جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، کتاب الحدود « کتابخانه « صفحه اصلى  

<<صفحه بعد فهرست صفحه قبل>>


(الصفحة621)



فهذا من حقوق الله ، الحديث(1) . والترجيح معها ; لموافقتها للكتاب والسنة الدالّين على قطع يد السارق ، ولم يثبت تقييد ذلك بمطالبة المسروق منه .
ولكنّ الظاهر أنّ الترجيح مع صحيحة ابن خالد ; لموافقتها للشهرة من حيث الفتوى ، ومخالفة صحيحة الفضيل للمشهور من جهات عديدة ، التي منها كفاية الإقرار الواحد في إثبات السرقة ، ومنها ثبوت الجلد مع الرجم في الزنا المقرون بالإحصان ، وقد ثبت في محلّه أنّ الشهرة من حيث الفتوى أوّل المرجّحات .
الثاني : ما لو عفا المسروق منه عن القطع أو وهبه المال المسروق ، وقد فصّل فيهما في المتن بين صورة قبل الرفع إلى الحاكم وبعد الرفع إليه ، بسقوط القطع في الصورة الاُولى وعدمه في الثانية ، وقد نفى وجدان الخلاف فيه في الجواهر(2) .
ويدلّ عليه موثّقة سماعة بن مهران ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : من أخذ سارقاً فعفا عنه فذلك له ، فإذا رفع إلى الإمام قطعه ، فإن قال الذي سرق له : أنا أهبه له لم يدعه إلى الإمام حتّى يقطعه إذا رفعه إليه ، وإنّما الهبة قبل أن يرفع إلى الإمام ، وذلك قول الله عزّ وجلّ : {وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ}(3) فإذا انتهى الحدّ إلى الإمام فليس لأحد أن يتركه(4) .
وصحيحة الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سألته عن الرجل يأخذ اللّص يرفعه أو يتركه؟ فقال إنّ صفوان بن اُميّة كان مضطجعاً في المسجد الحرام ، فوضع رداءه وخرج يهريق الماء ، فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه ، فقال : من ذهب


(1) وسائل الشيعة: 18 / 343، أبواب مقدّمات الحدود ب32 ح1.
(2) جواهر الكلام: 41 / 551.
(3) سورة التوبة 9: 112.
(4) وسائل الشيعة: 18 / 330، أبواب مقدّمات الحدود ب17 ح3.

(الصفحة622)



بردائي؟ فذهب يطلبه ، فأخذ صاحبه ، فرفعه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله) : إقطعوا يده ، فقال الرجل : تقطع يده من أجل ردائي يا رسول الله؟ قال : نعم ، قال : فأنا أهبه له ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : فهلاّ كان هذا قبل أن ترفعه إليّ ؟ قلت : فالإمام بمنزلته إذا رفع إليه؟ قال : نعم . قال : وسألته عن العفو قبل أن ينتهي إلى الإمام ؟ فقال : حسن . ورواه الكليني أيضاً بسند آخر صحيح عن الحسين بن أبي العلاء(1) .
ودلالة الرواية على السقوط إذا كانت الهبة أو العفو قبل الرفع إلى الإمام ـ الذي يكون المقصود منه هو الحاكم لا خصوص الإمام المعصوم (عليه السلام)ـ واضحة ، إلاّ أنّه ربّما يشكل الاستدلال بها من أجل ظهورها في تحقّق السرقة وإن لم يكن المال في حرز ، وقد تعرّضنا لهذه الجهة في شرح المسألة السابعة من مسائل ما يعتبر في المسروق ، فراجع .
وصحيحة ضريس ـ التي رواها الكليني بسندين أحدهما صحيح ـ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : لا يعفى عن الحدود التي لله دون الإمام ، فأمّا ما كان من حقّ الناس في حدّ فلا بأس بأن يعفى عنه دون الإمام(2) .
وقوله (عليه السلام) : «فأمّا ما كان من حقّ الناس . . .» إمّا أن يكون في مقام ثبوت العفو لغير الإمام في الجملة كما هو الظاهر ، فلا ينافي الاختصاص في المقام بصورة قبل الرفع ، وإمّا أن يكون مطلقاً ، فاللازم تقييد إطلاقه بسبب مثل الروايات المتقدّمة والحكم بالاختصاص بهذه الصورة .
ورواية السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لا يشفعنّ


(1) وسائل الشيعة: 18 / 329، أبواب مقدّمات الحدود ب17 ح2.
(2) وسائل الشيعة: 18 / 330، أبواب مقدّمات الحدود ب18 ح1.

(الصفحة623)

مسألة 4 : لو أخرج السارق المال من حرزه ثمّ أعاده إليه ، فإن وقع تحت يد المالك ولو في جملة أمواله لم يقطع ، ولو أرجعه إلى حرزه ولم يقع تحت يده كما لو تلف قبل وقوعه تحت يده ، فهل يقطع بذلك؟ الأشبه ذلك وإن لا يخلو من إشكال 1.


