في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>


الصفحة 401

قوله (عليه السلام) في موثّقة يونس المتقدّمة(1) : «من استولى على شيء منه فهو له» ظاهر في أنّ مجرّد الاستيلاء موجب للحكم بملكية المستولي ، ولا مانع من أن تكون دائرة الاعتبار في الشرع أوسع ممّا عليه بناء العقلاء ، كما أنّه يمكن أن يكون بالعكس . وعليه : فمجرّد محدوديّة بناء العقلاء في باب اليد لا يستلزم المحدودية في الشرع أصلا .

ولكن يرد عليه : أنّ قوله (عليه السلام)  : «على شيء منه» يكون الضمير فيه راجعاً إلى متاع البيت ، وخصوصيّة متاع البيت وإن كانت ملغاة بنظر العرف ، إلاّ أنّه لا مجال لإلغاء هذه الخصوصيّة ; وهي عدم كون متاع البيت وقفاً ، فلا مجال لاستفادة الإطلاق أصلا .

الرّابع من موارد الخلاف : ما إذا كان في مقابل ذي اليد مدّع للملكيّة لما تحت يده ، وهو ينكره ، وفيه صور أيضاً ; فإنّه تارةً : يكون للمدّعي بيّنة على الملكية الفعليّة ، فلا إشكال في أنّ الحاكم يحكم له حينئذ ، واُخرى : لا يكون ، وفي هذه الصورة تارة : تكون ملكيته السّابقة ثابتة بالبيّنة أو بعلم الحاكم أو بإقرار ذي اليد ، واُخرى : غير ثابتة ، لا إشكال في الفرض الثاني . وأمّا الفرض الأوّل، فالظّاهر أنّ علم الحاكم بالملكيّة السّابقة أو قيام البيّنة لا يسوّغ الانتزاع من ذي اليد ; لأنّه لا أثر لشيء منهما بعد احتمال انتقال المال إلى ذي اليد بناقل شرعيّ ، واستصحاب بقائها على الحالة السابقة محكوم لقاعدة اليد التي هي أمارة ، كما في أكثر موارد القاعدة .

وأمّا لو كان ثبوت الملكية السّابقة بإقرار ذي اليد ، فهو على أقسام ; لأنّه تارة : يدّعي انتقالها من المدّعي إليه ، واُخرى : يدّعي انتقالها من المدّعي إلى ثالث ومنه إليه ، وثالثة : يدّعي انتقالها إلى الغير من دون إدّعاء انتقاله منه إليه ، ورابعة: يقتصر على مجرّد الإقرار بثبوت الملكيّة للمدّعي سابقاً ، من دون إضافة إدّعاء


(1) في ص 377 .

الصفحة 402

الانتقال منه إليه أو إلى الغير .

وقبل توضيح أحكام الصّور الأربع نمهّد مقدّمة ، وهي : أنّه لا إشكال نصّاً(1)وفتوى(2) في أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر أو المدّعى عليه ، حسب اختلاف تعبير الروايات الواردة في هذا المجال ، والظاهر أنّ تشخيص المدّعي والمنكر إنّما يكون بيد العرف ; لأنّهما من الموضوعات الخارجية التي لابدّ في تشخيصها من الرجوع إلى العرف ، كتشخيص عناوين الدم والكلب والخنزير وغيرها من العناوين الموضوعة للأحكام .

فتحديدهما بأنّ المدّعي هو الذي لو ترك تركت الخصومة بخلاف المنكر ، أو بأنّ المدّعي هو الذي كان قوله مخالفاً لحجّة شرعية من أصل أو ظاهر بخلاف المنكر ، فإنّه الذي تؤيّده حجّة شرعية ، إن كان المراد هو التحديد العرفي وبيان معناهما عند العقلاء ، فلا بأس به ، ولكن لو فرض حينئذ حكم العرف في مورد بانطباق عنوان المدّعي على فلان مثلا ، فاللازم ترتيب الأثر عليه ولو لم ينطبق عليه شيء من الحدّين .

وإن كان المراد به هو بيان معناهما عند الشارع ، فيرد عليه : أنّه لم يرد في آية ولا رواية التحديد بشيء منهما ، بل ليس لبيانه ارتباط بالشارع ; لأنّهما كما عرفت من الموضوعات التي لابدّ من الرجوع في تشخيصها إلى العرف ، فاللازم الإحالة إليه ولو لم يساعد على شيء من الحدّين .

إذا عرفت ذلك فاعلم ، أنّه في الصورة الاُولى : التي يدّعي فيها ذو اليد انتقال المال من المدّعي إليه من دون واسطة ، ينقلب الإنكار من ذي اليد إلى الإدّعاء ، ويصير المدّعي منكراً والمنكر مدّعياً لو كان الملاك في تشخيص ذلك هو مصبّ


(1) وسائل الشيعة: 27 / 233، كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 3 و ص 293 ب 25 ح3.
(2) جواهر الكلام : 40 / 170 ـ 171 ، ملحقات العروة الوثقى : 6 / 497 ـ 498 .

الصفحة 403

الدعوى لا النتيجة كما هو الظاهر ، فإنّه بحسب النتيجة وإن لم يتحقّق انقلاب أصلا ، ضرورة أنّه بملاحظة ذلك يكون ذو اليد منكراً والطرف مدّعياً ، وأمّا بحسب مصبّ الدّعوى ومورد النزاع فالأمر ينقلب ; لأنّ ذا اليد يدّعي الانتقال والمدّعي ينكره ، فيحلف لو لم يكن لذي اليد بيّنة ، وهذا ممّا لا ريب فيه ظاهراً .

وأمّا الصورة الثانية : فالظاهر عدم تحقّق الانقلاب فيها أصلا ; لأنّ إدّعاء الانتقال من المدّعي إلى ثالث ليس موضوعاً لحكم الحاكم بعد عدم ترتّب الأثر عليه أصلا ، فإنّ انتقال المال من المدّعي إلى ثالث وعدمه ليس له ارتباط بذي اليد ، وليس إدّعاؤه منه موجباً لإقامة البيّنة عليه أو الحلف من الآخر مع عدمها ، كما هو المحقّق في محلّه .

