في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



صفحه 45

لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَـفًا كَثِيرًا ) (1) .

دلّ على ثبوت الملازمة بين كون القرآن من عند غير الله ووجدان الاختلاف الكثير فيه وجداناً حقيقيّاً ، فلابدّ من استكشاف بطلان المقدّم من بطلان التالي . وحيث إنّ الموضوع هو القرآن المعهود بتمام خصوصيّاته ، وجميع شؤونه ومزاياه ، فلا يكاد يتوهّم أ نّ كلّ كتاب لو كان من عند غير الله لكان ذلك مستلزماً لوجدان الاختلاف الكثير فيه ، حتّى يرد عليه منع الملازمة في بعض الموارد ، بل في كثيرها . وضرورة أنّ الموضوع الذي يدور حوله اختلاف الأنظار من جهة كونه نازلاً من عند غيره هو شخص القرآن الكريم ، الذي هو كتاب خاصّ ، فالملازمة إنّما هي بالإضافة إليه .

وحينئذ فلابدّ من ملاحظة الجهات الكثيرة التي يشتمل عليها ، والخصوصيّات المتنوّعة التي يحيط بها ، والمزايا الحقيقيّة التي يمتاز بها ، وكلّ جهة ينبغي أن تلحظ ، وكلّ أمر يناسب أن يراعى .

فنقول: تارةً: يلاحظ نفس القرآن ويجعل موضوعاً للملازمة ، مع قطع النظر عن كون الآتي به مدّعياً لكونه من عند الله ، وأ نّه أُنزل عليه من مبدإ الوحي ، واُخرى: مع ملاحظة الاقتران بدعوى كونه من عند غير الممكن .

فعلى الأوّل: يكون الوجه في الملازمة الخصوصيّات التي يشتمل عليها القرآن من جهة اشتماله على فنون المعارف ، وشتّى العلوم ، كالاُصول الاعتقاديّة ، والقوانين الشرعيّة العلميّة ، والفضائل الكاملة الأخلاقيّة ، والقصص والحكايات التاريخيّة ، والحوادث الكائنة في الآتية ، والعلوم الراجعة إلى الفلكيات ، وبعض الموجودات غير المرئيّة ، وغير ذلك من الجهات التي لا تحيط بها يد الإحصاء ، ولا تنالها


(1) سورة النساء 4 : 82 .


صفحه 46

أفكار  العقلاء .

ضرورة أنّ مثل هذا الكتاب المشتمل على هذه الخصوصيّات لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ، بداهة أ نّ نشأة المادّة تلازم التحوّل والتكامل ، والموجودات التي هي أجزاء هذا العالم لا تزال تتحوّل وتتكامل ، وتتوجّه من النقص إلى الكمال ومن الضعف إلى القوّة ، والإنسان الذي هو من جملة هذه الموجودات محكوم أيضاً لهذا القانون الطبيعي ، ومعرض للتغيّر والتبدّل ، والتحوّل والتكامل في ذاته وأفعاله وآثاره وأفكاره وإدراكاته ، ولا يكاد ينقضي عليه أزمان وهو غير متغيّر، ولا يتصرّم عليه أحيان وهو غير متبدّل .

أضف إلى ذلك: أ نّ عروض الأحوال الخارجيّة ، وتبدّل العوارض الحادثة يؤثّر في الإنسان أثراً عجيباً ، ويغيّره تغيّراً عظيماً ، فحالة الأمن تغاير الخوف من جهة التأثير ، والسفر والحضر متفاوتان كذلك ، والفقر والغنى والسلامة والمرض ، كلّ ذلك على هذا المنوال . وعليه: فكيف يمكن أن يكون الكتاب النازل في مدّة زائدة على عشرين سنة ، الجامع للخصوصيّات المذكورة وغيرها من عند غير الله ، ومع ذلك لم يوجد فيه اختلاف ، فضلاً عن أن يكون كثيراً ، ولم يرَ فيه تناقض ، فضلاً عن أن يكون عديداً؟!

وعلى الثاني: يكون الوجه في الملازمة ـ مضافاً إلى الخصوصيّات المشتمل عليها الكتاب ـ الاقتران بدعوى كونه من عند الله ، نظراً إلى أنّ الذي يبني أمره على الكذب والافتراء لا محيص له عن الواقع في الاختلاف والتناقض ، ولاسيّما إذا تعرّض لجميع الشؤون البشريّة والاُمور المهمّة الدنيويّة والاُخرويّة ، وخصوصاً إذا كانت المدّة كثيرة زائدة على عشرين سنة ، وفي المثل المعروف: «لا حافظة لكذوب» .

ثمّ إنّ في هذا المقام إشكالين:


صفحه 47

أحدهما: منع بطلان التالي المستلزم لبطلان المقدّم ; لأ نّه قد اُخذ على القرآن مناقضات واختلافات ، وقد بلغت من الكثرة إلى حدٍّ ربما ألّفت فيها التأليفات ، وكتبت فيها الرسالات .

