في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>


الصفحة 341

هناك أنّه يرد أنّ هاتين الجهتين مرتبطتان لاتنفكّ إحداهما عن الاُخرى ، ولذلك لو لم ينو المسلم القربة لم يصحّ عتقه أصلا .

ونجيب عن ذلك بأنّ الكافر والمخالف يُلزم بمعتقده ; فإنّ اعتقاده فيه الصحّة ، وهذا المقدار يصير حجّة عليه في الخروج عن الملك ، ويدخل في عموم «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»(1)(2) .

أقول : على تقدير القول ببطلان عبادة الكافر لابدّ من الالتزام بالبطلان في هذه الثلاثة أيضاً ; إذ لم يقم دليل على الصحة فيها حتى يوجّه بما ذكر ، وقاعدة الإلزام على تقدير جريانها في الكافر ـ مع أنّ موردها المخالف ـ تقتضي الحكم بصحّة سائر عباداته أيضاً ، إلاّ أن يقال بالفرق بينها وبين مثل الصلاة ، فتدبّر .

هذا تمام الكلام في قاعدة اشتراك الكفّار مع المؤمنين في التكليف .

12 ذي الحجّة الحرام 1408


(1) تقدم في 167 ـ 168 .
(2) العناوين : 2 / 722 .

الصفحة 345

قاعدة عدم شرطيّة البلوغ في الأحكام الوضعيّة

وهي أيضاً من القواعد المعروفة المشهورة ، وفيها جهات من البحث :

الجهة الاُولى : في مدركها ومستندها ، وهي اُمور متعدّدة :

الأوّل : عموم الأدلّة الواردة في هذه الأحكام ، مثل قوله (صلى الله عليه وآله)  : على اليد ما أخذت حتى تؤدّي(1) . وقوله (صلى الله عليه وآله) أيضاً : من أحيى أرضاً مواتاً فهي له(2) ، وقوله: من حاز شيئاً من المباحات فقد ملكه(3) . وقوله: من أتلف مال الغير فهو له ضامن(4)، وما ورد في باب الجنابة وكون الوطء والإدخال المتحقّق بغيبوبة الحشفة سبباً لتحقّقها(5) ، وما ورد في باب الملاقاة مع النجاسة وأنّها سبب


(1) تقدم في ص 28 .
(2) الكافي : 5 / 279 ح 4 ، تهذيب الأحكام : 7 / 152 ح 673 ، الاستبصار : 3 / 108 ح 382 ، وعنها وسائل الشيعة : 25 / 412 ، كتاب إحياء الموات ب 1 ح 5 .
(3) هذه القاعدة معروفة بين الفقهاء اصطادوها من نصوص مختلفة .
(4) قد ذكرنا في ص 98 ، أنّ هذه القاعدة لا تكون مأثورة ، بل الظاهر أنّها اصطادية من الروايات الواردة في موارد مختلفة .
(5) وسائل الشيعة : 2 / 182 ، كتاب الطهارة ، أبواب الجنابة ب6 .

الصفحة 346

لتأثّر الملاقي ـ بالكسر ـ وحصول النجاسة له(1) ، وما ورد في باب الالتقاط(2) ، وما ورد فى باب الدّيات(3) ، ومثلها من الأدلّة .

ودعوى انصراف مثل ذلك إلى البالغين ; لأنّ سياقها كسياق الأدلّة الواردة في الأحكام التكليفية ، مدفوعة بأنّ أدلّة التكاليف أيضاً لا يجري فيها الانصراف ، واختصاصها بالبالغين إنّما هو لقيام الدليل على الاختصاص ، وهو لا يجري في الأحكام الوضعية كما سيأتي ، كما أنّ دعوى أنّ قيام الدليل على الاختصاص فيها بحيث صار مرتكزاً في أذهان المتشرّعة حتى يعبّرون عن غير البالغ بغير المكلّف وعن البالغ بالمكلّف ، يوجب تحقّق الانصراف في هذه الأدلّة ، مدفوعة بمنع وجود ملاك الانصراف في المقام ، بل اللفظ عامّ لغة وعرفاً .