كما أنّ إدّعاء انتقال المال من الثالث إليه ليس مرتبطاً بالمدّعى ، فلا أثر لحلفه على نفيه ، ولا لإقامة ذي اليد البيّنة على ثبوته ، فبعد عدم ترتّب الأثر على شيء من الدّعويين لابدّ من ملاحظة النتيجة ، وبحسبها يكون ذو اليد منكراً والآخر مدّعياً ، كما هو المفروض ، ومنه يظهر حكم الصورة الثالثة ، كما لا يخفى .

وأمّا الصورة الرّابعة : فانقلاب الإنكار فيها ادّعاء ـ بعد عدم صدور إدّعاء من ذي اليد بالنسبة إلى الانتقال من المدّعي إليه ، أو إلى الغير ـ مبنيّ على أن تكون اللوازم العرفية للكلام حجّة موجبة لتشخيص المدّعي من المنكر ، فإنّه حينئذ يصير مدّعياً ; لأنّ لازم الإقرار بثبوت الملكية للمدّعي سابقاً مع دعواه ملكية نفسه فعلا ، هو انتقاله منه إليه مع الواسطة أو بدونها ، فإن قلنا باعتبار هذا اللازم العرفي ، فاللازم تحقّق الانقلاب ، وإلاّ فالعدم .

تذنيب

ربما يتوهّم المنافاة بين ما ذكرنا من انقلاب الدعوى إلى الإقرار في الصّورة

الصفحة 404

الاُولى ، وبين ما ورد في محاجّة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أبي بكر في قضيّة فدك ، وقد تقدّم(1) في ضمن الروايات الدالّة على اعتبار اليد، الرواية الدالّة على هذه المحاجّة ، ورواها في الاحتجاج مرسلة .

بيان توهّم المنافاة ، أنّ الصّديقة (عليها السلام) قد اعترفت بأنّ فدكاً كانت ملكاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وادّعت أنّـها نحلة ، فلو كان الإقرار بانتقالها موجباً لانقلاب الدّعوى وصيرورة ذي اليد مدّعياً ، لكان مطالبة أبي بكر البيّنة منها (عليها السلام) في محلّها ، ولم يتوجّه عليه اعتراض أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد البناء على أنّ ما تركه النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينتقل إلى وارثه ، بل يكون صدقة للمسلمين على ما رووه عنه (صلى الله عليه وآله) (2)(3) .

بيان الدّفع على ما أفاده بعض المحقّقين في تعليقته على الرسائل(4) ، وتبعه المحقّق اليزدي (قدس سره) في كتاب «الدّرر» ، هو أنّ الانقلاب وصيرورة المنكر مدّعياً إنّـما هو فيما إذا كان في مقابل المدّعي منكر حتى يتوجّه عليه اليمين مع عدم إقامة البيّنة . وأمّا إذا كان هنا مدّع مع عدم منكر في مقابله ، كما إذا قال الخصم : لا أدري صدق ما تقول أو كذبه ولا أعلم بالحال ، فإن كانت البيّنة للمدّعي على طبق ما يقول يؤخذ بها ، وإلاّ فلا مانع من الأخذ بسائر القواعد الموجودة ، من قبيل الاستصحاب أو اليد ، فلو كانت العين في يد المدّعي ، ويدّعي انتقالها من الميّت في حال حياته إليه ، ولا ينكر ذلك الورثة جزماً ، يحكم بكونها ملكاً لذي اليد ; إذ لا


(1) في ص 380 ـ 381، وقد ذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 16 / 209 ما ورد من السير والأخبار في أمر فدك ، وأنّه هل النبي (صلى الله عليه وآله) يورث أم لا؟ وأنّ فدك هل صحّ كونها نحلة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة (عليه السلام) أم لا؟ مفصّلا
(2) مسند أحمد : 1 / 25 ح 25 ، صحيح البخاري : 4 / 52 ح 3093 و ج 5 / 30 ح 4036 ، صحيح مسلم : 3 / 1105 ـ 1109 باب حكم الفئ ح 49 ، 51 ، 52 ، 54 و 56 ، سنن أبي داود : 459 ـ 462 ، كتاب الخراج ب 19 ، سنن النسائي : 7 / 136 ، البداية والنهاية لابن كثير : 4 / 202 ـ 203 .
(3) فوائد الاُصول : 4 / 614 .
(4) درر الفوائد في الحاشية على الفرائد للآخوند الخراساني : 394 .

الصفحة 405

منكر في مقابله .

ومنه ظهر الوجه في اعتراض أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبي بكر حيث طلب منها (عليها السلام) البيّنة ; فإنّه مع عدم إنكاره لدعواها الانتقال إليها في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سبيل الجزم ، بل عدم إنكار غيره كذلك ، لا وجه لمطالبة البيّنة منها (عليها السلام) مع كون يدها ثابتة ، فانتزاع فدك منها كان مستنداً إلى محض العناد ، ولغرض خلوّ يد صاحب الولاية من الاُمور المالية التي يمكن أن تؤثّر في إثباتها وتنفيذها ، كما هو ظاهر(1) .

ثمّ إنّه أفاد المحقّق النائيني (قدس سره) في مقام الجواب عن التوهّم المذكور كلاماً طويلا ملخّصه : أنّ إقرار الصدّيقة (عليها السلام) بأنّ فدكاً كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يوجب انقلاب الدعوى ; فإنّه على فرض صحّة قوله (صلى الله عليه وآله)  : «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث الخ» لا يكون إقرارها كإقرار ذي اليد بأنّ المال كان لمن يرثه المدّعي ; فإنّ انتقال الملك من النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى المسلمين ليس كانتقال المال من المورّث إلى الوارث ; لأنّ انتقال الملك إلى الوارث إنّما يكون بتبدّل المالك الذي هو أحد طرفي الإضافة . وأمّا انتقاله إلى المسلمين فإنّما يكون بتبدّل أصل الإضافة ، نظير انتقال الملك من الواهب إلى المتّهب ، ومن الوصي إلى الموصى له .

وتوضيحه : أنّ الملكية عبارة عن الإضافة الخاصّة ، ولها طرفان المالك والمملوك ، وتبدّل الإضافة قد تكون من طرف المملوك كما في عقود المعاوضات ، فإنّ التبدّل في البيع إنّما يكون من طرف المملوك فقط ; فإنّه قبل البيع كان طرف الإضافة هو المثمن ، وبعد البيع هو الثمن .