والجواب عنه: أ نّ المناقضات المذكورة كلّها مذكورة في كتب المفسِّرين ، ومأخوذة منها ، وقد أوردوها مع أجوبتها في تفاسيرهم ، وغرضهم من ذلك إزالة كلّ شبهة يمكن أن تورد ، ودفع كلّ توهّم يمكن أن يتخيّل ، لكنّ الأيادي الخائنة ، والعناصر الضالّة المضلّة المرصدة لاستفادة السوء من كلّ قضيّة وحادثة قد جمعوا  تلك الشبهات في كتب وتأليفات ، من دون التعرّض للأجوبة الكافية ، ونعم ما قيل:

«لو كانت عين الرضا متّهمة فعين السخط أولى بالتّهمة» .

ثانيهما: اعتراف القرآن بوقوع النسخ فيه ، في قوله ـ تعالى ـ : (مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَة أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ) (1) .

وفي قوله ـ تعالى ـ : (وَ إِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَة وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) (2) .

والنسخ من أظهر مصاديق الاختلاف .

والجواب عنه أوّلاً: منع كون النسخ اختلافاً ، فضلاً عن أن يكون من أظهر مصاديقه ; فإنّه ـ بحسب الاصطلاح ـ يرجع إلى رفع أمر ثابت في الشريعة المقدّسة بارتفاع أمده وزمانه ، ومن الواضح: أ نّ ارتفاع الحكم لأجل ارتفاع زمانه لا يعدّ تناقضاً ، ولا يوجب اختلافاً .

وثانياً: فإنّ النسخ إن كان بنحو تكون الآية الناسخة ناظرة بالدلالة اللفظيّة إلى الحكم المنسوخ ، ومبيّنة لرفعه ، كما في آية النجوي : (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا


(1) سورة البقرة 2 : 106 .
(2) سورة النحل 16 : 101 .


صفحه 48

نَـجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَلـكُمْ صَدَقَةً ذَ لِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (1) .

حيث ذهب أكثر العلماء إلى نسخها بقوله ـ تعالى ـ : (ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَلـكُمْ صَدَقَـت فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَ ءَاتُواْ الزَّكَوةَ وَ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُو وَ اللَّهُ خَبِيرُم بِمَا تَعْمَلُونَ ) (2) .

فعدم كونه من مصاديق الاختلاف ممّا لا ينبغي فيه الشكّ والارتياب .

وإن كان بنحو يكون مقتضى الجمع بين الآيتين اللّتين يتراءى بينهما الاختلاف والتنافي ، هو حمل الآية المتأخّرة على كونها ناسخة ، والمتقدّمة على كونها منسوخة ـ كما التزم به كثير من المفسِّرين ـ فثبوته في القرآن غير معلوم ، ولابدّ من البحث عنه في فصل مستقلّ ، ولِمَ لا يجوز الاستدلال بهذه الآية ـ أعني قوله ـ تعالى ـ : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ . . .) ـ على نفي وقوعه في القرآن ، وسلامته من ثبوت النسخ فيه بهذا المعنى ؟ كما لايخفى .

التحدّي بأنّه تبيان كلّ شيء

قال الله ـ تبارك وتعالى ـ : (وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَـبَ تِبْيَـنًا لِّكُلِّ شَىْء) (3); فإنّ اتّصاف الكتاب ـ الذي يكون المراد به هو القرآن بملاحظة التنزيل ـ بكونه تبياناً لكلّ شيء دليل على كونه نازلاً من عند من يكون له إحاطة كاملة بجميع الأشياء ، بحيث لا يغيب عنه شيء ، أو لا يعزب عنه من مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ، أمّا الموجود الذي تكون إحاطته العلميّة تابعة لأصل وجوده في النفس والمحدوديّة ، كيف يمكن أن يكون من عنده كتاب موصوف بأنّه تبيان كلّ شيء ؟!


(1  ، 2) سورة المجادلة 58 : 12 ـ 13 .
(3) سورة النحل 16 : 89 .


صفحه 49

فمن هذه الخصوصيّة التي لا يعقل أن تتحقّق في البشر ، والكتاب الذي من عنده تستكشف خصوصيّة اُخرى ; وهي نزوله من عند الله العالم القادر المحيط ، كما هو واضح .

نعم ، ربما يمكن أن يتوهّم أ نّ القرآن لا يكون تبياناً لكلّ شيء ; لأنّا نرى عدم تعرّضه لكثير من المسائل المهمّة الدينيّة ، والفروع الفقهيّة العمليّة ، فضلاً عمّا ليس له مساس بالدين ، وليس بيانه من شأن الله ـ تبارك وتعالى ـ بما هو شارع وحاكم ; فإنّ مثل أعداد ركعات الصلاة التي هي عمود الدين(1)، معراج المؤمن ـ على ما روي ـ لا يكون مذكوراً في الكتاب العزيز ، مع أنّها من الأهمّية بمثابة تكون الزيادة عليها والنقص عنها قادحة مبطلة ، فضلاً عن خصوصيّات سائر العبادات والأعمال من الصوم والزكاة والحجّ وغيرها . وعليه: فكيف يصف القرآن نفسه ويعرّفه بأنّه تبيان كلّ شيء؟!

