في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>


الصفحة 441

ومنها : مورد اشتباه الولد بين العبد والحرّ والمشرك ، ففي صحيحة الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : إذا وقع الحرّ والعبد والمشرك على امرأة في طهر واحد وادّعوا الولد ، اُقرع بينهم ، وكان الولد للّذي يقرع(1) .

ومنها : الإشهاد على الزّوجية(2) .

ومنها : قضيّة الشابّ الذي خرج أبوه مع جماعة ، ثمّ جاءوا وشهدوا بموته(3) .

ومنها : قضيّة الوصية بعتق ثلث العبيد(4) .

ومنها : عتق ثلثهم(5) .

ومنها : الاشتباه بين الولد والعبد المحرّر(6) .

ومنها : الاشتباه بين صبيّين : أحدهما حرّ والآخر مملوك(7) .

ومنها : الخنثى المشكل(8) .


(1) تهذيب الأحكام : 6 / 240 ح 595 ، وعنه وسائل الشيعة : 27 / 257 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 1 .
(2) الكافي : 7 / 420 ح 2 ، تهذيب الأحكام : 6 / 235 ح 579 ، الاستبصار : 3 / 41 ح139 ، وعنها وسائل الشيعة : 27 / 252 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب 12 ح 8 .
(3) الكافي : 7 / 371 ح 8 ، تهذيب الأحكام : 6 / 316 ح 875 ، الفقيه : 3 / 15 ح 40 ، وعنها مرآة العقول : 24 / 204 ح 8 وبحار الأنوار : 14 / 11 ح 20 .
(4) تهذيب الأحكام : 8 / 234 ح 842 و ج 6 / 240 ح 590 ، الفقيه : 3 / 53 ح 180 و ص 70 ح 241 ، وعنها : وسائل الشيعة : 23 / 103 ، كتاب العتق ب 65 ح 1 و ملحق ح 2 و ج 27 / 257 و 261 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 3 و 16 .
(5) الكافي : 7 / 18 ح 11 و ص 55 ح 12 ، تهذيب الأحكام : 9 / 220 ، ح 864 و ج 8 / 234 ح 843 ، الفقيه : 4/159 ح 555 ، وعنها وسائل الشيعة : 19 / 408 ، كتاب الوصايا ب 75 ح 1 و ج 23 / 103 ، كتاب العتق ب 65 ح2 .
(6) تهذيب الأحكام : 9 / 171 ح 700 ، وعنه وسائل الشيعة : 19 / 359 ، كتاب الوصايا ب 43 ح 1 .
(7) تهذيب الأحكام : 6 / 239 ح 586 و 587 الفقيه : 4 / 226 ح 717 ، وعنهما وسائل الشيعة : 27 / 258 ـ 259 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 و 7 و 8 .
(8) وسائل الشيعة :26/291 ـ 294 ، كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه ب4ح1ـ 4 .

الصفحة 442

ومنها : مورد عتق أوّل مملوك(1) .

ومنها : مورد اشتباه المعتق بغيره(2) .

ومنها : مورد عتق العبيد في مرض الموت ولا مال له سواهم(3) .

ومنها : مورد اشتباه الغنم الموطوءة(4) .

ومنها : مورد قسمة أمير المؤمنين (عليه السلام) المال الذي اُتي من أصبهان ، المذكور في كتاب الجهاد(5) .

ومنها : قضية مساهمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قريشاً في بناء البيت(6) .

ومنها : استعلام موسى (عليه السلام) النمام بالقرعة بتعليم الله تعالى(7) .


(1) تهذيب الأحكام : 8 / 225 ح 810 و 811 ، الاستبصار : 4 / 5 ح 16 و 17 ، الفقيه : 3 / 53 ح 179 ، المقنع : 462 ـ 463 ، وعنها وسائل الشيعة : 23 / 92 ـ 93 ، كتاب العتق ب 57 ح 1 ـ 3 و ج 27 / 261 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 15 .
(2) الكافي : 6 / 197 ح 14 ، تهذيب الأحكام : 8 / 230 ح 830 ، وعنهما وسائل الشيعة : 23 / 61 ، كتاب العتق ب 34 ح 1 .
(3) صحيح مسلم : 3/1043 ، كتاب الأيمان ب12 ح1668 ، سنن أبي داود : 602 ح3961 ، سنن الترمذي : 3/645 ، كتاب الأحكام ب 27 ح1368 ، حلية الأولياء : 10/215 ، الأمان من أخطار الأسفار والأزمان : 96 .
(4) تهذيب الأحكام : 9 / 43 ح 183 ، تحف العقول : 480 ، وعنهما وسائل الشيعة : 24 / 169 و 170 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المحرمة ب 30 ح 1 و 4 .
(5) الغارات : 34 ـ 35 ، وعنه وسائل الشيعة : 15 / 114 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد العدو وما يناسبه ب 41 ح 13 و 14 ، وبحار الأنوار : 34 / 349 و ج 100 / 60 ح 10 . وأخرجه في البحار : 41 / 118 عن مناقب ابن شهر آشوب : 2 / 112 نقلا من فضائل الصحابة لابن حنبل : 1 / 549 ح 913 وحلية الأولياء : 7 / 300 . ورواه في الاستيعاب في معرفة الأصحاب : 533 وتاريخ مدينة دمشق : 42 / 476 .
(6) الكافي : 4 / 218 ح 5 ، الفقيه : 2 / 161 ح 696 ، وعنهما وسائل الشيعة : 13 / 216 ، كتاب الحجّ ، أبواب مقدّمات الطواف ب 11 ح 11 ، وبحار الأنوار : 15 / 339 ح 9 ومستدرك الوسائل : 17 / 376 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 11 ح 10 .
(7) الزهد : 9 ح 15 ، وعنه بحار الأنوار : 13 / 353 ح 47 و ج 75 / 266 ح 15 و ج 104 / 325 ح 7 ، ووسائل الشيعة : 12 / 310 ، كتاب الحج ، أبواب أحكام العشرة ب 164 ح 13 ، ومستدرك الوسائل : 17 / 375 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 11 ح 5 .