وقد يكون من طرف المالك كالإرث ، فإنّ التبدّل فيه إنّما يكون من طرف المالك فقط ، وقد يكون بتبدّل أصل الإضافة كما في الهبة ; فإنّ الانتقال فيها ليس


(1) درر الفوائد للشيخ الحائري : 2 / 616 ـ 617 .

الصفحة 406

كالانتقال في الإرث ولا كالانتقال في البيع ، بل إنّما يكون بإعدام الإضافة بين الواهب والموهوب ، وإحداث إضافة اُخرى بين المتّهب والموهوب ، وانتقال ما كان للنبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى المسلمين ـ بناءً على الخبر المجعول ـ يكون من هذا القبيل ; ضرورة أنّ المسلمين لم يرثوا المال من النبيّ (صلى الله عليه وآله) بحيث يكون سبيلهم سبيل الورّاث ، بل غايته أنّ أموال النبيّ (صلى الله عليه وآله) تصرف بعد موته في مصالحهم ، فانتقال المال إليهم يكون أسوأ حالا من انتقال المال إلى الموصى له ، ولا أقلّ من مساواته له .

ومن المعلوم أنّ إقرار ذي اليد إنّما يوجب انقلاب الدعوى من حيث إنّ الإقرار للمورّث إقرار للوارث ; لقيامه مقامه في طرف الإضافة ، وإقرار ذي اليد بأنّ المال كان للموصي ، يكون كإقراره بأنّ المال كان للثالث الأجنبي ، وليس للموصى له انتزاع المال عن يده ، بدعوى أنّه أوصى به إليه ، بل تستقرّ يد ذي اليد على المال إلى أن يُثبت الموصى له عدم انتقاله إلى ذي اليد في حياة الموصي .

فإقرارها (عليها السلام) بأنّ فدكاً كانت ملكاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يوجب انقلاب الدعوى ; لأنّه لا يرجع إقرارها بذلك إلى الإقرار بأنّها ملك للمسلمين ; فإنّهم لا يقومون مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله)  ، بل هم أسواً حالا من الموصى له ، فلم يبق في مقابل يدها (عليها السلام) إلاّ الاستصحاب وهو محكوم باليد(1) .

ويرد عليه اُمور :

منها : أنّ ما أفاده من أنّ التبدّل في الإرث إنّما يكون من طرف المالك مع بقاء المملوك على ما هو عليه ، غايته أنّه قبل موت المورّث كان طرف الإضافة نفس المورّث ، وبعد موته يقوم الوارث مقامه ويصير هو طرف الإضافة .

يرد عليه ـ مضافاً إلى أنّه لم يقم دليل على ذلك لولم نقل بقيام الدليل ـ كظواهر


(1) فوائد الاُصول : 4 / 615 ـ 617 .

الصفحة 407

الآيات(1) الورادة في الإرث ـ على الخلاف ، وأنّ الوارث يملك ما ترك المورّث من غير أن يقوم مقامه ـ : أنّ مقتضى ذلك انتقال الأموال إلى الميّت لو فرض حياته بعد موته ; لأنّ المفروض أنّ الوارث قائم مقامه ، ومع وجود المبدل لا يبقى شأن للبدل ، مع أنّه من المعلوم خلافه .

ومنها : أنّ ما أفاده من أنّ انتقال المال بالهبة إلى المتّهب ليس من قبيل انتقاله بالإرث ، ولامن قبيل انتقاله بالبيع ، بل إنّما يكون بإعدام إضافة وإحداث إضافة اُخرى ، كما في الوصية .

يرد عليه : أنّ إيجاد الإضافة الثانية لابدّ وأن يكون مسبوقاً ولو رتبة بإعدام الإضافة الأولى ; لأنّه ما لم يتحقّق هذا الاعدام لا يمكن إيجاد إضافة اُخرى ; لعدم اجتماع إضافتين في آن واحد ; لامتناع اجتماع ملكيتين مستقلّتين على مال واحد ، ومن المعلوم أنّه بعد انعدام الإضافة الأولى لا يكون الواهب أولى بالموهوب ، بل نسبته إليه كنسبة المتّهب اليه ، ولا مرجح لأحدهما على الآخر ، فإيجاده الإضافة بعد عدم قيامها به لا أثر له أصلا .

ومنها : أنّ ما أفاده من أنّ انتقال ما كان للنبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى المسلمين بناءً على الخبر المجعول ليس كانتقاله إلى الوارث ، بل هو أشبه بانتقال المال إلى الموصى له ; لما أفاده .

فيرد عليه : أنّه لا فرق في الصورتين إلاّ في مجرّد دعوى الوارث الملكية ، ودعوى المسلمين أو وليّهم السلطنة على المال وإن لم يكن ملكاً لهم ، وأمّا كون هذا الفرق موجباً للانقلاب في الصورة الأولى ، وعدمه في الصورة الثانية ، فلا وجه له أصلا ;لعدم مدخلية هذه الجهة في مايرجع إلى المدّعيوالمنكروالآثارالمترتّبة عليهما .

وبعبارة اُخرى : محلّ النزاع بين المتخاصمين هو تحقّق الانتقال ممّن كان ملكاً


(1) سورة النساء 4 : / 11 ـ 12 و 176 ، سورة الأنفال 8 : 75 ، سورة الأحزاب 33 : 6 .

الصفحة 408

له أوّلا وعدمه . وأمّا على أنّه على تقدير عدم تحقّق الانتقال إلى ذي اليد وانتقاله إلى الوارث يكون انتقاله كما في سائر موارد الإرث ، أو يكون بنحو خاصّ ، فلا دخالة له في الفرق أصلا .

هذا ، وقد ذكر المحقّق البجنوردي (قدس سره) أنّه على تقدير تسليم دعوى الانقلاب فالأحسن أن يقال : إنّ هاهنا دعويين ، إحداهما : دعوى الانتقال ، وبالنسبة إلى هذه الدعوى هي ـ سلام الله عليها ـ مدّعية ، وعليها البيّنة ، والاُخرى : دعوى الملكية ، وبالنسبة إلى هذه الدعوى حيث أنّـها (عليها السلام) كانت ذات يد ، كانت البيّنة على طرفها ; أي أبي بكر ، الذي بزعمه كان وليّ المسلمين ، فكأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) احتج على أبي بكر بالنسبة إلى هذه الدعوى الأخيرة إن كانت الدعوى الأولى مسكوتاً عنها(1) .