والجواب عن هذا التوهّم : أ نّ شأن الكتاب إنّما هو بيان الكلّيات ورؤوس المطالب . وأ مّا الجزئيّات والخصوصيّات، فإنّما تستكشف من طريق الرسول ، الذي فرض القرآن نفسه الأخذ بما آتاهم ، والانتهاء عمّا نهاهم بقوله ـ تعالى ـ : (وَ مَآ ءَاتَـئـكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَـئـكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (2) ، ففي الحقيقة أ نّ كون القرآن تبياناً أعمّ من أن يكون تبياناً للشيء بنفسه ، أو بواسطة الرسول الذي نزّل عليه القرآن .


(1) المحاسن: 1 / 116 ح117 عن أبي جعفر (عليه السلام) ، وعنه وسائل الشيعة: 4 / 27 ، كتاب الصلاة ، أبواب أعداد الفرائض ب 7 ح 12 ، وبحار الأنوار: 82 / 218 ح36 ، ومستدرك الوسائل: 3 / 31 ب8 ح2943 ، وفي وسائل الشيعة: 4 / 34 ب8 ح13 عن تهذيب الأحكام: 2 / 237 ح936 ، وفي بحار الأنوار: 82 / 232 ح57 ومستدرك الوسائل: 3 / 29 ، كتاب الصلاة ، أبواب أعداد الفرائض ب7 ح2935 ، عن دعائم الإسلام: 1 / 133 ، ورواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 10 / 206 مرسلاً .
(2) سورة الحشر 59 : 7 .


صفحه 50

ومن الآيات التي يمكن أن يستدلّ بها على التحدّي بالعلم ، قوله ـ تعالى ـ : (وَلاَ رَطْب وَلاَ يَابِس إِلاَّ فِى كِتَـب مُّبِين) (1) بناءً على كون المراد بالكتاب المبين هو القرآن المجيد ، وكون المراد بالرطب واليابس المنفيّين هو علم كلّ شيء بحيث تكون الآية كناية عن الإحاطة العلميّة ، والبيان الكامل الجامع ، فيرجع المراد إلى ما في الآية المتقدّمة من كون الكتاب جامعاً لعلم الأشياء ، وحاوياً لبيان كلّ شيء .

لكنّ الظاهر أ نّه ليس المراد بالكتاب المبين هو القرآن ، بل شيئاً آخر يكون فيه جميع الموجودات والأشياء بأنفسها ، ويؤيّده صدر الآية ; وهو قوله ـ تعالى ـ : (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ) (2) وكذا تعلّق النفي بنفس الرطب واليابس الظاهرين في أنفسهما ، لا في العلم بهما ، وكذا عدم اختصاص النفي بهما ، بل تعلّقه بالحبّة التي في ظلمات الأرض ; لأنّ الاستثناء يتعلّق به أيضاً ، فلابدّ من الالتزام بكون المراد بها هو العلم بالحبّة أيضاً ، وهو خلاف الظاهر جدّاً .

وعليه: يكون مفاد الآية أجنبيّاً عمّا نحن بصدده ; لأنّ مرجعه إلى ثبوت الأشياء الموجودة بأنفسها في الكتاب الذي هو بمنزلة الخزينة لها .

نعم ، يبقى الكلام في المراد من ذلك الكتاب ، وأ نّه هل هو عبارة عن صفحة الوجود المشتملة على أعيان جميع الموجودات ، أو أمر آخر يغاير هذا الكون ، ثابتة فيه الأشياء نوعاً من الثبوت ، كما يشير إليه قوله ـ تعالى ـ : (وَ إِن مِّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَّعْلُوم ) ؟(3) .

وعلى أيٍّ لا يرتبط بالمقام الذي يدور البحث فيه حول الكتاب بمعنى القرآن المجيد الذي يكون معجزة .


(1) سورة الأنعام 6 : 59 .
(2) سورة الأنعام 6 : 59 .
(3) سورة الحجر 15: 21 .


صفحه 51

التحدّي بالإخبار عن الغيب

قد وقع في الكتاب التحدّي بالإخبار عن الغيب في آيات متعدّدة ، ونفس الإخبار بالغيب في آيات كثيرة ، ففي الحقيقة الآيات الواردة في هذا المجال على قسمين:

قسم وقع فيها التحدّي بنفس هذا العنوان ، وهو الإخبار والإنباء بالغيب .

وقسم وقع فيها مصاديق هذا بعنوان من دون الاقتران بالتحدّي .