الصفحة 443

ومنها : مساهمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أزواجه إذا أراد سفراً(1) .

ومنها : اقتراعه (صلى الله عليه وآله) بين أهل الصّفة للبعث إلى غزوة ذات السّلاسل(2) .

ومنها : اقتراعه (صلى الله عليه وآله) في غنائم حنين(3) .

ومنها : اقتراع بني يعقوب ليخرج على واحد ، فيحبسه يوسف (عليه السلام) عنده(4) .

هذه هي الـموارد الـتي تتبّعها سيّدنا الاُستـاذ الأعظم الخميني دام ظلّه العالي(5) . ولعلّ المتتبّع يجد أزيد من ذلك موارد اُخر أيضاً .

وقد ظهر من جميع ذلك دلالة الروايات المتكثّرة على مشروعية القرعة في الجملة . وإن كانت مختلفة بحسب الظّاهر من حيث السعة والضيق ، وسيأتي التحقيق في مفادها إن شاء الله تعالى .

الثالث : الإجماع(6) المنقول بل المحصّل من تتبّع الفتاوى والكلمات ; فإنّ الظاهر أنّه لم ينقل عن أحد من الأصحاب إنكار مشروعيّة القرعة بنحو الإطلاق وإن وقع بينهم الاختلاف في موارد متعدّدة ، لكن أصل اعتبار القرعة بنحو الإجمال لم يقع مورداً للإنكار والخلاف بوجه ، ولكنّ الظاهر أنّه بعد دلالة الكتاب والسنّة المستفيضة بل المتواترة إجمالا على مشروعية القرعة لا يبقى للإجماع أصالة ، ولا يكون دليلا مستقلاًّ في عرض الكتاب والسنّة ; لأنّه من المحتمل بل المقطوع أن


(1) الاختصاص : 118 ، وعنه بحار الأنوار : 32 / 163 قطعة من ح 128 ، ومستدرك الوسائل : 17 / 377 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب 11 ح 13 .
(2) الإرشاد للمفيد : 162 ، وعنه بحار الأنوار : 21 / 77 ح 5 .
(3) إعلام الورى : 239 ـ 240 ، وعنه بحار الأنوار : 21 / 172 ـ 173 .
(4) الأمالي للصدوق : 320 قطعة من ح 375 ، وعنه بحار الأنوار : 12 / 257 قطعة من ح 23 .
(5) الرسائل في الاُصول : 1 / 338 ـ 345 .
(6) السرائر : 3 / 417 ، مسالك الأفهام : 15 / 481 ـ 482 ، عوائد الأ يّام : 651 ، العناوين : 1 / 349 .

الصفحة 444

يكون مستند المجمعين الكتاب والسنّة ، فالإجماع حينئذ لا يكون حجّة برأسه .

الرّابع : بناء العقلاء على الرجوع إلى القرعة في بعض الموارد ، وقد أشرنا(1)إلى أنّ المساهمة المحكيّة في الكتاب في موردين لعلّها كانت هي المساهمة العقلائية الجارية في مثل الموردين ، من اشتباه العبد الآبق على نقل ، أو إشرافهم على الغرق ، فرأوا طرح واحد منهم لنجاة الباقين على نقل آخر ، ومن يتكفّل مريم من الأشخاص المتعدّدين ، فالظاهر ثبوت هذا البناء وعدم الردع عنه في الشريعة ، بل تحقّق الإمضاء بمقتضى الكتاب والسنّة ، لكنّ الكلام في ضابط المورد الذي يرجع فيه العقلاء إلى القرعة ، وسيأتي بيان الضابط في تحقيق مفاد الرّوايات .

المقام الثاني : في بيان مقدار دلالة الأدلّة الورادة في مشروعيّتها ، سيّما مُفاد الطوائف الثلاث من الروايات الواردة فيها .

فنقول : إنّ الذي يظهر بعد التتبّع والتأمّل في غير الطائفة الاُولى من الطائفتين الأخيرتين أنّ مورد القرعة ومحلّ جريانها هو موارد تزاحم الحقوق وعدم ثبوت المرجّح لأحدها على الآخر ، وهذا هو الجامع بين جميع الموارد التي حكم فيها بالقرعة . نعم ، مورد التخلّف فيما ذكرنا إنّما هي مسألة الغنم الموطوءة التي حكم فيها بالقرعة ، مع عدم تحقّق الجامع المذكور فيها .

ولكن يمكن الجواب عنه ـ مضافاً إلى أنّه يمكن فرض تزاحم الحقوق فيها أيضاً ، بأن كان القطيع مركّباً من أغنام أزيد من مالك واحد ، كما كان هو الشائع في تلك الأزمنة ، بل في زماننا هذا أيضاً ـ بأن يقال : إنّ الرواية الدالّة على ثبوت القرعة في المورد المفروض مشعرة بكون هذا المورد أيضاً من موارد تزاحم الحقوق ; لأنّه قد عبّـر فيها ـ بعد الحكم بالقرعة واستخراج الموطوءة بها ـ بأنّه «قد نجت سائرها»; فإنّ نجاة السائر إنّما هي مع التزاحم، كما لا يخفى .


(1) في ص 435 ـ 437 .