أحد في حدّ إذا بلغ الإمام ، فإنّه لا يملكه ، واشفع فيما لم يبلغ الإمام إذا رأيت الندم ، الحديث(1) . وفي رواية الشيخ  : إذا رأيت الدم(2) .
الثالث : ما لو ملك السارق المال المسروق بشراء وصلح ونحوهما ، وقد فصّل فيه في المتن أيضاً بالتفصيل المتقدّم في الفرع الثاني ، والظاهر أنّ المستند فيه ما دلّ من النصوص المتقدّمة على التفصيل في الهبة ، وأنّه تسقط القطع إذا كانت قبل الرفع إلى الحاكم ، فإنّ المتفاهم منها عند العرف خروج المال من ملك المسروق منه ودخوله في ملك السارق ، وأمّا كون ذلك بنحو الهبة والمجانيّة فلا يكاد يفهم منها الخصوصيّة ، وإن شئت قلت : إنّه مع انتقال المال إلى السارق لا يبقى للمسروق منه خصوصيّة بها يستحقّ المراجعة إلى الحاكم والرفع إليه ; لعدم الفرق بينه وبين غيره حينئذ من جهة الإضافة إلى المال أصلا ، ومجرّد كون وقوع السرقة في حال كان المالك للمال هو المسروق منه لا يقتضي بقاء الخصوصيّة ولو بعد النقل والانتقال .
وبالجملة : فالظاهر أنّه لا فرق بين الهبة وبين غيرها من وجوه التمليك ، ولا يستفيد العرف خصوصيّة لها ، كما لا يخفى .

1 ـ لو أخرج السارق المال من حرزه ، وتحقّقت السرقة بشرائطها ، ولكن بعد


(1) وسائل الشيعة: 18 / 333، أبواب مقدّمات الحدود ب20 ح4.
(2) التهذيب: 10 / 124.

(الصفحة624)



ذلك بدا له أن يعيده إلى الحرز الذي كان فيه فأعاده إليه ، ففيه صورتان :
الأولى : ما إذا وقع المال بعد الإعادة تحت يد المالك ، ولم يعرض له التلف قبل الوصول إليه ، بل وقع تحت يده ولو في جملة أمواله ، والمحكيّ عن الشيخ(قدس سره) في المبسوط(1) والخلاف(2) عدم سقوط الحد ; لحصول السبب التام للقطع وهو إخراج النصاب .
ولكنّ الظاهر بملاحظة ما عرفت في المسائل السابقة أنّ السرقة الموجبة للقطع هي السرقة المشروطة بمطالبة المسروق منه ; لأنّ المستفاد من الحكم بعدم ثبوت الحدّ ـ فيما إذا لم يطالب أصلا ، أو إذا لم يبق له محلّ للمطالبة ، كما إذا وهبه له ، أو باعه منه ، أو نقل إليه بغير الهبة والبيع ـ أنّه ليس مطلق السرقة موجباً لترتّب حدّ القطع ، بل السرقة مع المطالبة ، ومن المعلوم أنّه لا مجال للمطالبة في هذه الصورة بعد الإعادة ووقوع المال تحت يد المالك .
والعجب من الشيخ(قدس سره) أنّه مع حكمه بسقوط القطع في موردالهبةوالبيع وأشباههما(3)كيف أفتى في المقام بعدم السقوط؟ وإن حمل عبارته في محكيّ الكتابين على الصورة الثانية ، وهي ما لو تلف المال بعد الردّ إلى الحرز قبل الوصول إلى المالك ، ولكنّ الظاهر أنّه لا شاهد على هذا الحمل ، وأنّ كلامه مطلق يشمل كلتا الصورتين .
ولا بأس بنقل عبارة المبسوط ، قال : «فإن نقبا معاً فدخل أحدهما ، فأخذ نصاباً فأخرجه بيده إلى رفيقه وأخذه رفيقه ، ولم يخرج هو من الحرز ، كان القطع على الداخل دون الخارج ، وهكذا إذا رمى به من داخل فأخذه رفيقه من خارج ،


(1) المبسوط: 8 / 29.
(2) الخلاف: 5 / 422 مسألة 11.
(3) المبسوط: 8 / 30.

(الصفحة625)



وهكذا لو أخرج يده إلى خارج الحرز والسرقة فيها ثمّ ردّه إلى الحرز ، فالقطع في هذه المسائل الثلاث على الداخل دون الخارج ، وقال قوم : لا قطع على واحد منهما ، والأوّل أصح .
وكيف كان ، فلا ينبغي الإشكال في عدم ثبوت القطع في هذه الصورة ،
الصورة الثانية : ما إذا أعاده السارق إلى الحرز ، ولكن لم يقع تحت يد المالك ، بل تلف في الحرز قبل الوصول إلى المالك ، وقد استشكل في الحكم بالقطع فيها في المتن بعد أن جعله الأشبه .
ولعلّ منشأ الإشكال ما ذكره صاحب الجواهر من أنّه قد يقال بعدم القطع وإن تلف في الحرز بعد العود ، للشكّ في ثبوت القطع بمثل السرقة المزبورة  ،وكونه في ضمانه لا يقتضي القطع ، كالذي لم يخرجه من الحرز(1) .
أقول : تارةً يقال : بأنّ السرقة بمجرّدها يترتّب عليها القطع ، ويكون الردّ إلى الحرز والوقوع تحت يد المالك مسقطاً للقطع الثابت بنفس السرقة ، وفي هذه الصورة حيث لم يقع المال تحت يد المالك ، بل غاية الأمر وقوعه في الحرز ثانياً نشكّ في سقوط القطع وعدمه ، واُخرى يقال : بأنّ السرقة الموجبة للقطع هي ما كانت متعقّبة بمطالبة المسروق منه المال والرجوع إلى الحاكم لأجله ، وبعد المطالبة يترتّب على السرقة القطع .
ففي الفرض الأوّل يكون مقتضى استصحاب بقاء حكم السرقة ثبوت القطع مع الشكّ في السقوط ، فلا مجال للحكم بالعدم استناداً إلى الشكّ . وفي الفرض الثاني يكون مقتضى بقاء محلّ المطالبة للمسروق منه ثبوت القطع أيضاً ، والوجه في بقاء