وقبل الورود في ذكر القسمين والتعرّض لمدلول النوعين لابدّ من التنبيه على أمرين:

الأمر الأوّل : أ نّ المراد بالغيب في هذا المقام هو ما لايدركه الإنسان ولا يناله من دون الاستعانة من الخارج ، ولو أعمل في طريق الوصول إليه جميع ما أعطاه الله ـ تعالى ـ من القوى الظاهرة والباطنة ، فهو شيء بينه وبين الإنسان بنفسه حجاب ، ولابدّ من الاستمداد من الغير في رفع ذلك الحجاب ، وكشف ذلك الستار . وعليه: فالحادثة الواقعة الماضية ، والقضيّة الثابتة المتصرّمة تعدّ غيباً بالإضافة إلى الإنسان ; لأ نّه لا يمكن له أن يطّلع عليها ، ويصل إليها من طريق شيء من الحواسّ والقوى ، حتّى القوّة العاقلة المدركة ; فإنّ وجود تلك الحادثة وعدمها بنظر العقل سواء; لعدم كون حدوثها موجباً لانخرام شيء من القواعد العقليّة ، كما هو المفروض ، ولا كون عدمها مستلزماً لذلك كذلك ، وإلاّ لا يكاد يمكن أن تتحقّق على الأوّل ، أو لا تتحقّق على الثاني .

كما أنّه بناءً على ما ذكر في معنى الغيب في المقام لا يكون ما يدركه العقل السليم والفطرة الصحيحة من الحقائق من الغيب بهذا المعنى الذي هو المقصود في المقام ، فوجود الصانع ـ جلّ وعلا ـ لا يعدّ من المغيبات هنا ; لأنّ للعقل إليه طريقاً بل طرقاً كثيرة ، ولا حاجة له في الوصول إليه تعالى، والاعتقاد بوجوده إلى الاستمداد


صفحه 52

من الغير ، والاستعانة من الخارج .

وبالجملة: فالغيب في المقام ليس المراد به هو الغيب في مثل قوله ـ تعالى ـ : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (1) ، بل المراد به هو الغيب في مثل قوله ـ تعالى ـ : (وَعِندَهُو مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ) (2) .

لا أقول: إنّ للغيب معان مختلفة ; فإنّه من الواضح الذي لا يرتاب فيه عدم كون لفظ الغيب مشتركاً بين معان متعدّدة ; فإنّه في مقابل الشهود الذي لا يكون له معنى واحد ، غاية الأمر اختلاف موارد الاستعمال باختلاف الأغراض والمقاصد بحسب المصاديق والأفراد ، كما لا يخفى .

الأمر الثاني: أنّ دلالة الإخبار بالغيب على الإعجاز تظهر ممّا ذكرناه في معنى الغيب ; فإنّه بعدما لم يكن للإنسان سبيل إلى الاطّلاع على المغيبات من قبل نفسه; لعدم الملاءمة بينه بقواه الظاهرة والباطنة ، وبين الاطّلاع عليها بدون الاستعانة والاستمداد ، فإذا فرضنا إنساناً أتى بكتاب مشتمل على الإخبار بالغيب ، وعلمنا عدم اطّلاعه عليها من قبل نفسه ، والجماعة التي هو فيهم ومعهم; نعلم جزماً بانحصار طريق الوصول إليه في مبدإ الوحي ، ومخزن الغيب ، ومن عنده مفاتيحه ولا يعلمها إلاّ هو ، وبه يتحقّق التحدّي الموجب للإعجاز .

إذا عرفت ما ذكرنا من الأمرين ، فنقول:
من القسم الأوّل من الآيات:
قوله ـ تعالى في قصّة مريم ـ : (ذَ لِكَ مِنْ أَنبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) (3)، وقوله ـ تعالى ـ : (تِلْكَ مِنْ أَنبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا


(1) سورة البقرة 2 : 3 .
(2) سورة الأنعام 6 : 59 .
(3) سورة آل عمران 3 : 44 .


صفحه 53

كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَ لاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا) (1) ، وقوله ـ تعالى ـ بعد ذكر قصة يوسف : (ذَ لِكَ مِنْ أَنبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ مَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ ) (2) .

ومن القسم الثاني : آيات كثيرة متعدّدة واقعة في موارد مختلفة:

منها: قوله ـ تعالى ـ : (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَـكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ *الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـهًا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) (3) .

فإنّ هذه الآيات نزلت بمكّة في ابتداء ظهور الإسلام ، وبدء دعوة النبيّ  (صلى الله عليه وآله)  ، والسبب في نزولها ـ على ما حكي ـ أنّه مرّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) على اُناس بمكّة فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون: هذا الذي يزعم أنّه نبيّ ، ومعه جبرئيل . . .(4)، فأخبرت الآية عن نصرة النبيّ(صلى الله عليه وآله) في دعوته ، وكفاية الله المستهزئين والمشركين في زمان كان من الممتنع بحسب العادة انحطاط شوكة قريش ، وانكسار سلطانهم ، وغلبة النبيّ (صلى الله عليه وآله) والمسلمين وعلوّهم ، وقد كفاه الله أشرف كفاية ، وبان للمستهزئين ، وعلموا ما في قوله ـ تعالى في آخر الآية ـ: ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)  .

ومن هذا القبيل قوله ـ تعالى ـ في سورة الصفّ المكّية ـ الواردة في مثل الحال المذكور ، والشأن الذي وصفناه من طغيان الشرك ، وسلطان المشركين في بدء الدعوة الإسلامية ـ : (هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُو بِالْهُدَى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِوَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (5) .


