جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، کتاب القصاص « کتابخانه « صفحه اصلى  

<<صفحه بعد فهرست صفحه قبل>>


(الصفحة341)



بملاحظة الحمل ولزوم التحفّظ على النفس المحترمة التي هي الحمل ، من دون فرق بين كونه قبل جناية الأُمّ أو بعدها ، وكذا لا فرق بين كونه من زنا أو من غيره ، مضافاً إلى تفسير الإسراف في القتل المنهي عنه في ذيل بعض آيات القصاص بذلك ، مع ظهور كونه منه وإن لم ينحصر به .
الثاني: لا إشكال في ثبوت الحمل المانع عن استيفاء القصاص بشهادة أربع قوابل بذلك ، وأمّا لو كانت دعواها مجرّدة عن البيّنة فقد ذكر المحقّق في الشرائع: قيل: لا يؤخذ بقولها ، لأنّ فيه دفعاً للولي عن السلطان ، ولو قيل: يؤخذ كان أحوط(1) . ويظهر منه كون المسألة خلافية ، مع أنّ الظاهر كما في الجواهر(2) عدم وجدان مخالف صريح للقبول ، فإنّ جماعة من الأكابر وإن عبّروا بأنّ الأولى الاحتياط; لكنّ الظاهر أنّ مرادهم هو الاحتياط اللاّزم كما هو ظاهر الشرائع ، وعليه فالظاهر ثبوت الشهرة على القبول .
ويدلّ على القبول ـ مضافاً إلى أنّ للحمل أمارات مخفيّة أيضاً تجدها الحامل من نفسها ، وتختصّ بمراعاتها على وجه يتعذّر إقامة البيّنة عليها ، فيقبل قولها فيه كالحيض ونحوه ـ قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكتُمنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ}(3) نظراً إلى أنّ عدم حلّية الكتمان مستلزم للحجّية والاعتبار ، وإن كان يمكن المناقشة في الاستدلال به بوروده في المطلقات ، ولا دليل على التعميم . ورواية الطبرسي في مجمع البيان عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكتُمنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} قال: قد فوّض الله إلى النساء ثلاثة أشياء:

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1004 ـ 1005  .
(2) جواهر الكلام: 42 / 322  .
(3) البقرة 2 : 228  .

(الصفحة342)



الحيض ، والطهر ، والحمل(1) . وإن كانت ضعيفة من حيث السند إلاّ أنّ ضعفها منجبر بالشهرة المذكورة ، ولا أقلّ من كون الأخذ بقولها إلى اتّضاح الحال مقتضى الاحتياط الوجوبي ، كما في المتن ومثله .
الثالث: لو وضعت حملها ، فإن توقّف حياة الولد عليها إمّا من جهة اللّباء الذي حكي عن الشيخ(2) والعلاّمة(3) والشهيد(4) وغيرهم(5) أنّه لا يعيش الصّبي بدونه ، وإن كان الوجدان يشهد بخلافه إلاّ أن يراد به الغالب ، وهو يكفي في لزوم الرعاية; وإمّا من جهة انحصار غذائه بالأُمّ لعدم وجود ما يعيش به غيرها ، لا يجوز قتلها واستيفاء القصاص منها; لما ذكر في عدم الجواز مع الحمل من لزوم حفظ النفس المحترمة . نعم مع وجود ما يعيش به غيرها من ألبان الحيوانات أو المراضع الأُخر أو اللبن اليابس المتداول في هذه الأزمنة لا مانع من استيفاء القصاص ، وإن كان يمكن القول باستحباب الصبر; لئلاّ يفسد خلقه ونشؤه بالألبان المختلفة أو لبن غير الأُمّ الذي هو أوفق بطبعه وأنسب بمزاجه ، لكنّه لا يصل إلى حدّ المنع مع كون القصاص حقّاً للناس .
ثم في فرض انحصار غذائه بالأُمّ لو خالف واقتصّ من الأُمّ فمات الولد بعده هل يقتصّ من المقتصّ أم لا؟ قد حكي عن بعض(6) احتمال القصاص عليه لصدق قتله

(1) مجمع البيان: 2 / 101 ، وسائل الشيعة: 15 / 441 ، كتاب الطلاق ، أبواب العدد ب 24 ح2 .
(2) المبسوط : 7 / 59  .
(3) قواعد الأحكام : 2 / 302  .
(4) اللمعة الدمشقية: 120  .
(5) الروضة البهية: 10 / 452  .
(6) مسالك الأفهام: 15 / 253  .

(الصفحة343)