(1) جواهر الكلام: 41 / 555.

(الصفحة626)

مسألة 5 : لو هتك الحرز جماعة فأخرج المال منه أحدهم فالقطع عليه خاصّة، ولو قرّبه أحدهم من الباب وأخرجه الآخر من الحرز فالقطع على المخرج له، ولو وضعه الداخل في وسط النقب وأخرجه الآخر الخارج فالظاهر أنّ القطع على الداخل ، ولكن لو وضعه بين الباب الذي هو حرز للبيت بحيث لم يكن الموضوع داخلا ولا خارجاً عرفا فالظاهر عدم القطع على واحد منهما . نعم ، لو وضعه بنحو كان نصفه في الخارج ونصفه في الداخل فإن بلغ كلّ من النصفين النصاب يقطع كلّ منهما ، وإن بلغ الخارج النصاب يقطع الداخل ، وإن بلغ


محلّ المطالبة عدم وصول المال إلى المالك وعدم وقوعه تحت يده ، ومجرّد وقوعه في الحرز ثانياً لا يكفي في رفع الضمان الثابت بمثل قوله(صلى الله عليه وآله) : على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي(1) .
وما أفاده صاحب الجواهر(قدس سره) من أنّ «كونه في ضمانه لا يقتضي القطع» ممّا لا يتمّ ، لأنّ كونه في ضمانه لا يقتضي بمجرّده القطع ، بل يوجب تحقّق محلّ المطالبة التي يكون تعقّب السرقة بها موجباً للقطع ، وبعبارة اُخرى كونه في ضمانه يوجب إمكان تحقّق شرط السرقة الموجبة للقطع ، والتشبيه بما إذا لم يخرجه السارق من الحرز غير صحيح ، بعد كون صورة عدم الإخراج ممّا لا ينطبق عليه عنوان السرقة ; لاعتبار الإخراج من الحرز فيه .
وبالجملة : الموجب للقطع هو السرقة مع ثبوت الضمان الموجب لإمكان تحقّق المطالبة والرجوع إلى الحاكم لأجله ، فالظاهر حينئذ هو ثبوت القطع في هذه الصورة من دون اشكال .


(1) مستدرك الوسائل: 14 / 7، كتاب الوديعة ب1 ذ ح12.

(الصفحة627)

الداخل ذلك يقطع الخارج 1.


1 ـ في هذه المسألة فروع :
الأوّل : ما لو اشترك جماعة في هتك الحرز بحيث كان الهتك مستنداً إلى جميعهم ، ولكن كان المخرج للمال من داخل الحرز إلى خارجه واحداً منهم فقط دون البقيّة . والظاهر كما في المتن وغيره(1) ثبوت القطع على المخرج خاصّة ، وعدم ثبوته على غيره وإن كان شريكاً معه في هتك الحرز ; لما عرفت من أنّه يعتبر في السرقة الموجبة للقطع تحقّق الهتك والإخراج معاً ، وهذا المعنى موجود في خصوص المخرج في المقام ، ودعوى أنّه لم يكن مستقلاًّ في الهتك ومنفرداً به ، بل كان شريكاً مع غيره من أفراد الجماعة مدفوعة بعدم اعتبار الاستقلال في الهتك ، ولذا لو اشترك جماعة في الهتك والإخراج معاً كان القطع على جميعهم .
وأمّا عدم ثبوت القطع في المقام على غير المخرج فالوجه فيه واضح ; لعدم تحقّق الإخراج منه أصلا ، ومنه يظهر بطلان ما عن أبي حنيفة من توزيع السرقة عليهم ، فإن أصاب كلّ منهم قدر النصاب قطعهم(2) .
الثاني : ما لو قرّبه أحدهم من الباب ، وأخرجه الآخر من الحرز ، والحكم فيه ثبوت القطع على المخرج دون المقرّب ; لعدم تحقّق الشرطين إلاّ في الأوّل ، والتقريب من الباب إنّما هو كالنقل في داخل الحرز من بيت إلى بيت آخر ومن محلّ إلى آخر ، خلافاً لما حكي عن أبي حنيفة أيضاً من أنّه لا قطع على واحد منهما ; لعدم صدق الإخراج من الحرز على كلّ منهما(3) ، وهو في غاية الفساد ; لوضوح صدقه على


(1) كشرائع الإسلام: 4 / 958، وقواعد الأحكام: 2 / 267، وجواهر الكلام: 41 / 555.
(2) الخلاف: 5 / 422 مسألة 9، شرح فتح القدير: 5 / 149.
(3) المبسوط للسرخسي: 9 / 147، المغني لابن قدامة: 10 / 298، الشرح الكبير: 10 / 257، شرح فتح القدير: 5 / 148، الهداية المطبوع مع شرح فتح القدير: 5 / 148.