مضافاً إلى أنّه يستفاد منه العليّة الثابتة للعمل مع قطع النظر عن خصوصيّة المباشر ، فإنّ قوله (صلى الله عليه وآله)  : «من أحيى أرضاً . . .» ظاهر في أنّ الإحياء سبب لحصول الملك والاختصاص ، فالسببية وصف للإحياء ، ولا خصوصية للمحيي بوجه ، وهكذا سائر الأدلّة .

الثاني : الإجماع المحقّق لكلّ متتبّع في الفقه ; لأنّه لم ينقل الخلاف عن أحد في ثبوت الضمان على الصّبي الغاصب ، وكذا ثبوته على الصّبي الذي أتلف مال الغير(4) ، وهكذا سائر موارد الأحكام الوضعيّة . نعم ، يظهر من العبارة الآتية من الشيخ الأعظم وجود الخلاف في سببيّة الإتلاف في الصّبي ، وهل لهذا الإجماع أصالة وكاشفيّة أم لا؟ كما في أكثر الاجماعات المتحقّقة في سائر القواعد الفقهيّة ،


(1) وسائل الشيعة : 3 / 441 ، كتاب الطهارة ، أبواب النجاسات ب 26 .
(2) وسائل الشيعة : 25 / 441 ، كتاب اللقطة ب 2 وغيره .
(3) وسائل الشيعة : 29 / 233 ـ 282 ، كتاب الديات ، أبواب موجبات الضمان وغيرها .
(4) العناوين : 2 / 660 ، القواعد الفقهية للمحقق البجنوردي : 4 / 173 .

الصفحة 347

ربما يقال بالأوّل ; نظراً إلى أنّ ثبوت الإتّفاق على مثل الضمان في الموردين ، والاختلاف في شمول الأدلّة اللفظية المتقدّمة لغير البالغين كاشف عن كاشفية الإجماع وأصالته ; لأنّه لو كان نظر المجمعين إلى تلك الأدلّة لكان اللازم الاختلاف لثبوته فيها .

الثالث : سيرة العقلاء قاطبة على أنّ الصبيّ إذا أتلف مال الغير أو غصبه فوقع تلف المغصوب في يده مثلا يكون ضامناً للمتلف أو المغصوب ، ولم يردع الشارع عن هذه السيرة ، بل أمضاها بالأدلّة العامّة والمطلقة المتقدّمة .

ويدفعه ـ مضافاً إلى منع تحقق السيرة العقلائية في جميع الموارد ، لأنّه إذا كان غير مميّز وفاقداً للإدراك والشعور لا يحكمون بضمانه بوجه ، وإلى أنّ الأدلّة العامّة لا مجال لإيرادها بعنوان الإمضاء بعد كونها دليلا مستقلاًّ بنفسه ـ أنّ السيرة المتحققة هي سيرة المتشرّعة ، وهي ناشئة عن فتاوى مجتهديهم وآراء مقلّديهم ، ولا تكون دليلا في مقابل الإجماع .

وقد انقدح ممّا ذكرنا تمامية القاعدة من حيث المستند ، ولكن ربما يتخيّل أنّ في مقابل تلك الأدلّة ما ورد من قول عليّ (عليه السلام)  : أما علمت أنّ القلم رفع عن ثلاثة : عن الصّبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ(1) ، نظراً إلى ظهوره في أنّه لم يكتب على الصبي قبل الإحتلام شيء ، ولم يجعل عليه في الإسلام حكم لا تكليفاً ولا وضعاً ; لأنّه مقتضى إطلاق «رفع القلم» ، فهذه الرواية بمنزلة المخصّص لتلك الأدلّة اللفظية ، كما أنّها تخصّص ما ورد في باب التكاليف ; مثل قوله تعالى : {أَقِيمُوا الْصَّلاَةَ}(2) .

ويرد عليه ـ مضافاً إلى عدم نهوض مثل ذلك في مقابل الإجماع المحقّق الّذي


(1) الخصال : 94 ح 40 و ص 175 ح 233 ، وعنه وسائل الشيعة : 1 / 45 ، أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 11 .
(2) سورة البقرة 2 : 43 .

الصفحة 348

عرفته ; لكونه دليلا قطعيّاً لا يقاومه شيء ، وإلى أنّ الظاهر من «رفع القلم» في نفسه هو رفع قلم المؤاخذة المتفرّعة على التكاليف الإلزاميّة الوجوبية أو التحريمية ; لأنّ مخالفتها توجب استحقاق العقوبة والمؤاخذة ، وعليه : لا تشمل الرواية حتى التكاليف والأحكام الاستحبابية ومثلها ، فضلا عن الأحكام الوضعية التي هي محلّ البحث في المقام .