التسبّبي، نحو ما لو حبس رجلاً ومنعه من الطعام أو الشراب حتّى مات جوعاً أو  عطشاً.
ولكنّ الظاهر عدم ثبوت القتل في المقام ، فإنّ الموت مسبَّب عن عدم الغذاء ، ونفي موضوع الغذاء بالقصاص لا يوجب تحقَّق القتل . ألا ترى أنّه لو ترك المكلَّف إنقاذ الغريق مع القدرة عليه فمات الغريق بترك الإنقاذ لا يوجب ذلك تحقَّق القتل وإضافته إلى التارك للإنقاذ ، بل غاية الأمر عصيان التكليف الوجوبي المتعلّق بالإنقاذ. وكذلك لوسرق السارق طعام الغير المتوقّف عليه بقاءحياته لايوجب ذلك انطباق عنوان القاتل عليه ، إذا مات المسروق منه بسبب عدم الطعام ، وأمثال ذلك.
وممّا ذكرنا يظهر أنّه كما لا وجه لثبوت القصاص كذلك لا وجه للحكم بثبوت الدّية كما في الجواهر(1); لعدم تحقّق القتل أصلاً ، والموجب لها هو القتل مع كونه شبه عمد أو خطأ .
الرابع: ما عنونه في المتن بقوله: «ولو قتلت المرأة قصاصاً» ، والظاهر بقرينة قوله: «فبانت حاملاً» هو كون المقتصّ جاهلاً بالحمل حال القصاص ، إمّا لاعتقاده بالعدم ، أو لوجود مجرّد الاحتمال مع كون مقتضى الاستصحاب العدم لخلوّه عن الدعوى أيضاً ، كما أنّ الظاهر كون الحاكم الآذن جاهلاً أيضاً ، وعليه فالحكم بثبوت الدية بلحاظ قتل الحمل وإن كان ظاهراً ، إلاّ أنّ الحكم بثبوتها على الولي محلّ إشكال ، لأنّ القتل حينئذ يكون من قبيل قتل الخطأ الذي تكون الدية فيه على العاقلة ، إلاّ أن يكون المراد بما في المتن نفي الثبوت على بيت المال ، فالمراد بالوليّ هو الأعم منه ومن العاقلة . هذا في صورة جهلهما .
وأمّا صورة علمهما فالظاهر ثبوت الدية على الولي القاتل ، لتحقّق قتل العمد

(1) جواهر الكلام: 42 / 323 .

(الصفحة344)

مسألة 24 ـ لو قطع يد رجل وقتل رجلاً آخر تقطع يده أوّلاً ثم يقتل ، من غير فرق بين كون القطع أوّلاً أو القتل ، ولو قتله ولي المقتول قبل القطع أثم ، وللوالي تعزيره ولا ضمان عليه ، ولو سرى القطع في المجني عليه قبل القصاص


منه بالنسبة إلى الحمل ، غاية الأمر إنّ عدم وجود شرط القصاص فيه أوجب الانتقال إلى الدية . ولا مجال في هذه الصورة لتوهّم ثبوت القصاص على المقتصّ بالنسبة إلى قتل الأُمّ ، لأنّه وإن كان التأخير إلى الوضع واجباً عليه شرعاً ، والتقديم مخالفاً لما هو وظيفته كذلك ، إلاّ أنّ ذلك لا يوجب صيرورة القتل متّصفاً بكونه ظلماً وعدواناً ، كما إذا تصدّى للقصاص من دون استئذان من الحاكم وقلنا بلزومه ، فإنّه لا يوجب تحقّق موجب القصاص ، كما مرّ سابقاً .
وأمّا الحاكم ، فالظاهر أنّه لا وجه للحكم بثبوت ضمانه إمّا بانفراده أو بالاشتراك ، كما احتملهما في محكي المسالك(1) ، نظراً إلى أنّ فعل الولي صادر عن رأيه واجتهاده ، فهو كالآلة ، أو إلى أنّ أمر الحاكم كالمباشرة كفعل الولي ، فيتحقّق التشريك ، والوجه في العدم عدم استناد القتل إلى الحاكم بوجه; لوجود المباشر العالم على ما هو المفروض ، وعليه فالظاهر ثبوت الدية على خصوص الولي .
وممّا ذكر يظهر أنّ الحكم كذلك بطريق أولى فيما إذا كان المباشر عالماً والحاكم الآذن جاهلاً ، وأمّا في صورة العكس فقد صرّح المحقّق في الشرائع بضمان الحاكم(2) ، ولعلّ المراد استقرار الضمان عليه ، نظراً إلى أنّ ولي الحمل يرجع إلى القاتل أوّلاً ، وهو يرجع بعد أداء الدية إليه إلى الحاكم لقاعدة الغرور ، فتدبّر .


(1) مسالك الأفهام: 15 / 255  .
(2) شرائع الإسلام: 4 / 1005  .

(الصفحة345)

يستحقّ وليّه وولي المقتول القصاص ، ولو سرى بعد القصاص فالظاهر عدم وجوب شيء في تركة الجاني ، ولو قطع فاقتصّ منه ثم سرت جراحة المجني عليه فلوليّه القصاص في النفس1.


1 ـ في هذه المسألة فروع:
الأوّل: لو قطع يد رجل وقتل رجلاً آخر فهل يتعيّن أن يكون القطع قبل القتل أم لا؟ فيه وجهان ، واستدلّ للأوّل كما في الشرائع(1) وشرحه(2) بأنّ فيه توصّلاً إلى استيفاء الحقّين وجمعاً بينهما ، من غير فرق بين تقدّم زمان جناية القطع على زمان جناية القتل وتأخّره . ولكن يمكن المناقشة فيه بأنّ الجمع المذكور لا يقتضي إلاّ مجرّد المشروعية وجواز تقدّم القطع على القتل ، وأمّا التعيّن الذي مرجعه إلى وجوب انتظار وليّ المقتول وعدم استيفاء القصاص حتّى يتحقّق قصاص اليد فلا ، خصوصاً مع مسامحة المجنيّ عليه في استيفاء القصاص أو غيبته ، فإنّه لا دليل على الوجوب المذكور ، وإن كان لا يترتّب على مخالفته سوى الإثم والتعزير دون الضمان ، إلاّ أن هذا المقدار أيضاً يفتقر إلى دليل وهو مفقود ، فالمقام نظير ما إذا أخذ بعض الدُيّان دينه من المفلس الذي لم يحكم عليه بالتفليس بعد ، فإنّه يجوز ذلك وإن استلزم ذلك عدم وصول شيء إلى غيره . نعم حيث يكون القصاص مطلقاً مشروطاً بالاستئذان من الحاكم ، يمكن أن يقال: بأنّ الحاكم يؤخّر الإذن في قصاص النفس إلاّ أنّ الكلام في لزوم التأخير على الحاكم .


