في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>


الصفحة 521

كون جميع أهل العراق مستحلّين ، بل كان فيهم من المسملين العارفين أيضاً ، فالرواية ناظرة إلى صورة الشك وحاكمة بعدم جواز الاعتماد على يده ; لأنّه (عليه السلام) كان يلقي في حال الصلاة الفرو المأتيّ إليه من العراق ، وكذا يلقي القميص الذي يليه ، فالرواية دالّة على عدم الأماريّة مع الشّك .

ويرد على الاستدلال بها ـ مضافاً إلى ضعف السند ـ  : إجمالها من حيث الدلالة ; لأنّه (عليه السلام) كان يجمع ـ على طبق الرواية ـ بين اللبس والانتفاع ، وبين الإلقاء المذكور ، مع أنّه على تقدير عدم الأمارية لا يجوز الانتفاع به أصلا ولو في غير حال الصلاة . ودعوى كون لبسه إنّما هو لأجل الضرورة المسوّغة له ، كما يشعر به قوله (عليه السلام)  : «كان رجلا صرداً» ، أي : شديد التألّم من البرد ، وعدم كون فراء الحجاز دافئاً ، مدفوعة بوضوح عدم كون الضرورة بالغة إلى حدّ يجوز معه المحرّم .

ودعوى الفرق بين اللبس ، وبين الصلاة لأجل نفس هذه الرّواية ، كما ربما نسب إلى إشعار بعض الكتب(1) ، مدفوعة ـ مضافاً إلى كونها خلاف الإجماع(2) ـ بأنّها توجب عدم انطباق الدليل على المدّعى ، فالإنصاف إجمال الرواية من حيث الدّلالة ، ولا يرفعه احتمال كون الإلقاء احتياطاً من الإمام (عليه السلام) في حال الصلاة وإن كان هذا الاحتمال مخالفاً لمدّعى المستدلّ ، إلاّ أنّه في نفسه لا يكون صحيحاً ; لعدم انحصار احتياط الإمام (عليه السلام) بالصلاة ، كما لا يخفى .

هذا كلّه مضافاً إلى مخالفة الرواية للمطلقات المتقدّمة الدالّة على الاعتبار مع العلم بالاستحلال فضلا عن الشك ، كما عرفت .

وأمّا القول الثالث : فعمدة الدليل عليه ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام)  : إنّي أدخل سوق المسلمين ـ أعني هذا الخلق الذين يدّعون


(1) مستمسك العروة الوثقى : 1 / 326 ، نهاية التقرير : 1 / 301 ـ 302 .
(2) لم نعثر عليه عاجلاً.

الصفحة 522

الإسلام ـ فأشتري منهم الفراء للتجارة ، فأقول لصاحبها : أليس هي ذكيّة؟ فيقول : بلى ، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنّها ذكية؟ فقال : لا ، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول : قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنّها ذكيّة ، قلت : وما أفسد ذلك؟ قال استحلال أهل العراق للميتة ، وزعموا أنّ دباغ جلد الميتة ذكاته ، ثمّ لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلاّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) .

فإنّ موردها صورة العلم بكون البائع مستحلاًّ ، وحينئذ فالحكم بعدم جواز البيع بشرط التذكية دليل على عدم اعتبار يده وعدم كونها حجّة عليها ، وإلاّ فلا وجه لعدم جواز البيع كذلك ، كما هو ظاهر .

ويرد عليه : أنّه لو لم تكن يده حجّة عليها ، فلِمَ كان الاشتراء منه جائزاً ، كما هو المفروغ عنه عند السّائل ، وقد قرّره الإمام (عليه السلام) على ذلك؟ فالحكم بالجواز دليل على وجود الحجة . وأمّا عدم جواز الاشتراط فليس لأجل عدم ثبوت الحجّة ، بل إنّما هو لأجل كون مثلها غير كاف في ذلك ; لظهور الاشتراط في ثبوت التذكية وجداناً وعدم كفاية إحرازها ولو كانت أمارة كما في سائر الشرائط ، وكما في مثل الشهادة بناءً على عدم جواز الاستناد فيها إلى الأمارة .

نعم ، يبقى الإشكال في أنّ مقتضى ما ذكرنا عدم جواز الاشتراط ولو لم يكن البائع مستحلاًّ ، مع أنّ مقتضى ذيل الرّواية أنّ الموجب لعدم جواز الاشتراط استحلال البائع الأوّل للميتة ، فتدبّر .

وأمّا القول الرابع : فقد استدلّ له برواية محمد بن الحسين الأشعري قال : كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام)  : ما تقول في الفرو يشترى من السّوق؟


(1) الكافي : 3 / 398 ح 5 ، تهذيب الأحكام : 2 / 204 ح 798 ، وعنهما وسائل الشيعة : 3 / 503 ، كتاب الطهارة ، أبواب النجاسات ب 61 ح 4 .

الصفحة 523

فقال : إذا كان مضموناً فلا بأس(1) .

