في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>


الصفحة 281

«يجبّ ما قبله» إنّما هو بالنسبة إلى الخطابات التكليفية البحتة ، لا فيما كان الخطاب فيه وضعيّاً كما فيما نحن فيه ، فإنّ كونه جنباً يحصل بأسبابه ، فيلحقه الوصف وإن أسلم(1) .

وقال صاحب مصباح الفقيه : لا ينبغي الارتياب في وجوب الغسل عليه بعد أن أسلم وإن لم نقل بكونه مكلّفاً به حال كفره ; إذ غايته أنّه يكون كالنائم والمغمى عليه وغيرهما ممّن لا يكون مكلّفاً حين حدوث سبب الجنابة ، ولكنّه يندرج في موضوع الخطاب بعد اجتماع شرائط التكليف ، فيعمّه قوله تعالى : {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا}(2) وقوله (عليه السلام)  : إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة(3) .

ولا ينافي ذلك ما ورد من أنّ «الإسلام يجبّ ما قبله» ; لأنّ وجوب الغسل لصلاته بعد أن أسلم من الاُمور اللاّحقة ، فلا يجبّه الإسلام .

وحدوث سببه قبله لا يجُدي ; لأنّ الإسلام يجعل الأفعال والتروك الصادرة منه في زمان كفره في معصية الله تعالى كأن لم تكن ، لا أنّ الأشياء الصادرة منه حال كفره ترتفع آثارها الوضعية ، خصوصاً إذا لم يكن صدورها على وجه غير محرّم ، كما لو بال أو احتلم ; فإنّه كما لا ترتفع نجاسة ثوبه وبدنه المتلوّث بهما بسبب الإسلام ، كذلك لا ترتفع الحالة المانعة من الصلاة الحادثة بسببهما ـ إلى أن قال: ـ وكيف كان ، فلا مجال لتوهّم ارتفاع الحدث بالإسلام ، كما لا يتوهّم ذلك بالنسبة إلى التوبة التي روي فيها أيضاً أنّها تجبّ ما قبلها(4) .

وهذه العبارات وإن اشتركت في عدم سقوط الغسل بالإسلام ، إلاّ أنّها كانت


(1) جواهر الكلام : 3 / 40 .
(2) سورة المائدة : 5 / 6 .
(3) تهذيب الأحكام : 2 / 140 ح 546 ، الفقيه : 1 / 22 ح 67 ، وعنهما وسائل الشيعة : 1 / 372 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ب 4 ح 1 .
(4) مصباح الفقيه : 3 / 276 ـ 277 .

الصفحة 282

مختلفة في بيان الوجه له ، فيظهر من بعضها أنّ عدم السقوط إنّما هو بنحو الاستثناء من القاعدة ، كعدم سقوط حقوق الآدميّين ، ومن بعضها الآخر أنّ عدم السقوط لأجل عدم شمول القاعدة للآثار والأحكام الوضعيّة ، وبعضها غير متعرّض للدّليل .

أقول : أمّا الاستثناء فلابدّ له من دليل ، ولا مجال للأخذ به بدونه ، والظاهر عدم وجود الإجماع الذي له أصالة عليه ، وإن ادّعى صاحب الجواهر عدم وجدان الخلاف فيه ; لأنّ حكمه بعده بعدم شمول دليل القاعدة للأحكام الوضعية ظاهر في أنّ الدليل هو قصور دليل القاعدة ، لا الإجماع .

وأمّا عدم شمول القاعدة للأحكام الوضعيّة ، فيردّه أنّ لازم ذلك بطلان العقود والايقاعات الصادرة من الكافر إذا لم تكن واجدة لجميع الشرائط المعتبرة في الإسلام ، مع أنّ مقتضاها جعل السببيّة لها والحكم بترتّب الآثار التي هي أحكام وضعية كالملكية والزوجية والفراق وأشباهها ، كما أنّ لازم ذلك ترتّب الحدّ أو التعزير على ما صدر منه في حال الكفر ; لأنّ شرب الخمر مثلا سبب لوجوب حدّه ، وهكذا سائر الموجبات للحدّ أو التعزير ، فلا مجال للمناقشة في عموم القاعدة للأحكام الوضعيّة .

نعم ، يمكن الاستدلال على وجوب الغسل أو الوضوء على الكافر .

إمّا من طريق ما مرّت الإشارة إليه في كلام بعض الأجلّة ; وهو أنّ المستفاد من آية الوضوء والغسل والتيممّ أنّ هذه الاُمور شروط يجب تحصيلها ، فمعنى قوله تعالى : {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}(1) إلى آخر الآية ، أنّه عند إرادة الصلاة لابدّ من الوضوء أو مثله ، وإن لم يعلم بكونه محدثا ولم يثبت ذلك ولو ظاهراً ، كما في مورد تعارض استصحابي الطهارة والحدث ; فإنّه لابدّ له من تحصيل


(1) سورة المائدة 5 : 6 .

الصفحة 283

الطهارة إحرازاً للشرط ، وكما في المريض الذي ليس له بول ولا غائط بل يقيء كلّما يأكل .