(1) شرائع الإسلام: 4 / 1005  .
(2) مسالك الأفهام: 15 / 257  .

(الصفحة346)



وبالجملة: الظاهر أنّه لا دليل على لزوم التأخير على وليّ المقتول ، فلو قتله قبل القطع لا يترتّب عليه إثم ، كما لا يترتّب عليه ضمان ، على ما عرفت .
الثاني: ما لو سرى القطع في المجنيّ عليه ، وفيه صورتان:
الاُولى: ما إذا كانت السراية قبل القصاص بحيث تحقّقت السراية في حال حياة الجاني ، وحيث إنّ السراية في هذا الحال تكون مضمونة على ما مرّ سابقاً ، فاللاّزم حينئذ ثبوت قصاص النفس بالإضافة إلى القطع أيضاً ، فيصير كما لو قتل رجلين حيث يستحقّ كلّ واحد من الوليّين القصاص في النفس .
الثانية: ما إذا كانت السراية بعد القصاص وموت القاتل وتحقّق القصاص في اليد ، والمذكور في الجواهر(1) أنّ فيه أقوالاً ثلاثة:
أحدها: ما حكي عن المبسوط(2) وظاهر المحقّق في الشرائع(3) من أنّه يثبت لوليّ المقطوع نصف الدية من تركة الجاني ، لأنّ قطع اليد بدل عن نصف الدية ، فيثبت النصف الآخر بالسراية .
ثانيها: إنّ لوليّ المقتول بالسراية الرجوع بالدية أجمع ، لأنّ للنفس دية على انفرادها ، والذي استوفاه في العمد وقع قصاصاً فلا يتداخل . وحكي عن العلاّمة في التحرير(4) انّه اختار هذا القول ، وعن كشف اللّثام انّه المشهور(5) .
ثالثها: ما استظهره في المتن تبعاً للجواهر ، من أنّه لا يثبت للولي في تركة

(1) جواهر الكلام: 42 / 325 ـ 326  .
(2) المبسوط : 7 / 63  .
(3) شرائع الإسلام: 4 / 1005  .
(4) تحرير الأحكام: 2 / 256 ـ 257  .
(5) كشف اللثام: 2 / 469 ـ 470  .

(الصفحة347)

مسألة 25 ـ لو هلك قاتل العمد سقط القصاص بل والدّية ، نعم لو هرب فلم يقدر عليه حتّى مات ففي رواية معمول بها إن كان له مال أخذ منه وإلاّ أخذ من الأقرب فالأقرب ، ولا بأس به لكن يقتصر على موردها1.


الجاني شيء ، لأنّ الدية لا تثبت في العمد إلاّ صلحاً ، والمفروض عدمه ، والقصاص قد فات محلّه ، والأولى الاستدلال عليه بأنّ الدليل على ضمان السراية على ما عرفت هو الإجماع ، ولم يتحقّق ثبوته مع وقوع السراية بعد موت الجاني ، فعدم ثبوت الدية لعدم تحقّق موجبها وعدم الدليل على ضمانها ، وهذا القول هو الظاهر .
الثالث: لا إشكال بمقتضى ضمان السراية في أنّه لو قطع يد رجل فسرت حتّى انجرّت إلى الموت في ثبوت قصاص النفس وعدم موضوع لقصاص الطرف ، كما أنّه لا إشكال في هذه الصورة في عدم ثبوت قصاصين بعد كون الجناية واحدة ، بخلاف ما إذا قطع يد رجل وقتل رجلاً آخر ، كما لا يخفى .
إنّما الإشكال في الفرض المذكور فيما إذا تحقّق قصاص الطرف ، ثم سرت وانجرّت إلى الموت ، والظاهر بمقتضى ضمان السراية ثبوت القصاص في النفس . ولا ينافيه القصاص الذي وقع أوّلاً ، لعدم كونه مانعاً عن ضمان السراية بوجه ، وإن كان لولاه لما كان هناك إلاّ قصاص النفس فقط كما عرفت ، إلاّ أنّه مع وجوده لا دليل على ارتفاع ضمان النفس ، وكون الجناية واحدة لا تقتضي ذلك ، كما إذا قطع بضربة واحدة اليد والرجل معاً .

1 ـ أمّا سقوط القصاص فلانتفاء موضوعه بالهلاك، وأمّا سقوط الدية فقد وقع الخلاف فيه، فالمحكيّ عن مبسوط الشيخ هو السقوط، بل قال أنّه الذي يقتضيه

(الصفحة348)



مذهبنا(1). وكذا حكي ذلك عن ابن إدريس(2) والمحقّق الكركي(3) وظاهر العلاّمة في المختلف(4) وغاية المراد(5) ومجمع البرهان(6) وبعض آخر(7) . لكن المحكي عن العلاّمة في كثير من كتبه(8) وجوبها في تركة الجاني ، بل قيل: إنّه خيرة الخلاف في أوّل كلامه(9) . والبحث فيه تارة من جهة ما هو مقتضى القواعد العامّة والأدلّة الكلّية الواردة في القصاص ، وأُخرى من جهة بعض الروايات الواردة في بعض فروض المسألة .
أمّا من الجهة الأُولى ، فالدليل على السقوط ما تقدّم من أنّ الثابت في قتل العمد هو القصاص بنحو التعيّن ، والانتقال إلى الدية إنّما هو في طول القصاص ومتوقّف على رضى القاتل أيضاً ، فإنّه إذا بذل نفسه لوليّ المقتول لا يكون له غيرها ، ولا يجوز إجباره على أداء الدية . وعلى ما ذكر فما هو الثابت بقتل العمد قد انتفى موضوعه بالهلاك ، والدّية لم تكن ثابتة حتى تبقى وتتعيّن بانتفاء موضوع القصاص ، والشرط وهو رضا القاتل لا يمكن أن يتحقّق ، فلا وجه لثبوتها .
ولكنّه ربّما يستدلّ على الثبوت بقوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلنَا لِوَلِيِّهِ