نظراً إلى أنّ المراد من الضمان هو الإخبار والإعلام بالتذكية ، لا التعهّد المتضمّن لقبول الخسارة ، والظاهر حينئذ أنّ عدم البأس مشروط بالإعلام .

والجواب : أنّه مع ظهور الروايات المتقدّمة ، بل صراحة بعضها في عدم لزوم السؤال والاستعلام من البائع ـ ومن الواضح أنّ ذلك إنّما هو لأجل عدم اعتبار الجواب والإعلام ، وإلاّ فلابدّ من الاستعلام ـ لا يبقى مجال للأخذ بهذه الرواية ، فلابدّ من الحمل على الاستحباب ، والفرق بين صورتي الإعلام وعدمه من هذه الجهة كما لا يخفى ، وقد مرّ ذلك في المقام الخامس ، فراجع .

المقام التاسع : لا شبهة في تقدّم هذه القاعدة على استصحاب عدم التذكية بناءً على جريانه ، أمّا على تقدير الأمارية فواضح ; لتقدّم الأمارة على الاستصحاب . وأمّا على تقدير كونها أصلا ، فلما عرفت(2) من أنّ لازم عدم التقدّم لغويّة هذه القاعدة ; لثبوت المعارضة الدائمية بينها وبين الاستصحاب المذكور . وأمّا تقدّمها على البيّنة إذا كانت على خلافها فممنوع ولو فرض كونها أمارة ; وذلك لأنّ البيّنة من أقوى الأمارات ، ولذا جعلها الشارع في باب القضاء مقدّمة على اليد التي تكون أمارة على ملكيّة ذيها .

هذا ، مضافاً إلى وضوح اختصاص مورد الروايات المتقدّمة على كثرتها بصورة عدم وجود البيّنة ، فلا دليل على حجيّتها مع وجودها ، كما لا يخفى .

المقام العاشر : هل المصنوعية في أرض الإسلام أمارة على وقوع التذكية مطلقاً ، ولو مع العلم بكون الصانع غير مسلم ، أو أنّها أمارة عليه مع عدم العلم بكفر الصانع ، أو أنّها ليست أمارة في عرض يد المسلم ، بل هي أمارة على الأمارة


(1) تقدمت في ص 516 .
(2) في ص 515 .

الصفحة 524

كسوق المسلمين ، على ما عرفت(1) من أنّه أمارة على كون البائع مسلماً ، وهو أمارة على التذكية؟ وجوه واحتمالات ناشئة من الاحتمالات الجارية في الرّواية الواردة في هذا الباب ، وهي رواية إسحاق بن عمار ـ المعتبرة ـ عن العبد الصالح (عليه السلام) أنّه قال : لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الإسلام ، قلت : فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال : إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس(2) .

والمراد من الجواب يحتمل أن يكون ما حكي عن الشهيد الثاني (قدس سره) من غلبة أفراد المسلمين وأكثريّتهم بالإضافة إلى غير أهل الإسلام(3) ، ويحتمل أن يكون غلبة المسلمين على الأرض وحكومتهم وسلطنتهم عليها ، كما رجّحه سيّدنا العلاّمة الاُستاذ البروجردي ـ قدّس سرّه الشريف ـ مستظهراً ذلك من تعدية الغلبة بـ«على»(4) .

فعلى الأوّل : ـ الذي مرجعه إلى أنّ الأمارة أرض الإسلام ; أي ما كان تحت غلبة المسلمين ورئاستهم ، بضميمة كون الغلبة العدديّة مع أفراد المسلمين ـ تكون الأمارة هي يد المسلم ، وما ذكر أمارة على الأمارة ; لأنّ الأكثريّة طريق إلى استكشاف مجهول الحال ، وإلاّ لا يترتّب عليها ثمرة ، فعلى ما قاله الشهيد لا تكون أرض الإسلام أمارة في رديف يد المسلم أصلا .

وعلى الثاني : إن كان المراد هو كون المصنوعية في أرض الإسلام أمارة على التذكية ولو مع العلم بكون الصّانع غير مسلم ، فتصير المصنوعية أمارة مستقلّة في مقابل يد المسلم . وإن كان المراد هو أنّ المصنوعية فيها أمارة على كون الصانع


(1) في ص 510 .
(2) تهذيب الأحكام : 2 / 368 ح 1532 ، وعنه وسائل الشيعة : 3 / 491 ، كتاب الطهارة ، أبواب النجاسات ب 50 ح 5 .
(3) روض الجنان : 2 / 571 و مسالك الأفهام: 1/285.
(4) نهاية التقرير : 1 / 299 ـ 301 .

الصفحة 525

مسلماً ; لأنّه يبنى على إسلام من كان مجهول الحال في أرض الإسلام ، فيرجع أيضاً إلى اعتبار يد المسلم وكونها أمارة على التذكية . غاية الأمر أنّ الأمارة على الأمارة على هذا مجرّد المصنوعية في أرض الإسلام ، وعلى ما قاله الشهيد هو ذلك بضميمة كون الغلبة مع أفراد المسلمين ، كما لا يخفى .