(1) سورة هود 11 : 49 .
(2) سورة يوسف 12 : 102 .
(3) سورة الحجر 15 : 94 ـ 96 .
(4) جامع البيان في تفسير القرآن: 14 / 88 ـ 92 ح21418ـ 21431 ، الكشّاف: 2 / 591 ، مجمع البيان في تفسير القرآن: 6 / 124ـ 125 ، أنوار التنزيل وأسرار التأويل: 1 / 547 .
(5) سورة التوبة 9 : 33 ، وسورة الصف 61 : 9 .


صفحه 54

ومنها : قوله ـ تعالى ـ : (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (1) .

وقد نزل في يوم بدر حين ضرب أبو جهل فرسه وتقدّم نحو الصفّ الأوّل قائلاً: «نحن ننتصر اليوم من محمّد وأصحابه»(2) فأخبر الله بانهزام جمع الكفّار وتفرّقهم ، مع أنّه لم يكن يتوهّم أحد نصرة المسلمين وانهزام الكافرين مع قلّة عدد الأوّلين ، بحيث لم يتجاوز عن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً (3) ، وضعف عدّتهم ; لأنّ الفارس فيهم كان واحداً أو اثنين ، وكثرة عدد الآخرين ، وشدّة قوّتهم بحيث وصفهم الله ـ تعالى ـ بأنّهم ذات شوكة (4) ، وكيف يحتمل انهزامهم ، وقمع شوكتهم وانكسار سلطانهم; وقد أخبر الله ـ تعالى ـ بذلك ، ولم يمضِ إلاّ زمان قليل بأن  صدق النبي (صلى الله عليه وآله) فيما حكاه وأخبره؟!

ومنها : ما ورد في رجوع النبيّ ، ودخول المسلمين إلى معاده والمسجد الحرام من قوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَاد) (5) ، وقوله ـ تعالى ـ : (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ) (6) .

ومنها : قوله ـ تعالى ـ : (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِى أَدْنَى الاَْرْضِ وَ هُم مِّن


(1) سورة القمر 54 : 44 ـ 45 .
(2) الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي: 17 / 146 .
(3) السيرة النبويّة لابن هشام: 2/363 ـ 364 ، فقد أحصاهم جميعاً تحت عنوان من حضر بدراً من المسلمين ، فمن المهاجرين: 83 ومن الأنصار ـ (الأوس: 61) (الخزرج: 170)فالمجموع314 بما فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)  ، وغيرها من كتب التأريخ والتفسير .
(4) سورة الأنفال 8 : 7 .
(5) سورة القصص 28 : 85 .
(6) سورة الفتح 48 : 27 .


صفحه 55

بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِى بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الاَْمْرُ مِن قَبْلُ وَ مِنم بَعْدُ وَ يَوْمَـئـِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ) (1); فإنّ فيه خبراً عن الغيب ظهر صدقه بعد بضع سنين من نزول الآية ، فغلبت الرومُ فارس ، ودخلت مملكتها قبل مضيّ عشر سنين ، وفرح المؤمنون بنصر الله .

ومنها : قوله ـ تعالى ـ : (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (2) .

ومنها : قوله ـ تعالى في شأن القرآن ـ : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُو لَحَـفِظُونَ ) (3) فإنّ القدر المتيقّن من مدلوله هو حفظ القرآن وبقاؤه ، وعدم عروض الزوال والنسيان له ، وإن كان مفاد الآية أوسع من ذلك ، وسيأتي في بحث عدم تحريف الكتاب، الاستدلال بهذه الآية عليه بنحو لا يرد عليه إشكال ، فانتظر .

ومنها : قوله ـ تعالى في شأن أبي لهب وامرأته ـ : ( سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَب * وَ امْرَأَتُهُو حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدِم)  (4) .

وهو إخبار بأنّهما يموتان على الكفر ، ويدخلان النار ، ولا نصيب لهما من سعادة الإسلام الذي يكفِّر آثام الشرك ، ويوجب حطّ آثاره ، ويجبُّ ما قبله ، وقد وقع ذلك في الخارج ، حيث بقيا على الكفر إلى أن عرض لهما الموت .

ومنها : قوله ـ تعالى ـ : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَ عَمِلُواْ الصَّــلِحَـتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنم بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًا)  (5) .


(1) سورة الروم 30 : 2 ـ 5 .
(2) سورة المائدة 5 : 67 .
(3) سورة الحجر 15 : 9 .
(4) سورة المسد 111 : 3 ـ 5 .
(5) سورة النور 24 : 55 .


صفحه 56

وقد تنجّز بعض هذا الوعد ، ولابدّ من إتمامه بسيادة الإسلام في العالم كلّه ، وذلك عند ظهور المهدي وقيام القائم ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(1) ، وبه تتحقّق الخلافة الإلهيّة العالميّة ، والسلطنة الحقّة العامّة في جميع أصقاع الأرض ، ونواحي العالم .

ومنها : غير ذلك من الآيات الواردة في هذا الشأن ، الدالّة على نبإ غيبيّ ; كقوله ـ تعالى ـ : (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْمِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْض)  (2) .