(1) المبسوط : 7 / 65  .
(2) السرائر: 3 / 329 ـ 330  .
(3) في جامع المقاصد: 5 / 394 خلافه ، حيث قال: «وجبت الدية كما لو هرب القاتل عمداً أو مات» .
(4) ظاهره بل صريحه في المختلف: 9 / 298 ـ 299 مسألة 9 ، ثبوت الدية .
(5) غاية المراد: 360 ـ 361 .
(6) مجمع الفائدة والبرهان: 13 / 412  .
(7) كشف الرموز: 2 / 622  .
(8) كتبصرة المتعلّمين: 198 وإرشاد الأذهان: 2 / 198 ومختلف الشيعة: 9 / 298 ـ 299 مسألة 9 .
(9) الخلاف: 5 / 184 ـ 185 مسألة 50  .

(الصفحة349)



سُلطَاناً}(1) ، نظراً إلى أنّ الحكم بسقوط الدية أيضاً مستلزم لسلب سلطانه مطلقاً ، وبما ورد في الروايات المتقدّمة من قولهم (عليهم السلام) : «لا يبطل دم امرىء مسلم»(2) ، وبأنّه كمن قطع يد رجل ولا يد له ، فانّ عليه الدية فكذا النفس .
ويرد على الأوّل ظهور كون المراد من السلطان في الآية هو السلطان على القتل ، ويدلّ عليه تفريع قوله تعالى: {فَلاَ يُسْرِف فِي القَتلِ} ، وعليه فهذه الآية إنّما تكون كسائر آيات القصاص ، ولا تعرّض فيها لمسألة الدية بوجه .
وعلى الثاني ـ مضافاً إلى منع اقتضائه لثبوت الدّية في مال الجاني ، بل يمكن أن تكون ثابتة في بيت المال ، ويؤيّده وقوعه تعليلاً في كثير من الروايات للحكم بالثبوت في بيت المال ، وعليه فلا ينطبق الدليل على المدّعى ـ أنّه لا يعلم شموله للمقام الذي كان الجاني باذلاً نفسه للقصاص ، وقد تمهّدت مقدّماته ، لكن الموت العارض للقاتل منع عن تحقّقه  ، فتدبّر .
وعلى الثالث أنّه قياس ، مضافاً إلى كونه مع الفارق ، لوجود الجاني في المقيس عليه وكون أداء الدية من ماله ، وهذا بخلاف المقام الذي يكون الأداء من مال الوارث ، فافهم .
وأمّا من الجهة الثانية ، فقد روى الكليني عن حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد بن سماعة ، عن أحمد بن الحسن الميثمي ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلاً متعمّداً ثم هرب القاتل فلم يقدر عليه ، قال: إن كان له مال أُخذت الدية من ماله وإلاّ فمن الأقرب فالأقرب ، فإن لم

(1) الإسراء 17: 33  .
(2) وسائل الشيعة: 19 / 52  ، كتاب القصاص ، أبواب القصاص في النفس ب 29 ح1 وب 46 ح2 وص104 أبواب دعوى القتل ب 2 ح1 وص109 ب 6 ح1 وص111 ب 8 ح 3 ، وغيرها من الروايات .

(الصفحة350)



يكن له قرابة أدّاه الإمام ، فإنّه لا يبطل دم امرىء مسلم . ورواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن علي بن فضال ، عن ظريف بن ناصح ، عن أبان بن عثمان ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله إلى قوله: الأقرب فالأقرب(1) .
وروى ابن أبي نصر ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل قتل رجلاً عمداً ثم فرّ فلم يقدر عليه حتّى مات ، قال: إن كان له مال أُخذ منه ، وإلاّ أخذ من الأقرب فالأقرب(2) . وحيث إنّ ابن أبي نصر البزنطي لا يمكن له النقل عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) من دون واسطة فلابدّ إمّا أن يلتزم بكون الرواية مرسلة ، وإمّا أن يقال بأنّ المراد هو أبو جعفر الجواد (عليه السلام)  .
والبحث في الروايات يقع من جهات:
الأولى: أنّه لا محيص عن الأخذ بمقتضى هذه الروايات في الجملة ، وإن كان مخالفاً للقاعدة على ما عرفت ، وذلك لاعتبار بعضها في نفسه ، وانجبار البعض الآخر بفتوى المشهور واستناد جلّ الأصحاب إليها . فقد حكي عن غاية المراد(3)والمسالك(4) والتنقيح(5) نسبة مفادها إلى الأصحاب تارة ، وإلى أكثرهم أُخرى ، بل عن الغنية الإجماع عليه(6) ، وإن كان إسناد المحقّق في الشرائع(7) ذلك إلى الرواية يشعر بتردّده فيه ، ولكنّ الظاهر أنّه لا محيص عن الأخذ به والفتوى على طبقه ، كما

(1) وسائل الشيعة: 19 / 302 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 4 ح1  .
(2) وسائل الشيعة: 19 / 303 ، كتاب الديات ، أبواب العاقلة ب 4 ح3  .
(3) غاية المراد : 361 (مخطوط) .
(4) مسالك الأفهام: 15 / 261 ـ 262  .
(5) التنقيح الرائع: 4 / 447  .
(6) غنية النزوع: 405  .
(7) شرائع الإسلام: 4 / 1005  .