الصفحة 445

نعم ، لابدّ من ملاحظة الطائفة الاُولى الدالّة بظاهرها على أنّ كلّ مجهول ففيه القرعة ، ونقول : إنّ عمدة ما يمكن أن يكون مستنداً للعموم هي رواية محمد بن حكيم المتقدّمة(1) ، وحيث إنّ السؤال فيها ناقص ; ضرورة أنّ السؤال عن الشيء لا ينطبق عليه الجواب بثبوت القرعة لكلّ أمر مجهول ، بل نفس هذا السؤال لا يكاد يصدر من عاقل ، فهذا يكشف عن أنّ السؤال كان عن أمر لم ينقل إلينا ، وحينئذ يبقى احتمال أنّه لو كان السؤال مذكوراً لكان من الممكن أن يكون قرينة على عدم شمول الجواب لجميع الموارد .

هذا ، مع أنّه لو اُغمض النظر عن ذلك نقول : قد عرفت أنّ القرعة ليست أمراً شرعيّاً اخترعه الشارع ، بل كانت معمولا بها عند العقلاء قبل الشرع أيضاً ، وقد عرفت أنّ المساهمة المحكية في الكتاب في موردين كانت هي المساهمة العقلائية ظاهراً ، ومن المعلوم أنّ مورد إجراء القرعة ومحلّها عند العقلاء لا يكون عامّاً شاملا لجميع موارد الاشتباه والجهل ، بل العقلاء يعملون بها في موارد مخصوصة ، والظاهر أنّ ضابطها تزاحم الحقوق ، وبعد ثبوت هذا البناء لا يكاد يفهم من مثل رواية محمد بن حكيم العموم لغير تلك الموارد .

ويؤيّد ما ذكرنا أنّه مع كون هذه الرواية بمرأى ومسمع من الأصحاب ـ بل ادّعي الإجماع على صدور مضمونها من الشيخ(2) والشهيد(3) وغيرهما(4) ، وتمسّكوا بها في غير مورد من مسائل القضاء وأشباهها ـ لم يظهر من أحد منهم التمسّك بها والفتوى بمضمونها في غير موارد تزاحم الحقوق . نعم ، حكي عن ابن


(1) في ص 435 ـ 437 .
(2) الخلاف : 3 / 298 مسألة 8 و ج 6 / 234 مسألة 32 و ص 399 مسألة 24 ، النهاية : 345 ـ 346  .
(3) القواعد والفوائد : 2 / 22 ـ 23 قاعدة 4 و ص 183 قاعدة 213 .
(4) السرائر : 2 / 170 .

الصفحة 446

طاووس الفتوى بالقرعة في مورد اشتباه القبلة(1) ، ولكنّه من الشذوذ بمكان ، مضافاً إلى كونه مخالفاً للنصّ الوارد في تلك المسألة(2) .

ويؤيّد بل يدلّ على ما ذكرنا ما دلّ على أنّ أصل القرعة من الكتاب ; لأنّه ليس المراد دلالة الكتاب على شرعيّة القرعة ; لأنّه لم يرد فيه كما عرفت(3) إلاّ حكاية المساهمة في موردين ، والحكاية أعمّ ، بل المراد دلالة الكتاب على وجود هذا الأمر وثبوته بين العقلاء ، فلابدّ في تشخيص مورده ومجراه من الرجوع إليهم ، كما لا يخفى .

وأمّا قولهم في مطاوى كتبهم الفقهيّة : «القرعة لكلّ أمر مجهول» أو «مشتبه» فالظاهر أنّ المراد بالأمر فيه هو الأمر الذي يرجع إلى الحاكم ، على ما يشهد به استعمال هذه الكلمة في باب القضاء; فإنّه حيثما يطلق في كتاب القضاء لا يراد منه إلاّ ذلك ، كلفظ «الحكم» المعبّـر به في ذلك الكتاب . ومن هنا يظهر سرّ تقييد الحلّـي في السرائر مورد القرعة بما إذا كان الأمر المجهول مشتبه الحكم(4) ; فإنّ مراده من الأمر المجهول هو الأمر الذي يرجع إلى الحاكم ، ومن الحكم المشتبه هو الحكم الذي هو وظيفة القاضي لا الحكم الشرعي الكلّي .

ويؤيّد أيضاً ما ذكرنا ما ورد ممّا يدلّ على عدم جواز استخراج المجهول بالقرعة لغير الإمام(5) ، الذي يعنى به من يجوز له التصدّي للقضاء ; فإنّ تخصيص


(1) الأمان من أخطار الأسفار والأزمان : 93 ـ 95 .
(2) الكافي : 3 / 285 ح 7 وص 286 ح 10 ، تهذيب الأحكام : 2 / 45 ح 144 ـ 146 ، الاستبصار : 1 / 295 ح 1085 ـ 1087 ، الفقيه : 1 / 179 و 180 ح 845 و 854 ، وعنها وسائل الشيعة : 4 / 307 ، كتاب الصلاة ، أبواب القبلة ب 6 ح 1 و ص 310 ـ 311 ح 1 ـ 5 .
(3) في ص 435 ـ 436 .
(4) السرائر : 2 / 173 .
(5) الكافي : 6/197 ح14 ، تهذيب الأحكام : 6/240 ح592 و ج8/230 ح830 ، وعنها وسائل الشيعة : 23/ 61 ، كتاب العتق ب 34 ح 1 و ج 27 / 259 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 9 .

الصفحة 447

جواز الاستخراج به لا يلائم مع ثبوت القرعة في جميع الاُمور المشتبهة ، بل المناسب له هو اختصاص موردها بموارد تزاحم الحقوق التي لابدّ فيها من الرجوع إلى الحاكم الشرعي لفصل الخصومة ، ويؤيّد ما ذكرنا أيضاً عدم خروج الموارد الخاصّة الواردة فيها القرعة عن الضابطة المذكورة .