هذا ، والظاهر ما قاله الشهيد (قدس سره)  ; لأنّ الظاهر دلالة الجواب على اعتبار أمر زائد على عنوان أرض الإسلام ، وإذا فسّرناه بغيره ينطبق على معنى أرض الإسلام ، ولا يكون أمراً زائداً عليها ; لأنّ معناها كما عرفت هو كون الغلبة والسلطنة عليها للمسلمين ، فلا يكون الجواب دالاًّ على أمر آخر بوجه .

وبعبارة اُخرى : الضمير في قوله (عليه السلام)  : «إذا كان الغالب عليها» ، يرجع إلى أرض الإسلام ، لا مطلق الأرض ، ولا معنى لتقييد أرض الإسلام بما يرجع إلى تفسيرها ، وحمل الجواب على التوضيح والتفسير مستبعد جدّاً ، بل الظاهر كونه ناظراً إلى اعتبار أمر زائد ، وهو لا ينطبق إلاّ على تفسير الشهيد ، وقد عرفت أنّ مقتضاه أنّه لا أصالة للمصنوعية في أرض الإسلام ، بل هي بضميمة الغلبة أمارة على كون الصانع مسلماً . نعم ، مقتضى ذلك اعتبار إسلام الصانع ، من دون فرق بين أن يكون البائع أيضاً مسلماً ، وبين أن لا يكون كذلك .

المقام الحادي عشر : هل المطروحية في أرض الإسلام أمارة على وقوع التذكية على المطروح أو على الأمارة عليه ، أو أنّها لا تكون أمارة أصلا إلاّ إذا كان عليه أثر استعمال المسلم ، وجريان يده عليه؟ ومن المعلوم أنّه حينئذ يرجع إلى اعتبار يد المسلم وأماريّتها .

والدليل في هذا المقام رواية السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام)  ، أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها ، وفيها سكّين؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل ; لأنّه

الصفحة 526

يفسد وليس له بقاء ، فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن . قيل له : يا أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال : هم في سعة حتى يعلموا(1) ، ويجري في معنى الرّواية احتمالات :

أحدها : أن تكون الرّواية بصدد بيان أصالة الطهارة عند الشك في النجاسة ، ومنشأ الشك عدم العلم بكون السفرة لمسلم أو مجوسيّ من جهة ملاقاة المجوسي ، وعليه : فالمراد بقوله (عليه السلام)  : «هم في سعة حتّى يعلموا» ، هي التوسعة من جهة الطهارة إلى حصول العلم بالنجاسة .

ثانيها : أن تكون الرّواية بصدد إفادة أمارية المطروحية في أرض الإسلام على وقوع التذكية على الحيوان المأخوذ منه اللحم الموجود في السفرة ، ومنشأ الشك احتمال كونها لمجوسي ، وهو لا يراعي شرائط التذكية المعتبرة في الاسلام ، ولا يجتمع هذا الاحتمال مع ذكر مثل الخبز والبيض في رديف اللّحم ; لعدم الشك فيه من هذه الجهة ، كما هو ظاهر .

ثالثها : أن تكون الرواية بصدد بيان أنّ الحكم في مورد الشك في الحلّية مطلقاً هي الحلية والإباحة ، ومنشأ الشك احتمال عدم رضا المالك بالتصرّف فيها .

إذا ظهر لك هذه الاحتمالات فاعلم أنّ الاستدلال بالرواية على الأمارية متوقّف على كون المراد بها هو الاحتمال الثاني ، ومن الواضح عدم ظهور الرواية فيه لو لم نقل بظهورها في غيره ; لما مرّ من عدم ملائمته لذكر مثل الخبز والبيض ، إلاّ أن يقال بأنّ السؤال الثاني في الرواية لا يرتبط بما هو محطّ النظر في السؤال الأوّل ، بل يمكن أن يكون من شخص آخر لا من السائل الأوّل . وعليه : فيمكن دعوى كون الثاني ناظراً إلى خصوص اللحم من جهة التذكية وعدمها ، فالحكم بالتوسعة إلى


(1) الكافي : 6 / 297 ح 2 ، المحاسن : 2 / 239 ح 1737 ، وعنهما وسائل الشيعة : 24 /90 ، كتاب الصيد والذبائح ، أبواب الذبائح ب 38 ح 2 ، وبحار الأنوار : 65 / 39 ح 15 .

الصفحة 527

أن يعلم بكونه من مجوسيّ دليل على أماريّة المطروحيّة في أرض الإسلام .

ولكن هذه الدّعوى لا توجب ظهور الرّواية فيها ، وإن كانت تصلح لأن يجاب بها عن الإشكال الوارد على الاحتمال الثالث ; وهو أنّه يوجب طرح الرّواية ; إذ لم يذهب أحد إلى الإباحة عند الشك فيها من هذه الجهة ، فإنّ الإباحة حينئذ إنّما هي لأجل وجود الأمارة لا لمجرّد الشك ، كما لا يخفى .