فإنّ المروي عن عبدالله بن مسعود أ نّه قال: «إنّ الآية نبأ غيبيّ عمّن يأتي بعد»(3) .

وغير ذلك ; كالآيات الدالّة على أسرار الخليقة ممّا لا يكاد يمكن الاطّلاع عليها في ذلك الزمان ، وسيأتي التعرّض لشطر منها إن شاء الله تعالى .

نعم ، يبقى في المقام إشكال ; وهو: أنّ الإخبار بالغيب كثيراً ما يقع من الكهّان والعرّافين والمنجِّمين ، وكذبُ هؤلاء وإن كان أكثر من صدقهم ، إلاّ أنّه يكفي في مقام المعارضة وتحقّق الإشكال ثبوت الصدق ولو في مورد واحد ، فضلاً عمّا إذا كانت الموارد متعدّدة ; فإنّه حينئذ ينسدّ باب المصادفة أيضاً ; لأنّه مع وحدة المورد أو قلّة الموارد ، باب احتمال المصادفة مفتوح بكلا مصراعيه . وأ مّا مع التعدّد والكثرة لا يبقى مجال لجريان هذا الاحتمال . وعليه: فكيف يصير الإخبار بالغيب من دلائل الإعجاز ومسوّغاً للتحدّي ؟

والجواب عن هذا الإشكال يظهر ممّا ذكرناه في تعريف الغيب المقصود


(1) الغيبة للطوسي: 46 ـ 52 ح30 ، 33 ، 37 و 40 ، بحار الأنوار: 51 / 65 ـ 109 ب1 .
(2) سورة الأنعام 6 : 65 .
(3) لم نعثر عليه عاجلاً .


صفحه 57

بالبحث هنا ; فإنّه ـ كما عرفت(1) ـ عبارة عمّا لا يكاد يدركه الإنسان بسبب قواه الظاهرة والباطنة مع عدم الاستمداد من الغير والخارج . وعليه: فما له سبيل إليه وطريق إلى وصوله بسبب القواعد التي بأيديهم ـ التي تلقّوها ممّن علّمهم ـ لا يعدّ من الغيب هنا ; فإنّ الإخبار بالغيب الذي يكون من دلائل الإعجاز وموجباً لتسويغ التحدّي ; هو الذي لم يكن لمخبره واسطة إلى استكشافه ، وطريق إلى الوصول إليه غير طريق الوحي والاتّصال بمركز الغيب .

وأمّا أخبار هؤلاء، فمستندة إلى القواعد التي بأيديهم ، والأوضاع والخصوصيّات التي يتخيّلون كونها علائم وإفادات للحوادث الآتية ، مع أنّ التخلّف كثير ، وادّعاء العلم منهم قليل .

التحدّي بالبلاغة

من جملة ما وقع به التحدّي في الكتاب العزيز: البلاغة ، وهي وإن لم يصرّح بها فيه ، إلاّ أنّه يمكن استفادة التحدّي بها من بعض الآيات .

مثل قوله ـ تعالى ـ : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَلـهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَة مِّثْلِهِوَ ادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـدِقِينَ )  (2) .

وقوله ـ تعالى ـ : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَلـهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَر مِّثْلِهِمُفْتَرَيَـت وَ ادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـدِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) (3)، ودلالتهماعلى التحدّي بالبلاغة إنّماتظهربعد ملاحظة أمرين:

الأوّل: أنّ العرب في ذلك العصر ـ أي عصر طلوع القرآن وبدء الدعوة


(1) فى ص 51 ـ 52 .
(2) سورة يونس 10 : 38 .
(3) سورة هود 11 : 13 ـ 14 .


صفحه 58

الإسلاميّة ـ قد كانت بعيدة عن الفضائل العلميّة بمراحل ، وعن الكمالات العلميّة الإنسانيّة بفراسخ ، بل كما يشهد به التاريخ كانت لهم أعمال وأفعال لا يكاد يصدر من الحيوانات ، فضلاً عن المرتبة الدنيا في نوع الإنسان ، والطبقة البعيدة عن التمدّن من هذا النوع .

نعم ، قد انحصرت فضيلتهم في البلاغة ، وامتازوا بالفصاحة ، بحيث لم يروا لغيرها قدراً ولا رتّبوا عليه أجراً ، وبلغ تقديرهم للشعر أن عمدوا لسبع قصائد من خيرة الشعر القديم ، وكتبوها بماء الذهب ، وعلّقوها على الكعبة ، واشتهرت بالمعلّقات السبع(1) ، وكان هذا الأمر رائجاً بينهم ، مورداً لاهتمام رجالهم ونسائهم ، وكان النابغة الذبياني هو الحكم في الشعر ، يأتي سوق عكاظ في الموسم فتضرب له قبّة ، فتأتيه الشعراء من كلّ ناحية ، وتعرض عليه الأشعار ; ليحكم فيها ، ويرجّح بعضها على بعض (2).