ويرد عليه : أنّه إن كان المراد أنّ هاهنا دعويين غير مرتبطتين ، وقعت الأولى مسكوتاً عنها والثانية مورداً للإنكار ، فمن الواضح خلافه ; ضرورة ارتباط الدعويين وابتناء الثانية على الاُولى ، وأنّ الملكية إنّـما هي لأجل تحقّق النّحلة والإعطاء من النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)  .

وإن كان المراد أنّه مع تحقّق الارتباط وابتناء الثانية على الاُولى يقطع النظر عن الاُولى ويتّكل على الثانية ، والاعتراض إنّما هو مبنيّ عليه ، فالظاهر أنّه لا وجه للإغماض وقطع النظر عن الاُولى التي هي الأصل للثانية ، فالجواب عن التوهّم المذكور ما ذكرنا .

وينبغي التّنبيه على اُمور :

الأوّل : لا إشكال في تقدّم اليد ـ بناءً على كونها أمارة ـ على الاُصول العملية التي منها الاستصحاب الجاري على خلاف مقتضى اليد في جلّ مواردها لولا كلّها ;


(1) القواعد الفقهيّة : 1 / 149 .

الصفحة 409

وذلك لتقدّم الأمارة على الأصل العملي على ما هو المحقّق في محلّه ، وأمّا ما حكي عن المحقّق العراقي (قدس سره) فيما إذا ادّعى ذو اليد انتقال المال من المدّعي إليه ، من أنّ مقتضى اليد هو كون هذا المال ملكاً لذي اليد ، وأنّه انتقل منه إليه ، ومقتضى استصحاب عدم الانتقال عدم كونه ملكاً لذي اليد وبقاؤه على ملك الطرف ، فأمارية اليد هنا مع حجّية الاستصحاب ممّا لا يجتمعان ، وبناءً على حجّية الاستصحاب لا يبقى مجال لأمارية اليد ; لأنّ مؤدّى الاستصحاب هو التعبّد بعدم الانتقال ، ومعه لا يبقى لليد مجال(1) .

فيرد عليه : وضوح تقدّم الأمارة على الأصل في صورة التعارض وعدم الاجتماع وإن كان مراده عدم حجّية اليد في خصوص هذا المورد ; لما عرفت(2) من الانقلاب وصيرورة المدّعي منكرا وبالعكس ، كما ذكرنا ، فهو صحيح ، ولكنّه لا يلائم مع عبارته أصلا كما لا يخفى .

وأمّا بناءً على كون اليد أصلا عمليّاً أو مردّداً بين كونه أمارة أو أصلا ، فالظاهر أيضاً تقدّمها على الاستصحاب ; لأنّه على فرض التعارض أو تقدّم الاستصحاب يصير اعتبارها وجعل الحجّية لها تأسيساً أو إمضاءً لغواً ، ففي الحقيقة على هذا التقدير يكون دليل اعتبارها مخصّصاً لدليل اعتبار الاستصحاب ، وهذا كقاعدتي الفراغ والتجاوز ، حيث إنّهما تقدّمان على الاستصحاب الجاري في موردهما ، وإلاّ تلزم اللّغوية كما ذكر .

وأمّا اليد ، بناءً على كونها أمارة ، فبالنسبة إلى سائر الأمارات لا إشكال في تقدّم البيّنة عليها ، بل ربما يدّعى كونه في باب الدعاوي من المسلّمات عند جميع


(1) تعليقات فوائد الاُصول : 4 / 611 ـ 612 ، نهاية الأفكار 4 ، القسم الثاني : 28 ـ 29 ، والحاكي هو السيد البجنوردي في القواعد الفقهيّة : 1 / 148 .
(2) في ص 402 ـ 403 .

الصفحة 410

المسلمين ; لأنّ توقّف ثبوت دعوى المدّعي على البيّنة والحكم له استناداً إليها ، إنّـما هو في مقابل ذي اليد نوعاً ، فلا شبهة في هذا التقدّم .

وأمّا تقدّم الإقرار على اليد فيما إذا أقرّ بأنّ ما في يدي لزيد مثلا ، فلأجل أنّ اعتبار اليد عند العقلاء إنّـما هو فيما إذا لم ينضمّ إليها الإقرار بعدم كونه ملكاً له ، ولذا لو أقرّ بهذا المقدار وهو عدم كونه ملكاً له يكفي في سقوط اليد عن الحجّية والاعتبار ، ولا يلزم الإقرار بكونه ملكاً لفلان مثلا ، بل ربما يقال بعدم اعتبار اليد مع تردّد ذي اليد في كونه ملكاً له ، ولكن عرفت(1) في ذكر بعض موارد الخلاف شمول أدلّة اعتبار اليد لهذه الصّورة ، ولا يلزم اعتقاد ذي اليد الملكية أو إظهاره لها ، كما لا يخفى .

وكيف كان ، فالظاهر أنّه لا شبهة في تقدّم الإقرار على اليد ، وانحصار حجّيتها بما إذا لم يكن هناك إقرار على خلافها .

وأمّا بالنسبة إلى سائر الأمارات غير البيّنة والإقرار ، فكلّ أمارة تكون حجّية اليد مقيّدة بعدمها ، فهي متقدّمة على اليد ، وإلاّ تكون الأمارتان متعارضتين ، ولا يبقى ترجيح في البين .

الثاني : أنّ القاعدة هل تجري في الحقوق أم لا؟ والظاهر أنّ الحقوق كالمنافع ، من دون فرق بين ما تعلّق منها بالأعيان المتموّلة ، كحقّ الرهانة وحقّ التولية ونحوهما من الحقوق ، وبين ما تعلّق منها بالأعيان غير المتموّلة كحقّ الاختصاص المتعلّق بالعذرة والخمر والميتة ، وقد عرفت(2) في المنافع أنّه لا فرق بين ما كان في مقابل ذي اليد مالك العين أو الأجنبيّ .