هذا تمام الكلام في قاعدة حجّية سوق المسلمين .

وكان الفراغ في ليلة الجمعة الثانية عشر من جمادي الآخرة 1409

الصفحة 531

قاعدة أخذ الاُجرة على الواجب

وهي أيضاً من القواعد المشهورة المبتلى بها ، ونقول :

قد وقع الكلام في جواز أخذ الاُجرة على الواجب ، تعبّدياً كان أو توصّلياً ، عينيّاً كان أو كفائيّاً ، تخييريّاً كان أو تعيينيّاً ، ونسب إلى المشهور القول بالعدم(1) ، بل قد ادّعي الإجماع عليه كما في محكيّ البرهان(2) وجامع المقاصد(3) ، ولعلّه يجيء التكلّم على هذه الجهة .

وكيف كان ، فهل يجوز أخذ الاُجرة على الواجب مطلقاً ، أو لا يجوز كذلك ، أو يفصّل بين التعبّدي والتوصّلي ، أو بين العيني والكفائي ، أو في الكفائي بين القسمين الأوّلين ، أو فيه بين ما إذا كان وجوبه بعنوانه الخاصّ ، وما إذا كان وجوبه من جهة حفظ النظام؟ وجوه واحتمالات .


(1) مسالك الأفهام : 3 / 130 ، مفاتيح الشرائع : 3 / 11 ، الحدائق الناضرة : 18 / 211 .
(2) مجمع الفائدة والبرهان : 8 / 89 ، رياض المسائل : 8 / 83 .
(3) جامع المقاصد 4 : 35 .

الصفحة 532

وليعلم أنّ موضوع المسألة ما إذا كان عقد الإجارة الواقعة على الواجب صحيحاً وواجداً لجيمع الاُمور المعتبرة فيه عدا كون متعلّقه واجباً على الأجير ولازماً عليه إتيانه شرعاً ; فإنّه لذلك وقع الكلام في أنّ وجوبه على الأجير هل يوجب بمجرّده اختلال بعض الاُمور المعتبرة في الإجارة من حيث المتعلّق أو لا؟ وأمّا لو فرض بطلانها بسبب أمر آخر ـ كما إذا لم يكن للمستأجر غرض عقلائي ونفع دنيويّ أو اُخروي أو غيرهما ـ فهو خارج عن مفروض البحث ، فاستئجار الشخص لفعل صلاة الظهر عن نفسه باطل من حيث إنّه لا يكون في ذلك غرض عقلائي للمستأجر ، لا لكون الفعل واجباً على الأجير .

نعم ، لو فرض ثبوت غرض عقلائي في مثله ـ كما إذا أراد اعتياد ولده بالصلاة بحصول التمرين عليها ولو من ناحية دفع الاُجرة إليه ـ فهو يدخل في محلّ النزاع .

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الكلام تارة : يقع في ثبوت المنافاة بين الوجوب بما هو وجوب ، وبين أخذ الاُجرة وعدمه . واُخرى : في ثبوت المنافاة بين الوجوب التعبّدي بما هو تعبّدي لأخذ الاُجرة وعدمه ، وعلى هذا التقدير لا فرق بين الواجب والمستحبّ . وثالثة : في منافاة الوجوب التعبدي النيابي لأخذ الاُجرة وعدمه ، وعلى هذا التقدير أيضاً لا يكون فرق بينهما ، فالكلام يقع في مقامات :

المقام الاوّل : في منافاة الوجوب بما هو وجوب لأخذ الاُجرة وعدمها ، وقد استدلّ لها بوجوه :

منها : أنّه يعتبر في صحّة الإجارة أن يكون متعلّقها مملوكاً للأجير حتى يصحّ نقله إلى المستأجر ; سواء كان اعتبار المملوكية ثابتاً له قبل العقد ، كمنافع الدار المملوكة لصاحبها قبل الإجارة ، وعمل العبد المملوك لمولاه كذلك ، أو كان اعتبار المملوكية بعد العقد ، كعمل الحرّ ; فإنّه وإن لم يعتبر مملوكاً لعامله قبل العقد ، إلاّ أنّه بالعقد يعتبر مملوكاً للمستأجر ، وتعلّق الوجوب به يوجب أن لا يكون مملوكاً

الصفحة 533

للفاعل حتى يصحّ نقله إلى الغير ; لأنّه يصير حينئذ مستحقّاً لله تعالى ، والمملوك المستحق لا يستحق ثانياً ، ألا ترى أنّه إذا آجر نفسه لدفن الميّت لشخص ، لم يجز له أن يؤجر نفسه ثانياً من شخص آخر لذلك العمل ، وليس ذلك إلاّ لأنّ الفعل صار مملوكاً للأوّل ومستحقّاً له ، فلا معنى لتمليكه ثانياً .

