جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ـ كتاب المكاسب المحرمة « کتابخانه « صفحه اصلى  

<<صفحه بعد فهرست صفحه قبل>>

صفحه 41

وجود العبيد والإماء في هذه الأزمنة، أو عدم إمكان الوصول إليهما على فرض الوجود، فالمناسب الإعراض عن البحث المتعلّق بهذا الأمر .

ثانيهما : عصير العنبي بعد صيرورته مغليّاً قبل أن يذهب ثلثاه، بناءً على نجاسته كما مرّ البحث فيها في كتاب النجاسات(1) ، والكلام فيه يقع في مقامين :

الأوّل : فيما هو مقتضى القواعد والضوابط الأوّلية، وأنّها هل تقتضي حرمة التكسّب والتجارة به أم لا ؟

فنقول : الظاهر عدم اقتضاء القاعدة ذلك; لأنّ مجرّد النجاسة من حيث هي لاتكون موجبة للفساد، والماليّة والملكيّة محفوظتان . غاية الأمر أنّه قبل ذهاب الثلثين كالبيع المعيوب القابل لزوال عيبه بذهاب الثلثين، فإذا كان المشتري جاهلاً به يكون ـ كسائر الموارد التي يكون المبيع معيوباًـ مخيّراً بين الردّ والأرش، وليس ذلك مثل ما إذا كان المبيع خمراً ولو فرض إمكان استحالتها بالخلّ; لأنّ ذلك متوقّف على تبدّل الموضوع بخلاف زوال العيب في العصير بذهاب الثلثين.

ولذا حكى الشيخ عن صريح التذكرة بأنّه لو غصب عصيراً فأغلاه حتّى حرم ونجس لم يكن في حكم التالف، بل وجب عليه ردّه، ووجب عليه غرامة الثلثين واُجرة العمل فيه حتّى يذهب الثلثان، معلّلاً بأنّه ردّه معيباً ويحتاج زوال العيب إلى خسارة، والعيب من فعله، فكانت الخسارة عليه(2) ، وأورد على جامع المقاصد الذي لم يفرّق بينه وبين ما لو غصبه عصيراً فصار خمراً، حيث حكم فيه بوجوب



(1) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، كتاب الطهارة، النجاسات وأحكامها: 154 ـ 172، المقام الثالث.
(2) تذكرة الفقهاء 2: 387، الطبعة الحجرية.


صفحه 42

غرامة مثل العصير ; لأنّ الماليّة قد فاتت تحت يده فكان عليه ضمانها كما لو تلفت(1)بالفرق الواضح بين الأمرين; لأنّ العصير بعد الغليان مال عرفاً وشرعاً، وطهارته لاتحتاج إلى زوال موضوعه، نظير طهارة ماء البئر بالنزح(2) .

الثاني : الروايات الواردة في مثل المقام، وهي :

رواية أبي بصير قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمراً؟ قال : إذا بعته قبل أن يكون خمراً وهو حلال فلابأس(3) . والمحكي عن نسخة من التهذيب، وعن الوافي عنه وعن الكافي قوله : فهو حلال مكان «و»(4)، والرواية وإن لم تكن معتبرة بعلي بن أبي حمزة الراوي عن أبي بصير، وبقاسم بن محمّد الراوي عن علي بن أبي حمزة، إلاّ أنّ البحث في مفادها لايكون خالياً عن الفائدة العلميّة .

قال الإمام الماتن(قدس سره) في هذا المجال بعد الاعتراف بالقصور من حيث السند واغتشاش متنها، ما ترجع خلاصته إلى أنّ الشرطيّة لا مفهوم لها; لأنّها سيقت لبيان تحقّق الموضوع; فإنّ مفهوم «إذا بعته كذا» هو إذا لم تبعه ، وأمّا مفهوم القيد فهو من مفهوم اللقب الذي لا يقال به. ولو قيل به في الشرط وعلى فرض المفهوم ـ أي للقيد ـ فإن قلنا بتعدّد الشرط واتّحاد الجزاء كقوله : «إذا خفي الأذان فقصّر، وإذا خفي الجدران فقصّر»، فإن لوحظ حال الاضطرار المسوّغ لشرب الخمر تكون



(1) جامع المقاصد 6: 293.
(2) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 61 ـ 62.
(3) الكافي 5: 231 ح3، تهذيب الأحكام 7: 136 ح602، الاستبصار 3: 105 ح369، وعنها وسائل الشيعة 17: 229، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب59 ح2.
(4) الوافي 17: 250 ح17208 و 17209.


صفحه 43

هذه المسألة عين المثال المذكور، وقد رجّح في محلّه إجمال الدليل والرجوع إلى الاُصول العمليّة(1).