(الصفحة351)



لا يخفى .
فلا وجه لما عن السرائر من أنّ موجب القتل العمد ، القود دون الدّية ، فإذا فات محلّه وهو الرقبة فقد سقط لا إلى بدل ، وانتقاله إلى مال الذي للميّت أو إلى مال أوليائه حكم شرعي يحتاج مثبته إلى دليل شرعي ولن يجده أبداً ، وهذه أخبار آحاد وشواذ أوردها شيخنا في نهايته إيراداً لا اعتقاداً ; لأنّه رجع عن هذا القول في مسائل خلافه وأفتى بخلافه ، وهو الحقّ اليقين(1) .
وذلك لاعتبار بعض هذه الروايات بنفسها وبعضها بالانجبار ، وقد ثبت في محلّه عدم اختصاص الحجّية بالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة ، فلا مجال لمثله .
الثانية: الظاهر أنّ مورد رواية أبي بصير كما عرفت هو مجرّد الهرب بنحو لا يقدر عليه ، ولم يقع فيه التقييد بالموت ، ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى ظهوره فيه لعدم التعرّض للموت ـ ما ذكره في الوسائل بعد نقل الرواية بالنحو المذكور من قوله: قال الكليني: وفي رواية أُخرى: ثم للوالي بعد حبسه وأدبه(2) ، فإنّ ظاهره فرض حياة القاتل وأدبه وحبسه بعد الرّجوع عن الفرار وأخذ الدية من ماله أو مال أقربائه ، وعليه فتصير رواية أبي بصير قرينة على أنّ فرض الموت في رواية ابن أبي نصر لا دخالة له في الحكم المذكور فيها ، بل الموضوع للحكم هو مجرّد الفرار بنحو لا يقدر عليه ، لأنّ الجمع بين الروايتين ينحصر بهذا الطريق ، وحينئذ يقع الإشكال في أمرين:
أحدهما: أنّ المحقّق في الشرائع نقل رواية أبي بصير بنحو يشتمل على ذكر

(1) السرائر: 3 / 330  .
(2) الكافي : 7 / 365 ذيل ح3  .

(الصفحة352)



الموت ، حيث قال: وفي رواية أبي بصير: إذا هرب فلم يقدر عليه حتّى مات أُخذت من ماله ، وإلاّ فمن الأقرب فالأقرب(1) . مع أنّك عرفت خلوّها عنه في جميع أنحاء طرق نقلها .
ثانيهما: أنّ ظاهر الأصحاب حيث قيّدوا الموضوع بالموت مدخليّته في الحكم ، بحيث لو كان الهرب بالنحو المذكور خالياً عن الموت لا تثبت الدية بوجه ، فإن كان مستندهم فهمهم من رواية أبي بصير ذلك فيرد عليه عدم دلالتها عليه أصلاً ، وإن كان اقتضاء الجمع بين الروايتين فقد عرفت أنّ مقتضى الجمع الحكم بعدم مدخلية الموت المذكور في الرواية الثانية ، خصوصاً بعد عدم إمكان إضافة الموت إلى الأُولى ، لما عرفت من الوسائل . وعلى ما ذكرنا فلا محيص بعد لزوم الأخذ بالروايتين عن الحكم بثبوت الدية بمجرّد الهرب بنحو لا يقدر عليه ، ويساعده الاعتبار أيضاً ، فإنّ الحكم بلزوم الانتظار إلى سنين بل عشرات السنين أحياناً لا يناسب أصل جعل الحكم ، كما لا يخفى .
الثالثة: لو قلنا بأنّ مورد الروايتين مقيّد بما إذا وقع الموت ، كما هو ظاهر المتن تبعاً للمشهور ، فهل يكون الحكم بثبوت الدية منحصراً بموردهما ، أو يتعدّى عنه إلى جميع موارد تعذّر القصاص وتحقّق الموت بعده؟ كما إذا امتنع من استيفاء القصاص عنه مثلاً .
الظاهر هو الأوّل ، لأنّ الحكم في الروايتين على خلاف القاعدة ، لأنّ مقتضاها على ما عرفت عدم ثبوت الدية بوجه ، والاستدلال في ذيل رواية أبي بصير بقوله (عليه السلام) : «فإنّه لا يبطل دم امرىء مسلم» إنّما هو على الثبوت في بيت المال بعد

(1) شرائع الإسلام: 4 / 1005  .

(الصفحة353)

مسألة 26 ـ لو ضرب الوليّ القاتل وتركه ظنّاً منه أنّه مات فبرأ ، فالأشبه أن يعتبر الضرب ، فإن كان ضربه ممّا يسوغ له القتل والقصاص به لم يقتصّ من الوليّ ، بل جاز له قتله قصاصاً ، وإن كان ضربه ممّا لا يسوغ القصاص به كأن ضربه بالحجر ونحوه كان للجاني الاقتصاص ، ثم للوليّ أن يقتله قصاصاً أو يتتاركان1.


الفراغ عن أصل الثبوت ، لا على أصل الثبوت . ومن الواضح لزوم الاقتصار في الحكم المخالف للقاعدة على خصوص مورده ، فلا مجال للتعدّي  ، كما أفاده في المتن .