أقول : هذا الوجه هو أقوى الوجوه التي استدلّ بها في جامع المقاصد(1)وكشف الغطاء(2) ، ولو تمّ لكان مقتضاه القول بعدم الجواز مطلقاً . نعم ، ظاهره الاختصاص بالواجب العيني .

ويمكن تقريره في الواجب الكفائي ; بأن يقال : إنّ العمل قبل صدوره من العامل وإن لم يكن مملوكاً له تعالى ; لأنّ المفروض عدم تعيّنه عليه ، إلاّ أنّه بعد الصّدور يتّصف بكونه مملوكاً له تعالى ; بمعنى أنّه صدر ما يكون بعد الصدور غير مملوك إلاّ لله ، فلا يمكن أن تتعلّق به الإجارة المقتضية لكون العمل صادراً مملوكاً للمستأجر ، كما لا يخفى .

ولكن أصل الوجه لا يخلو عن خدشة بل منع ; فإنّ الوجوب الذي هو بمعنى مجرّد بعث الغير إلى إتيان الفعل ، لا يوجب أن يكون ذلك الفعل مملوكاً للباعث ومستحقاً له ، بحيث ينافي مملوكية الغير ; لأنّ مطلوبية الصدور وتحريك المأمور إلى الإصدار أمر ، ومملوكية الفعل الصّادر واستحقاقه أمر آخر لا يرتبط أحدهما بالآخر ، ولو كان الوجوب مساوقاً للملكية لما صحّ أمر أحد الأبوين بشيء بعد أمر الآخر به ; لأنّه إذا قال الأب مثلا : «أكرم زيداً» ، فمقتضى وجوب إطاعته الثابت بالشرع وكونه مساوقاً للملكية على ما هو المفروض ، هي صيرورة العمل ـ


(1) لم نجده في جامع المقاصد عاجلاً.
(2) شرح القواعد ، كتاب المتاجر لصاحب كشف الغطاء : 1 / 279 ـ 283 ، وعنه الشيخ الأنصاري في المكاسب : 2 / 130 .

الصفحة 534

وهو إكرام زيد ـ مملوكاً للأب ومستحقّاً له ، وحينئذ فكيف يمكن أن يؤثّر أمر الاُمّ في الوجوب المساوق لها بعد عدم إمكان أن يصير المملوك المستحق مملوكاً ثانياً ، فاللازم هو القول بلغويّة أمرها ، مع أنّه من الواضح خلافه ، وليس ذلك إلاّ لعدم كون الوجوب موجباً لمملوكية الواجب للموجب .

كيف؟ وقد حقّقنا في علم الاُصول أنّ متعلّق الأحكام إنّما هي نفس الطبائع والعناوين لا الأفراد والوجودات(1) ; لأنّها قبل التحقّق ليست بفرد ، وبعده يحصل الغرض المطلوب منها ، فيسقط الأمر ، والطبيعة لا معنى لكونها مملوكة أصلا .

ومنها : ما ذكره كاشف الغطاء وتبعه المحقق النائيني (قدس سرهما) على ما في التقريرات ، وتقريره بنحو التلخيص : أنّه يعتبر في الإجارة وما يلحق بها من الجعالة أن يكون العمل الذي يأخذ الأجير أو العامل بإزائه الاُجرة والجعل ملكاً له ; بأن لا يكون مسلوب الاختيار بإيجاب أو تحريم شرعيٍّ عليه ; لأنّه إذا كان واجباً عليه فلا يقدر على تركه ، وإذا كان محرّماً عليه فلا يقدر على فعله ، ويعتبر في صحّة المعاملة على العمل كون فعله وتركه تحت سلطنته واختياره .

ومن هنا لا يجوز أخذ الاُجرة على الواجبات ; لعدم القدرة على تركها ، ولا على المحرّمات ; لعدم القدرة على فعلها ; فلا يجوز لشاهد الزور أخذ الاُجرة على شهادته ; لخروج عمله عن سلطنته لنهي الشارع ، فلا يقدر على فعله ، فأخذ الاُجرة أكل للمال بالباطل .

وأمّا الواجبات النظاميّة فيجوز أخذ الاُجرة عليها ما عدا القضاء ; لأنّ الأجير فيها مالك لعمله وقادر عليه ; لأنّ الواجب عليه هو بذل عمله بالمعنى المصدري ، لا نتيجة عمله التي هي معنى الإسم المصدري ، وهما وإن لم يكونا أمرين


(1) اصول فقه شيعة : 5 / 151 ـ 156 .

الصفحة 535

متمايزين ، إلاّ أنّهما شيئان اعتباراً ، فللشارع التفكيك بين وجوب المصدر وملكيّة إسم المصدر ، وأمّا التكليف في باب القضاء فقد تعلّق بنتيجة عمل القاضي وهو فصله الخصومة ، فلا يجوز له أخذ الاُجرة عليه ، بخلاف غيره من الطبيب والخيّاط والصباغ .