الثاني : أ نّ مثل هذا التعبير ; وهو الإتيان بالمثل في مقام المعارضة والاحتجاج ، إنّما يحسن توجيهه إلى المخاطب الذي كان له نصيب وافر من سنخ مورد الدعوى ، وخلاّق كامل مناسب لما وقع فيه النزاع ، فلا يقال مثلاً لمن


(1) العقد الفريد ، لابن عبد ربّه 6 : 103 . خزانة الأدب 1: 61 ، مقدمة ابن خلدون : 581 ، الفصل التاسع والأربعون ، تاريخ آداب اللغة العربيّة ، جرجي زيدان 1 : 141ـ 142 ، تاريخ آداب العرب لمصطفى صادق الرافعي 3: 165 .
(2) النابغة الذبياني ، وهو: زياد بن معاوية بن ضباب الغطفاني ، ويكنى أبا أُمامة ، وإنّما سمّي بالنابغة ، إمّا لقوله: وحلّتْ في بني القينِ بن جسر *** فقد نبغت لنا منهم شؤونُ وإمّا لأنّه أكثر من قول الشعر ، وكان شعره نظيفاً من العيوب على كثرته ، وحتى ورد فيه: أنّه أشعر العرب ، وأنّه الحكم الفصل حينما تحتكم إليه الشعراء ، حيث كان تضرب له قبّة من أدم بسوق عكاظ ، فتقصده الشعراء ، فتعرض عليه أشعارها ، وتخضع لحكمه . الأغاني 11: 3 ـ 41 ، الأنساب للسمعاني 2: 270 ، شعراء النصرانيّة قبل الإسلام ، القسم الأوّل: 640 ـ 733 ، الأعلام للزركلي: 3 / 54 ـ 55 .


صفحه 59

يعترض على كتاب فقهيّ ـ ككتاب التذكرة للعلاّمة الحلّي ـ : ائت بمثله ، إلاّ إذا كان له حظّ وافر من الفقه ، وسهم كامل من ذلك العلم ، فتوجيه هذا النحو من الخطاب إنّما ينحصر حسنه في مورد خاصّ . وعليه: فدعوة الناس إلى الإتيان «بسورة مثل القرآن» ، أو «بعشر سور مثله» مع انحصار فضيلتهم في البلاغة ، إنّما يكون الغرض منها الدعوة إلى الإتيان بمثله في البلاغة التي كانت العرب تمتاز بها ، فوجه الشبه في الآيتين وإن لم يصرّح به فيهما ، ولم يقع التعرّض له ، إلاّ أنّه بملاحظة ما ذكرنا ينحصر بالبلاغة ليحسن توجيه مثل هذا الخطاب، كما عرفت .

بل قد مرّ سابقاً(1) أ نّه يمكن أن يقال: إنّ توصيف عشر سور بوصف كونها مفتريات ، لا يكاد ينطبق ظاهراً إلاّ على المزايا الراجعة إلى الألفاظ ، من دون ملاحظة المعاني وعلوّها ، وعلى الخصوصيات التي تشتمل عليها العبارات ، من دون النظر إلى المطالب وسموّها ، وبهذا الوجه قد تفصّينا عن إشكال مخالفة الترتيب الطبيعي الواقعة في آيات التحدّي بمقتضى النظر البدوي ، كما عرفته مفصّلاً .

وبالجملة: لا ينبغي الارتياب في أنّ العناية في الآيتين إنّما هي بموضوع البلاغة فقط، مع أنّ كون البلاغة من أعظموجوه الإعجاز لايحتاج إلى التصريح به في الكتاب، بل يحصل العلم به بالتدبّر في كون الكتاب معجزة عظيمة للنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)  ، وأ نّه لماذا بعث الله موسى بن عمران بالعصا ويده البيضاء(2) ، وعيسى بن مريم بآلة الطبّ (3) ، ومحمّداً (صلى الله عليه وآله) بالكلام والخطب؟ (4) ، مع أنّ المعتبر في حقيقة الإعجاز هو كون المعجز أمراً خارقاً للعادة البشريّة ، والنواميس الطبيعيّة ، كما عرفت تفصيل الكلام فيه .


(1) في ص 34 ـ 35 .
(2) سورة الأعراف 7: 107 ـ 108 ، 115 ـ 117 ، سورة طه 20 : 17 ـ 22 ، 65 ـ 69 ، سورة الشعراء 26 : 43 ـ 45.
(3) سورة آل عمران 3: 49 ، سورة المائدة 5: 110 .
(4) كما في الرواية الآتية في هامش ص 61 ـ 62 .


صفحه 60

وعليه: فتخصيص كلّ واحد منهم بقسم خاصّ ونوع مخصوص إنّما هو لأجل نكتة ; وهي رعاية الإعجاز الكامل ، والمعجزة الفاضلة ذات المزيّة الزائدة على ما يكون معتبراً في الحقيقة والماهيّة ; فإنّ المعجزة إذا كانت مشابهة للكمال الرائج في عصرها ، ومسانخة للفضيلة الراقية في زمانها ، تصير بذلك خير المعجزات ، وتتلبّس لأجله بلباس الكمال والفضيلة الزائدة على ما يعتبر في الحقيقة .