والكافر أيضاً من هذا القبيل ; فإنّه يجب عليه تحصيل الطهارة بمعنى الوضوء أو الغسل أو التيمّم للعبادات المشروطة بها ، وإن لم نقل بسببيّة ما وقع منه في حال الكفر لحدوث الحدث ، وبعبارة اُخرى : الطهارة شرط ، لا أنّ الحدث مانع ، ويؤيّده التعبير عن مثل البول والغائط بالناقض الذي مرجعه إلى رفع ما يكون شرطاً ، لا إيجاد ما يكون مانعاً ، وعليه : فلا يرتبط بالقاعدة أصلا .

وإمّا ممّا يشعر به كلام الشهيد الثاني (قدس سره) المتقدّم من أنّ السّبب لا يكون مؤثراً في المسبّب مادام كونه كافراً ، فإذا زال الكفر باختيار الإسلام فالسبب السابق يؤثّر في مسبّبه فعلا ، فالكافر الذي بال أو أجنب يكون بعد الإسلام محدثاً بالحدث الأصغر أو الأكبر .

ومثله يجري في باب الرضاع أيضاً ; بأن يقال : الرضاع الواقع في حال الكفر لا يترتّب عليه أثر مادام الكفر باقياً ، فإذا زال الكفر وأسلم يترتّب عليه الأثر ، فإذا نكح اُخته من الرّضاعة فهذا النكاح لا يترتّب عليه أثر وعقوبة مادام كونه كافراً ، وبعد زواله يترتّب عليه آثاره .

ولا يتوهّم أنّ ذلك يوجب الالتزام بعدم اشتراك الكفّار مع المسلمين في الأحكام ; لأنّ ما ذكرنا إنّما هو بالنسبة إلى الكافر الذي أسلم بلسان الجبّ والقطع والرفع ، وأمّا الكافر الذي بقي على كفره ، فهو يشترك مع المسلم في جميع أحكام الإسلام ; أعمّ من التكليفيّة والوضعيّة ، فالحكم بعدم تأثير بوله في الحدث الأصغر إنّما هو بلحاظ القاعدة في خصوص زمان الكفر أيضاً ، وهكذا الرّضاع .

وأمّا ما أفاده المحقق البجنوردي في باب الرّضاع ـ من أنّ عناوين الاُمومة والاُختيّة والبنتيّة عناوين تكوينيّة ، ولا يمكن أن يكون الحديث رافعاً لها ـ فلم

الصفحة 284

نعرف له وجهاً ; فإنّه يرد عليه:

أوّلا : أنّ تحقّق هذه العناوين إنّما هو بمعونة التعبّد بأنّ الرضاع لحمة كلحمة النسب ; ضرورة أنّه لو لم يكن هذا التعبّد لما كان تتحقّق هذه العناوين أصلا .

وثانياً : أنّ كون العناوين تكوينيّة لا ينافي جريان القاعدة بعد وضوح كون الأحكام المترتّبة عليها شرعيّة تعبّدية ، وجريان القاعدة إنّما هو بلحاظ تلك الأحكام لا بلحاظ العناوين ، وقد عرفت(1) في المجوسيّ الذي أسلم وقد نكح اُمّه في زمان الكفر ، أنّ القاعدة تجري بالإضافة إلى الماضي ، وأمّا بالنسبة إلى المستقبل فحيث يكون العنوان باقياً لا مجال لصحّة نكاحه .

وقد ظهر ممّا ذكرنا حكم التطليقة أو التطليقات الواقعة في حال الكفر ، فإنّ مقتضى القاعدة عدم ترتّب الأثر من جزئيّة السّبب أو السببيّة التامّة للتحريم عليها ; لعدم اختصاصها بالأحكام التكليفية ، ولا حاجة في ذلك إلى رواية البحار حتى يناقش فيها من حيث السّند ، كما لا يخفى .

خاتمة تشتمل على بيان اُمور :

الأوّل : الكافر المنتحل للإسلام ، كالخوارج والغلاة والنواصب والمجسّمة ونحو ذلك إذا رجع إلى الإسلام ، فهل يكون مشمولا للقاعدة أم لا؟ نسب إلى ظاهر إطلاق الأصحاب أنّه أيضاً كالكتابي والوثني في هذا الحكم(2) ، ولكنّه محلّ تردّد وإشكال ; لأنّه ربما يقال : إنّ المتبادر من حديث الجبّ هو الإسلام المسبوق بكفر صرف ، ولا تديّن بالإسلام فيه .

ويمكن الإيراد عليه بأنّ المقصود من التديّن بالإسلام إن كان هو التديّن


(1) في ص 277 .
(2) العناوين : 2 / 502 ـ 503 .

الصفحة 285

الواقعي فهو لا يجتمع مع كفرهم ، كما هو المفتى به للأصحاب ، وإن كان هو التديّن الاعتقادي فهو ينكشف خلافه بعد الإسلام ; لأنّ المنتحل بعدما أسلم يرى أنّه كان غير مسلم ، والاعتقاد السابق لا يجدي ، كما أنّ الكافر لا يرى نفسه كافراً في زمان كفره . وعليه : فلا يبعد أن يقال بالشمول .

الثاني : الظاهر عدم شمول القاعدة للمخالف إذا استبصر ; لما عرفت من أنّها في مقام التحريص والترغيب إلى الإسلام في مقابل الكفر(1) ، فلا دلالة لها على حكم المخالف بوجه ، بل لابدّ في استفادة حكمه من الرجوع إلى القواعد الاُخر ، مثل قاعدة «لا تعاد» في باب الصلاة(2) وغيرها(3) ، وقد وردت في باب زكاته روايات خاصّة(4) .