ويؤيّده عطف النائم على الصبي مع ثبوت الحكم الوضعي في حقّه ـ : ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري في مكاسبه في مقام استظهار عدم الاعتبار بعقد الصبي وايقاعه مع وقوعه عن قصد من حديث «رفع القلم» . قال :

بل يمكن بملاحظة بعض ما ورد من هذه الأخبار في قتل المجنون والصبي استظهار المطلب من حديث «رفع القلم» ، وهو ما عن قرب الإسناد بسنده عن أبي البختري ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن عليّ (عليهم السلام) أنّه كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق ، والصبي الذي لم يبلغ : عمدهما خطأ تحمله العاقلة ، وقد رفع عنهما القلم(1) ; فإنّ ذكر «رفع القلم» في الذيل ليس له وجه ارتباط إلاّ بأن تكون علّة لأصل الحكم ; وهو ثبوت الدية على العاقلة ، أو بأن تكون معلولة لقوله (عليه السلام)  : «عمدهما خطأ» يعني أنّه لـمّا كان قصدهما بمنزلة العدم في نظر الشارع ، وفي الواقع رفع القلم عنهما .

قال : ولا يخفى أنّ ارتباطها بالكلام على وجه العليّة أو المعلولية للحكم المذكور في الرّواية ـ أعني عدم مؤاخذة الصبي والمجنون ـ بمقتضى جناية العمد وهو القصاص ، ولا بمقتضى شبه العمد ـ وهو الدية في مالهما ـ لا يستقيم إلاّ بأن يراد من «رفع القلم» ارتفاع المؤاخذة عنهما شرعاً من حيث العقوبة الاُخرويّة والدنيوية


(1) قرب الإسناد : 155 ح 569 ، وعنه وسائل الشيعة : 29 / 90 ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ب 36 ح 2 .

الصفحة 349

المتعلّقة بالنفس كالقصاص ، أو المال كغرامة الدية ، وعدم ترتّب ذلك على أفعالهما المقصودة المتعمّد إليها ممّا لو وقع من غيرهما مع القصد والتعمّد لترتّبت عليه غرامة اُخروية أو دنيوية ، إلى أن قال :

ثمّ إنّ مقتضى عموم هذه الفقرة ـ بناءً على كونها علّة للحكم ـ  : عدم مؤاخذتهما بالإتلاف الحاصل منهما ، كما هو ظاهر المحكي عن بعض ، إلاّ أن يلتزم بخروج ذلك عن عموم «رفع القلم» ولا يخلو من بعد ، لكن هذا غير وارد على الاستدلال ; لأنّه ليس مبنيّاً على كون «رفع القلم» علّة للحكم ; لما عرفت من احتمال كونه معلولا لسلب اعتبار قصد الصبي والمجنون ، فيختصّ رفع قلم المؤاخذة بالأفعال التي يعتبر في المؤاخذة عليها قصد الفاعل ، فيخرج مثل الإتلاف ، فافهم واغتنم(1) .

أقول : محصّل مرامه اختصاص حديث «رفع القلم» بالأفعال التي يعتبر في ترتّب الأثر عليها وثبوت المؤاخذة بها قصد الفاعل ، كالقتل بالإضافة إلى القصاص ، أو ترتّب الدية في ماله ، وكالانشائيات في باب العقود والايقاعات . وأمّا مثل الإتلاف فلا دلالة للحديث على عدم ثبوت المؤاخذة به في ماله ; لأنّه لا يعتبر في ترتّب الحكم بالضمان عليه صدوره عن قصد والتفات ; ضرورة أنّ إتلاف النائم موجب لضمانه مع وقوعه عن غير قصد ، فيكون إتلاف الصبي كذلك .

ولكن يرد إشكال على الشيخ (قدس سره) بناءً على ما اختاره في باب الأحكام الوضعية من عدم كونها مجعولة مستقلّة كالأحكام التكليفية ، بل إنّما هي منتزعة عنها ومأخوذة منها(2) ، فالزوجية منتزعة من جواز الوطء والاستمتاع مثلا ، والملكية مأخوذة من جواز التصرّف المطلق ، والضمان في باب الإتلاف مثلا منتزع من لزوم


(1) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) : 3 / 282 ـ 284 .
(2) فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) : 3 / 125 ـ 130 .