ودعوى أنّ أدلّة اعتبار اليد لا تشمل الحقوق وإن كانت شاملة للمنافع ; لأنّ


(1) في ص 396 ـ 397 .
(2) في ص 390 .

الصفحة 411

الحقوق اُمور اعتبارية صرفة معتبرة عند العقلاء والشارع ، أو خصوص الشارع ، بخلاف المنافع ; فإنّها ليست اعتباريّة بل موجودة بتبع وجود العين ، غاية الأمر أنّ وجود المنافع تدريجيّ بخلاف وجود العين ، مدفوعة بأنّ مقتضى إطلاق أدلّة الاعتبار الشمول للحقوق ، بل يمكن أن يقال بورود الرواية الواردة في الرّحى المتقدّمة(1) في الحقوق دون المنافع ، فتدبّر .

الثالث : هل تجري قاعدة اليد في النسب والأعراض أم لا؟ وذلك كما لو تنازع شخص مع آخر في امرأة تحت يد أحدهما ; أي تكون في بيته ويعامل معها معاملة الزوجيّة ، وهكذا في صبيّ تحت يد أحدهما ، فيدّعي الآخر كونها زوجة له أو ولداً له ، وينكره صاحب اليد بالمعنى المذكور ، لا يبعد أن يقال بثبوت بناء العقلاء هنا أيضاً كثبوته في الأملاك ، بل يمكن أن يقال باقوائيّة الملاك هنا ، فإنّ الظنّ الحاصل من الغلبة هنا أقوى من الظنّ الحاصل في الأملاك ; لشيوع الغصب فيها دون المقام .

نعم ، الظاهر اختصاص الاعتبار في الفرض الأوّل بما إذا لم يكن هناك إنكار من ناحية الزوجة التي في بيته ; لأنّه مع وجود الإنكار لم يثبت بناء العقلاء لو لم نقل بثبوت العدم ، فتدبّر .

ويؤيّد ما ذكرنا حكاية الإجماع(2) على تقديم قول صاحب اليد فيما لو تنازع رجلان في زوجيّة امرأة هي تحت أحدهما . نعم ، في مسألة تنازع اثنين على بنوّة صبيّ في يد أحدهما يظهر من كلماتهم التساوي في الدعوى ، وأنّه من باب التداعي دون المدّعي والمدّعى عليه . نعم ، قال في محكيّ القواعد : ولو تداعيا صبيّاً وهو في يد أحدهما لحق بصاحب اليد خاصّة على إشكال(3) ، ويظهر من الفخر في شرحه


(1) في ص 380 .
(2) لم نعثر عليه عاجلاً.
(3) قواعد الأحكام : 3 / 482 .

الصفحة 412

وجود القائل به وإن اختار نفسه العدم ، معلّلا بأنّ اليد لا تأثير لها في النسب ولا في ترجيحه(1) ، بل ربما يقال بأنّ التقديم لو قيل به إنّما هو لترجيح أحد الإقرارين باليد لا لتقديم قول ذي اليد من حيث هو ذو اليد ، على من يدّعي عليه . هذا ، والظاهر ما ذكرنا .

الرّابع : قد وقع التسالم بين الفقهاء على قبول إقرار ذي اليد لأحد المتنازعين فيما بيده ، بحيث يجعله المنكر كنفس ذي اليد ، ويجعل الطرف الآخر مدّعياً وعليه إقامة البيّنة ، وإنّـما الإشكال في وجهه ، واختلفت الآراء في ذلك على أقوال :

أحدها : أنّ الوجه في ذلك هي قاعدة «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» نظراً إلى أنّ مقتضاها نفوذ الإقرار على النفس وبضرره ، وحيث إنّ ذا اليد في المقام يقرّ لشخص آخر ، ويعترف أنّه له ، فهذا إقرار على النفس ، واللاّزم الأخذ به والحكم بنفوذه ومضيّه (2).

أقول : قد مرّ في البحث عن قاعدة الإقرار أنّ مقتضاها الاقتصار في النفوذ والمضيّ على المقدار الذي بضرره ، وعلى خصوص الجهة التي تكون عليه ، وأمّا الإقرار بنفع الغير فلا يستفاد من القاعدة جوازه ونفوذه ، فالإقرار على أنّ ما بيده ملك لزيد مثلا له جهتان :

إحداهما : الجهة السلبيّة ; وهي عدم كونه له ، والاُخرى : الجهة الإثباتية ; وهي كونه لزيد في المثال ، والذي يستفاد من القاعدة نفوذه ومضيّه هي الجهة الاُولى فقط ، وقد تقدّم في البحث عن القاعدة أيضاً أنّه لا فرق في ذلك بين أن يكون الظرف متعلّقاً بالإقرار ، وبين أن يكون متعلّقاً بجائز ، وأنّه على التقدير الأوّل أيضاً لا دلالة للقاعدة على نفوذ الإقرار على النفس مطلقاً ولو بالإضافة إلى


(1) إيضاح الفوائد : 4 / 399 .
(2) القواعد الفقهيّة للمحقق البجنوردي: 1 / 163 .

الصفحة 413

الجهة الإثباتية ، فراجع(1) .

ثانيها : أنّ الوجه في ذلك هي قاعدة «من ملك شيئاً ملك الإقرار به» نظراً إلى أنّ ذا اليد مالك لأن يملّك ما في يده للغير ببيع أو صلح أو نحوهما ، فيملك الإقرار بأنّه له (2).

ويرد عليه : أنّ الذي يملّكه هو تمليك الغير المقرّ له فيملك الإقرار به ، والمفروض في المقام أنّه لم يقرّ به ، بل أقرّ بكونه للمقرّ له ، وأنّه مالكه ، والمقرّ لا يكون مالكاً لهذه الجهة حتّى يملك الإقرار به ، ففي هذا الوجه خلط .

ثالثها : ما حكي عن المحقّق العراقي (قدس سره) من أنّ اليد أمارة على ملكيّة ذي اليد بالدلالة المطابقيّة ، وعلى نفي كونه للغير بالدلالة الالتزاميّة ، وهاتان الأماريتان تسقطان بسبب الإقرار للغير . وأمّا بالنسبة إلى ما عداهما فأماريّتها باقية على حالها ، فالنتيجة قيام الحجّة على نفي الملكيّة عن ذي اليد وعن غيره ما عدا المقرّ له ، ومعلوم أنّ المال لا يبقى بلا مالك .