وإن لم يلحظ حال الاضطرار يكون المنطوق في الثانية أخصّ من الاُولى، فتقيّد به فيقع إشكال في المتن; لأنّ مرجعه إلى أنّ الدخيل هو قيد الحلّية، وإن قلنا بوحدة المنطوق وكون الشرط أمراً واحداً مركّباً، فقد يقال بأنّ المفهوم ثابت مع ارتفاع كلّ قيد، فيدلّ على أنّ العصير إذا حرم ففيه بأس; سواء قلنا بنجاسته أم لا(2).

ولكن يرد عليه: أنّه وإن كانت غاية تقريب دلالتها على حرمة بيع العصير المغلي مطلقاً، إلاّ أنّ فيه ـ مضافاً إلى أنّها بصدد بيان المنطوق لا المفهوم، فلا إطلاق فيه، والمتيقّن منه ما إذا باعه ممّن يجعله خمراً، أو يطبخه ويجعله بختجاً; فإنّ البختج على ما يظهر من الروايات مسكر يصطنعه الفسّاق(3); وهو على ما قيل: يسمّى «مى پخته»(4) أو «باده».

وكيف كان، لا إطلاق في المفهوم، بل من المحتمل أن يكون المراد بقوله: «ليطبخه»; أي يجعله بختجاً; لبُعد السؤال عن جواز بيع العصير للشيرج، خصوصاً من مثل أبي بصير ـ : أنّ في المنطوق نفي البأس عن بيعه ليطبخه أو يجعله خمراً، ولا يثبت في المفهوم إلاّ نفي البأس المطلق، وهو صادق مع ثبوت البأس لأحد طرفي الترديد .

وبعبارة اُخرى: لا يدلّ المفهوم إلاّ على سلب التسوية بين طرفي الترديد



(1) راجع تهذيب الاُصول 1: 448.
(2) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني(رحمه الله) 1: 124 ـ 126.
(3) وسائل الشيعة 25: 292 ـ 294، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأشربة المحرّمة ب7.
(4) النهاية في غريب الحديث 1: 101، لسان العرب 1: 168.


صفحه 44

لا  ثبوت التسوية في الحكم المخالف، مع أنّ ثبوت البأس أعمّ من الحرمة، وكون بعض موارده حراماً لايوجب كون البقيّة كذلك ، فدعوى الجزم أو الظهور في سائر الموارد في غير محلّها . هذا على تقدير نسخة الوسائل ، وأمّا على ما في المحكي عن نسخة من التهذيب، وعن الوافي عنه وعن الكافي(1)، فالرواية تدلّ على جواز بيع العصير قبل صيرورته خمراً وإن عرض له الغليان، كما لايخفى(2) .

ثمّ إنّه أفاد بعض الأعلام(قدس سره) على ما في تقريراته أنّه حيث إنّ أبا بصير الراوي للرواية السائل عن الإمام(عليه السلام) يكون كوفيّاً، والكوفة لم تكن محلاًّ للعنب; لأنّ اليوم كذلك فضلاً عن تلك الأزمنة، بل محلّ للنخل والتمر، يكون مراده من العصير هو عصير التمر لا العنب الذي هو محلّ الكلام فعلاً(3) .

ويرد عليه ـ مضافاً إلى أنّ إطلاق العصير في كلام السائل ينصرف إلى العصير العنبي، كإطلاق المتن في أصل المسألة، ولعلّه يؤيّده جعله خمراً المأخوذ في السؤال، مع أنّ الإمام(عليه السلام) لم يكن من أهل الكوفة، وسؤال مثل أبي بصير وزرارة ومحمّد بن مسلم وأمثالهم لم يكن من المسائل المُبتلى بها لأنفسهم، بل لأجل جمع الأحكام وحفظها وإبقائها للقرون التالية ، ولذا كان بعض الرواة راوياً لآلاف حديث، فلا  يكون ارتباطه بالكوفة له دخل في ذلك أصلاً .

والذي يسهّل الخطب ما عرفت من ضعف سند الرواية لا من جهة واحدة، بل من جهات عديدة، فلا اعتبار بها كما لايخفى .



(1) الوافي 17: 250 ح17208 ب39 بيع الخمر والعصير.
(2) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني(قدس سره) 1: 124 ـ 127.
(3) مصباح الفقاهة 1: 177.


صفحه 45

ثمّ إنّ من جملة الروايات رواية أبي كهمس، وقد نقلها الشيخ الأعظم(قدس سره)(1) بعين القضيّة الشرطيّة المذكورة في كلام الإمام(عليه السلام) في رواية أبي بصير المتقدّمة، لكنّ المذكور في الوسائل في هذا الباب أنّه قال : سأل رجل أبا عبدالله(عليه السلام) عن العصير فقال: لي كرم وأنا أعصره كلّ سنة وأجعله في الدنان وأبيعه قبل أن يغلي ، قال : لابأس به، وإن غلى فلا يحلّ بيعه ، ثمّ قال : هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً(2) .