الثالث : الكافر إذا أسلم في أثناء العبادة ، كما إذا أسلم في نهار شهر رمضان ولم يأت بشيء من المفطرات ، فهل يتحقّق الجبّ بالنسبة إلى مجموع هذه العبادة ، فلا يجب عليه صوم ما بقي من النهار ولا قضاؤه ، أو لا يتحقق الجبّ ، فلابدّ من الإتيان بها أداءً لو كان له فرض ، أو قضاءً كما في مثال الصوم المذكور ، أو يتحقّق الجبّ بالإضافة إلى ما مضى في حال الكفر دون ما بقي ، فيأتي بالباقي مؤمناً مسلماً؟ وجوه واحتمالات ، ولا يبعد ترجيح الاحتمال الأخير .

الرّابع : الواجبات الموسّعة إذا أسلم الكافر وقد مضى من وقتها مقدار يمكن


(1) في ص 269 و 272 .
(2) الخصال : 284 ح 35 ، تهذيب الأحكام : 2 / 152 ح 597 ، الفقيه : 1 / 181 ح 857 و ص 225 ح 991 وعنها وسائل الشيعة : 1 / 371 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ب 3 ح 8 ، و ج 4 / 312 ، كتاب الصلاة ، أبواب القبلة ب 9 ح 1 ، و ج 5 / 470 ، أبواب أفعال الصلاة ب 1 ح 14 ، و ج 6 / 91 ، أبواب القراءة في الصلاة ب 29 ح 5 .
(3) وسائل الشيعة : 1 / 125 ، كتاب الطهارة ، أبواب مقدّمة العبادات ب 31 .
(4) وسائل الشيعة: 9 / 216، كتاب الزكاة، أبواب المستحقّين للزكاة، ب 3 .

الصفحة 286

أداؤها فيه مع الشرائط وهو لم يأت بها على ما هو المفروض ; لكونه كافراً ، فهل يسقط التكليف بها أم لا؟ فيه وجهان :

من أنّه تعلّق الخطاب به قبل الإسلام ; لأنّ المفروض مضيّ مقدار من الوقت يمكن أداؤها فيه ، فيكون مشمولا للقاعدة ، فلا يجب عليه الإتيان بها فيما بقي من الوقت . ومن استمرار الخطاب في آنات الوقت الموسّع واستصحاب اشتغال الذمّة والشك في شمول القاعدة لهذه الصورة ، فيجب عليه الإتيان بها .

وربما يؤيّد الوجه الأوّل ملاحظة أنّ الواجبات الموسّعة مادام العمر ، كصلاة الزلزلة وقضاء الصّلوات اليوميّة ، لا ريب فى سقوطها بالإسلام ; فإنّ الكافر إذا أسلم في شهر شوّال ، فلا ريب في عدم وجوب قضاء شهر رمضان عليه ، مع أنّ قضاء رمضان موسّع بحسب الرّخصة إلى رمضان الآتي ، وبحسب الإجزاء إلى آخر العمر ، ولا يرى فرق بين الواجبات الموسّعة أصلا(1) .

أقول : الظاهر هو الفرق ; فإنّ وجوب القضاء متفرّع على الفوت ، وبعد اقتضاء الحديث كون الترك كالعدم لا يبقى مجال لوجوب القضاء ، ووجوب صلاة الزلزلة مسبّب عنها ، وقد مرّ أنّ الحديث يشمل الأحكام الوضعية أيضاً ، وهذا بخلاف مثل صلاة الظهر التي دخل وقتها ثمّ أسلم بعد مضيّ مقدار من الوقت يمكن أداؤها فيه ، فإنّه لا مجال للحكم بسقوطها بالقاعدة مع فرض سعة الوقت وإمكان الأداء وهو مسلم ، فتدبّر .

هذا تمام الكلام في قاعدة الجبّ .

21 ذي القعدة الحرام 1408 هـ


(1) العناوين : 2 / 502 .

قاعدة الإحسان

وهي أيضاً من القواعد الفقهيّة المعروفة ، ويستند إليها في الفروع المختلفة الفقهية التي سيأتي التعرّض لبعضها إن شاء الله تعالى ، والكلام فيها يقع في مواقف :

الموقف الأوّل : في مدركها ومستندها ، وما قيل في هذا المجال اُمور :

الأوّل : قوله تعالى : {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَيَعْلَمُونَ}(1) .

وقد ذكر المفسّر العظيم القدر صاحب مجمع البيان في شأن نزول الآيات : قيل : إنّ الآية الاُولى نزلت في عبدالله بن زائدة ـ وهو ابن اُمّ مكتوم وكان ضرير


(1) سورة التوبة 9 : 91 ـ 93 .

الصفحة 290

البصر ـ جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : يا نبيّ الله إنّي شيخ ضرير خفيف الحال نحيف الجسم ، وليس لي قائد ، فهل لي رخصة في التخلّف عن الجهاد؟ فسكت النبيّ (صلى الله عليه وآله)  ، فأنزل الله الآية ، عن الضحاك . وقيل : نزلت في عائد بن عمرو وأصحابه ، عن قتادة .