الصفحة 350

أداء المثل أو القيمة عقيبه ، وخلاصة الإشكال : أنّه إذا لم تكن الأحكام الوضعية مستقلّة بالجعل ، بل كانت منتزعة عن التكاليف ومتفرّعة عليها ، فاللازم الالتزام بعدم ثبوتها في الصبي ; لعدم ثبوت التكليف في حقّه ، فإذا لم يكن الصبيّ مكلّفاً بلزوم أداء المثل أو القيمة عقيب الإتلاف ; لأنّه حكم تكليفيّ وهو غير ثابت في حقّه ، فكيف يكون إتلافه سبباً للضمان ، مع أنّ الضمان منتزع عن التكليف على ما هو المفروض؟

بل يمكن توسعة دائرة الإشكال بناءً على القول المشهور من استقلال الأحكام الوضعية في الجعل كالأحكام التكليفية أيضاً(1) ; نظراً إلى أنّ اعتبار الأحكام الوضعية وجعلها ـ سواء كان جعلا تأسيسيّاً ، أو امضائياً لما عليه العقلاء والعرف ـ إنّما هو بلحاظ الأحكام التكليفية المترتّبة عليها ، وإلاّ يصير لغواً بلا فائدة ; فإنّ اعتبار الزوجية بين الرجل والمرأة إنّما يصحّ إذا كانت موضوعة لأثر ; مثل جواز النظر والاستمتاع والوطء ، وكذا الملكية في باب البيع ومثله ، وكذا الضمان في باب الإتلاف مثلا ; فإنّ الحكم بثبوت الضمان فيما إذا أتلف مال الغير إنّما لا يكون لغواً إذا كان الضمان موضوعاً لوجوب أداء المثل أو القيمة ، وبدونه يكون لغواً غير ملائم للصدور عن العاقل ، فضلا عن الشارع الحكيم .

وحينئذ إذا فرض في مورد عدم ثبوت الحكم التكليفي كما في الصبي الذي هو مفروض البحث ، فكيف يصحّ جعل الحكم الوضعي ولو قيل باستقلاله في الجعل والاعتبار؟

وقد اُجيب عن الإشكال ـ مضافاً إلى النقض بالنائم الذي لا شبهة في ضمانه في


(1) تمهيد القواعد : 37 ، الوافية : 202، زبدة الاُصول : 62 ، الفوائد الحائرية : 95 ، هداية المسترشدين في شرح اُصول معالم الدين : 1 / 58 ، فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) : 3 / 125 ، القواعد الفقهيّة للمحقّق البجنوردي : 4 / 177 .

الصفحة 351

مثل الإتلاف ـ بوجهين :

أحدهما : أنّ ثمرة جعل الحكم الوضعي في الصبي هو وجوب تفريغ ذمّته على الوليّ ، ولا مانع من أن يكون فعل الصبي موضوعاً للحكم التكليفي الإلزامي على شخص آخر ، كما مرّ في الرواية الواردة في جنايته العمدية الدالّة على أنّ عمد الصبي خطأ ، والدّية تحملها العاقلة ، وفي المقام لا مانع من أن يكون إتلافه سبباً لضمانه ، وأثر الضمان وجوب أداء المثل أو القيمة من مال الصبي على الوليّ .

ثانيهما : أنّ ثمرته ثبوت الحكم التكليفي عليه بعد بلوغه ، مضافاً إلى أنّ من أحكام الضمان جواز الإبراء وهو ثابت قبل البلوغ . ودعوى أنّه لِمَ لا يجعل إتلافه سبباً لضمانه بعد البلوغ بحيث كان الحكم الوضعي ثابتاً بعد البلوغ أيضاً؟ مدفوعة ـ مضافاً إلى كونه خلاف ظاهر الدليل ; حيث إنّ مقتضاه ترتّب الضمان بمجرّد الإتلاف لا الفصل بينهما ـ بأنّ لازم ذلك كون السببية مجعولة لفعل الصبي ، والسببية أيضاً من الأحكام الوضعية ، فما الفرق بينها وبين الضمان؟ فتدبر .