1 ـ الظاهر أنّ التفصيل المذكور في المتن بقرينة عدم الإشارة إلى وجود نصّ معتبر في المسألة وبقرينة التعبير بالأشبه إنّما هو بلحاظ القاعدة ، ويؤيّده أنّ المحقّق في الشرائع(1) بعد ذكر مفاد الرواية والحكم بضعفها وإرسالها جعل الأقرب هذا التفصيل ، وعليه فالكلام في المسألة يقع في مقامين:
الأوّل:فيما تقتضيه القاعدة مع قطع النظر عن الرواية الواردة ، ونقول: ظاهر المتن تبعاً للشرائع هو أنّ مقتضاها التفصيل ، نظراً إلى أنّه إن كان ضربه بما كان له الاقتصاص به ، بأن اقتصّ منه بالسيف بضربه بالعنق ، فظنّ أنّه أبانه بضربة ، على ما تقدّم في بعض المسائل السابقة(2) في كيفية الاستيفاء من عدم جواز الاقتصاص بأيّة كيفية شائها المقتصّ حتّى ولو كانت مماثلة لكيفية الجناية ، بل الظاهر لزوم وقوعه بالنحو المتعارف الذي كان هو القطع أي قطع العنق بالسيف في تلك الأزمنة وأمر آخر يتحقّق بالوسائل الجديدة في هذه الأزمنة .


(1) شرائع الإسلام : 4 / 1006  .
(2) تقدّم في ص310 ـ 311 ، الجهة الثالثة .

(الصفحة354)



وكيف كان فلو كان ضربه بالنحو المشروع والمجاز لكن ظنّ الموت فانكشف عدمه ، فالظاهر أنّه لا مجال للاقتصاص من المقتصّ لعدم كون عمله عدواناً وظلماً ، وموجب القصاص هي الجناية غير المشروعة . وأمّا إن كان ضربه بما ليس له الاقتصاص به ، فالضرب المذكور يكون غير مجاز فيترتّب عليه القصاص ، لكن يرد عليه أنّ الضرب المذكور وإن كان غير مجاز ولا مشروع إلاّ أنّ الظاهر عدم ترتّب الضمان عليه بوجه ، بل غايته ترتّب مجرّد الإثم والتعزير عليه ، ولا ملازمة بين عدم الجواز وبين ثبوت الضمان ، وقد تقدّم سابقاً أنّ مخالفة الكيفية المعتبرة في الاستيفاء لا يوجب القصاص ، فلو ضربه بالعصا حتّى مات تحقّق الإثم والتعزير فقط .
وحينئذ فأيّ فرق بينه وبين ما إذا ضربه بالعصا فظنّ الموت ثم انكشف الخلاف ، خصوصاً مع كون ساعات الضرب ومقداره أقلّ ، ومع كون الضرب بالعصا في كلتا الصورتين بقصد القصاص وبعنوان التأثير في الموت ، فهل فرق حينئذ بين ما إذا ترتّب عليه الموت وما إذا لم يترتّب؟ فكما أنّه لا يترتّب القصاص في تلك الصورة كذلك لا مجال لترتّبه في هذه الصورة ، فالإنصاف أنّ مقتضى القاعدة عدم القصاص في كلتا صورتي المسألة .
الثاني:في الرواية الواردة في المسألة ، وهي ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن بعض أصحابه ، عن أبان بن عثمان ، عمّن أخبره ، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: أُتي عمر بن الخطاب برجل قد قتل أخا رجل ، فدفعه إليه وأمره بقتله ، فضربه الرجل حتّى رأى أنّه قد قتله ، فحمل إلى منزله فوجدوا به رمقاً فعالجوه فبرأ ، فلمّا خرج أخذه أخو المقتول الأوّل ، فقال: أنت قاتل أخي ولي أن أقتلك، فقال: قد قتلتني مرّة، فانطلق به إلى عمر فأمر بقتله ، فخرج وهو يقول: والله

(الصفحة355)



قتلتني مرّة ، فمرّوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبره خبره ، فقال: لا تعجل حتّى أخرج إليك ، فدخل على عمر فقال: ليس الحكم فيه هكذا ، فقال: ما هو يا أبا الحسن؟ فقال: يقتصّ هذا من أخى المقتول الأوّل ما صنع به ثم يقتله بأخيه ، فنظر الرجل أنّه إن اقتصّ منه أتى على نفسه ، فعفا عنه وتتاركا . ورواه الشيخ بإسناده عن علي ابن مهزيار ، عن إبراهيم بن عبدالله ، عن أبان بن عثمان ، ورواه الصدوق بإسناده عن أبان بن عثمان(1) .
وقد مرّ أنّ المحقّق (قدس سره) في الشرائع حكم بضعف أبان وإرسال الرواية .
أقول: أمّا ضعف أبان فمنشأه ما في الكشّيّ من أنه من الناووسية(2) وهي الفرقة المطعونة ، مع أنّ مجرّد فساد العقيدة على تقدير ثبوته لا يستلزم الضعف ، خصوصاً مع كون الحاكي لهذه الجهة ابن فضال الذي هو مثله في فساد العقيدة ، مضافاً إلى أنّ المحكي عن المقدس الأردبيلي(3) أنّ الموجود في نسخة الكشّي التي كانت عنده هو أنّه من القادسية قرية معلومة ، وإلى معارضته بما عن نفس الكشي(4) من كونه من أصحاب الإجماع ، وقد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه ، فالحكم بضعف أبان لا مجال له أصلاً .
وأمّا الإرسال فيمكن منع قدحه ، إمّا لأجل اقتضاء كونه من أصحاب الإجماع صحّة ما صحّ عنه ، وإن كان نقله مرسلاً أو عن ضعيف . وفي المقام وإن كان نقل الكليني مرسلاً ، ولازمه عدم تحقّق الصحّة عنه ، إلاّ أنّ النقلين الآخرين خاليين

(1) وسائل الشيعة: 19 / 94 ، أبواب القصاص في النفس ب 61 ح1 .
(2) رجال الكشي: 352  ، الرقم 660  .
(3) مجمع الفائدة والبرهان: 9 / 323  .
(4) رجال الكشي: 375 ، الرقم 705  .