والآية الثانية نزلت في البكّائين ، وهم سبعة نفر ، منهم : عبد الرحمن بن كعب ، وعتبة بن زيد ، وعمرو بن غنمة ، وهؤلاء من بني النّجار ، وسالم بن عمير وهرم بن عبدالله ، وعبدالله بن عمرو بن عوف ، وعبدالله بن معقل من مزينة ، جاؤا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا : يا رسول الله أحملنا ; فإنّه ليس لنا ما نخرج عليه ، فقال : لا أجد ما أحملكم عليه ، عن أبي حمزة الثمالي .

وقيل : نزلت في سبعة نفر من قبائل شتّى أتوا النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقالوا له : أحملنا على الخفاف والبغال ، عن محمد بن كعب وابن إسحاق . وقيل : كانوا جماعة من مزينة ، عن مجاهد . وقيل : سبعة من فقراء الأنصار ، فلمّا بكوا حمل عثمان منهم رجلين ، والعباس بن عبد المطّلب رجلين ، ويامين بن كعب النضري ثلاثة عن الواقدي قال : وكان الناس بتبوك مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثين ألفاً ، منهم : عشرة آلاف فارس(1) .

وعلى ما ذكرنا فالمراد من السبيل المنفي بالإضافة إلى المورد هو العذاب والعقاب الاُخروي ، كما أنّه المراد بالسبيل المثبت في مورد الآية الثالثة ، ولكنّه حيث لا يكون المورد مخصّصاً ، وقوله تعالى : {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل} بمنزلة ضابطة كلّية وقاعدة عامّة ، لابدّ من الالتزام بعدم اختصاص السبيل بالعقاب ، بل له معنى عامّ شامل لكلّ ما يكون بضرر المحسن وموجباً لمؤاخذته


(1) مجمع البيان : 5 / 96 ـ 97 .

الصفحة 291

والأخذ به ; سواء كان عقاباً في الآخرة ، أو أمراً ضرريا عليه في الدّنيا ، كضمانه وتغريمه وتعزيره ، فله معنى عامّ يشمل الجميع ، وهذا إجمال معنى القاعدة ، وسيأتي التفصيل في الموقف الثاني إن شاء الله تعالى .

الثاني : حكم العقل بقبح مؤاخذة المحسن على إحسانه ، ولعلّه إليه يشير قوله تعالى : {هَلْ جَزَاءُ الاِْحْسَانِ إِلاَّ الاِْحْسَانُ}(1) ; فإنّ مرجعه إلى أنّ مكافأة الإحسان لا تلائم مع الإساءة بل تنحصر في الإحسان ، وبعبارة اُخرى : المحسن منعم ، والمنعم شكره إنّما هو بالإحسان إليه ، ويقبح كفرانه بنظر العقل ، فلا معنى للحكم بضمانه في مورد إحسانه .

مثلا إذا رأى مال الغير في معرض التلف ، كما إذا ذهب به السيل أو أطار به الريح مثلا ، فأخذه بقصد حفظه وإيصاله إلى مالكه ليتمكّن من التصرّف فيه والاستفادة منه ، فحفظه في محلّ معدّ للحفظ عرفاً ، ولكنّه على خلاف الانتظار قد سرق أو خرب السقف مثلا فتلف المال ، فهل الحكم بضمانه في هذه الصورة وأخذ المثل أو القيمة منه ملائم لإحسانه ، أو أنّه قبيح عند العقل؟

وهكذا في سائر الموارد المشابهة ; مثل الوديعة التي أخذها المستودع إحساناً للمودع فحفظها في مكان كذلك ، ثمّ عرض لها التلف بمثل ما ذكر ، فهل يجوز عند العقل الحكم بتغريمه وتضمينه وأخذ المثل أو القيمة منه؟

وربما يجاب عن هذا الوجه بأنّه صرف استحسان ، مع أنّ إثبات الحكم الشرعي على موضوع ، أو نفيه عنه لا يجوز بالظنون الاستحسانية ، بل لابدّ من قيام دليل وحجّة ثبتت حجيته بالحجية القطعية ، فلو وجد سبب الضمان من إتلاف ، أو يد غير مأذونة ، أو تعدٍّ ، أو تفريط من الأمين ، أو غير ذلك من أسباب


(1) سورة الرحمن 55 : 60 .

الصفحة 292

الضمان ، لا يصحّ الحكم بعدم الضمان بصرف هذا الاستحسان(1) .

وأنت خبير بأنّ اتلاف مال الغير لا يجتمع مع الإحسان . نعم ، في ما إذا لم يكن الإتلاف عن عمد والتفات يمكن الاجتماع ، وكذلك التعدّي والتفريط لا يجتمعان مع الإحسان ، والمراد بالإذن إن كان أعمّ من المالك والشارع لا يتحقّق مورد من موارد الإحسان يكون خالياً عن إذن واحد منهما ، كما لا يخفى .

وعلى ما ذكرنا يرد على هذا الوجه أنّ الحكم بعدم الضمان في غير مورد الإتلاف والتعدّي والتفريط لا يكون مستنداً إلى قاعدة الإحسان ، بل إلى عدم الدليل على الضمان ; لاختصاص قاعدة ضمان اليد بغير اليد المأذونة من قبل المالك أو الشارع ، ولا دليل على الضمان غير هذه القاعدة .