وكيف كان ، لو وجب بذل العمل وحرم احتكاره فلا مانع من أخذ الاُجرة عليه ، ولو وجب عليه نتيجة العمل فلا يجوز أخذ الاُجرة ; لأنّ المعنى المصدري آليّ ولا يقابل بالمال ، وإسم المصدر خارج عن ملكه(1) .

وفيه وجوه من النّظر :

الأوّل : أنّ المراد بالقدرة المعتبرة في صحّة الإجارة والجعالة ونحوهما إن كان هي القدرة على فعل العمل وتركه حقيقة وتكويناً ، فلا شبهة في عدم منافاتها مع تعلّق التكليف الوجوبي أو التحريمي ، كيف ؟ ووجودها شرط في تعلّق كلّ واحد منهما كما هو واضح ، وإن كان المراد بها هي القدرة شرعاً ; بمعنى أن يكون العمل جائز الفعل والترك عند الشارع ، لا أن يكون واجباً أو محرّماً ، فيرد عليه : أنّ الاستدلال بهذا النحو مصادرة ; لأنّ مرجع ذلك إلى أنّه يعتبر في صحّة الإجارة على العمل عدم كونه واجباً ، وهذا عين المدّعى .

الثاني : أنّ بطلان الإجارة على فعل شيء من المحرّمات ليس لعدم كونه قادراً عليه شرعاً ، والقدرة بهذا المعنى معتبرة في صحّتها ، بل لأنّه لا يعقل اجتماع الأمر بالوفاء بها مع النهي عن فعلها ، فمع ثبوت الثاني كما هو المفروض لا يبقى مجال للأوّل ، وليعلم أنّ المراد بالقدرة على التسليم التي اعتبرها الفقهاء في صحّة المعاملة ، ليس هي القدرة المبحوث عنها في الكتب العقلية التي مرجعها إلى صحّة الفعل والترك ، كيف؟ وهم يحكمون بصحّة المعاملة فيما لم يتحقّق فيه هذا المعنى .


(1) شرح القواعد ، كتاب المتاجر : 1 / 279 ـ 290 ، منية الطالب : 1 / 45 ـ 46 .

الصفحة 536

ألا ترى أنّهم يحكمون بالصحّة فيما لو كان المبيع عند المشتري الغاصب ولم يكن البائع قادراً على أخذه منه بوجه ، حتى يصحّ منه التسليم وعدمه(1) ، وكذلك يحكمون بالصّحة فيما لم يكن البائع قادراً على التسليم بهذا المعنى ، ولكنّ المشتري يقدر على الوصول إليه(2) ، والسرّ أنّ هذا العنوان لم يكن مأخوذاً في شيء من النصوص حتى يتّبع ما هو ظاهره ، بل هو شيء يحكم به العقل لإخراج المعاملات السّفهية الواقعة على مثل السّمك في الماء والطير في الهواء ، فمرجع اعتباره إلى لزوم اشتمال المعاملة على غرض عقلائيّ ، وهو موجود في المقام ، فلا وجه للإشكال في جواز أخذ الاُجرة على الواجب من هذه الجهة .

ثمّ إنّه لو سلّم اعتباره في صحّة المعاملة بالمعنى الرّاجع إلى صحّة الفعل والترك ، وسلّم أيضاً أنّ تعلّق الإيجاب أو التحريم ينافيه ، فدعوى ثبوته في الواجبات النّظامية ما عدا القضاء ; نظراً إلى أنّ الوجوب تعلّق بالمصدر ، والاُجرة واقعة في مقابل إسم المصدر ، ممنوعة ; لاعترافه بأنّ التغاير بين الأمرين إنّما هو بحسب الاعتبار ، وإلاّ فهما في الواقع شيء واحد ، وحينئذ فيقال عليه : إنّه كيف يمكن أن يكون الشيء الواحد مقدوراً وغير مقدور معاً؟ فمع فرض تعلّق الوجوب به المنافي لكونه مقدوراً ، كيف يعقل أن يكون مقدوراً أيضاً؟

وإن شئت قلت : إنّه كيف تجتمع مقدوريّة إسم المصدر مع خروج نفس المصدر عن تحت الاختيار بعد تبعيّته له ، بل عينيّته له؟ كما هو ظاهر .

الثالث : أنّ التفصيل بين القضاء وغيره من الواجبات النّظامية بكون الواجب فيه هو إسم المصدر دونها ممنوع ; لأنّ الواجب في باب القضاء أيضاً هو فصل


(1) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) : 4 / 187 ـ 188 ، مصباح الفقاهة : 5 / 281 ـ 287 .
(2) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) : 4 / 190 ـ 191 ، مصباح الفقاهة : 5 / 290 ، تحرير الوسيلة : 1 / 493 ، كتاب البيع ، الشرط الخامس من شروط العوضين .