وبعبارة اُخرى : أنّ هذا المال إمّا للمقرّ له أو لغيره يقيناً ، فإذا ثبت بواسطة إقرار ذي اليد أنّه ليس لغير المقرّ له ، فلابدّ وأن يكون له ، فيكون هو المنكر وطرفه المدّعي بناءً على ما هو التحقيق من أنّ المدّعي من يكون قوله مخالفاً للحجّة الفعليّة ، والمنكر من يكون قوله موافقاً للحجّة الفعلية(3) .

ويرد عليه ـ مضافاً إلى ما عرفت من أنّ تشخيص المدّعي عن المنكر موكول إلى العرف(4) ، كسائر العناوين المأخوذة في الأدلّة موضوعة للأحكام ـ : أنّه لابدّ في


(1) في ص 69 ـ 75 .
(2) القواعد الفقهيّة للمحقّق البجنوردي: 1 / 164 .
(3) الحاكي هو المحقّق البجنوردي في القواعد الفقهيّة : 1 / 164 ـ 165 .
(4) في ص 402 .

الصفحة 414

المقام من ملاحظة أنّ بناء العقلاء على اعتبار إقرار ذي اليد بالنسبة إلى المدّعي لما تحت يده هل يختصّ بما إذا لم يكن في مقابل المدّعي مدّع آخر ، أو يعمّ صورة وجود مدّع آخر أيضاً؟ فعلى الأوّل لا يبقى مجال لما أفاده ; لعدم اعتبار الإقرار بوجه ، فيصير الرجلان متداعيين ، وعلى الثاني يكون المقرّ له كنفس المقرّ ويقوم مقامه ، فعلى الآخر إقامة البيّنة ، ولا يبعد ترجيح الثاني .

الخامس : لو أقرّ بما في يده لزيد ثم أقرّ به لعمرو ; بأن يكون المقرّ به فيهما تمام ما في يده ، ففي المسألة صورتان :

إحداهما : ما إذا كان الإقرار للثاني بعد الإقرار للأوّل ، وفي كلام منفصل ، بل وفي مجلس آخر مثلا، والظاهر عدم كون هذه الصورة مورداً لتعرّض الأصحاب ، كما أنّ الظاهر أنّ الحكم فيها بطلان الإقرار الثاني وعدم نفوذه على المقرّ بوجه ; لأنّ نفوذ الإقرار الأوّل مع كونه واجداً للشرائط يجعل المقرّ أجنبيّاً عن المقرّ به ; لأنّه يحكم بسببه بكون المال للمقرّ له ، ويؤخذ من يده ويجعل تحت يد المقرّ له ، ولا مجال لتوهّم كون نفوذه معلّقاً على عدم إقرار بخلافه فيما بعد ، وإلاّ تلزم لغوية القاعدة ، مضافاً إلى أنّه لا دليل عليه ; لأنّ مقتضى قاعدة الإقرار ترتّب الحكم بالمضي بمجرّد تحقّق موضوعه ; وهو إقرار العاقل على النفس .

كما أنّ دعوى كون الإقرار الثاني بمنزلة التفسير وشرح المراد من الإقرار الأوّل ، فينبغي الاعتماد عليه ، مدفوعة ـ مضافاً إلى عدم كونه تفسيراً له عرفاً ، بل مناقضاً ومغايراً له ـ بعدم كون التفسير بهذا النحو في المحاورات العرفيّة مورداً لقبول العقلاء ، وقد عرفت في البحث عن قاعدة الإقرار الفرق بين مقام التقنين وجعل القانون ، وبين المحاورات العرفيّة الواقعة في مقام بيان المقاصد(1) ، وعليه : فالحكم في هذه الصورة هو لغويّة الإقرار الثاني .


(1) في ص 80 .

الصفحة 415

ثانيتهما : ما إذا كان الإقرار للثاني عقيب الإقرار للأوّل وفي نفس ذلك الكلام ، غاية الأمر بصورة الإضراب ، كما إذا قال : هذا المال لزيد بل لعمرو ، والمشهور ـ بل ادّعى جماعة أنّه لا خلاف معتدّ به فيه(1) ، بل عن الإيضاح أنّ ذلك من قواعدهم(2) ، ولعلّه ظاهر في الإجماع ـ أنّه يقضى بما في يده للأوّل وبغرامة بدله ـ مثلا أو قيمة ـ للثاني ; لأنّه بإقراره الأوّل حال بين المقرّ له الثاني وبين ما له ، فيجب على المقرّ المثل أو القيمة(3) .

وحكي عن ابن الجنيد الرجوع إليه في مراده إن كان حيّاً ، وإلاّ فهو مال متداع بينهما ، فإن انتفت البيّنة حلفا واقتسما(4) ، ونفى عنه البعد في الدروس ، حيث إنّه بعد حكايته عنه قال : وليس بذلك البعيد ; لأنّه نسب الإقرار إليهما في كلام متّصل ، ورجوعه عن الأوّل إلى الثاني ، يحتمل كونه عن تحقيق وتخمين ، فالمعلوم انحصار الحقّ فيهما ، أمّا تخصيص أحدهما فلا(5) .

واحتمل في محكيّ المسالك(6) أنّه يقضى به للأوّل ولا يغرم للثاني ; لأنّه إقرار بما تعلّق به حقّ الغير قبله ، كالصّورة الاُولى .

ودليل المشهور أنّه بالإضراب عدل عن إقراره الأوّل ، ولا يسمع منه ; لأنّه إنكار بعد الإقرار ، وقد مرّ(7) في بحث قاعدة الإقرار أنّه لا يسمع الإنكار بعد الإقرار ، فلابدّ من ترتيب آثار الإقرار الأوّل ، ولازمه إعطاء العين التي بيد المقرّ إلى


(1) جواهر الكلام : 35 / 130 .
(2) إيضاح الفوائد : 2 / 458 .
(3) مفتاح الكرامة : 9 / 318 ـ 319 ، القواعد الفقهيّة للبجنوردي : 1 / 167 .
(4) حكي عنه في مختلف الشيعة : 5 / 541 مسألة 252 .
(5) الدروس الشرعيّة : 3 / 132 .
(6) مسالك الأفهام : 11 / 109 ـ 110 .
(7) في ص 77 .