(الصفحة628)



المخرج كما هو المفروض في الفرع .
الثالث : ما لو وضعه الداخل في وسط النقب ، وأخرجه الآخر الخارج ، واستظهر في المتن أنّ القطع على الداخل ، لكن في مقابله أقوال ثلاثه ، بل يظهر من الحلّي في السرائر اختصاص الحكم في هذا الفرع بتلك الأقوال ، وأنّ ما في المتن ممّا لم يقل به أحد ، ولا بأس بنقل عبارة السرائر لتظهر تلك الأقوال ووجوهها .
قال : «قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه ، وقلّده ابن البرّاج في جواهر فقهه : إذا نقبا معاً ودخل أحدهما ، فوضع السرقة في بعض النقب ، فأخذها الخارج ، قال قوم : لا قطع على واحد منهما ، وقال آخرون : عليهما القطع ; لأنّهما اشتركا في النقب والإخراج معاً ، فكانا كالواحد المنفرد بذلك ، بدليل أنّهما لو نقبا معاً ودخلا فأخرجا معاً كان عليهما الحدّ كالواحد ، ولأنّا لو قلنا : لا قطع كان ذريعة إلى سقوط القطع بالسرقة ; لأنّه لا يشاء شيئاً إلاّ شارك غيره فسرقا هكذا فلا قطع .
والأوّل أصح ; لأنّ كلّ واحد منهما لم يخرجه من كمال الحرز ، فهو كما لو وضعه الداخل في بعض النقب ، واجتاز مجتاز فأخذه من النقب ، فإنّه لا قطع على واحد منهما(1) ، هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطه .
قال محمّد بن إدريس مصنّف هذا الكتاب : الذي يقتضيه أصول مذهبنا أنّ القطع على الآخذ الخارج ; لأنّه نقب وهتك الحرز وأخرج المال منه ، ولقوله تعالى :{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} وهذا سارق ، فمن أسقط القطع عنه فقد أسقط حدّاً من حدود الله بغير دليل ، بل بالقياس والاستحسان ، وهذا من تخريجات المخالفين وقياساتهم على المجتاز .


(1) المبسوط: 8 / 26 ـ 27، جواهر الفقه: 227 مسألة 784.

(الصفحة629)



وأيضاً فلو كنّا عاملين بالقياس ما الزمنا هذا ; لأنّ المجتاز ما هتك ولا نقب ، فكيف يقاس الناقب عليه؟
وأيضاً فلا يخلو الداخل من أنّه أخرج المال من الحرز أو لم يخرجه ، فإن كان أخرجه فيجب عليه القطع ، ولا أحد يقول بذلك ، فما بقي إلاّ أنّه لم يخرجه من الحرز ، وأخرجه الخارج من الحرز الهاتك له ، فيجب عليه القطع ; لأنّه نقب وأخرج المال من الحرز ، ولا ينبغي أن تعطّل الحدود بحسن العبارات وتزويقاتها ونقلها وتوريقاتها ، وهو قولهم : ما أخرجه من كمال الحرز ، أيّ شيء هذه المغلطة؟ بل الحقّ أن يقال : أخرجه من الحرز أو من غير الحرز ، لا عبارة عند التحقيق سوى ذلك ، وما لنا حاجة إلى المغالطات بعبارات كمال الحرز»(1) .
ويظهر من المحقّق في الشرائع الميل إلى ما اختاره في المبسوط(2) ، كما أنّه يظهر من الجواهر حاكياً عن كشف اللثام(3) وجود القائل على طبق المتن(4) ، والظاهر أنّ مستنده كون النقب خارجاً عن الحرز وإن كان في تحته ، فضلا عمّا لو كان خارجاً عنه ، فإذا فرض كون النقب خارجاً ، فاللازم الحكم بثبوت القطع على الداخل ; لصدق عنوان المخرج عليه خاصّة ، وأمّا الخارج فقد أخرجه من خارج الحرز ، ولا مجال لثبوت القطع عليه ، فهو كما لو نقل المال المخرج من الحرز من مكان إلى مكان آخر .
وممّا ذكرنا يظهر أنّ الأمر الذي ينبغي أن يقع محلّ النزاع في هذا الفرع هو كون


(1) السرائر: 3 / 497 ـ 498.
(2) شرائع الإسلام: 4 / 958.
(3) كشف اللثام: 2 / 423 ـ 424.
(4) جواهر الكلام: 41 / 558.