نعم ، لو فرض عنوان موجب للضمان ومجتمع مع عنوان الإحسان كالإتلاف في حال النوم مثلا في الموارد المذكورة ، لا مانع من الحكم فيه بعدم الضمان وإن كان مقتضى قاعدة الإتلاف ثبوته ; لأنّ حكم العقل بعدم مكافأة الإحسان بالإساءة والتغريم حكم عقليّ قطعي ، ولا مجال لدعوى كونه من الظنون الاستحسانية غير القابلة لإثبات الحكم أو نفيه .

الثالث : الإجماع(2) على ثبوت هذه القاعدة على ما يظهر من تتبّع كلمات الأصحاب ; فإنّ الفقهاء يستدلّون بها في كتبهم وفتاويهم في موارد كثيرة ، فتراهم يستدلّون بها على عدم ضمان المستودع إذا كان المال عنده في مكان معدّ للحفظ ومناسب له ، ثمّ غيّر مكانه إلى مكان آخر يعتقد أنّه أحفظ من المكان الأوّل ، ولكنّه قد انكسرت الوديعة أو تلفت في حال النقل ; نظراً إلى كونه محسناً في هذا النقل ،


(1) القواعد الفقهية للمحقق البجنوردي : 4 / 13 .
(2) جواهر الكلام : 27 / 146 ـ 147 .

الصفحة 293

ولا معنى لثبوت الضمان عليه للقاعدة(1) ، وهكذا الموارد الاُخرى الكثيرة التي حكم فيها بعدم الضمان معلّلا بالقاعدة(2) .

ولكنّ الظاهر عدم اتّصاف الإجماع بالأصالة والكاشفية عن رأي المعصوم (عليه السلام)  ، بل استناده إلى الآية الشريفة كما يصرّحون به كثيراً ، ويؤيّده تعبيراتهم المقتبسة من الآية من الإحسان والسبيل وغيرهما ، فالإجماع لا يكون حجّة برأسه في مقابل الآية ، كما لا يخفى .

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا في هذا الموقف أنّه لا مجال للإشكال في القاعدة من حيث المدرك والمستند .

الموقف الثاني : في بيان المراد من هذه القاعدة وشرح معناها ، والعمدة في هذا الموقف أيضاً ترجع إلى توضيح المراد من الآية الشريفة(3) ، فنقول : التكلّم في الآية من جهتين :

الجهة الاُولى : في بيان المراد من مفردات الآية ; وهي عنوان الإحسان ومفهوم السبيل ، وكلمتا «ما» و«على» فنقول :

لا إشكال في أنّ «ما» نافية ، والغرض منها إفادة نفي السبيل وعدم ثبوته على المحسن ، كما أنّ كلمة «على» للضرر ، ومرجعها إلى عدم ثبوت سبيل وحكم يوجب تضرّر المحسن والإساءة إليه المقابلة للإحسان .

وأمّا «السّبيل» فقد عرفت أنّه بلحاظ موارد الآيات وشأن نزولها يشمل العذاب الاُخروي والعقوبة في عالم الآخرة ، ولكنّه لا يختصّ بها ; لأنّ المورد لا يكون مخصّصاً ، بل قوله تعالى : {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيل} واقع في مقام إفادة


(1) مسالك الأفهام : 5 / 117 ـ 118 .
(2) جامع المقاصد : 6 / 157 ، تذكرة الفقهاء : 2 / 256 ط الحجري .
(3) سورة التوبة 9 : 91 .

الصفحة 294

قاعدة كلّية وضابطة عامّة ، غاية الأمر لابدّ وأن يكون شاملا للمورد ; وهو العذاب الاُخروي لئلاّ يلزم الاستهجان ، فالسبيل له معنى عامّ يشمل ذلك ، والتكاليف الشاقّة ، والأحكام الضرريّة الدنيوية ، مثل الضمان والتعزير وشبههما .

وأمّا الإحسان ، فهل المراد منه خصوص جلب المنفعة ، أو خصوص دفع المضرّة ، أو يعمّ كلاهما؟ وجوه واحتمالات ، ربّما يقال بالثاني كما حكاه صاحب العناوين عن شيخه الاُستاذ(1) ، ولكنّه اختار نفسه الوجه الثالث ; نظراً إلى شمول اللفظ لكليهما ، بل ربما يكون صدقه على إيصال النفع أوضح وأظهر من صدقه على منع المضرّة ودفعها .

والظاهر أنّه لا مجال للإشكال في العموم والشمول بمقتضى مفهوم اللفظ ومعنى الإحسان ، ولكنّه هنا موارد قد حكموا فيها بالضمان ; وهي من موارد جلب المنفعة ; كما إذا أخذ دابّته بغير إذنه وذهب بها إلى المرعى لأن ترعى فيه ، أو نقل متاعه كذلك إلى مكان للبيع بالثمن الأوفى ، أو أخذ ماله كذلك للاسترباح به ، ونحو ذلك ; فإنّه يكون مشتملا على جلب المنفعة ، ومع ذلك قد حكموا فيها بالضمان ; لأنّ الإستيلاء على مال الغير كان بغير إذنه ، فإن قلنا بأنّها من موارد قاعدة الإحسان يلزم الإلتزام بالتخصيص في مفادها ، وسياقها آب عن التخصيص ، فاللاّزم بعد ثبوت الضمان فيها وعدم جريان المناقشة فيه الالتزام بخروجها عن عنوان الإحسان المذكور في الآية الشريفة .

