إلى التصريح ، كما لا يخفى .

ويمكن أن يكون الوجه فيه : أنّهم حيث يعتبرون في الحجّ طواف الوداع ، ويقول الأغلب منهم : بوجوبه ولزوم الإتيان به ، يكون ذلك الطواف بحكم طواف النساء في التأثير ، ويدلّ عليه خبر إسحاق : لو لا ما منّ الله به على الناس من طواف الوداع لرجعوا إلى منازلهم ، ولا ينبغي لهم أن يمسّوا نساءهم (2) . بل عن علي


(1) وسائل الشيعة : 13 / 298 ، كتاب الحج ، أبواب الطواف ب 2 .
(2) الكافي : 4 / 513 ح 3 ، وسائل الشيعة : 13 / 299 كتاب الحج ، أبواب الطواف ب 2 ح 3 .

الصفحة 190

ابن بابويه الفتوى به في الشيعي الناسي لطواف النساء الآتي بطواف الوداع(1) ، واحتمال أن يكون المراد من الرواية أنّ الإتّفاق على فعل طواف الوداع سبب لتمكّن الشيعة من طواف النساء ; إذ لولاه لزمته التقية بتركه غالباً ، في غاية البعد ، بل الظاهر أنّ المراد بالناس فيه هم العامّة غير القائلين بطواف النساء ، ولا مجال لاستفادة حكم الشيعي من الرواية إذا كان كذلك بعد كون موردها المخالفين .

ومنها : الشفعة بالجوار ، فعلى ما حكاه ابن رشد في بدايته يقول أهل العراق بأنّ الشفعة مرتّبة ، فأولى الناس بالشفعة الشريك الذي لم يقاسم ، ثمّ الشريك المقاسم إذا بقيت في الطرق أو في الصّحن شركة ، ثمّ الجار الملاصق . وقال أهل المدينة : لا شفعة للجار ولا للشريك المقاسم(2) ، وقال المحقّق في كتاب الشفعة من الشرائع : المقصد الثاني في الشفيع ; وهو كلّ شريك بحصّة مشاعة قادر على الثمن ، ويشترط فيه الإسلام إذا كان المشتري مسلماً ، فلا تثبت الشفعة للجار بالجوار ، ولا فيما ما قسّم ومُيّز إلاّ مع الشركة في طريقه أو نهره(3) .

وربما يقال في تطبيق القاعدة على هذا المورد : إنّه لو كان لسنّي جار شيعي ، وأراد السنّي بيع داره ، فللشيعي أن يأخذ بالشفعة وأخذ الدّار منه ; إلزاماً له بما يدين به ، وإن كان هو غير معتقد بثبوت حقّ الشفعة للجار .

أقول : حيث إنّ الشفعة حقّ للشريك أو الجار على تقديره على المشترى لا على البائع ، ضرورة أنّ حقّ الشفعة يرجع إلى تسلّط صاحبه على أخذ المال من يد المشتري بغير رضاه ، على خلاف قاعدة تسلّط الناس على أموالهم ، ولذا اشترط المحقق في عبارته المتقدمة إسلام الشفيع إذا كان المشتري مسلماً ، فلابدّ في إجراء


(1) حكى عنه في مختلف الشيعة : 4 / 217 مسألة 170 .
(2) بداية المجتهد : 2 / 255 .
(3) شرائع الإسلام : 3 / 254 ـ 255 .

الصفحة 191

قاعدة الإلزام من ملاحظة حال المشتري ، وأنّه هل يكون مخالفاً أو موافقاً ، فإذا كان الأوّل يحكم بمقتضى تديّنه بثبوت حقّ الشفعة للجار بناءً على تبعيّته لأهل العراق القائلين بثبوت ذلك الحق له في المرتبة الثالثة ، وإن كان البائع شيعيّاً . وإذا كان الثاني فلا مجال لإعمال حق الشفعة بالإضافة إليه ، وإن كان البائع سنيّاً .

وبالجملة : لابدّ في إجراء قاعدة الإلزام من ملاحظة حال المشتري دون البائع ، كما عرفته في القول المذكور .