(الصفحة630)



النقب داخلا في الحرز ، أو خارجاً عنه ، أو يشكّ في خروجه ودخوله ، فعلى الأوّل يكون القطع على الخارج دون الداخل . وعلى الثاني يكون بالعكس . وعلى الثالث لا قطع على واحد منهما ، للشكّ في تحقّق الشرط بالنسبة إلى كليهما ، ولا يبعد دعوى خروجه عن الحرز غالباً ، وإن كان يمكن دخوله فيه أحياناً ، وعليه فلا يبقى مجال للحكم بالنحو الكلّي ، بل لابدّ من الفرق بين الموارد .
وأمّا ما يوجد في كلمات بعض الأعلام من الفقهاء العظام من ابتناء المسألة على امتناع وقوع المقدور الواحد من القادرين وجوازه(1) ، أو ما ربّما يقال في مقام الجواب عن ذلك : بأنّ الخروج من الحرز آنيّ وهو نهاية الحركة ، فلا فرق بين صورتي الامتناع والإمكان(2) ، فالظاهر أنّ مثلهما ممّا لا يرتبط بمثل هذا البحث المبتني على تحقّق عنوان الحرز عرفاً وعدمه ، كما لا يخفى .
الرابع: ما لو وضعه الداخل بين الباب الذي هو حرز للبيت ، بأن اشتركا في هتك الحرز وفتح الباب ، ولكن دخل أحدهما ووضعه في المكان المزبور ، وفيه صورتان:
الاُولى : ما لو لم يكن الموضوع بين الباب خارجاً عن الحرز بحسب نظر العرف ولا داخلا فيه كذلك ، والحكم فيه أنّه لا قطع على واحد منهما ; لعدم إحراز صدق الإخراج من الحرز على عمل واحد منهما ، كما هو المفروض ، ودعوى أنّ الحكم بعدم القطع في مثله طريق إلى انفتاح باب السرقة ، كما عرفت في بعض الكلمات ، مدفوعة بعدم انحصار حكم السرقة بالقطع ، بل هي موضوعة للحكم التكليفي والحكم الوضعي ، وليس شيء منهما مشروطاً بشرائط السرقة المعتبرة في القطع ،


(1) مختلف الشيعة: 9 / 232 مسألة 86.
(2) كشف اللثام: 2 / 424.

(الصفحة631)

مسألة 6 : لو أخرج النصاب دفعات متعدّدة فإن عدّت سرقة واحدة ، كما لو كان شيئاً ثقيلا ذا أجزاء ، فأخرجه جزءً فجزءً بلا فصل طويل يخرجه عن اسم الدفعة عرفاً يقطع ، وأمّا لو سرق جزءً منه في ليلة وجزءً منه في ليلة أخرى فصار المجموع نصاباً فلا يقطع ، ولو سرق نصف النصاب من حرز ونصفه من حرز آخر فالأحوط لو لم يكن الأقوى عدم القطع 1.


مضافاً إلى ثبوت التعزير مع انتفاء القطع .
الثانية : ما كان الموضوع بين الباب مختلفاً بحسب نظر العرف ; بمعنى أنّه يرى العرف بعضه داخلا في الحرز وبعضه خارجاً عنه ، والحكم فيه أنّه إن كان كلّ من البعضين بمقدار النصاب فالقطع عليهما معاً ، غاية الأمر أنّ الداخل يقطع لإخراج البعض الخارج عن الحرز ، والخارج يقطع لإخراج البعض الداخل في الحرز ، وإن كان البعض الخارج بمقدار النصاب فالقطع على الداخل ; لأنّه أخرجه من الحرز ، وإن كان البعض الداخل بمقدار النصاب فالقطع على الخارج لانحصار إخراج هذا البعض به ، كما أنّه لو لم يكن شيء من البعضين كذلك لا قطع على واحد منهما أصلا وإن بلغ المجموع النصاب .

1 ـ لا إشكال ولا خلاف في ثبوت القطع فيما لو أخرج النصاب دفعةً واحدةً كما مرّ(1) ، ولا ينبغي الإشكال في أنّه لو أخرج النصاب دفعات متعدّدة ، ولكن عدّ المجموع سرقة واحدة ، كما في المثال المذكور في المتن ، يجب أن يقطع ، ولا يلزم بلوغ كلّ واحدة من الدفعات حدّ النصاب ، وإن حكي احتماله عن بعض(2) .


(1) في ص517 ـ 518.
(2) السرائر: 3 / 495.

(الصفحة632)