نعم ، ربما يقال : إنّ كون وضع اليد على مال الغير إحساناً ، إنّما يكون كذلك في صورة دفع المضرّة ، أمّا في صورة جلب المنفعة فليس إثبات اليد جلب نفع ، بل إيصال النفع إنّما هو بشيء آخر ، فيتعلّق الضمان بإثبات اليد ، ولا ينفع بعد ذلك الإحسان المتأخّر .


(1) العناوين : 2 / 477 .

الصفحة 295

ويرد عليه ـ مضافاً إلى النقض بدفع المضرّة ; فإنّ المال قد يؤخذ من يد السارق مثلا ، وقد يؤخذ من مكان يجري فيه احتمال السّرقة بعداً ، والفرض الثاني مماثل للأمثلة المذكورة في جلب المنفعة ـ : أنّ الإثبات بقصد الإحسان المتأخّر نفسه إحسان ، كما لا يخفى .

ثمّ إنّه هل يعتبر في مفهوم الإحسان مجرّد القصد إليه واعتقاد كون عمله إحساناً وإن لم يكن في الواقع كذلك ، أو يعتبر الواقع ; بأن يكون العمل بحسب الواقع دفع مضرّة ومنعها ، أو يعتبر الأمران معاً ، فلا يتحقّق الإحسان إلاّ بعد كونه بحسب الواقع كذلك ، وكان اعتقاده مطابقاً للواقع ، فلو سقى الدابّة بلحاظ كونها عطشى وكانت في الواقع كذلك ، يكون هذا السقي متّصفاً بالإحسان ، فلو تلفت الدّابة في حال السقي مثلا لا يكون على الساقي المحسن ضمان ، وهذا بخلاف ما لو اختلّ أحد الأمرين من الاعتقاد والواقع؟ وجوه واحتمالات .

يظهر ثالثها من صاحب العناوين(1) ، وثانيها من المحقق البجنوردي ، وقد استدلّ الأخير بأنّ الظاهر من العناوين والمفاهيم التي اُخذت موضوعاً للحكم الشرعي هو واقعها والمعنى الحقيقي لها ، ولا شك في أنّ العرف لا يفهم من لفظ الإحسان غير ما هو المعنى الحقيقي له(2) .

أقول : لا خفاء في كون الظاهر من العناوين هو المعنى الحقيقي لها ، إنّما البحث في ذلك المعنى الحقيقي ، وأنّه هل يعتبر فيه القصد والاعتقاد كالعناوين القصدية التي تكون معانيها الحقيقية متقوّمة بالقصد ، أو يعتبر فيه واقع دفع المضرّة ومنعها وإن لم يكن مقصوداً بل ولا معتقداً به بوجه ، أو يعتبر فيه كلا الأمرين؟ هذا ، والظاهر بحسب نظر العرف هو الأخير ، أمّا اعتبار مصادفة الواقع فلا شبهة فيه ، غاية الأمر


(1) العناوين : 2 / 477 ـ 478 .
(2) القواعد الفقهية للمحقق البجنوردي : 4 / 12 .

الصفحة 296

أنّه مع عدم المصادفة ربما يكون معذوراً ، ولا يعدّ محسناً .

وأمّا اعتبار القصد فالظاهر أنّه أيضاً كذلك ; لأنّ العرف لا يرى غير القاصد للإحسان ، بل القاصد للإساءة محسناً بمجرّد مصادفة الواقع ، فلو كان السقي في المثال المذكور دفع مضرّة بحسب الواقع وإساءة بحسب القصد والاعتقاد ، هل يكون السّاقي عند العرف محسناً؟ الظاهر لا ; فالعرف يرى اعتبار كلا الأمرين ، ولا يكتفي بوجود واحد منهما ، كما لا يخفى .

الجهة الثانية : في بيان المراد من مجموع الجملة الواقعة في الآية .

فنقول : الظاهر أنّ هذه الآية كآية نفي السبيل للكافرين على المؤمنين(1) واقعة في مقام الإنشاء ، وحاكية عن عدم جعل السبيل على المحسن في الشريعة وإن كانت خالية عن لفظ الجعل ، بخلاف آية نفي السبيل ، إلاّ أنّ الظاهر اشتراك الآيتين وكون كليهما حاكيتين عن عدم جعل السبيل في الشريعة ، وكون مورد الآية في المقام هو العذاب الاُخروي كما تقدّم(2) لا يقتضي أن تكون الآية في مقام الإخبار ; فإنّ نفي العذاب الاُخروي عن المذكورين في الآية الاُولى والآية الثانية مرجعه إلى عدم ثبوت التكليف بالجهاد والشركة في الحرب بالإضافة إليهم ، فمعنى نفي السبيل خروجهم عن دائرة التكليف بالجهاد .

ولذا سأل ابن اُمّ مكتوم عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه هل كان لي رخصة في التخلّف عن الجهاد؟ فمعنى نفي السبيل ثبوت الرّخصة والخروج عن دائرة التكليف ، ولأجله تكون هذه الآية حاكمة على الأدلّة الأوليّة الظاهرة في ثبوت التكليف بالجهاد ، أو التكاليف الاُخر والأحكام الوضعيّة كالضمان ونحوه ، ودالّة على عدم كون مفاد الأدلّة الأوّلية شاملا للمحسن وإن كان بحسب الدلالة اللفظية عامّاً ، فلا مجال


(1) سورة النساء 4 : 141 .
(2) في ص 290 .