(الصفحة356)



عن هذا الإرسال . وإمّا لأجل ظهور نقل غير الكليني في عدم الإرسال ، كما حكاه صاحب الجواهر(1) ، وإمّا لأجل انجباره بالعمل نظراً إلى عمل ابن إدريس(2) به ، ونسبة العمل به إلى الشيخ(3) وأتباعه(4) ، وإلى ما ذكره صاحب الجواهر أيضاً من أنّ تفصيل المحقّق ومن تأخّر عنه لا يخلو عن العمل بالخبر المزبور في الجملة لاقتضاء الإعراض عنه عدم ضمان شيء من الجراحات هنا ، لا قصاصاً ولا دية(5) .
ولكنّ الظاهر بطلان جميع هذه الوجوه:
أمّا الوجه الأوّل: فلما مرّ في كتاب الحدود(6) من عدم اقتضاء كون الرجل من أصحاب الإجماع إلاّ مجرّد وثاقته وكونه معتمداً عليه ، وأمّا صحّة روايته وإن كان نقله مرسلاً أو عن ضعيف فلا ، فالامتياز لهؤلاء إنّما هو في مجرّد الاتفاق على وثاقتهم والاعتماد عليهم .
وأمّا الوجه الثاني: فالظاهر كما عرفت من الوسائل اشتراك الطرق في الإسناد إلى أبان ، وتحقّق الإرسال بعده ، فالرواية مرسلة على جميع الطرق .
وأمّا الوجه الثالث: فالدليل عليه ما عرفت من المحقّق من أنّه بعد طرح الرواية جعل الأقرب هو التفصيل المذكور ، وظاهره كون التفصيل موافقاً للقاعدة عنده ، فلا مجال لدعوى استناد التفصيل إلى الرواية وكونه عملاً بها ولو في الجملة ،

(1) جواهر الكلام: 42 / 342 ، والمحكي عنه هو الطباطبائي في رياض المسائل: 10/347 .
(2) السرائر: 3 / 405  .
(3) النهاية: 774 ـ 775  .
(4) الوسيلة: 438  .
(5) جواهر الكلام: 42 / 341  .
(6) مرّ في تفصيل الشريعة ، كتاب الحدود : 353 ـ 357 .

(الصفحة357)

مسألة 27 ـ لو قطع يده فعفا المقطوع ثم قتله القاطع فللولي القصاص في النفس ، وهل هو بعد ردّ دية اليد أم يقتل بلا ردّ؟ الأشبه الثاني ، وكذا لو قتل رجل صحيح رجلاً مقطوع اليد قتل به ، وفي رواية: إن قطعت في جناية جناها أو قطع يده وأخذ ديتها يردّ عليه دية يده ويقتلوه ، ولو قطعت من غير جناية ولا أخذ لها دية قتلوه بلا غرم ، والمسألة مورد إشكال وتردّد ، والأحوط العمل بها ، وكذا الحال في مسألة أُخرى بها رواية ، وهي لو قطع كفّاً بغير أصابع قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع ، فإنّها مشكلة أيضاً1.


ويؤيّده عدم إشارة المتن إلى وجود رواية في المسألة كما مرّ .
فالإنصاف أنّه لا مجال للأخذ بالرواية لضعفها وعدم الجابر لها بوجه ، فاللاّزم الأخذ بالقاعدة ، وقد عرفت أنّ مقتضاها عدم القصاص مطلقاً .

1 ـ في هذه المسألة فروع ثلاثة ، ومقتضى القاعدة في جميعها مع قطع النظر عن الروايتين الواردتين في الفرعين الأخيرين أنّ نقص المقتول أو المقطوع لا يقدح في أصل القصاص بوجه . فما ذكره الشيخ احتمالاً ، من سقوط القصاص رأساً وثبوت نصف الدية في الفرع الأوّل ، نظراً إلى أنّ القتل بعد القطع بمنزلة السراية ، فهو كالجناية الواحدة إذا عفا عن بعضها ، فيسقط القصاص عن جميعها(1) في غاية الضعف ، لأنّه لا مجال لنفي القصاص مع ثبوت موجبه ، وهو إزهاق نفس معصومة عدواناً وظلماً .
كما أنّ ما ذكره ابن إدريس في الفرع الأخير من أنّه لا خلاف بيننا أنه لا يقتصّ العضو الكامل للناقص ـ إلى أن قال : ـ والأولى الحكومة في ذلك وترك القصاص

(1) المبسوط : 7 / 67  .