إنّما الإشكال والخلاف فيما لو لم يعدّ المجموع سرقةً واحدةً ، بل كان كلّ دفعة سرقةً مستقلّةً في أنّه هل يعتبر في الحكم بالقطع بلوغ كلّ دفعة نصاباً ، أو أنّه إذا بلغ المجموع النصاب يقطع وإن لم يبلغ النصاب شيء من الدفعات مستقلّة؟ فيه وجهان بل قولان ، وجعل المحقّق في الشرائع الثاني أصحّ(1) ، وفاقاً للمحكيّ عن المبسوط(2) والسرائر(3) وجواهر ابن البرّاج(4) ، واستدلّ عليه المحقّق بقوله : لأنّه أخرج نصاباً ، واشتراط المرّة في الإخراج غير معلوم .
ومرجع استدلاله إلى أنّه لم يقم في مقابل إطلاق آية السرقة إلاّ دليل اعتبار النصاب الحاكم بأنّه إذا لم تبلغ السرقة ذلك المقدار لا يكون في مورده قطع ، وأمّا كون النصاب معتبراً في كلّ مرّة خصوصاً مع قصر الزمان وعدم طوله فلم يقم عليه دليل ، واللازم حينئذ الأخذ بإطلاق مثل الآية والحكم بثبوت القطع .
والجواب عنه : أنّ دليل اعتبار النصاب إنّما يدلّ على اعتباره في ماهية السرقة الموجبة للقطع ، ومقتضاه أنّ كلّ واحد من أفراد السرقة ومصاديقها إذا بلغ ذلك المقدار يترتّب عليه حكم القطع ، ومن المعلوم أنّ كلّ واحد من السرقتين في مفروض المقام لا يبلغ ذلك المقدار ، ومجموع السرقتين ليس من مصاديق السرقة بحيث كان في البين ثلاث سرقات ، فما هو فرد من تلك الماهية لا يكون واجداً للأمر المعتبر فيها بما أنّه موجبة للقطع ، وما يكون واجداً له وهو المجموع لا يكون من أفراد السرقة ، وعليه فلا مجال للأخذ بإطلاق مثل الآية ، للشكّ في التقييد


(1) شرائع الإسلام: 4 / 958.
(2) المبسوط: 8 / 29.
(3) السرائر: 3 / 498.
(4) جواهر الفقه: 228 مسألة 790.

(الصفحة633)

مسألة 7 : لو دخل الحرز فأخذ النصاب وقبل الإخراج منه اُخذ لم يقطع ، ولو أحدث في الشيء الذي قدر النصاب داخل الحرز ما أخرجه عن النصاب ثمّ أخرجه لم يقطع ، كما لو ذبح الشاة أو خرق الثوب داخل الحرز 1.


بالمرّة والدفعة ، كما لا يخفى .
ويدلّ على ما ذكرنا وضوح أنّه مع تعدّد السارق وعدم بلوغ سرقة كلّ منهما حدّ النصاب ، وبلوغ المجموع ذلك الحدّ ، لا يكون هناك قطع ، فمع تعدّد السرقة من سارق واحد أيضاً كذلك ; لعدم الفرق ، غاية الأمر أنّ الملاك في التعدّد هناك تعدّد السارق ، وهنا تعدّد السرقة ، وهذا لا يوجب الفرق .
ثمّ إنّه ممّا ذكرنا يظهر حكم الفرع الأخير المذكور في المتن ، فإنّه مع التعدّد الناشىء من تعدّد الحرز لا وجه للقطع . نعم ، لو كانا في حكم الواحد ، كما إذا شملهما ثالث كما إذا سرق من بيتين في دار ، أو سرق الدرهم من الصندوق وفرشاً من البيت مثلا ، فالظاهر أنّه سرقة واحدة بنظر العرف ، بخلاف ما إذا لم يشملهما ثالث كما لا يخفى .

1 ـ أمّا عدم القطع في الفرض الأوّل ; فلأنّ المعتبر في السرقة الموجبة للقطع مضافاً إلى هتك الحرز إخراج المال من الحرز ، ونقله إلى خارجه بأيّ طريق ولو كان بنحو الرمي ، لا مجرّد أخذ مقدار النصاب في الحرز وإن لم يتحقّق الإخراج ، فعدم القطع إنّما هو مقتضى القاعدة من غير حاجة في الحكم به إلى دليل آخر ، ويؤيّده روايتان :
إحداهما : رواية السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في السارق إذا أُخذ وقد أخذ المتاع وهو في البيت لم يخرج بعد ، قال : ليس عليه القطع

(الصفحة634)

مسألة 8 : لو ابتلع النصاب داخل الحرز فإن استهلك في الجوف كالطعام لم يقطع ، وإن لم يستهلك لكن تعذّر إخراجه فلا قطع ولا سرقة ، ولو لم يتعذّر إخراجه من الجوف ولو بالنظر إلى عادته فخرج وهو في جوفه ففي القطع وعدمه وجهان : أشبههما القطع إذا كان البلع للسرقة بهذا النحو ، وإلاّ فلا قطع 1.


حتّى يخرج به من الدار(1) .
ثانيتهما : رواية إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه (عليهما السلام) ، أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول : لا قطع على السارق حتّى يخرج بالسرقة من البيت ، ويكون فيها مايجب فيه القطع(2) .
وأمّا عدم القطع في الفرض الثاني ; فلأنّه لم يخرج مقدار النصاب من داخل الحرز ، وثبوت الضمان له من جهة الخرق والذبح الموجبة لنقصان القيمة ـ كما هو المفروض ـ أمر لا يرتبط بعنوان السرقة الذي يعتبر فيه إخراج مقدار النصاب ، لا كون المال بهذا المقدار حين الأخذ وإن نقص عنه حين الإخراج .
نعم ، لو كان نقصان القيمة بعد الإخراج ، سواء كان قبل المرافعة أو بعدها فلا ينبغي الإشكال في ثبوت القطع ; لتحقّق الشرط ، خلافاً لبعض أهل الخلاف في بعض الصور(3) .