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا تمامية القاعدة ثبوتاً وإثباتاً .

الجهة الثانية : في بيان المراد من القاعدة ; وهو ـ كما ظهر ممّا تقدّم في الجهة الاُولى ـ الفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية باختصاص الاُولى بالبالغين ، وشمول الثانية لغير البالغين أيضاً ، فكما أنّ إتلاف البالغ لمال الغير موجب لضمانه له ، كذلك إتلاف الصبيّ غير البالغ ولو كان فاقداً للتمييز والشعور ، كما أنّه ظهر ممّا ذكرنا هناك أنّ المراد بالأحكام الوضعية الثابتة لغير البالغين أيضاً هي الأحكام الوضعية التي لم يؤخذ في موضوعها القصد والالتفات ، كالإتلاف والحيازة والغصب والجنابة وسائر الأحداث .

وأمّا ما اُخذ في موضوعها القصد كالإنشاء في باب المعاملات والعقود والايقاعات كالبيع والعتق والطلاق ، فلا تكون ثابتة في حق الصبي ; لما ورد من أنّ

الصفحة 352

«عمده خطأ»(1) وقصده كلا قصد ، فلا تترتّب الزوجية على العقد الصادر من الصبي ، وكذا الملكية على انشائه للبيع ، وكذا الفراق على انشائه للطلاق ، وهكذا ، فالمراد من الأحكام الوضعية التي هي محلّ البحث في المقام غير هذا النحو من الأحكام .

الجهة الثالثة : في موارد تطبيق القاعدة ، وهي كثيرة منتشرة في أبواب الفقه ; لما عرفت من كون المراد عموم الأحكام الوضعية من ناحية ، وخصوصها من جهة اختصاصها بما لم يؤخذ في موضوعها عنوان القصد والإتلاف ، وعليه فمواردها مثل الجنابة الحاصلة له بغيبوبة الحشفة في أحد الفرجين ، والحدث الحاصل له من أسبابه كالبول والغائط والنوم والريح ، والضمان الحاصل في مورد إتلاف مال الغير أو غصبه ، أو الإضرار بطريق المسلمين أو مثلها . والملكية الحاصلة له بسبب الحيازة أو الإحياء ، والدية الثابتة عليه بالإتيان بموجبها المذكور في كتاب الديات ، وغير ذلك من الموارد المجعول فيها حكم وضعيّ مع الشرط المذكور . والمناقشة في بعضها ـ كما ربما يتراءى في بعض الكلمات ـ إنّما هي لأجل المناقشة في ثبوته بالنسبة إلى البالغ أيضاً ، لا لاجل المناقشة في خصوص الصبيّ كما لا يخفى .

هذا تمام الكلام في قاعدة عدم شرطية البلوغ في الأحكام الوضعية .

15 ذي الحجّة الحرام 1408 هـ .


(1) وسائل الشيعة : 29 / 400 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 11 ح 2 و 3 .

الصفحة 355

قاعدة مشروعية عبادات الصبيّ وعدمها

قد وقع الخلاف ـ بعد الإتّفاق على شرطية البلوغ في الأحكام التكليفية الالزامية مثل الوجوب والحرمة ، وبعد الإتّفاق على اشتراط التمييز في شرعية العبادات وصحّتها(1) ـ في شرطية البلوغ أيضاً في صحّة العبادة ومشروعيتها ، ومحلّ الخلاف هو أنّ العبادات هل تكون مشروعة في حقّ الصبي بحيث كان له أن يأتي بها بعنوان الإطاعة والامتثال ، فتتصف العبادة بالصحّة لكونها واجدة لشرطها ، أم لا تكون مشروعة في حقّه؟ فلا مجال للإتيان بها بقصد الامتثال والإطاعة أصلا ، ولو أتى بها مع هذا القصد لا يتحقّق إلاّ التشريع المحرّم في حقّ البالغين؟ وفيها جهات من البحث أيضاً :

الجهة الاُولى : في الأقوال والآراء والاحتمالات الجارية في هذه المسألة ، وهي كثيرة :

الأوّل : أنّ عبادات الصبيّ شرعيّة ; بمعنى كونها مندوبة للصبي وإن كانت


(1) خزائن الاُصول لملا آقا بن عابد الدربندي ج 2 ورق 91 ص 181 ، المقام السادس في الإشارة إلى ما يترتّب على الصغر والبلوغ ، العناوين : 2 / 664 .