ومنها : أبواب الضمانات ; سواء كان الضمان ضماناً واقعياً وهو الضمان بالمثل أو القيمة ، أم كان ضماناً معاوضيّاً وهو المعبّر عنه بالضمان بالمسمّى ، وتطبيق القاعدة على هذه الأبواب بأنّه في كلّ مورد يكون الضمان بأحد الوجهين ثابتاً باعتقاد المخالف فمقتضاها الحكم بثبوته وإن لم يكن عليه ضمان عندنا وعلى اعتقادنا ، فيجوز إلزامه بذلك على طبق القاعدة ، وأخذ المثل أو القيمة أو المسمّى منه ، والتصرّف فيه بأيّ نحو شاء وإن كان الحكم الأوّلي غير ذلك ، وموارد هذا القسم كثيرة ، ولا بأس بالإشارة إلى جملة منها :

1 ـ ما لو باع حيواناً من المخالف وقبضه المشتري ، ثمّ تلف في يده في أيّام خيار الحيوان الثابت للمشتري ، فالإماميّة قائلون بأنّ التلف من البائع ; لقاعدة التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له(1) ، والمخالفون قائلون : بأنّ التلف من المشتري(2) ; لإنكارهم هذه القاعدة وقولهم : إنّ التلف ممّن وقع في يده وهو المشتري .

وعليه : فمقتضى قاعدة الإلزام الجارية في البائع الشيعي عدم وجوب ردّ الثمن إليه ; لأنّ مقتضى اعتقاد المشتري ذلك وإن كان مذهب الإمامية لزوم ردّ الثمن بناءً


(1) المراسم العلوية :177 ، الخلاف : 3/39 مسألة 55 ، شرائع الإسلام : 2/ 23 ـ 24، تذكرة الفقهاء : 11/181 .
(2) النتف في الفتاوى : 280 ـ 281 ، المبسوط للسرخسي : 13 / 44 ، شرح فتح القدير : 5 / 503 ـ 511 ، اللباب في شرح الكتاب : 1 / 238 ـ 239 .

الصفحة 192

على كون مفاد قاعدة التلف المذكورة حصول الانفساخ القهري قبل التلف آناًمّا ووقوعه في ملك البائع ، فيجب عليه ردّ الثمن ; سواء كان مساوياً للمبيع قيمة أو مخالفاً له كذلك ، وسواء كان من جنسه أو من غيره ، كما هو ظاهر كلام الأصحاب ، بل صريح جماعة منهم ; كالمحقق والشهيد الثانيين(1) ، أو لزوم ردّ المثل أو قيمة المبيع بناءً على كون مفاد القاعدة مجرّد الضمان دون الانفساخ ، كما هو ظاهر بعض الكلمات ، كالشهيد في الدروس(2) .

وبالجملة : لا يجب عليه بمقتضى قاعدة الإلزام ردّ شيء إلى المشتري المخالف .

2 ـ الوديعة ، وفيها فرعان :

الأوّل ـ الوديعة المحفوظة عند من يساكن المستودع عادة ، وقيل في تطبيق القاعدة عليها ما هذه عبارته : الوديعة عندنا ليست بمضمونة مع المحافظة عليها ، من غيرفرق بين أن يحفظهاالإنسان عند ولده أو زوجته أو غيرهما ،بل عندكلّ شخص يحفظ عنده ماله عادة(3) . قال العلاّمة الحلّي (قدس سره) في تبصرته في البحث عن الوديعة : ويضمن المستودع مع التفريط لا بدونه(4) . وقال المحقّق في الشرائع في المورد نفسه : وإذااستودعوجب عليه الحفظ ،ولايلزمه دركهالوتلفت من غيرتفريط أواُخذت منه قهراً(5) . أمّا أبو حنيفة ، فقد ذهب إلى عدم وجوب الضمان لو أودعهاعندمن يساكنه من العيال ، قال في الفقه على المذاهب الأربعة : الحنفيّة قالوا : على أنّ للوديع أن يحفظ الوديعة عند من يساكنه عادة من عياله ـ إلى قوله : ـ فإذا دفع الوديعة لولده ونحوه ممّن يساكنه من عياله فهلكت عند الثاني ; فإنّ الأوّل لا يضمن ; لأنّه دفعها


(1) جامع المقاصد : 4 / 309 ، مسالك الأفهام : 3 / 217 .
(2) الدروس الشرعية : 3 / 271 .
(3) لم نعثر عليه عاجلاً .
(4) تبصرة المتعلّمين : 109 .
(5) شرائع الإسلام : 2 / 163 .