الصفحة 416

المقرّ له الأوّل . وأمّا نفوذ إقراره الثاني ; فلأنّ المفروض أنّ المال بعد في يده ، والكلام متّصل ، وله أن يلحق بكلامه ما شاء من الإضراب وغيره ، وحيث إنّ العين قد اُعطيت إلى الأوّل ، فلابدّ من إداء المثل أو القيمة إلى الثاني .

وقد أورد صاحب الجواهر على الدّروس بأنّ احتمال السهو وغيره لا ينافي التعبّد بظاهر قوله ; لقاعدة الإقرار ، فيكون كلا الإقرارين نافذين ، غاية الأمر أنّه يعطي العين للأوّل ، والمثل أو القيمة للثاني ، وبمثله أورد على صاحب المسالك أيضاً(1) .

ولكن اُجيب عنه بأنّ حال هذين الإقرارين حال سائر الأمارتين المتعارضتين ، فيتساقطان ; للعلم بكذب أحدهما وسقوط اليد عن الاعتبار ، فيكون من باب التداعي ، والنتيجة التحالف والتنصيف ، إلاّ أن يقال بالموضوعية في باب الإقرار ، وهو في غاية البعد(2) .

والتحقيق أن يقال : إنّه لو لم يكن في المسألة إجماع كما هو الظاهر ، ـ ويؤيده مخالفة ابن الجنيد والشهيدين ـ لكان اللازم إعطاء العين المقرّ بها إلى المقرّ له الثاني ، من دون غرامة للأوّل بشيء ، وذلك لأنّه لا مجال للحكم بثبوت إقرارين في المقام ، فإنّ الإقرار نوع من الإخبار ، غاية الأمر أنّ الإقرار على النفس إخبار بثبوت شيء وقراره وتحقّقه ، وكون هذا الإخبار ممّا يترتّب عليه الضرر على نفس المقرّ ، وبعبارة اُخرى : يكون المخبر به والمحكيّ عنه بضرر المخبر .

وعليه : فلابدّ من ملاحظة أنّه في موارد الإخبار بشيء نظير المقام المشتمل على «بل» الإضرابية ; كقوله : جائني زيد بل عمرو ، هل يكون هناك خبران ، أو خبر واحد؟ وعلى التقدير الثاني ، هل يكون المخبر به مجيء زيد أم مجيء عمرو ، لا


(1) جواهر الكلام : 35 / 131 .
(2) القواعد الفقهيّة للمحقق البجنوردي : 1/ 168 .

الصفحة 417

ينبغي الإشكال بمقتضى ما ذكره علماء الأدب والنّحويون أنّ المخبر به في الجملة المشتملة على «بل» الإضرابية شيء واحد ; وهو مجيء عمرو في المثال(1) ، وأنّه المعيار في صدق القضية وكذبها ، فإذا كان الجائي في المثال هو عمرو ، تكون القضية صادقة ، واذا لم يكن الجائي عمراً تكون القضية كاذبة ، سواء جاء زيد أم لم يجيء .

واللازم على هذا أن يعامل في المقام معاملة الإقرار مع الإقرار الثاني ; لأنّه بعد ما كان هذا النحو من المحاورة وإفادة المقصود غير باطل ، وبعد أنّه يجوز للمتكلّم أن يلحق بكلامه ما شاء ، لا مجال لدعوى ثبوت إقرارين ، ولا لدعوى صحّة الإقرار الأوّل ; لعدم الفرق بين المقام وبين المثال أصلا .

السادس : لو اشترك أزيد من واحد في الاستيلاء على عين ، فهل يكون استيلاء كل واحد منهما على المجموع ، أو على النصف المشاع؟ وعلى التقديرين فهل تكون يد كلّ منهما مستقلّة تامّة ، أو لا تكون إلاّ ناقصة؟ وجوه واحتمالات بحسب باديء النظر ، وفي التصور الابتدائي .

قد يقال ـ كما قاله سيّد الأساطين في ملحقات العروة ـ بأنّه لا مانع من اجتماع اليدين المستقلّتين على مال واحد ، كما أنّ الأقوى عنده جواز اجتماع المالكين المستقلّين في مال واحد ; كما إذا كان ملكاً للنوع ، كالزكاة والخمس والوقف على العلماء والفقراء مثلا على نحو بيان المصرف ; فإنّ كلّ فرد من النوع مالك لذلك المال ، بل لا مانع من اجتماع المالكين الشخصيّين أيضاً ; كما إذا وقف على زيد وعمرو ، أو أوصى لهما على نحو بيان المصرف ، فإنّه يجوز صرفه على كلّ واحد منهما .

فدعوى عدم معقولية اجتماع المالكين على مال واحد لا وجه لها ، مع أنّه لا إشكال عندهم في جواز كون حقّ واحد لكلّ من الشخصين مستقلاًّ ; كخيار


(1) مغني اللبيب : 1 / 152 .

الصفحة 418

الفسخ ، وكولاية الأب والجدّ على مال الصغير ، ومن المعلوم عدم الفرق بين الحقّ والملك(1) .

أقول : الملكية المستقلّة عند العقلاء عبارة عن الإضافة الخاصّة الحاصلة بين المالك والمملوك ، المعتبرة عند العقلاء ، المستتبعة للاختصاص الذي هو لازم أعمّ لها ; ضرورة أنّه قد يوجد بدونها ، ولكنّه لا يمكن تحقّقها بدونه ، فحصول هذه الإضافة بدون الاختصاص غير معقول ، ومن الواضح أنّ الاختصاص مغاير للإشتراك تغاير الضدّين اللذين لا ثالث لهما ، ففي مورد تحقّق واحد منهما يمتنع حصول الآخر ويستحيل تحقّقه .

وحينئذ نقول : إنّ فرض جواز اجتماع المالكين المستقلّين في مال واحد مرجعه إلى فرض وجود الشيء وعدمه في زمان واحد ; ضرورة أنّ الملكية المستقلّة على ما عرفت عبارة عن إضافة لازمها الاختصاص المغاير للاشتراك ، وفرض الاجتماع مرجعه إلى الاشتراك الذي لا يكاد يجتمع مع الاختصاص ، فمرجع هذا الفرض إلى فرض الاختصاص وعدمه في زمان واحد ، كما هو ظاهر .