الصفحة 537

الخصومة بالمعنى المصدري ; وهو الحكم والقضاء ، لا كون الخصومة مفصولة ، والدليل على ذلك مراجعة كتاب القضاء ; فإنّ الأحكام المذكورة فيه إنّما تكون مترتّبة على نفس القضاء .

ومنها : أنّ الظاهر من تعلّق الوجوب بشيء كون المطلوب إتيانه مجّاناً وبلا عوض ، فأخذ الاُجرة عليه ينافي ذلك(1) .

ويرد عليه : منع ذلك ; لأنّه مجرّد إدّعاء بلا بيّنة وبرهان .

ومنها : أنّ المعهود في باب الإجارة كون العمل الذي استؤجر عليه بيد المستأجر من حيث الإسقاط والإبراء والتأجيل والتعجيل ، ولو قيل بصحّة الإجارة في المقام يلزم نفي تلك الآثار الثابتة في كلّ إجارة ، فيستكشف من ذلك بطلانها(2) .

ويرد عليه : منع انتفاء هذه الآثار في الإجارة على الواجب ، فإنّه يمكن للمستأجر الإسقاط ويسقط حقّه بذلك ، ولا ينافي ذلك ثبوت حقّ من الله تعالى ، وتظهر الثمرة فيما لو لم يكن المكلّف مريداً لإطاعة أمر الله تعالى ; فإنّه يستحقّ الاُجرة مع الإسقاط .

ومنها : ما عن الشيخ الأعظم (قدس سره) في مكاسبه من أنّ عمل المسلم مال ، لكنّه غير محترم مع الوجوب ، لكون العامل مقهوراً عليه من دون دخل إذنه ورضاه ، فالإيجاب مسقط لاعتبار إذنه ورضاه المتقوّمين لاحترام المال(3) .

وأجاب عنه المحقق الإصفهاني (قدس سره) بأنّ لمال المسلم حيثيتين من الاحترام :

أحداهما : حيثية أضافته إلى المسلم ، وهذه الحيثية يقتضي احترامها أن لا


(1) اُنظر تكملة التبصرة للمحقّق الخراساني : 116 .
(2) شرح القواعد ، كتاب المتاجر : 1 / 279 ـ 280 .
(3) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) : 2 / 135 .

الصفحة 538

يتصرّف أحد فيه بغير إذنه ورضاه ، وله السلطان على ماله ، وليس لأحد مزاحمته في سلطانه ، وهي الثابتة بقوله (عليه السلام)  : لا يجوز(1) لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه(2) ، وبقوله (عليه السلام)  : لا يحلّ مال امرىء إلاّ عن طيب نفسه(3) .

ثانيتهما : حيثيّة ماليّته ، ومقتضى حرمتها أن لا يذهب هدراً وبلا تدارك ، فلا يجوز أن يعامل مع مال المسلم معاملة الخمر والخنزير ممّا لا ماليّة له شرعاً ، ولا يتدارك بشيء أصلا .

ومن الواضح أنّ الإيجاب واللاّبدية والمقهورية وسقوط إذنه ورضاه كلّها موجبة لسقوط احترام العمل من الحيثية الاُولى دون الحيثية الثانية ، ولذا جاز أكل مال الغير في المخمصة من دون إذنه مع بقاء المال على حاله من احترامه ، وتضمن قيمته بلا إشكال ، مع أنّ هدر المال غير هدر الماليّة كما في مال الكافر الحربي ; فإنّه ساقط الاحترام من الجهتين ، فيجوز أخذه منه وتملّكه بغير عوض بدون إذنه ، ومع ذلك فهو مال ومملوك للحربي ، ولذا يجوز إيقاع المعاملة عليه واستئجاره على عمله ، وما يضرّ بالإجارة هدر الماليّة لا هدر المال(4) .

ومنها : غير ذلك من الوجوه الضعيفة غير التامّة ، فالمتحصّل في هذا المقام أنّ الوجوب بما هو وجوب لا ينافي جواز أخذ الاُجرة ، ولم يقم دليل على عدم جواز الاستئجار على الواجب بما هو كذلك .

المقام الثاني : في منافاة العباديّة للإجارة وعدمها .


(1) كذا في بحوث في الفقه والمخطوط، ولكن في الكمال والاحتجاج والوسائل : لا يحلّ .
(2) كمال الدين : 521 قطعة من ح 49 ، الاحتجاج : 2 / 559 قطعة من رقم 351 ، وعنهما وسائل الشيعة : 9 / 541 ، كتاب الخمس ، أبواب الأنفال ب 3 ح 7 .
(3) عوالي اللئالي : 2 / 113 ح 309 و ج 3 / 473 ح 1 ، وعنه مستدرك الوسائل : 3 / 331 ، كتاب الصلاة ، أبواب مكان المصلّي ب 3 ح 3 كلّ باختلاف يسير .
(4) بحوث في الفقه ، كتاب الإجارة : 196 ـ 198 .