الصفحة 193

لمن يصحّ أن يحفظ عنده ماله(1) . وبناءً على هذا فلو أودع حنفيّ وديعة عند شيعي ، وأودعها الشيعي عند زوجته أو من يساكنه من عياله وتلفت ، فليس للحنفي أن يطالبه بتلك الوديعة ولا بضمانها ; لأنّ الشيعي قد أودعها عند من يصحّ إيداعها عنده ، ولا شيء عليه إلزاماً له بما يدين به من عدم الضمان في هذه الصورة .

أقول : أوّلا : غير خفيّ أنّ غرض الحنفية من الكلام المنقول عنهم أنّه لا يجب على المستودع أن تكون الوديعة باقية عند نفسه ، بل الواجب عليه هو حفظها ، وله طرق ، منها : دفعها إلى الولد ونحوه ممّن يساكنه عادة ، وليس لهذا الكلام مفهوم ; وهو عدم جواز الدفع إلى غير من يساكنه عادة ، ولو كان حافظاً لها أشدّ الحفظ ، وعليه : فلا خلاف ظاهراً بين الحنفية وسائر الفرق أصلا .

وثانياً : أنّ مورد القاعدة ما لو كان نظر الشيعي مخالفاً لنظر المخالف ، ولكنّه يلزمه بمقتضى نظره الذي هو بضرره ; وفي مثال الوديعة المذكور الذي يكون المودع فيه حنفيّاً والمستودع شيعيّاً لا فرق بين النظرين ; لأنّه كما يقول الحنفية بعدم الضمان ، كذلك يقول الشيعة بذلك ; لأنّ المفروض عدم تحقق التعدّي والتفريط ، فلا مجال في مثله لإجراء القاعدة ، وبعبارة اُخرى : مجرى القاعدة ما لو كان معتقد المخالف مخالفاً للحكم الواقعي الأوّلي الثابت عندنا ، وفي المثال لا اختلاف بيننا وبينهم أصلا .

الثاني : الوديعة التي يمكن اختفاؤها ، وليست بذهب وفضّة ، ولا درهم ودينار ، ولم يشترط على المستودع الضمان ، ففيها يقول فقهاؤنا بعدم ثبوت الضمان(2) ، ولكنّهم في بعض مذاهبهم ـ على ما حكي ـ يقولون بالضمان(3) ، فإذا كان


(1) الفقه على المذاهب الأربعة : 3 / 253 ـ 254 .
(2) الحدائق الناضرة : 25 / 403 ـ 404 ، جواهر الكلام : 27 / 102 ـ 103 .
(3) الخلاف : 4 / 171 ـ 172 مسألة 2 ، البحر الزخّار : 5 / 170 .

الصفحة 194

المودع إماميّاً ، والمستعودع من أهل ذلك المذهب القائل بثبوت الضمان ، يجوز للمودع أخذ المثل أو القيمة منه في صورة التلف بمقتضى قاعدة الإلزام ، وإن لم يكن هو قائلا بالضمان أصلا .

3 ـ ما لو باع شيئاً من المخالف الحنفي ، ولم يشترط خياراً لهما ، أو لخصوص المشتري ، فلو فسخ المشتري وهما بعد في المجلس ولم يتحقق التفرّق ، فللبائع الشيعي إلزامه ببقاء المعاملة وعدم صحّة هذا الفسخ ; من جهة أنّ مذهبه أنّه لا خيار في المجلس إلاّ بالشرط(1) ، فإذا لم يكن هناك شرط فلا خيار ، وإن كان مذهب البائع ثبوت خيار المجلس ولو من دون اشتراط(2) . وهكذا الحال لو كان المشتري مالكيّاً ; حيث إنّهم ينكرون خيار المجلس رأساً(3) .

أقول : قد عرفت احتمال عدم كون مثل هذا المورد مجرى القاعدة ، فإنّ مجراها ما إذا كان المخالف عاملا على طبق اعتقاده ودينه ، لا على خلافه ، ومن المعلوم أنّ الفسخ في المثال خلاف مذهبه ; حيث إنّه يرى عدم ثبوت حقّ الفسخ له أصلا .