1 ـ لو دخل الحرز وابتلع فيه ما قدره نصاب ففيه صور :


(1) وسائل الشيعة: 18 / 498، أبواب حدّ السرقة ب8 ح2.
(2) وسائل الشيعة: 18 / 498، أبواب حدّ السرقة ب8 ح3.
(3) هو أبو حنيفة، حيث قال بعدم القطع إذا سرق ما قيمته نصابٌ فنقصت قيمته من النصاب قبل القطع للسوق ، راجع الخلاف: 5 / 425 ـ 426 مسألة 16، شرح فتح القدير: 5 / 125، المغني لابن قدامة: 10/278.

(الصفحة635)



الاُولى : ما إذا استهلك ما ابتلعه في الجوف ، ولم يكن عند العرف باقياً بوجه ، كالطعام الذي أكله داخل الحرز ، والحكم فيه أنّه لا يقطع ; لعدم إخراج مقدار النصاب من الحرز بعد فرض الاستهلاك ، بل عدم إخراج مال أصلا على هذا الفرض ، فلا وجه للحكم بالقطع .
الثانية : ما إذا لم يستهلك ، كما إذا ابتلع لؤلؤةً أو ديناراً أو شبههما ، ولكن تعذّر إخراجه عادةً وبالنظر إلى عادة هذا الشخص ، فالحكم فيه أيضاً عدم القطع ; لأنّ تعذّر الإخراج يصيّره بمنزلة التالف ، فلم يتحقّق إخراج المال من الحرز .
الثالثة : الصورة الثانية ، ولكن لم يتعذّر إخراجه ولو بالنظر إلى عادته ، كما إذا كانت عادته في مثل هذه الموارد الإخراج بسبب الاستفراغ ، أو الخروج من محلّ الغائط ، أو أشباههمامن طرق الإخراج ، وقد حكم فيها في المتن بأنّه إذا كان الغرض من البلع وغايته تحقّق السرقة بهذا النحو يكون الأشبه فيه القطع ، ووجهه تحقّق شرائط السرقة ، وصدق الإخراج من الحرز مع عدم تعذّر الإخراج من الجوف ولو بالنسبة إلى هذا الشخص ، وإذا لم يكن الغرض ذلك فلا قطع ، والظاهر أنّه لا مجال للحكم بعدم القطع في هذا الفرض بنحو الإطلاق ; لأنّه تارةً يكون غرضه السرقة بنحو آخر ، واُخرى لا يكون غرضه السرقة أصلا ، ففي الأوّل الحكم هو القطع ; لأنّ غرضه قد تعلّق بسرقة اللؤلؤة ، والكيفيّات لا دخل لها في رفع حكم السرقه ، وفي الثاني يكون الحكم هو عدم القطع ; لأنّ الإخراج من الحرز في هذا الفرض لا يكون اختياريّا بوجه ، فتدبّر .


(الصفحة636)






(الصفحة637)




الفصل السادس :

في

حدّ المحارب




مسألة 1 : المحارب هو كلّ من جرّد سلاحه أو جهّزه لإخافة الناس وإرادة الإفساد في الأرض في برٍّ كان أو في بحر ، في مصر أو غيره ، ليلا أو نهاراً ، ولا يشترط كونه من أهل الريبة مع تحقّق ما ذكر ، ويستوي فيه الذكر والأنثى ، وفي ثبوته للمجرّد سلاحه بالقصد المزبور مع كونه ضعيفاً لا يتحقّق من إخافته خوف لأحد إشكال ، بل منع . نعم ، لو كان ضعيفاً لكن لا بحدّ لا يتحقّق الخوف من إخافته ، بل يتحقّق في بعض الأحيان والأشخاص ، فالظاهر كونه داخلا فيه 1.


1 ـ الظاهر أنّ عنوان المحارب في كلمات الفقهاء ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ اقتباس من قول الله تباركوتعالى: {إِنَّمَا جَزَاؤُاْالَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الاَْرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلاَف أَوْ

(الصفحة638)



يُنفَوا مِنْ الاَْرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنيَا وَلَهُمْ فِى الاْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ* إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(1) .
والظاهر أنّ الأحكام الأربعة المذكورة في الآية الشريفة إنّما تترتّب على المحارب ; لأجل كونه يسعى في الأرض فساداً ، بمعنى : أنّ المحارب بما أنّه من مصاديق المفسد في الأرض ومن أفراده يترتّب عليه هذه الأحكام ، وعليه فيستفاد من الآية حكم المفسد في الأرض بما أنّه مفسد .
ودعوى أنّ ظاهر الآية ترتّب الأحكام المذكورة فيها على العنوانين وهما : عنوان المحارب وعنوان الساعي في الأرض فساداً ، مدفوعة بأنّه على هذا التقدير كان اللازم تكرار كلمة «الذين» ، لتدلّ على ثبوت فرقتين ووجود عنوانين ، كما أنّ دعوى أنّ ظاهر الآية ترتّب الأحكام على المحارب إذا كان متّصفاً بالإفساد ، بحيث كان المحارب على قسمين : قسم متّصف بعنوان الإفساد ، وقسم غير متّصف ، فلا تدلّ الآية على ترتّب الأحكام على نفس عنوان المحارب مطلقاً . مدفوعة بأنّ قوله تعالى : {وَيَسْعَوْنَ فِى الاَْرْضِ فَسَاداً} بيان لنكتة تلك الأحكام ووجه لثبوتها ، ومرجعه إلى أنّ المحارب لأجل كونه يسعى في الأرض فساداً يكون موضوعاً لها ، والشاهد لما ذكرنا أمران :
أحدهما : تقييد الإخافة الواقعة في تعريف المحاربة بما إذا كان على وجه يتحقّق به صدق إرادة الفساد في الأرض ، كما في المتن وفي الجواهر(2) . فيظهر من ذلك أنّه لا يمكن التفكيك بين المحاربة وبين الإفساد من ناحية المحاربة دون الإفساد .