الصفحة 356

واجبة على البالغ ، وأثر الندب استحقاق الأجر والثواب الاُخروي على تقدير إتيانها بقصد الامتثال ونيّة القربة ، كما أنّ المحرّمات في حقّه مكروهة ، ولو تركها بقصد الإطاعة وبداعي كونها مكروهة يستحق على تركها الثواب ، فالحكم المرفوع عن الصبي خصوص الحكم اللزومي من الوجوبي والتحريمي ، وإلاّ فأصل العبادية الملازم للرّجحان باق بحاله ، فالأحكام الخمسة التكليفية الاصطلاحية ثلاثة في حقّ الصبي : الاستحباب ، والكراهة ، والإباحة .

فالأوّل شامل للمستحبّات والواجبات ، والثاني للمحرّمات والمكروهات ، وهذا لا ينافي توجّه الأمر إلى الولي بعنوان التمرين ; لأنّ كون ثواب التمرين للولي لا ينافي كون الفعل ممّا فيه ثواب للطفل الفاعل له ، كما لا يخفى ، وقد حكي هذا القول عن مشهور الأصحاب(1) رضوان الله عليهم أجمعين .

الثاني : أنّ هذه العبادات من الأطفال تمرينيّة صرفة(2) ، ولا يترتّب عليها أجر وثواب من الله تعالى بالإضافة إلى الصبيّ ; لعدم توجّه خطاب إليه ولو بنحو الاستحباب أو الكراهة ولو كان مراهقاً قريب العهد إلى البلوغ ، وكان واجداً للإدراك والشعور كاملا ، غاية ما هناك ترتّب الثواب على عمل الولي وتمرينه وتعويده ; لكونه مأموراً بذلك ولو بالأمر الاستحبابي ، ولا تدخل هذه المسألة في مسألة الأمر بالأمر بالشيء ، حتى يلازم مع الأمر بالشيء ، فيصير عمل الصبي مأموراً به استحباباً ; وذلك لأنّ مورد المسألة ما إذا كانت المصلحة قائمة بنفس ذلك الشيء ; والمولى حيث لا يكون قادراً على مخاطبة جميع عبيده مثلا ; لعدم حضورهم عنده ، يأمر العبد الحاضر بأمر الباقين بإتيان ما تقوم به المصلحة


(1) المبسوط : 1 / 278 ، شرائع الإسلام : 1 / 188 ، تذكرة الفقهاء : 2 / 331 و ج 6 / 101 ، الحدائق الناضرة : 13 / 53 ، العناوين : 2 / 665 ، مفتاح الكرامة : 5 / 245 ط .ج .
(2) السرائر : 1 / 367 ، مختلف الشيعة : 3 / 256 مسألة 20 ، الرسالة الجعفرية : (رسائل المحقق الكركي) : 1 / 121 ، مسالك الأفهام : 2 / 15 ، روض الجنان : 2 / 761 ، وغيرها كما في مفتاح الكرامة : 5 / 247 ط .ج .

الصفحة 357

المنظورة للمولى .

وأمّا في المقام ، فالمفروض أنّ الغرض من أمر الولي ليس تحقق الصلاة من الطفل ، بل الغرض تحقق التمرين والتعويد ، وفي الحقيقة يكون المأمور به ذلك ، والمصلحة قائمة به ، إلاّ أن يقال بعدم تحقّق التمرين والعادة بمجرّد أمر الولي الطفل بالصلاة مثلا ، فإنّه إذا لم تتحقق من الطفل الموافقة لأمر وليّه والصّلاة مكرّراً ، لا تتحقق العادة بوجه .

وعليه : فالعادة حاصلة بفعل الطفل ، فإذا فرض قيام المصلحة بها ، ففي الحقيقة يكون فعل الطفل مشتملا على المصلحة ، لا بعنوان الصلاة ، بل بعنوان العادة وحصول الاعتياد ، لكنّه يرجع أيضاً إلى عدم كون الصلاة ذات مصلحة ، فلا تكون شرعيّة ، فتدبّر .