وقد انقدح ممّا حقّقناه تمييز موارد القرعة عن غيرها ، وحينئذ يظهر لك أنّه لا يكون لعمومها بالنسبة إلى مواردها تخصيصات كثيرة حتّى يلزم الاستهجان ، ويحتاج في العمل بها إلى عمل الأصحاب ، كما هو المشهور بين المعاصرين وغيرهم(1) ، بل لا يكون لعمومها تخصيص إلاّ في مسألة درهم الودعي ; حيث إنّ مقتضى القاعدة القرعة فيها ، ولكن النصّ الخاصّ قد حكم بالتنصيف(2) .

ثمّ إنّه لو أبيت عمّا ذكرنا من كون المراد بـ «أمر» في الرواية النبويّة(3) وفي قولهم : «كلّ أمر مجهول ففيه القرعة» هو الأمر الذي يرجع فيه إلى الحاكم ; نظراً إلى إطلاق لفظ الأمر في الرّواية والفتوى ، نقول : إنّ المراد بالأمر هل هو الحكم أو الموضوع؟ وتوصيفه بكونه مجهولا هل يراد به الشبهة الحكميّة أو الشبهة الموضوعيّة؟ لا مجال للأوّل ; لأنّ الشبهات الحكميّة وإن كانت في بادئ النظر متّصفة بالجهل والاشتباه ، إلاّ أنّها بلحاظ تبيّن حكمها في لسان الشارع وبيان الوظيفة الشرعيّة فيها ، لا تتّصف بالجهالة والاشتباه ; فإنّ شرب التتن (التبغ) الذي يجري فيه احتمال الحرمة لا يكون مجهولا ; لأنّه قد حكم الشارع بحلّيته بمقتضى


(1) الرسائل للإمام الخميني في الاُصول : 1 / 346 ـ 351 ، فرائد الاُصول : 3 / 386 ، كفاية الاُصول : 493 ، أجود التقريرات : 4 / 260 ـ 262 ، نهاية الأفكار : 4 ، القسم الثاني : 107 .
(2) الكافي : 7 / 58 ح 5 ، الفقيه : 4 / 174 ح 610 ، تهذيب الأحكام : 9 / 162 ح 666 ، وعنها وسائل الشيعة : 19 / 323 ، كتاب الوصايا ب 25 ح 1 و ج 23 / 184 ، كتاب الإقرار ب 2 ح 1 .
(3) تقدمت في ص 438 .

الصفحة 448

أصالة الحلّية الجارية في مثله ، وكذا صلاة الجمعة التي يجري فيها استصحاب الوجوب فرضاً بمقتضى قوله (عليه السلام)  : لا تنقض اليقين بالشكّ(1) ، لا تكون مشتبهة بوجه ، وهكذا .

وإن شئت قلت : إنّ الجهل في المثالين إنّما هو بالإضافة إلى الحكم الواقعي ، وأمّا بلحاظ الوظيفة الشرعيّة فالحكم معلوم لا يجري فيه جهالة ، ولا مجال لدعوى كون المراد من الجهل في الرواية النبويّة وفي الفتاوى هو الجهل بالحكم الواقعي بعد إطلاق الجهل وعدم تقييده به . ويؤيّد ما ذكرنا التعبير بالأعضال في بعض الروايات(2) الذي لا يبقى له مجال مع وضوح الوظيفة الشرعيّة ولو بحسب الحكم الظّاهري ، فالشبهة الحكميّة خارجة عن مُفاد العبارة .

وأمّا الشبهة الموضوعيّة ، فإن كانت بدوية ، فالحكم فيها معلوم غير مجهول أيضاً ; سواء كان هي البراءة أو الاحتياط ، وإن كانت مقرونة بالعلم الإجمالي ، فهي أيضاً حكمها معلوم ; سواء كان الشبهة محصورة أم غير محصورة ; لأنّ الحكم في الأوّل هو الاحتياط على ما هو المشهور(3) ، والبراءة على غيره ، وفي الثاني هو البراءة على المشهور(4) أيضاً ، فلم يبق لنا إلاّ موارد تزاحم الحقوق في الشبهة الموضوعيّة التي لم يبيّن حكمها في الشريعة ، فإذا دار أمر مال بين أن يكون لزيد أو لعمرو ، وأقام كلّ واحد منهما بيّنة على مدّعاه ، فهذا هو الأمر المجهول والمشتبه والمعضل ، الذي لا محيص فيه عن إعمال القرعة والرجوع إليها ; لعدم بيان حكمه في شيء من أدلّة الأمارات الشرعيّة والاُصول المعتبرة بوجه .


(1) تهذيب الأحكام : 1 / 8 ح 11 ، وعنه وسائل الشيعة : 1 / 245 ، كتاب الطهارة ، أبواب نواقض الوضوء ب1 ح1 .
(2) تقدم في ص 438 .
(3) فرائد الاُصول : 2 / 210 .
(4) نهاية الأفكار : 3 / 328 و 331 .

الصفحة 449

نعم ، لا يختصّ إعمال القرعة بما إذا كان له واقع ، غاية الأمر كونه مجهولا عندنا ، بل يعمّ ما إذا لم يكن له واقع أصلا ، غاية الأمر الأعضال لأجل أنّه لا ترجيح في البين أصلا .