الصفحة 297

للإشكال في مفاد الآية من هذه الجهة .

وأمّا كلمة «المحسنين» فهي جمع محلّى باللاّم مفيدة للعموم ، أي جميع أفراد المحسنين ومصاديقهم ، كما أنّ «السبيل» نكرة واقعة في سياق النّفي ، وهي أيضاً تفيد العموم ، وليس السلب الذي تفيده الآية سلب العموم غير المنافي للإثبات الجزئي ، بل عموم السلب الذي لا يجتمع مع الموجبة الجزئيّة ، ومرجعه إلى انتفاء كلّ فرد أو نوع من أفراد السبيل أو أنواعه عن كلّ فرد من أفراد المحسن ، فالإحسان وطبيعته لا يلائم مع السبيل وطبيعته بوجه ، وهذا هو المتفاهم العرفي من مثل تعبير الآية ، لا سلب العموم الذي لا يصلح للاستدلال به ولو في مورد ، بل عموم السلب ، وهو صالح للاستدلال به في جميع الموارد ; لكونه بمنزلة كبرى كليّة وقاعدة عامّة .

ثمّ إنّه فرق بين هذه الآية وبين آية نفي السبيل ، من جهة أنّ مقتضى تلك الآية كما ذكرنا في معناها(1) عدم ثبوت السبيل للكافر على المؤمن من ناحية الشرع ، وأمّا لو فتح المسلم سبيلا له عليه ، كما إذا أتلف ماله المحترم ، فضمانه ثابت عليه ، ولا ينافي الآية بوجه ، والسرّ فيه أنّ نفي السبيل وقع بلسان نفي جعل الله إيّاه ، وهو الظاهر فيما هو من جانب الشرع ابتداءً . وأمّا هذه الآية فلسانها نفي ثبوت السبيل مطلقاً ، وهو ينافي الضمان في المورد المزبور ومثله ، فتدبّر .

ثمّ إنّ تعليق الحكم على الإحسان ظاهر في ارتباط نفي السبيل بحيثية الإحسان ، فمرجعه إلى عدم ثبوت السبيل من ناحية الإحسان ، وفي مورده المرتبط به ، وأمّا السبيل بلحاظ عنوان آخر موجب للضمان ، فلا مانع منه ، وإن كان مقروناً بالإحسان ، فلو أتلف الودعي الوديعة اختياراً وعمداً يكون ضامناً لها ; لارتباط الضمان بما هو خارج عن الإحسان ، وداخل في عنوان آخر ، فلا منافاة بين الأمرين .


(1) في ص 240 .

الصفحة 298

الموقف الثالث : في موارد تطبيق هذه القاعدة . فنقول : تارة : تلاحظ القاعدة بالنسبة إلى الإحسان بمعنى دفع الضرر ومنعه عن الغير ، واُخرى : بالإضافة إلى الإحسان بمعنى جلب المنفعة وإيصالها إلى الغير على تقدير كونه إحساناً .

أمّا الأوّل : فموارده كثيرة ، مثل ما إذا رأى اشتعال النّار في لباس إنسان وتوقّف طريق حفظه عن الهلاك أو الإحتراق على تمزيق لباسه وقطعه ، فإنّ الممزّق القاصد للحفظ لا شبهة في كونه محسناً تنطبق عليه القاعدة ، فيحكم بعدم ضمانه لذلك اللّباس ، ولو خرج عن المالية بالمرّة .

ومثل ما إذا رأى توجّه السيل المخرّب والمعدم إلى منزل شخص ، وتوقّف طريق حفظه على جعل بعض أثاث ذلك المنزل في مقابله ليتوجّه عنه إلى غيره ، فإنّ هذا الوضع المقرون بقصد حفظ المنزل عن ورود السيل عليه وخرابه يكون إحساناً تجري فيه القاعدة ، فلا يكون ضامناً للأثاث المذكور .

ومثل ما إذا ابتلي شخص بنوبة قلبيّة ، وكان حفظه متوقفاً على تمزيق بعض ألبسته كذلك ، وكذلك لو توقفت نجاة السفينة ومن فيها وما فيها على تخفيفها بإلقاء بعض الأموال في البحر ، وفرض كون الأموال لصاحب السفينة ، فإنّ هذا الإلقاء إحسان تنطبق على محسنه قاعدة الإحسان .

ومثل ما يكون متداولا في هذه الأزمنة من توقّف نجاة الطفل الذي في رحم الاُمّ على إجراء العملية الجراحيّة للاُمّ ، وقد يترتّب عليها موت الاُمّ أحياناً ، والأمثلة لهذا القسم كثيرة .

ولكنّ الإشكال فيه من جهة أنّ عدم الضمان في هذه الموارد إنّما هو لثبوت الإذن فيها ، بل الإيجاب في بعضها من ناحية الشارع ، كما في المثال الأوّل ; فإنّ الشارع أوجب الحفظ ، وتمزيق اللباس مقدّمة منحصرة لتحقّق الحفظ ، ومع الإذن

الصفحة 299

أو الإيجاب لا معنى لثبوت الضمان ، ولو لم يكن هناك قاعدة الإحسان ، فعدم ثبوت الضمان لا يكون مستنداً إلى القاعدة ، بل إلى قصور دليل الضمان عن الشمول له .