4 ـ ما لو باع حرّاً وعبداً صفقة واحدة من حنفي ، فالإمامية قائلون بأنّ البيع صحيح بالنسبة إلى العبد ، وباطل بالإضافة إلى الحرّ(4) ، ولكنّ الحنفية قائلون بالبطلان في الجميع(5) ، فإذا كان البائع شيعيّاً وندم على بيع عبده ، يجوز له إلزامه


(1) الخلاف : 3 / 9 مسألة 7 ، شرح فتح القدير : 5 / 464 ، عمدة القارئ شرح صحيح البخاري : 8 / 388 ، الفتاوى الهندية : 3 / 38 ـ 39 .
(2) المؤتلف من المختلف : 1 / 443 ، تلخيص المرام في معرفة الأحكام : 101 ، المهذّب البارع : 2 / 372 ، كنز الفوائد في حلّ مشكلات القواعد : 1 / 445 ـ 446 ، حاشية الإرشاد، المطبوع مع غاية المراد 2 : 95 .
(3) المقدّمات الممهّدات لابن رشد : 2 / 85 ـ 86 ، المحلّى بالآثار : 7 / 238 ، مواهب الجليل : 6 / 301 ـ 303 ، حاشية الخرشي على مختصر خليل : 5 / 453 ـ 454 ، حاشية العدوي على الخرشي : 453 ـ 454 .
(4) الخلاف : 3 / 145 مسألة 233 ، شرائع الإسلام : 2 / 15 ، كشف الرموز : 1 / 446 ، مسالك الأفهام : 3 / 163 .
(5) تبيين الحقائق : 4 / 60 ، المجموع : 9 / 371 .

الصفحة 195

بردّ العبد ; لاعتقاده ببطلان بيعه أيضاً وإن كان هو قائل بصحته بالنسبة إليه . ومثله ما لو باع خمراً وخلاّ ، أو شاة وخنزيراً ومثلهما .

ومنها : الرهن ، وفيه فروع كثيرة مرتبطة بقاعدة الإلزام ، ونحن نتعرّض لجملة منها :

الأوّل : قال الشيخ (قدس سره) في محكيّ كتاب الخلاف : إذا رهن عند غيره شيئاً وشرط أن يكون موضوعاً على يد عدل ، صحّ شرطه ، ثمّ(1) ذكر بعده :

لا يجوز للعدل أن يبيع الرهن إلاّ بثمن مثله حالاًّ ، ويكون من نقد البلد إذا أطلق له الإذن ، فإن شرط له جواز ذلك كان جائزاً ، وحكى عن أبي حنيفة أنّه قال : يجوز له بيعه بأقلّ من ثمن مثله وبنسيئة ، حتّى لو وكلّه في بيع ضيعة تساوي مائة ألف دينار ، فباعها بدانق نسيئة إلى ثلاثين سنة كان جائزاً(2) . وعلى هذه الفتوى لو كان الراهن حنفيّاً ، وشرط أن يكون الرهن عند عدل ، يجوز له إلزامه بمقتضى قاعدة الإلزام بصحّة البيع كذلك ، كما هو ظاهر .

الثاني : أنّ الصحيح عند الإمامية عدم ثبوت الضمان في الرّهن إلاّ مع التعدّي والتفريط(3) ; لأنّه قسم من أقسام الأمانة المالكية التي ليس فيها الضمان إلاّ في الصّورتين ، ولكن حكى الشيخ (قدس سره) في الكتاب المزبور عن أبي حنيفة : أنّ الرهن مضمون بأقّل الأمرين(4) ، وهما : الدين وقيمة العين المرهونة ، وعليه : فلو كان المرتهن حنفيّاً وتلف عنده العين المرهونة بدون تعدّ وتفريط ، يجوز إلزامه بأقلّ


(1) الخلاف : 3 / 242 ـ 243 مسألة 40 .
(2) الخلاف : 3 / 244 مسألة 44 ، نهج الحق وكشف الصدق : 489 ، الفتاوى الهندية : 5 / 443 ، المبسوط للسرخسي : 21 / 82 ـ 84 ، المغني لابن قدامة : 4 / 393 ، اللباب في شرح الكتاب : 2 / 58 .
(3) غنية النزوع : 245 ، السرائر : 2 / 419 ، رياض المسائل : 8 / 531 ، نهج الحقّ وكشف الصدق : 489 .
(4) الخلاف : 3 / 245 مسألة 46 ، المبسوط للسرخسي : 21 / 64 ـ 65 ، الشرح الكبير : 4 / 410 ، تبيين الحقائق شرح كنوز الدقائق : 6 / 63 ـ 64 ، الهداية شرح بداية المبتدي : 4 / 468 .

الصفحة 196

الأمرين ; لقاعدة الإلزام ، وإن كان لا ضمان عليه عندنا في هذه الصورة .