المقام الثالث : في أنّ القرعة هل تكون أمارة أو أصلا؟ فيه وجهان ، والظاهر هو الوجه الثاني :

أمّا أوّلا : فلأنّ موارد ثبوت القرعة عند العقلاء على قسمين : قسم يكون للمجهول المشتبه واقع معلوم عند الله وغير معلوم عندنا ، كالمساهمة في قصّة يونس ، بناءً على كونها لأجل تشخيص العبد الآبق كما في أحد النقلين(1) ، وقسم لا يكون له واقع معيّن ، كالمساهمة في قصّة تكفّل مريم الواقعة في الكتاب العزيز(2) ، ومن المعلوم أنّه لا تعقل الأمارية في القسم الثاني ; لعدم ثبوت واقع حتى تكون القرعة أمارة له ، والظاهر أنّه لا فرق بين هذا القسم والقسم الأوّل عند العقلاء .

وأمّا ثانياً : فلأنّا لو قلنا بأنّ الطريقية والأمارية قابلة لتعلّق الجعل بها ـ على خلاف ما حققناه في محلّه(3) ـ ولكن مورده ما إذا كان المحلّ قابلا لذلك الجعل ، من جهة كونه واجداً لوصف الطريقيّة تكويناً ; ضرورة أنّه لا يعقل جعل الطريقيّة للشك مثلا . ومن المعلوم أنّ القرعة بالكيفيّة المتداولة لا يكون فيها جهة كشف وإراءة أصلا ; ضرورة أنّ إجالة السهام ثمّ إخراج واحد منها لا يكون فيها كشف وطريقيّة ، وليس مثل خبر الثقة وشهادة عدلين ، الذي يكون مشتملا على الكشف والإراءة في نفسه ، وحينئذ فكيف يمكن جعل الحجّية لها؟ كما لا يخفى .

وأمّا ثالثاً : فلأنّه حيث يكون موضوع القرعة هو المجهول بما أنّه مجهول ، نظير


(1) تقدّم في ص 436 .
(2) سورة آل عمران 3 : 44 .
(3) سيرى كامل در اُصول فقه : 10 / 97 و 155 .

الصفحة 450

سائر الاُصول التي موردها خصوص صورة الشكّ ، كأصالة الحلّية والاستصحاب ، فلابدّ من الالتزام بكونها مثلها في ذلك ; أي في عدم كونها أمارة .

ودعوى أنّ ظاهر قول أمير المؤمنين (عليه السلام)  : «ما من قوم فوّضوا أمرهم إلى الله ـ عزّ وجلّـ وألقوا سهامهم إلاّ خرج السّهم الأصوب»(1) أنّ القرعة لا تخطىء أصلا ، بل الخارج سهم المحقّ دائماً ، كما في مرسلة الفقيه عن الصادق (عليه السلام) أيضاً ، قال : ما تقارع قوم فوّضوا أمرهم إلى الله إلاّ خرج سهم المحقّ(2) ، وهو معنى الأماريّة ، بل هي الأمارة الدائمة المطابقة .

مدفوعة بأنّ غاية ما يدلّ عليه مثل هذا التعبير هو مجرّد تطبيق الله تعالى السهم الخارج على الواقع دائماً ، لأجل تفويض الأمر إليه وجعله هو الحكم ، وهذا يغاير معنى الأماريّة ; فإنّها متقوّمة بحيثيّة الكشف والإراءة ، والقرعة فاقدة لها ، بل تكون القرعة على هذا نظير الاستخارة التي ليست بأمارة قطعاً .

ومن ذلك يظهر الخلل فيما أفاده المحقّق البجنوردي من جعل القرعة والاستخارة من الأمارات(3) ; نظراً إلى وجود جهة الكشف فيهما والظنّ بإصابة الواقع ، ودلالة الدليل على حجّية هذه الجهة ، مثل قول أبي الحسن موسى (عليه السلام)  : كلّ ما حكم الله به فليس بمخطىء(4) .

وجه الخلل ما عرفت من أنّ جهة الكاشفيّة والطريقيّة ـ التي هي أمر تكوينيّ متقوّم بالطريق ـ أمر ، وتطبيق الله تعالى السهم الخارج على الواقع غالباً أو دائماً


(1) تهذيب الأحكام : 9 / 363 ح 1298 ، وعنه وسائل الشيعة : 26 / 312 ، كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم ب 4 ح 4 .
(2) الفقيه : 3 / 52 ح 175 ، وعنه وسائل الشيعة : 27 / 261 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 13 .
(3) القواعد الفقهيّة : 1 / 68 ـ 70 .
(4) تقدم في ص 437 .

الصفحة 451

أمر آخر لا ارتباط بينهما ، والدليل إنّما يدلّ على الثّاني . وأمّا الأوّل : فهو مفقود في القرعة والاستخارة كليهما ، فالإنصاف أنّه لا مجال لدعوى الأماريّة في القرعة ، بل هي أصل عند العقلاء وعند الشارع ، يرجع إليه في ما لم يكن مرجّح في البين ، ولم يكن هناك أصل أو أمارة أصلا .

المقام الرابع : في تعارض القرعة مع الاستصحاب ، ونقول : إنّ النسبة بينهما وإن كانت عموماً من وجه ـ لأنّ مورد الاستصحاب هو الشك مع لحاظ الحالة السّابقة ; سواء كان في مورد تزاحم الحقوق أو غيره ، ومورد القرعة هو الشكّ في موارد تزاحم الحقوق ; سواء كان مع لحاظ الحالة السّابقة أم لا ـ إلاّ أنّك عرفت في المقام الثاني أنّ دليل الاستصحاب حاكم على دليل القرعة ; لأنّ مورد أدلّة القرعة إنّما هو الأمر المشكل الذي وقع التعبير به في كثير من الفتاوى تبعاً لجملة من النصوص ، أو مطلق المجهول الّذي وقع التعبير به في رواية محمد بن حكيم المتقدّمة(1) .