إلاّ أن يقال : إنّ عدم الشمول إنّما هو بلحاظ قاعدة ضمان اليد ، حيث إنّها قاصرة عن إفادة الضمان في اليد المأذونة من قبل المالك أو الشارع ، وأمّا بلحاظ قاعدة الإتلاف فلا مانع من الشمول والدلالة على الضمان وإن كانت اليد مأذونة . نعم ، إذا كان الإتلاف مأذوناً فيه فالظاهر عدم شمول قاعدة الإتلاف كما ذكرنا في البحث عنها(1) ، لكنّ الظاهر أنّ الإتلاف الخارج من القاعدة هو الإتلاف المأذون فيه بعنوانه ، كما إذا أذن المالك في الإتلاف .

وأمّا الموارد المتقدّمة فليس عنوان الإتلاف مأذوناً فيه ولو من قبل الشارع ; فإنّ الشارع إنّما أوجب حفظ النفس في المثال الأوّل ، وتوقّف الحفظ على تمزيق الألبسة يوجب عدم كونه متّصفاً بالحرمة مع الانحصار ; لأنّه لا تجتمع حرمة المقدّمة المنحصرة مع وجوب ذيها ، وأمّا كون المقدّمة مأذوناً فيها من قبل الشارع ، فلا ، إلاّ أن يقال : إنّ نفس عدم الحرمة كافية في الخروج عن القاعدة ، فتدبّر . ولكنّه يندفع بأنّ الشارع أوجب حفظ النفس ، ومع ذلك حكم بالضمان في ما إذا توقّف حفظها على أكل طعام الغير بدون رضاه .

وأمّا الثاني : فموارده أيضاً كثيرة ، مثل الأفعال الصادرة من الأولياء ، كالحاكم والأب والجدّ له ، لغرض إيصال النفع إلى المولّى عليه ، فاتّفق ترتّب الضرر عليه ; فإنّه حينئذ لا ضمان على الوليّ ; لكونه محسناً ، وقد فعل الفعل باعتقاد حصول مصلحة فيه ونفع عائد إلى المولّى عليه ، كما إذا اشتغل في قناة له بالحفر والإصلاح لغرض ازدياد الماء ، فصار ذلك سبباً لانهدام القناة بالمرّة أو بالبعض ; فإنّه لا يكون فيه ضمان ، وكما إذا أعطى الحاكم النقود التي عنده لإجراء العبادات ; كالصلاة


(1) في ص 49 .

الصفحة 300

للميت والحجّ مطلقاً للأجير الذي يكون ثقة عنده ، فاتّفق أنّه لم يأت بتلك العبادة ومات ولم يترك مالا ; فإنّه لا ضمان على الحاكم ; لكونه محسناً .

وكما إذا آجر الأب أو الجدّ له سفينة المولّى عليه أو إبله أو جمله ، فغرقت السفينة وهلكت البعير أو الجمل ، فلا ضمان عليه ، وكذا نظائره من الموارد الكثيرة .

ولهذا القسم موارد حكموا فيها بالضمان ; كالأمثلة المتقدّمة(1) في معنى الإحسان ، التي من جملتها ما إذا أخذ دابّة الغير فذهب بها إلى المرعى لترعى فيه فتلفت ; فإنّه مع كونه محسناً لكنّهم حكموا فيها بالضمان ، والفرق بينها وبين ما لم يحكموا فيه بالضمان هو ثبوت الإذن في التصرّف هناك وعدم ثبوته هنا ، ولأجله يشكل الحكم بعدم الضمان فيها مستنداً إلى قاعدة الإحسان ; لعدم الفرق في جريان القاعدة بين الموردين ; ضرورة أنّه إن كان الإحسان شاملا لجلب النفع ، فأيّ فرق بين الموردين؟ مع أنّ الظاهر أنّه لا خلاف بينهم في عدم الضمان في تلك الموارد ، مع أنّ شمول الإحسان لجلب المنفعة محلّ خلاف ، فالإنصاف أنّ عدم الضمان في تلك الموارد لا يكون مستنداً إلى القاعدة ، بل إلى عدم شمول قاعدة ضمان اليد لها بعد اختصاص موردها باليد غير المأذونة أو اليد العادية ، كما أنّك عرفت أنّ الحكم بعدم الضمان في القسم الأوّل أيضاً إنّما هو لقصور دليل الضمان عن الشمول لمثله ; سواء كان هي قاعدة ضمان اليد أو قاعدة ضمان الإتلاف ، فالباقي أنّ قاعدة الإحسان إمّا تصير بلا مورد ، أو يكون لها موارد قليلة على ما عرفت في القسم الأوّل ، فتدبر .

تتمّة : ربما يستشكل في القاعدة بأنّ الفقهاء ذكروا في باب اللقطة أنّ الملتقط بعد اليأس عن إيصال المال إلى صاحبه يتصدّق به عنه ، ومع ذلك حكموا بأنّه


(1) في ص 294 .
<<التالي الفهرس السابق>>