الثالث : حكى الشيخ (قدس سره) (1) أيضاً عن أبي حنيفة : أنّ العدل لو باع الرهن لأداء الدين وقبض الثمن ، فلو تلف الثمن بعد القبض يسقط من الدين بمقدار الثمن ، وبعبارة اُخرى : يكون ثمن الرهن في ضمان المرتهن ، مع أنّه غير صحيح عندنا(2) ; لأنّه لا وجه لسقوط دين المرتهن ما لم يقبض دينه ، ولكنّ المرتهن إن كان حنفيّاً يجوز إلزامه بسقوط دينه لقاعدة الإلزام .

الرّابع : حكى الشيخ (قدس سره) (3) عن أبي حنيفة أيضاً : أنّ منفعة العين المرهونة لا تكون للراهن ولا للمرتهن ، فإذا كانت داراً مثلا لا يجوز للراهن ولا للمرتهن أن يسكنها أو يؤاجرها. وأمّا نماؤها المنفصل ، فيدخل في الرهن ، فيكون رهناً مثل أصله ، مع أنّ الصحيح عندنا(4) أنّ منفعة الرهن إنّما تكون ملكاً لمالكها ، وكذا النماء المنفصل يكون ملكاً له ، ولا يكون رهناً ، وعليه : فلو كان الراهن حنفيّاً يجوز بمقتضى القاعدة إلزامه بدخول النماء المنفصل في الرّهن ، وبعدم تصرّفه في العين المرهونة بالسكونة والإيجار .

ومنها : منافع العين المغصوبة ، فالمحكي عن أبي حنيفة المصرّح به في صحيحة أبي ولاّد المعروفة(5) ، الواردة في البغلة التي اكتراها فخالف ، أنّ الغاصب لا يضمن المنافع وإن استوفاها ، وقد ذكر في الرواية تصريحه بسقوط الكراء بمجرّد المخالفة


(1) الخلاف : 3 / 245 ـ 246 مسألة 47 ، المبسوط للسرخسي : 21 / 81 ، المغني لابن قدامة : 4 /394 ، النتف : 2 / 374 .
(2) مسالك الأفهام : 4 / 44 .
(3) الخلاف : 3 / 251 مسألة 58 ، تبيين الحقائق : 6 / 94 ، المغني لابن قدامة : 4 / 434 ـ 435 ، المحلّى بالآثار : 6 / 368 .
(4) نهج الحقّ وكشف الصدق : 490 .
(5) تقدمت في ص 133 .

الصفحة 197

وتحقّق الغصب ، وهذه هي الفتوى التي قال الإمام (عليه السلام) في تلك الرواية في شأنها : «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءَها ، وتحبس الأرض بركتها» . وأمّا نحن فنقول بضمانها ، خصوصاً إذا كانت مستوفاة(1) ، وعلى ما ذكر لو كان المغصوب منه حنفيّاً يجوز إلزامه بمقتضى قاعدة الإلزام بذلك ، ومنعه عن أخذ قيمة منافع العين المغصوبة مطلقاً .

ومنها : ضمان المجهول ، أي : ضمان الدين الذي لا يعلم مقداره ، وأنّه قليل أو كثير ، فإنّه باطل عندنا(2) ، والمحكي عن أبي حنيفة ومالك(3) صحّة هذا الضمان ، وعليه : فلو كان الضامن حنفيّاً أو مالكيّاً ، يجوز إلزامه ـ بمقتضى قاعدة الإلزام ـ بصحة الضمان ولو كان الدين مجهولا ، وهكذا ضمان ما لم يجب بناءً على بطلانه عندنا(4) .

ومنها : موارد اُخرى كثيرة متفرّقة في أبواب الفقه تظهر لمن تتبّعها .

هذا تمام الكلام في قاعدة الإلزام .

23 شوال المكرم 1408 هـ


(1) غنية النزوع : 281 ، شرائع الإسلام : 3 / 243 ـ 244 ، تذكرة الفقهاء : 2 / 381 (ط .ق) .
(2) المبسوط : 2 / 335 ، الخلاف : 3 / 319 مسألة 13 ، السرائر : 2 / 72 .
(3) المغني لابن قدامة : 5 / 72 ، البحر الزخّار : 6 / 76 ، المجموع شرح المهذّب : 14 / 270 ـ 271 .
(4) الخلاف : 3 / 319 مسألة 13 ، تذكرة الفقهاء : 2 / 89 (ط . ق) .
<<التالي الفهرس السابق>>