الصفحة 539

فنقول: ربما يقال بالمنافاة ; نظراً إلى أنّ أخذ الاُجرة على العبادات ينافي القربة المعتبرة فيها ، فلا يجوز ; لأنّه مع الأخذ لا يقدر على الإتيان بمتعلّق الإجارة ، والقدرة عليه معتبرة في صحّتها بلا إشكال .

وقد تفصّي عنه بوجهين :

الأوّل : ما حكي عن صاحب الجواهر (قدس سره) من أنّ تضاعف الوجوب بسبب الإجارة لا ينافي الإخلاص ، بل يؤكّده(1) .

وقد اُورد عليه بأنّه إن اُريد أنّ تضاعف الوجوب يؤكّد اشتراط الإخلاص ، فلا ريب في أنّ الأمر الإجاري توصليّ لا يشترط في حصول ما وجب به قصد القربة . وإن اُريد أنّه يؤكّد تحقّق الإخلاص من العامل ، فهو مخالف للواقع قطعاً ; لأنّ ما لا يترتّب عليه أجر دنيوي أخلص ممّا يترتّب عليه ذلك بحكم الوجدان(2) .

ولكنّ السيّد الطباطبائي (قدس سره) تصدّى في حاشية مكاسب الشيخ الأعظم (قدس سره) لتوجيه كلام صاحب الجواهر ، وبيان عدم المنافاة بين قصد القربة وأخذ الاُجرة ، وقد ذكر في تقريره وجهين :

أحدهما : هي مسألة الدّاعي على الدّاعي التي ستجيءمفصلاإن شاءالله تعالى .

ثانيهما : ما ملخّصه : أنّه يمكن أن يقال بصحّة العمل من جهة امتثال الأمر الإجاري المتّحد مع الأمر الصلاتي ، فإنّ حاصل قوله : «فِ بإجارتك» ، صلِّ وفاءً للإجارة . ودعوى كونه توصّلياً ، مدفوعة .

أوّلا : بأنّ غايته أنّه لا يعتبر في سقوطه قصد القربة ، وإلاّ فإذا أتى بقصد الامتثال يكون عبادة قطعاً ، ولذا قالوا : إنّ العبادة قسمان : عبادة بالمعنى الأخصّ ، وعبادة بالمعنى الأعمّ ، ودعوى أنّ المعتبر قصد الأمر الصلاتي لا الأمر الإجاري ،


(1) جواهر الكلام : 22 / 117 .
(2) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) : 2 / 127 .

الصفحة 540

مدفوعة بالمنع ، غاية الأمر أنّه يعتبر فيه كون الدّاعي هو الله من أيّ وجه كان .

وثانياً : لا نسلّم كونه توصّلياً مطلقاً ، بل هو تابع لمتعلّقه ، فإن كان توصّلياً فهو توصّلي ، وإن كان تعبّدياً فتعبديّ ; لأنّ مرجع قوله تعالى : {أَوفُوا بِالْعُقُودِ}(1)إلى قوله : صلّوا وصوموا وخيطوا وافعلوا كذا وكذا ، فالأمر الإجاري عين الأمر الصلاتي ، ألا ترى أنّه لو لم يكن له داع إلى امتثال الأمر الندبي بالنافلة ونذرها ، وكان داعيه امتثال الأمر النذري كان كافياً في الصّحة .

والحاصل : أنّ امتثال الأمر المتعلّق بالعمل من جهة وجوب الوفاء بالإجارة كاف في الصّحة .

إن قلت : إنّ ذلك مستلزم للدّور ; لأنّ الوجوب من حيث الإجارة موقوف على صحّتها ، وهي موقوفة على صحّة العمل ، الموقوفة على عدم الوجوب ; لتوقّف قصد القربة المعتبرة فيه عليه .

قلت : التحقيق في الجواب أن يقال : إنّ المعتبر في متعلّق الإجارة ليس أزيد من إمكان إيجاده في الخارج في زمان الفعل ، وفي المقام كذلك ، غاية الأمر أنّ تعلّق الإجارة والأمر الإجاري سبب في هذا الإمكان ، وهذا ممّا لا مانع منه ، وحينئذ نقول : إنّ الوجوب من حيث الإجارة موقوف على صحّتها ، وهي موقوفة على القدرة على إيجاد الفعل صحيحاً في زمان الفعل ، وهي حاصلة بالفرض ، وإن لم تكن حاصلة مع قطع النظر عن تعلّق الإجارة .

والحاصل : أنّه لا يلزم في صحّة الإجارة إلاّ إمكان العمل ولو بسببها ، وأمّا الإمكان مع قطع النظر عنها فلا دليل على اعتباره(2) .

أقول : لا يخفى أنّ الأمر الإجاري لا يعقل أن يكون متّحداً مع الأمر الصلاتي ،


(1) سورة المائدة 5: 1 .
(2) حاشية المكاسب للسيّد اليزدي : 1 / 136 ـ 139 .
<<التالي الفهرس السابق>>