وذكر الاُستاذ أنّ مثل هذه الروايات متعرّضة لمسألة اُخرى سيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى; وهي بيع العصير ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً، وهي غير ما نحن بصدده(3) .

أقول : قوله(عليه السلام) : «وإن غلى فلا يحلّ بيعه» ضابطة كلّية مذكورة في كلام الإمام(عليه السلام)في مقام الجواب عن السؤال، فلابدّ من توجيهه إمّا بما أفاده الشيخ(4) من البيع من دون إعلام المشتري بالواقع، وأنّ هذا مغليّ يحتاج إلى ذهاب الثلثين ، كما أنّه وجّه عدم الخير والنفع الواقع في بعض المرسلات(5) بذلك . وإمّا مع الإعلام فلايحلّ البيع، وبدون هذا التوجيه لِمَ لا يستفاد حكم المقام ـ وهو عدم الجواز ـ من مثل الرواية؟ اللّهم إلاّ أن يقال بثبوت الضعف في الرواية من جهة مجهوليّة



(1) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 63.
(2) الكافي 5: 232 ح12، وعنه وسائل الشيعة 17: 230، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب59 ح6.
(3) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني(رحمه الله) 1: 127.
(4) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 63.
(5) الكافي 6: 419 ح2، تهذيب الأحام 9: 120 ح517، وعنه وسائل الشيعة 25: 285، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأشربة المحرّمة ب2 ح7.


صفحه 46

أبي كهمس .

فانقدح من جميع ما ذكرنا أنّه لم ينهض في مقابل العمومات والقواعد الدالّة على الصحّة ما يمنع عن جواز التكسّب بالعصير المغليّ .


صفحه 47

مسألة 2 : الأعيان النجسة ـ عدا ما استثني ـ وإن لم يعامل معها شرعاً معاملة الأموال، لكن لمن كانت هي في يده وتحت استيلائه حقّ اختصاص متعلّق بها ناشئ إمّا من حيازتها أو من كون أصلها مالاً له، ونحو ذلك، كما إذا مات حيوان له فصار ميتة، أو صار عنبه خمراً. وهذا الحقّ قابل للانتقال إلى الغير بالإرث وغيره، ولايجوز لأحد التصرّف فيها بلا إذن صاحب الحقّ، فيصحّ أن يصالح عليه بلا عوض، لكن جعله عوضاً لا يخلو من إشكال، بل لايبعد دخوله في الاكتساب المحظور . نعم، لو بذل له مالاً ليرفع يده عنها ويعرض فيحوزها الباذل، سلم من الإشكال، نظير بذل المال لمن سبق إلى مكان من الأمكنة المشتركة ـ كالمسجد والمدرسة ـ ليرفع يده عنه فيسكن الباذل1.

1 ـ في هذه المسألة جهات من الكلام :

الاُولى : أنّه استظهر الشيخ الأعظم(قدس سره)(1) ثبوت حقّ الاختصاص في الأعيان المذكورة في المتن، وتبعه الماتن(قدس سره)، ووجّهه المحقّق الايرواني في محكي التعليقة بعموم دليل من سبق إلى ما لم يسبقه أحد فهو أولى به (أحقّ به)(2). وأمّا فيما إذا كان أصله ملكاً للشخص فلاستصحاب بقاء العلقة(3) .

أقول : الظاهر أنّه لا إشكال في قيام السيرة القطعيّة من المتشرّعة(4) بالإضافة إلى ثبوت حقّ الاختصاص في الأعيان المذكورة التي لا يعامل معها شرعاً معاملة الأموال وإن كانت عند العقلاء مالاً كالخمر ونحوها ، كما أنّه لا إشكال في قيام



(1) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 106.
(2) وسائل الشيعة 5: 278، كتاب الصلاة، أبواب أحكام المساجد ب56.
(3) حاشية كتاب المكاسب للإيرواني 1: 76.
(4) مصباح الفقاهة 1: 234 ـ 235.


صفحه 48

السيرة العقلائيّة على ذلك بالنسبة إلى ما لا يكون مالاً عندهم أيضاً، كالماء على الشطّ ونحوه، والظاهر عدم رجوع ذلك إلى ثبوت الملك والحقّ في زمان واحد حتّى إذا زال الأوّل بقي الثاني من دون حاجة إلى الاستصحاب أو معها ، كما أنّ مرجع ماذكرنا ليس إلى كون الحقّ مرتبة ضعيفة من الملكيّة; فإنّ كونها مرتبة ضعيفة منها لا دلالة فيها على بقاء الحقّ مع زوال الملك، واستصحاب الكلّي بنحو القسم الثاني إنّما يجري فيما إذا تردّد أمر الفرد الذي وجد معه الكلّي بين القصير والطويل.