الثالث : أنّ عبادات الصبيّ شرعية تمرينيّة لا أنّها شرعية أصليّة ، والمراد بذلك أنّ إتيان الصبي لها مطلوب للشارع لا لأنفسها ، بل لحصول التعوّد والتمرّن على العمل بعد البلوغ ، فصلاة الصبي فيها جهتان :

جهة كونها صلاة ، وهذه الجهة ملغاة في الصبي ، لا فرق بين كونها صلاة أو قياماً أو نوماً أو نحو ذلك في أنّه لا رجحان فيها بالإضافة إليه ، ولا يترتّب عليها أجر من هذه الجهة .

وجهة كونها تعوّداً علي شيء يكون مطلوباً بعد البلوغ وإن كان لاغياً الآن في حدّ ذاته ، وهذه الجهة مطلوبة للشارع ويترتّب عليها الثواب ، ففي الحقيقة يكون الطفل مأموراً بالتمرّن والتعوّد ويثاب عليه ، لا على أصل العبادة . حكي هذا القول عن جماعة من المتأخّرين ، منهم : الشهيد الثاني(1) ، وربما يظهر من المحكي عن


(1) الحاكي هو السيد عبد الفتاح المراغي في العناوين : 2 / 666 ، ولكن لم نجده عن الشهيد الثاني عاجلا فيراجع المسالك وروض الجنان وغيرهما .

الصفحة 358

بعضهم تنزيل كلام المشهور أيضاً على ذلك لا الشرعية بالمعنى الأوّل(1) .

والثمرة بين هذا القول والقول الثاني ـ بعد اشتراكهما في بطلان عبادة الصّبي ، وعدم إمكان رعاية قصد الامتثال فيها ; لعدم رجحانها بالإضافة إليه أصلا ـ تظهر في ترتّب الثواب وحصول الأجر للصبي وعدمه ; فإنّه بناءً على القول الثاني يكون الصبيّ بعيداً عن الثواب بمراحل ; لعدم تعلّق خطاب إليه بوجه ، غاية الأمر كون الوليّ مستحقّاً للثواب إذا أمر الصبي بالعبادة وحمله عليها .

وأمّا بناءً على القول الثالث فالصبيّ يستحق الثواب باعتبار التمرّن والتعوّد لكونه مأموراً به بالإضافة إليه . ولا ينافي استحقاق الولي من جهة موافقة الأمر بالتمرين والتعويد . نعم ، لا يستحق الصبيّ ثواباً من جهة أصل العبادة وتحقق الصلاة والصيام ونحوهما .

وأمّا الفرق بين هذا القول والقول الأوّل المبنيّ على الشّرعية الأصلية ـ بعد اشتراكهما في استحقاق الصبي للثواب والأجر ، غاية الأمر أنّ استحقاقه له في الأوّل إنّما هو لأجل تحقّق العبادة المطلوبة منه ، ولأجل الإتيان بالصلاة الصحيحة مثلا ، وفي الثاني إنّما هو لأجل التمرّن والتعوّد لا لحصول الصلاة ـ فهو أنّ العبادة بناءً على القول الأوّل تكون متصفة بالصّحة لاجتماعها لجميع الشرائط المعتبرة فيها ، فيجوز أن تقع نيابة عن الغير حيّاً كان أو ميّتاً ، وسواء كانت في مقابل الاُجرة أو بدونها .

وأمّا بناءً على القول الثالث فلا تتصف بالصّحة أصلا ; لعدم كونها ذات مصلحة ومطلوبة للشارع ، والغرض حصول التمرّن والتعوّد ، وهو يتحقق بالمباشرة ولا يكون قابلا للنيابة بوجه ، ولا يكون في أصل الفعل ثواب قابل للرجوع إلى شخص آخر ، فلا يمكن أن تقع نيابة عن الغير مطلقاً .


(1) العناوين : 2 / 666 .

الصفحة 359

وربما يقال بظهور الثمرة في نيّة العبادات الواجبة ، فعلى التمرين ينوي الوجوب ، وعلى الشرعية ينوي الاستحباب ; لأنّه بناءً عليها يكون جميع العبادات مستحبّة بالإضافة إلى الصّبي .