(1) سورة المائدة 5: 33 و 34.
(2) جواهر الكلام: 41 / 564.

(الصفحة639)



ثانيهما : قوله تعالى قبل هذه الآية : {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَ نَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}(1) إلى آخر الآية . لدلالته على أنّ القتل المشروع إنّما هو في مورد القصاص ، وفي مورد الفساد في الأرض ، فيدلّ على عدم كون المحارب منفكّاً عن إرادة الفساد فيها ، كما أنّه يستفاد منه أنّ العناوين الموجبة للقتل كالزنا المقرون بالإحصان والزنا بالمحارم ، واللواط مع الإيقاب ، بل العناوين التي يكون القتل فيها في المرتبة الثالثة أو الرابعة كلّها من مصاديق الفساد في الأرض ; لحكمه بانحصار القتل المشروع في غير القصاص بما إذا كان منطبقاً عليه عنوان الفساد في الأرض ، والوجه فيه واضح ، فإنّه إذا كان مجرّد تجريد السلاح لإخافة الناس إفساداً ، فلم لا يكون الزنا المذكور واللواط وأمثالهما كذلك .
وممّا ذكرنا يظهر أمران :
أحدهما : أنّ تعيّن القتل في الموارد المذكورة ، وعدم تعيّنه في مورد الإفساد بناءً على دلالة الآية على كون تلك الأحكام الأربعة ينحو التخيير دون الترتيب ـ كما سيأتي البحث عنه إن شاء الله تعالى ـ إنّما هو لأجل كون تلك الموارد من المراتب الكاملة لعنوان الإفساد ، ولا مانع من كون الحكم في المرتبة الكاملة خصوص واحد من تلك الأحكام ، وهي المرتبة الشديدة منها كما لا يخفى .
ثانيهما : أنّ عدم تعرّض الفقهاء ـ رضوان الله عليهم ـ لعنوان الإفساد في الأرض في رديف العناوين الموجبة للحدّ الذي هو القتل إنّما هو لأجل كون تلك العناوين من مصاديق الإفساد ، ولا وجه حينئذ لذكره بعنوان مستقلّ . هذا ،


(1) سورة المائدة 5: 32.

(الصفحة640)



مضافاً إلى أنّ البحث في عنوان المحارب إنّما هو في الحقيقة بحث عن عنوان الإفساد ; لما عرفت من كون إرادة الإفساد مأخوذاً في معنى المحارب ، وفي الحقيقة يكون البحث في أحكام المحارب بحثاً عن أحكام المفسد ، فتدبّر .
إذا عرفت ما ذكرنا فلنتكلّم في معنى المحارب ، فنقول :
إنّ السلاح المأخوذ في التعريف هل هو مختصّ بالحديد كالسيف ونحوه من الآلات الحديديّة المعدّة للقتل المتنوّعة في زماننا هذا ؟ بل الظاهر على هذا التقدير الشمول لمثل الرمح والسكّين كما في بعض الروايات(1) . أو أنّ المراد به كلّ ما يقاتل به وإن لم يكن من حديد كالعصا والحجر وغيرهما ؟ بل في محكيّ الروضة الاكتفاء في المحاربة بالأخذ بالقوّة وإن لم يكن عصاً أو حجراً(2) ، حكى في كشف اللثام عن الأكثر الوجه الثاني ، وعن أبي حنيفة اشتراط شهر السلاح من الحديد(3) ، وقال يظهر احتماله من التحرير (4) ،(5).
ويدلّ على العموم رواية السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن عليّ (عليهم السلام) في رجل أقبل بنار ، فأشعلها في دار قوم فاحترقت واحترق متاعهم ، أنّه يغرم قيمة الدار وما فيها ثمّ يقتل(6) . بناءً على كون القتل إنّما هو لأجل كونه محارباً لا لعنوان آخر .
نعم ، في رواية جابر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) ما يمكن استفادة الخلاف منه ، حيث قال (عليه السلام):من أشاربحديدة في مصر قطعت يده،ومن ضرب بها قتل(7). ولكن لا يستفاد


(1) وسائل الشيعة: 18 / 534، أبواب حدّ المحارب ب2 ح4.
(2) الروضة البهيّة: 9 / 292.
(3) المغني لابن قدامة: 10 / 304.
(4، 5) تحرير الأحكام: 2 / 234، كشف اللثام: 2 / 431.
(6 ، 7) وسائل الشيعة: 18 / 538، أبواب حدّ المحارب ب3 ح1 و3.
<<صفحه بعد فهرست صفحه قبل>>