وأمّا الموارد المتقدّمة التي استشهد بها على جواز اجتماع المالكين المستقلين في مال واحد ، فالظاهر عدم كون شيء منها من هذا الباب ، وتوضيحه :

أنّ ما كان ملكاً للنوع لا يكون مالكه متعدّداً ; لأنّ المالك هو النوع وهو غير متعدّد ، والأفراد بما أنّـها أفراد متعدّدة وخصوصيات متكثّرة لا تكون مالكة أصلا ، بل ذكر سيّدنا الاُستاذ الأعظم الخميني ـ مدّ ظلّه العالي ـ أنّه يختلج بالبال في الزكاة والخمس عدم كونهما ملكاً للنوع أيضاً فضلا عن الأفراد والمصاديق ، بل المالك لهما هي الدولة الإسلامية الشاملة للفقيه في زمان الغيبة يصرفها في المصارف المعيّنة ، كما أنّ الدّول عند العقلاء مالكة يعتبرون لها الملك وإن كانت غير قائمة


(1) ملحقات العروة الوثقى : 588 ـ 589 .

الصفحة 419

بشخص خاصّ ، بل يكون في حال تغيّر وتبدّل(1) .

ودعوى أنّه لا يعقل كون غير ذوي العقول مالكاً معتبر له الإضافة التي هي الملك ، مدفوعة بمنع عدم التعقّل ، بل هو واقع جدّاً ; ضرورة أنّ الوقف على المساجد لا يكون المالك له إلاّ نفس المسجد ، ووقف بعض الأشياء على الضرائح المقدّسة لا يقتضي إلاّ صيرورة المالك له نفس ذلك الضريح ، وغير ذلك من الموارد ، فالمالك للزكاة والخمس هي نفس الدولة الإسلامية التي هي أمر اعتباريّ قائم بأشخاص متعدّدة ، وحينئذ لا يبقى مجال لما ذكره ، بل على تقدير كونهما ملكاً للنوع قد عرفت أنّه لا يكون المالك لهما إلاّ واحداً وهو النوع ، وخصوصيات الأفراد لا دخل لها أصلا .

ومنه يظهر الجواب عمّا إذا وقف على العلماء أو الفقراء أو على نحو بيان المصرف ; فإنّ المالك في هذا المورد أيضاً هو النوع لا الأفراد ، وأمّا الوقف على خصوص زيد وعمرو ، أو الوصية لهما على نحو بيان المصرف ، فعلى هذا التقدير ; أي تقدير أن يكون على نحو بيان المصرف ، لابدّ من الالتزام بأنّ المالك هو القدر المشترك ، الذي ينطبق على زيد وعلى عمرو لا خصوص كلّ منهما ، وعلى غير هذا التقدير لابدّ من القول باشتراكهما في العين الموقوفة أو الموصى بها ، بحيث يكون لكلّ منهما النصف المشاع لا المجموع ، كما لا يخفى .

وأمّا جواز كون حقّ واحد لكلّ من الشخصين مستقلاًّ كخيار الفسخ ، فهو وإن كان ممّا لا ينكر ، إلاّ أنّ الظاهر ثبوت الفرق بين الحقّ والملك عند العقلاء الذين هم المرجع في مثل هذا الباب ، ويشهد لذلك أنّه لو قامت بيّنة على أنّ المال الفلاني مملوك بتمامه لزيد ، وبيّنة اُخرى على أنّه مملوك بتمامه لعمرو ، فالنسبة بين البيّنتين عند العقلاء هي التعارض والتكاذب ، وليس ذلك إلاّ لعدم إمكان اجتماع مالكين


(1) الرسائل في الاُصول 1 : 271 ـ 272 .

الصفحة 420

مستقلّين على ملك واحد .

وهذا بخلاف ما لو قامت بيّنة على ثبوت حقّ الفسخ لزيد ، وبيّنة اُخرى على ثبوته لعمرو ; فإنّهم لا يرون تعارضاً بين البيّنتين ; بل يحكمون بثبوت الحقّ لهما بحيث يكون لكلّ واحد منهما الفسخ مستقلاًّ ، وليس ذلك إلاّ لجواز اجتماع شخصين على حقّ واحد ، ومع هذا الفرق عند العقلاء لا يبقى مجال لقياس الملك بالحقّ .

ولعلّ السرّ في الفرق أنّ الملك كما عرفت مستتبع للاختصاص الذي هو مغاير للاشتراك ، ولا يكاد ينفكّ الملك عن الاختصاص أصلا .

وأمّا الحقوق فالظاهر اختلافها ، فبعضها يكون كالملك ، كحقّ التحجير ونحوه ; فإنّه لو اشترك اثنان في تحجير موضع مباح يكون حقّه مشتركاً بينهما ، ولا يكون كلّ واحد منهما مستقلاًّ بالنسبة إليه ، وبعضها لا يكون مستتبعاً للاختصاص كالملك ، بل يمكن اجتماع أزيد من واحد بالإضافة إليه ، كحقّ الفسخ على ما عرفت ، وهذا لا فرق فيه بين أن يقال بتعلّق حقّ الخيار بالعين ، أو بتعلّقه بنفس العقد ، أو لا بهذا ولا بذلك ، بل هو عبارة عن مجرّد كون الرجل مختاراً في فعله الذي هو الفسخ ، كما اختاره القائل (قدس سره) في حاشية المكاسب(1) .

وبالجملة : الحقّ لا يكون ملازماً للاختصاص ، بخلاف الملك ، فقياس أحدهما بالآخر قياس مع الفارق .

ثمّ إنّه أجاب بعض المحقّقين في رسالته التي صنّفها في قاعدة اليد عن هذا القياس بما لفظه : أنّ الوحدة تارة تضاف إلى العقد ، واُخرى إلى الفسخ ، فالأوّل موضوع حقّ الخيار ، والثاني متعلّقه ، فيراد تارة : قيام حقّين لشخصين بعقد واحد ، واُخرى : يراد قيام سلطنتين على حلّ واحد ; لأنّ العقد واحد فحلّه أيضاً


(1) حاشية المكاسب للسيّد اليزدي : 2 / 367 ـ 368 .
<<التالي الفهرس السابق>>