ومن المعلوم أنّ الأمر المشكل معناه هو الأمر الذي اُشكل رفع التحيّـر عنه أو الحكم فيه ; لأنّ مورد استعماله يغاير مورد استعمال كلمة «المجهول» ; فإنّه لا تستعمل كلمة «المجهول» غالباً إلاّ في ما كان له واقع معيّن عند الله مجهول عند الناس ، و«المشكل» هو ما يصعب رفع التحيّـر بالنسبة إليه ، والدليل على اختلافهما أنّه يمكن توصيف الواقع بأنّه «مجهول»، ولا يمكن توصيفه بأنّه «مشكل» . فقد ظهر أنّ المشكل يتقوّم بالتحيّـر ، ومن المعلوم أنّه مع جريان الاستصحاب لا تحيّر في البين أصلا .

وأمّا ما وقع فيه التعبير بعنوان المجهول ، فقد عرفت أنّ الجواب فيه وإن كان عامّاً ، إلاّ أنّ السّؤال حيث لا يكون تامّاً ، بل كان من المعلوم وجود شيء آخر ;


(1) في ص 437 .

الصفحة 452

لأنّ السؤال عن نفس الشيء لا معنى له ، فلا مجال للاستدلال بعموم الجواب ، وليس ذلك من باب الشك في وجود القرينة ، الذي يكون بناء العقلاء على عدم الاعتناء به ، كما لا يخفى .

هذا ، مضافاً الى ما عرفت من أنّ المراد بالمجهول المطلق هو ما كان مطلق حكمه مجهولا ; سواء كان واقعيّاً أو ظاهريّاً ، ومن المعلوم أنّه مع جريان الاستصحاب لا يبقى حينئذ مجال للرجوع الى القرعة بعد تبيّن الحكم الظاهري بالاستصحاب .

ثمّ إنّه استظهر المحقّق النائيني (قدس سره) أنّه لا يمكن اجتماع القرعة مع سائر الوظائف المقرّرة للجاهل حتى تلاحظ النسبة بينهما ; لأنّ التعبّد بالقرعة إنّما يكون في مورد اشتباه موضوع التكليف وتردّده بين الاُمور المتبائنة ، ولا محلّ للقرعة في الشبهات البدوية ; سواء كانت الشبهة من مجاري أصالة البراءَة والحلّ ، أو من مجاري الاستصحاب ; لأنّ المستفاد من قوله (عليه السلام)  : القرعة لكلّ مشتبه أو مجهول ، هو مورد اشتباه الموضوع بين الشيئين أو الأشياء ، فيقرع بينهما لاخراج موضوع التكليف ، ولا معنى للـقرعة في الشبـهات الـبدوية ; فإنّه ليس فيها إلاّ الاحتمالين ، والقرعة بين الاحتمالين خارجة عن مورد التعبّد بالقرعة ، فموارد البراءة والاستصحاب خارجة عن عموم أخبار القرعة بالتخصّص لا بالتخصيص ، كما يظهر من كلام الشيخ (قدس سره) (1)(2) .

ويرد عليه : أنّه بعد عدم اختصاص أدلّة الاستصحاب بالشبهات البدوية تكون موارد اجتماع الاستصحاب والقرعة كثيرة جدّاً ، خصوصاً في موارد الجهل


(1) فرائد الاُصول : 3 / 385 .
(2) فوائد الاُصول : 4 / 678 ـ 679 .

الصفحة 453

بتاريخ أحد الحادثين ، كما لو عقد الوكيلان المرأة لرجلين ، وجهل بتاريخ أحدهما ، فبناءً على تقدّم الاستصحاب على القرعة ، يحكم بصحّة عقد معلوم التاريخ كما أفتى به وبنظائره هذا المحقّق في حواشيه على العروة(1) ، وأمّا لو قيل بعدم تقدّمه عليها يكون من موارد القرعة ، وله أمثال كثيرة في باب التنازع والقضاء .

كما أنّه ظهر ممّا ذكرنا أنّه لا وجه لما أفاده الشيخ الأعظم(2) وتبعه المحقّق الخراساني(3) من خروج الاستصحاب عن عموم أدلّة القرعة بالتخصيص ; وذلك لما عرفت من عدم شمول أدلّة القرعة لمورد الاستصحاب بوجه .

المقام الخامس : في أنّ القرعة هل هي وظيفة الإمام ، أو من بحكمه خاصّة ، أو يعمل بها كلّ أحد؟ فيه وجهان ، قال صاحب العناوين : والذي يقوى في النظر القاصر بعد ملاحظة الروايات اختصاص أمر القرعة بالوالي ، فإن كان يمكن الرجوع فيه إلى إمام الأصل اختصّ به ; لأنّه مورد أكثر الأخبار ، وأنّها وإن لم تدلّ على الاختصاص ، لكنّها لا تدلّ على العموم أيضاً ، فيقتصر على المتيقّن .

ولما في مرسلة ثعلبة في الممسوح قال : يجلس الإمام ويجلس عنده ناس(4) .

وفي موثّقة ابن مسكان(5) وروايتي إسحاق(6) والسكوني(7) كذلك .


(1) العروة الوثقى : 5 / 645 تعليقة 1 ، النائيني .
(2) فرائد الاُصول : 3 / 385 .
(3) كفاية الاُصول : 493 .
(4) الكافي : 7 / 158 ح 3 ، تهذيب الأحكام : 9 / 357 ح 1275 ، وعنهما وسائل الشيعة : 26 / 293 ، كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه ب 4 ح 3 .
(5) تهذيب الأحكام : 9 / 357 ح 1276 ، وعنه وسائل الشيعة : 26 / 294 ، كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه ب 4 ح 4 .
(6) الكافي : 7 / 157 ح 1 ، تهذيب الأحكام : 9 / 356 ح 1274 ، وعنهما وسائل الشيعة : 26 / 292 ، كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه ب 4 ح 1 .
(7) لم نعثر عليه عاجلا .