(الصفحة358)



وأخذ الأرش(1) ، لا سبيل له أيضاً ، لعين ما ذكرنا من ثبوت موجب القصاص في الطرف وهو قطع العضو عدواناً وظلماً ، فالإنصاف أنّه لا مجال للحكم بعدم ثبوت القصاص في شيء من الفروع الثلاثة .
كما أنّ مقتضى القاعدة في الجميع الثبوت من غير ردّ شيء لظهور أدلّته وعموماته كتاباً وسنّة في ثبوته وعدم لزوم ردّ شيء أصلاً .
وأمّا الرواية الواردة في الفرع الثاني فهي رواية سورة بن كليب ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل قتل رجلاً عمداً ، وكان المقتول أقطع اليد اليمني؟ فقال: إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها ، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده الذي قيد منها إن (أو ـ ظ) كان أخذ دية يده ويقتلوه ، وإن شاؤوا طرحوا عنه دية يد وأخذوا الباقي ، قال: وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ، ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً ، وإن شاؤوا أخذوا دية كاملة ، قال وهكذا وجدناه في كتاب علي (عليه السلام) (2) .
والكلام في الرواية تارة من جهة اعتبارها في موردها ، واُخرى بعد فرض الاعتبار في المورد في شمولها للفرع الأوّل من جهة الحكم بلزوم الردّ ، فنقول:
أمّا من الجهة الاُولى فهي ضعيفة بسورة ، لعدم توثيقه قطعاً ، وعدم مدحه ظاهراً . وما ذكره الكشي(3) فيه ممّا يدلّ على مدحه يكون الناقل له شخص هذا الرجل ، والانجبار بالشهرة غير معلوم ; لعدم ثبوت الشهرة الفتوائية حتى تكون

(1) السرائر: 3 / 404  .
(2) وسائل الشيعة: 19 / 82  ، أبواب القصاص في النفس ب 50 ح1  .
(3) رجال الكشي: 376 ، الرقم 706  .

(الصفحة359)



جابرة ، وعمل ابن إدريس الذي لا يعمل إلاّ بالقطعيات لا يوجب الجبر . فالرواية من جهة ضعف السند وعدم الجابر لا تكون حجّة في موردها فضلاً عن غيره ، وتوصيفها بكونها حسنة كما في محكي المسالك(1) وقد ارتضاه صاحب الجواهر(2)لا مجال له .
وأمّا من الجهة الثانية ، فالحكم بلزوم ردّ دية اليد عند الاقتصاص من القاتل في الفرع الأوّل انّما يبتنى على كون العفو ـ أي إسقاط حق القصاص في اليد مجاناً ـ من مصاديق أخذ دية اليد ، مع أنّه ممنوع جدّاً لعدم صدق أخذ الدية على العفو بوجه .
ودعوى كونه أخذ العوض الذي هو الثواب بل يظهر من غير المقام تنزيل العفو منزلة الأداء ، مدفوعة بعدم كون ذلك مساعداً لما هو المتفاهم عند العرف ، مضافاً إلى أنّ العفو قد لا يكون لغرض الثواب أصلاً ، والتنزيل لا دليل على شموله لمثل المقام أيضاً .
فالإنصاف أنّ الرواية تدلّ على الفرع الأوّل بمقتضى ذيلها ، باعتبار عدم كون العفو من مصاديق القطع في جناية جناها على نفسه الذي هو بمعنى القصاص ، لأنّ الجاني المستحقّ للقصاص قد جنى على نفسه وعدم كونه من مصاديق أخذ دية اليد ، فيجوز الاقتصاص من دون غرامة شيء ، كما أنّه على تقدير أخذ الدية من القاتل تؤخذ دية كاملة . نعم لا ينبغي ترك الاحتياط في الأخذ بالرواية .
وأمّا الرواية الواردة في الفرع الثالث ، فهي ما رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش ، عن أبي جعفر

(1) مسالك الأفهام: 15 / 265  .
(2) جواهر الكلام: 42 / 337  .

(الصفحة360)



الثاني (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر الأوّل (عليه السلام) لعبد الله بن عبّاس : يا ابن عباس أنشدك الله هل في حكم الله اختلاف ؟ قال : فقال: لا ، قال: فما تقول في رجل قطع رجل أصابعه بالسيف حتّى سقطت فذهبت ، وأتى رجل آخر فأطار كفّ يده فأتى به إليك وأنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفّه ، وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت وابعث إليهما ذوي عدل . فقال له: قد جاء الاختلاف في حكم الله ونقضت القول الأوّل ، أبى الله أن يحدث في خلقه شيئاً من الحدود وليس تفسيره في الأرض ، اقطع يد قاطع الكفّ أصلاً ، ثم أعطه دية الأصابع ، هذا حكم  الله(1) .
والرواية ضعيفة من حيث السند بابن العبّاس بل وبسهل  ، ولا جابر له ، وإن ادّعاه صاحب الجواهر(2) نظراً إلى عمل الشيخ(3) والمحقّق(4) وبعض آخر بها(5)وإلى ما في غاية المراد(6) والمسالك(7) من أنّه عمل بها الأكثر ، وذلك لعدم تحقّق الشهرة بنحو تكون جابرة ، وعليه فاللاّزم الأخذ بمقتضى القاعدة ، وإن كان مقتضى الاحتياط الأخذ بالرواية .


(1) وسائل الشيعة: 19 / 129 ، أبواب قصاص الطرف ب 10 ح1 .
(2) جواهر الكلام: 42 / 338  .
(3) النهاية: 774  .
(4) شرائع الإسلام: 4 / 1006  .
(5) كالعلاّمة في التحرير: 2 / 256 ، والإرشاد: 2 / 199  .
(6) غاية المراد: 364 .
(7) مسالك الأفهام: 15 / 266  .
<<صفحه بعد فهرست صفحه قبل>>