والسرّ في ذلك: أ نّ المعجزة المشابهة توجب سرعة تسليم المعارضين العالمين بالصنعة ، التي تشابه ذلك المعجز ; لأنّ العالم بكلّ صنعة أعرف بخصوصيّاتها ، وأعلم بمزاياها وشؤونها ; فإنّه هو الذي يعرف أ نّ الوصول إلى المرتبة الدانية منها لا يكاد يتحقّق إلاّ بتهيئة مقدّمات كثيرة ، وصرف زمان طويل ، فضلاً عن المراتب المتوسّطة والعالية ، وهو الذي يعرف الحدّ الذي لا يكاد يمكن أن يتعدّى عنه بحسب نواميس الطبيعة والقواعد الجارية .

وأ مّا الجاهل ، فبسبب جهله بمراتب تلك الصنعة ، وبالحدّ الذي يمتنع التجاوز عنه ، لا يكاد يخضع في قبال المعجز إلاّ بعد خضوع العالم بتلك الصنعة المشابهة ، وبدونه يحتمل أ نّ المدّعي قد أتى بما هو مقدور للعالم ، ويتخيّل أ نّه اعتمد على مبادئ معلومة عند أهلها . وعليه: فإذا كانت المعجزة مشابهة للصنعة الرائجة والفضيلة الشائعة ، يوجب ذلك أي التشابه والمسانخة سرعة تسليم العالمين بتلك الصنعة ، وبتبعهم الجاهلون ، فيتحقّق الغرض من الإعجاز بوجه أكمل ، وتحصل النتيجة المطلوبة بطريق أحسن .

إذا ظهر لك ذلك يظهر الوجه في اختصاص كلّ نبيّ بمعجزة خاصّة ، وقسم مخصوص ، وأ نّه حيث كان الشائع في زمان موسى ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ السحر ، وكان القدر والفضيلة إنّما هو للعالم العارف بذلك العلم ، وبلغ ارتقاؤهم في


صفحه 61

هذا العلم إلى مرتبة وصف الله تعالى سحرهم بالعظمة (1); لأ نّه كاشف عن بلوغهم إلى المراتب العالية ، والدرجات الكاملة ، بعث الله ـ تبارك وتعالى ـ رسوله بمعجزة مسانخة للعلم الشائع الرائج ، وعبّر الكتاب العزيز عن تأثير تلك المعجزة بمجرّد الرؤية والمشاهدة ، بأنّه ( وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَـجِدِينَ ) (2) ، فخضعوا قبالها لمّـا رأوها ، ورأوا أنّ ذلك فائق على القدرة البشريّة ، وخارق للقواعد والنواميس الجارية .

وحيث كان الشائع في زمان عيسى ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ ومحلّ دعوته الطبّ ، ومعالجة المرضى ، وتوجّه الناس إلى هذا العلم توجّهاً كاملاً وصار هذا ملاكاً للقدر والفضيلة ، ومناطاً للكمال والمزيّة ; بعث الله نبيّه بمعجزة مشابهة فائقة ، وهو إبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى(3) .

وحيث كان الرائج في محيط الدعوة الإسلاميّة علم البلاغة ـ على ما عرفت ـ في الأمر الأوّل(4) ، بعث الله نبيّه الخاتم (صلى الله عليه وآله) بكتاب جامع كامل ، مسانخ للعلم الرائج ، فائق على جميع المراتب التي في إمكانهم ، وتمام المدارج المقدورة لهم ; ليخضعوا دونه بعد ملاحظة تفوّقه على المستوي المقدور ، وخروجه عن دائرة الإحاطة البشريّة والعلم الإنساني (5) .


(1) سورة الأعراف 7 : 116 .
(2) سورة الأعراف 7 : 120 .
(3) سورة آل عمران 3 : 49 ، سورة المائدة 5 : 110 .
(4) في ص 57 ـ 58 .
(5) روي عن ابن السكيت أنّه قال لأبي الحسن الرضا(عليه السلام) : «لماذا بعث الله موسى بن عمران(عليه السلام) بالعصا ، ويده البيضاء ، وآلة السحر ، وبعث عيسى بآلة الطب ، وبعث محمداًـ صلّى الله عليه وآله وعلى جميع الأنبياء ـ بالكلام والخطب؟ فقال أبو الحسن(عليه السلام) : إنّ الله لمّا بعث موسى (عليه السلام) كان الغالب على أهل عصره السحر ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله ، وما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجّة عليهم . وإنّ الله بعث عيسى(عليه السلام) في وقت قد ظهرت فيه الزمانات ، واحتاج الناس إلى الطب ، فأتاهم من عند الله بمالم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجّة عليهم . وإنّ الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام ـ وأظنّه قال: الشعر ـ فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم ، وأثبت به الحجّة عليهم . .» ، الكافي 1: 24 كتاب العقل والجهل ح20 ، وعنه بحار الأنوار: 17 / 210 ح15 .

<<التالي الفهرس السابق>>