الصفحة 454

وما في صحيحة معاوية بن عمّار قال : أقرع الوالي بينهم(1) .

وما في صريح رواية يونس : ولا يجوز أن يستخرجه أحد إلاّ الإمام ; فإنّ له كلام وقت القرعة يقوله ، ودعاء لا يعلمه سواه ولا يقتدر عليه غيره(2) .

وما في صريح مرسلة حمّاد : القرعة لا تكون إلاّ للإمام(3) .

مضافاً إلى أنّ إطلاق ما مرّ من الروايات ـ يعني مثل رواية محمدبن حكيم(4) ـ موهون بما مرّ من أنّه مسوق لبيان المشروعيّة ونحوه ، ولو فرض فيه إطلاق تقيّده هذه الروايات ، وفيها الصحيح والموثّق وغيره .

ودعوى أنّ الصحيح غير صريح الدلالة ، والموثّقة أيضاً غير ناف لغير الوالي ، والروايات الصريحة خالية عن الجابر ; إذ لم يعهد من الأصحاب اشتراط القرعة بالإمام حتّى ينجبر .

مدفوعة أوّلا : بأنّ هذه النصوص وإن لم تكن صالحة للتقييد ، لكنّها كافية في إفادة التشكيك والوهن في الإطلاق ، والأصل الأوّلي كاف في المنع عن غير المتيقّن .

وثانياً : أنّ دلالة الصحيحة والموثّقة على التقييد والاختصاص ليست بأضعف من تلك الإطلاقات في التعميم .

وثالثاً : أنّ هذه الروايات مرويّة في الكافي والتهذيب معلّلة بما علّل ، معمول بها في أصل الحكم ، فراجعها ، وهذا القدر كاف في الظنّ بالصّدور ، وهو المعتمد في


(1) الفقيه : 3 / 52 ح 176 ، وعنه وسائل الشيعة : 27 / 261 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 14 .
(2) الكافي : 6 / 197 ح 14 ، تهذيب الأحكام : 8 / 230 ح 830 ، وعنهما وسائل الشيعة :23 / 61 ، كتاب العتق ب 34 ح 1 .
(3) تهذيب الأحكام : 6 / 240 ح 592 ، وعنه وسائل الشيعة : 27 / 259 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 9 .
(4) تقدمت في ص 437 .

الصفحة 455

العمل ، وتحقيق ذلك موكول إلى محلّه . مضافاً إلى أنّ القرعة في هذه المقامات مثبتة للموضوع ; مستلزمة لترتّب أحكام مخالفة للأصل ، والأصل عدم لحوقها إلاّ بالمتيقّن ، مع أنّ الغالب في المثبتات ـ كالبيّنة واليمين ونحو ذلك من الشياع ونحوه ـ عند الحاكم فكذلك القرعة .

وبالجملة : من أعطى النظر حقّه في هذا المقام لا يشك في الاختصاص ، والذي أراه أنّ الظاهر من الأصحاب أيضاً ذلك ; اذ لم يعهد منهم تعميم القرعة . نعم ، كلامهم أيضاً غير مقيّد بخصوص الوالي في الموارد التي نقلناها عنهم ، ومن هنا قد يتوهّم الإطلاق ، لكنّه غير دالّ على ذلك ; إذ الغالب في تلك الموارد المذكورة كونها عند الحاكم ; إذ الغالب أنّها في باب التنازع والتداعي ، ولا يحتاج في ذلك إلى تقييدهم بكونه عند الإمام .

وبالجملة : التأمّل في النص والفتوى يقضى بالاختصاص(1) .

أقول : إن قلنا باختصاص مورد القرعة بباب القضاء والحكومة ـ غاية الأمر كونها أعمّ من قضاء القاضي في باب الدّعاوي والخصومات ، وحكومة الوالي في المنازعات المرتبطة به ـ فلا إشكال في اختصاص القرعة بالقاضي والوالي . وإن لم نقل به ، فالظاهر أنّه بعد عدم ثبوت إطلاق يعتدّ به أنّ القدر المتيقّن هو الرجوع إليهما ; للشك في ترتّب الآثار مع عدم الرجوع .

نعم ، لا تنبغي المناقشة في جواز التراضي بالقرعة في بعض الموارد ، كباب القسمة والتزاحم في المشتركات ونحوهما ، كما أنّه لا مجال لتوهّم الاختصاص بإمام الأصل ، وعدم الجواز للنائب العام وإن كان بعض التعليلات في الروايات يوهم الاختصاص ، فتدبّر .

المقام السادس : الظاهر أنّه ليس للقرعة كيفيّة خاصّة وطريق مخصوص ،


(1) العناوين : 1 / 365 ـ 367 .

الصفحة 456

بل هي عبارة عن العمل الذي يمتاز به الحقوق ، ويكشف به عن الواقع ، أو يتعيّن به أحد الاُمور . ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى الإطلاقات الكثيرة ـ أنّه قد ورد في الكتاب العزيز بإلقاء الأقلام(1) ، وفي النصوص بأنواع مختلفة ، مثل الكتابة على السهم(2) ، والخواتيم من الشركاء(3) ، ومن الحاكم(4) ، والكتابة على الرقاع(5) ، والنوى(6) ، وغيرذلك ،وهويكشف عن عدم تعيّن طريق خاصّ وكيفيّة مخصوصة كما هو ظاهر .

المقام السّابع : ربما يستظهر اعتبار تفويض الأمر إلى الله ـ تعالى ـ في صحّة القرعة ; بمعنى أن يوطّن المتقارعون أنفسهم على التسليم لما أمر به الله وإطاعته حتّى ينكشف لهم ، فلو اتّفق ذلك منهم تجربة أو من دون التفات إلى الله تعالى بطلب البيان فلا عبرة بذلك .