ولكنّ الظاهر أنّه بناء على الّتمرين لا يلزم نيّة الوجوب ; لأنّه وإن كان بناءً عليه يكون المطلوب حصول صورة العمل بالنحو الذي يقع من البالغ ، إلاّ أنّ لزوم نيّة الوجوب ممنوعة ; لأنّ الغرض حصول التمرين العملي ليسهل عليه الإتيان به بعد البلوغ ، ولا دخالة للنيّة في ذلك ، فتدبّر .

الرّابع : أنّ عبادات الصبي شرعية فيها ثواب أصل العمل ، مثل ثواب عمل البالغ ، لكنّه في الصبي يرجع الثواب إلى الولي ولا يستحقّه الصغير بوجه .

الخامس : التفصيل بين العبادات الواجبة كالفرائض اليوميّة ، وبين العبادات المستحبة كصلاة الليل ، بالقول بالشرعيّة في الثانية وعدمها في الاُولى .

الجهة الثانية : في أدلّة الأقوال والاحتمالات المذكورة في الجهة الاُولى . فنقول : أمّا دليل القول الثاني ، وهو عدم المشروعيّة وكون عباداته تمرينيّة صرفة لا يترتّب عليها ثواب بالإضافة إلى الصغير أصلا ـ فمضافاً إلى أصالة عدم ترتّب الثواب إلاّ بالدليل وهو منتف ، وانصراف الأدلّة العامّة الواردة في التكاليف مطلقاً عن الصّبي واختصاصها بالبالغ ، ووضوح تقيّد بعض الأحكام قطعاً بالبلوغ ; كالواجبات والمحرّمات من جهة الإيجاب والتحريم ـ حديث «رفع القلم عن الصّبي» المعروف المعتمد عليه عند العامّة(1) والخاصّة(2) .


(1) السنن الكبرى للبيهقي : 6 / 327 ح 8391 ، سنن الدارقطني : 3 / 102 ح 3240 ، سنن الترمذي : 4 / 32 ح 1427 ، الحاوي الكبير : 9 / 485 ، المغني لابن قدامة : 10 / 88 وغيرها .
(2) تقدم في ص 347 .

الصفحة 360

وتقريب دلالته : أنّ ظاهر الحديث رفع قلم مطلق التكليف ، أعمّ من الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة ، بل المباح أيضاً ، فالمعنى : أنّ القلم الجاري الموضوع على المكلّفين المتضمّن لثبوت التكليف عليهم فهو مرفوع عن الصبي حتى يحتلم ، وليس فيه إشعار ـ فضلا عن الدلالة ـ بأنّ المرفوع خصوص قلم التكليف الإلزامي وجوباً أو تحريماً ، بل المرفوع جميع الأحكام الخمسة التكليفيّة الثابتة على البالغ ، حتى الإباحة بعنوان أنّها حكم شرعيّ جرى عليها القلم .

ومنه يظهر أنّه لو نوقش في انصراف الأدلّة العامّة عن الصبي ، وقيل : بأنّ مقتضى عمومها الشمول له أيضاً ، لكان مقتضى قاعدة التخصيص حملها على خصوص البالغ ; لأنّ حديث «رفع القلم» بمنزلة المخصّص لتلك الأدلّة ويوجب اختصاصها بالبالغ .

ولو فرض كون النسبة بين بعض تلك الأدلّة ، وبين حديث «رفع القلم» عموماً من وجه ، كقوله : من قرأ سورة الفاتحة فله كذا وكذا من الأجر ، فإنّ النسبة بينه وبين الحديث عموم من وجه ; لاختصاص هذا القول بقراءة سورة الفاتحة ، وعمومه بالنسبة إلى الصبي ، واختصاص حديث الرفع بالصبي ، وعمومه لغير قراءة سورة الفاتحة ،فلاشك في عدم تحقّق التعارض ; لأنّ حديث «رفع القلم» حاكم على ذلك القول ، كحكومة حديث الرفع(1) المعروف على الأدلّة الأوّلية ، كما لايخفى .

فالنتيجة على جميع التقادير لزوم الأخذ بحديث «رفع القلم» ، والحكم بعدم ثبوت شيء من التكاليف الخمسة في حقّ الصبي ، والثواب الموجود في البين لا يرتبط بالصبي أصلا ، بل بالوليّ بعنوان كونه مأموراً بتمرينه وتعويده ، فعباداته لا تكون شرعيّة بل تمرينيّة صرفة .


(1) تقدم في ص 58 .
<<التالي الفهرس السابق>>