(1) سورة آل عمران 3 : 44 .
(2) الكافي : 7 / 158 ح 2 ، المحاسن : 2 / 439 ح 2523 ، الفقيه : 3 / 53 ح 182 و ج 4 / 239 ح 763 ، تهذيب الأحكام : 6 / 239 ح 88 و ج 9 / 356 ح 1273 ، الاستبصار : 4 / 187 ح 701 ، وعنها وسائل الشيعة : 26 / 292 ، كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه ب 4 ح 2 .
(3) الكافي : 7 / 373 ح 9 ، وعنه وسائل الشيعة : 27 / 280 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 20 ح 2 .
(4) الكافي : 7 / 371 ح 8 ، الفقيه : 3 / 15 ح 40 ، تهذيب الأحكام : 6 / 316 ح 875 ، وعنها وسائل الشيعة : 27 / 279 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 20 ح 1 ، وفي البحار : 40 / 262 ذ ح 30 عن الكافي .
(5) الكافي : 3 / 470 ح 3 و ص 473 ح 8 ، المقنعة : 219 ب 29 ، مصباح المتجهد : 534 ـ 536 ، تهذيب الأحكام : 3 / 181ـ 182 ح 412 و 413 ، فتح الأبواب : 160 ـ 164 و 228 ـ 229 و 264 و 266 و 269 و 286 ، وعنها وسائل الشيعة : 8 / 68 ـ 72 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الإستخارة ب 2 ح 1 ـ 4 . وفي ج 27 / 262 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 19 عن الأمان من أخطار الأسفار والأزمان : 97 .
وفي بحار الأنوار : 91 / 234 ح 8 و ص 235 ـ 240 ح 1 ـ 5 عن فتح الأبواب ومجموع الدعوات ومصباح المتهجد ومكارم الأخلاق : 2 / 106 رقم 2301 .
(6) مسالك الأفهام : 10 / 315 ، عوائد الأيّام : 561 ، العناوين : 1 / 371 .

الصفحة 457

أقول : الأصل في ذلك صحيحة جميل المروية في التهذيب قال : قال الطيّار لزرارة : ما تقول في المساهمة أليس حقّاً؟ فقال زرارة : بلى هي حقّ ، فقال الطيّار : أليس قد ورد أنّه يخرج سهم المحقّ؟ قال : بلى ، قال : فتعال حتّى أدّعي أنا وأنت شيئاً ثمّ نساهم عليه وننظر هكذا هو؟ فقال له زرارة : إنّما جاء الحديث بأنّه ليس من قوم فوّضوا أمرهم إلى الله ثمّ اقترعوا إلاّ خرج سهم المحقّ . فأمّا على التجارب فلم يوضع على التجارب . فقال الطيّار : أرأيت إن كانا جميعاً مدّعيين ادّعيا ما ليس لهما ، من أين يخرج سهم أحدهما؟ فقال زرارة : إذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح(1) فإن كانا ادّعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح(2) .

وهذه الرواية وإن كان فيها إشكال من جهة ظهورها في التسالم بين زرارة والطيّار على أنّ مورد القرعة ما إذا كان هناك محقّ واقعاً ، مع أنّك قد عرفت(3) عدم الاختصاص به ، إلاّ أنّ ظهورها في أنّه لم توضع القرعة على التجارب ، بل إنّما هي في ما فوّضوا أمرهم إلى الله تعالى لا ينبغي أن ينكر .

ويستفاد من بعض الروايات المتقدّمة اعتبار التفويض قبل القرعة(4) ، ومن بعضها اعتباره بعدها(5) ، ومن بعضها أنّ القرعة عبارة عن نفس التفويض إلى الله تعالى(6) ، والمستفاد من المجموع بعد التأمّل أنّ مورد القرعة ما إذا كان المراد الكشف عن الواقع ، أو تعيّـن أحد الاُمور . وأمّا إذا كان المراد به التجربة ونحوها فلا مجال لها . والظاهر أنّه ليس المراد لزوم التوجّه الى الله تعالى وطلب البيان منه


(1) ويحتمل أن يكون منيح بالنون ، وهو أحد سهام الميسر العشرة ممّا لا نصيب له (منه دام ظلّه).
(2) تهذيب الأحكام : 6 / 238 ح 584 ، وعنه وسائل الشيعة : 27 / 257 ، كتاب القضاء ، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب 13 ح 4 .
(3) في ص 449 .
(4) أي رواية جميل المتقدّمة آنفاً .
(5، 6) في ص 438 و 439 .

الصفحة 458

حتى يكون فيه شائبة العباديّة ، بل المراد كون إعمالها لغرض جدّى ومقصود أصليّ ; وهو ما ذكرنا .

ثمّ إنّ الظاهر عدم اعتبار الدعاء ، فضلا عن الدعاء المخصوص المشتمل عليه بعض الروايات في صحّة القرعة(1) ، وإن كان ظاهر بعض الروايات اعتباره ، بل جعل ذلك علّة لعدم إقراع غير الإمام كما عرفت(2) ، إلاّ أنّ الظاهر باعتبار اختلاف النصوص في أصل الدعاء وفي خصوصيّته ، الحمل على عدم الوجوب ، كما لا يخفى .

هذا تمام الكلام في قاعدة القرعة .

22 شهر محرّم الحرام 1409 هـ


(1) وسائل الشيعة : 8 / 68 ـ 72 ، بحار الأنوار : 91 / 234 ح 8 و ص 235 ـ 240 ح 1 ـ 5 .
(2) تقدم في ص 454 .
<<التالي الفهرس السابق>>