وما في كلام المحقّق الايرواني ممّا تقدّم من استصحاب بقاء العلقة فيما إذا كان أصل المال ملكاً للشخص ، يرد عليه:

أوّلاً: أنّ ثبوت الفرد الطويل في الصورة المفروضة كان معلوماً; لأنّ الفرض أنّ أصل المال كان ملكاً للشخص، كما إذا مات حيوان له .

وثانياً: أنّ محلّ البحث في استصحاب الكلّي إنّما هو فيما إذا كان موضوع الحكم الشرعي هو الكلّي بعنوانه; ضرورة أنّ استصحاب الكلّي لا يثبت حدوث الفرد الطويل، ولا تكون العلقة بعنوانها موضوعاً للحكم الشرعي .

وأمّا ما ذكر في باب المعاطاة من أنّ من جملة أدلّة أصالة اللزوم فيها مع الشكّ في لزومها و جوازها إنّما هو استصحاب بقاء العلقة(1)، فالمراد منه هو استصحاب علقة الملكيّة الثابتة قبل الفسخ بالإضافة إلى البائع بملاحظة الثمن، و بالإضافة إلى المشتري بلحاظ المثمن; ضرورة أنّ العلقة الثابتة المتيقّنة كانت هي خصوص علقة الملكيّة التي شكّ في بقائها بعد الفسخ; لأجل الشكّ في لزوم المعاطاة وجوازها، وإلاّ فالعلقة بإطلاقها لا يكون حكماً شرعيّاً ولا موضوعاً لأثر شرعيّ، والمعتبر في



(1) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 3: 51.


صفحه 49

الاستصحاب ذلك كما حقّق في محلّه(1) .

كما أنّه يرد على التمسّك بالعموم المذكور أنّ مورده غير مثل المقام من الأمكنة العامّة المشتركة، فدلالة الدليل على فرض ثبوته على كون السابق أحقّ وأولى لايرتبط بالمقام الذي لا يكون الأصل ملكاً له بالحيازة أو بالبيع أو بغيرهما، مع أنّ الاتّصاف بالسابقيّة الموجبة لتحقّق الأولويّة ممنوع، خصوصاً فيما إذا لم يكن المال عنده أصلاً، كما لايخفى .

فالإنصاف أنّ عمدة الدليل هو قيام السيرة القطعيّة كما عرفت، لا الوجوه الاُخر المذكورة ممّا تقدّم وغيره .

الجهة الثانية : في أنّ اللازم من ثبوت الحقّ المذكور القابليّة للإسقاط; لأنّها أقلّ أثر يتقوّم به عنوان الحقّ ، كما أنّ الظاهر الانتقال إلى الوارث بعد موت المورّث; لما ورد من الدليل على أنّ كلّ ما كان من مال أو حقّ، فهو لوارثه بعده(2) .

وممّا ذكرنا يظهر جواز المصالحة عليه بلا عوض . وأمّا مع ثبوت العوض بحيث يتحقّق عنوان المعاوضة فقد نفى في المتن خلوّه عن الإشكال، بل نفى البُعد عن دخوله في الاكتساب الممنوع المعنون في المسألة الاُولى المتقدّمة ، ولعلّ الوجه فيه عدم كونه متّصفاً بالماليّة و صلاحيّة المعاوضة، وليس نفي الاتّصاف بالماليّة لأجل كونه حقّاً; فإنّ الحقّية لا تنافي الماليّة، كما في مثل حقّ التحجير، بل لأجل عدم كونه مالاً رأساً، إمّا في الشرع وإمّا مطلقاً ولو عند العقلاء، كالماء على الشط على ماعرفت .



(1) كفاية الاُصول : 418، سيرى كامل در اصول فقه 15: 256.
(2) وسائل الشيعة 26: 68، كتاب الإرث، أبواب موجبات الإرث ب2.


صفحه 50

الجهة الثالثة : أنّه بعد ثبوت حقّ الاختصاص والأولويّة وإن كان لا تجوز المعاوضة بالمال; لما مرّ من عدم كونه مالاً شرعاً أو مطلقاً، إلاّ أنّه يجوز بذل المال لرفع اليد والإعراض عن مثل الميتة والخمر ليحوزه الباذل فيصرفه في غذاء كلبه أو تقوية أشجار بستانه، أو رشّ الخمر على الأرض لحصول الرطوبة والخروج عن اليبوسة وإن كانا لا يصلحان للأكل والشرب.

وهذا كما في الأمكنة العامّة المشتركة; فإنّه يجوز بذل المال للسابق ليرفع اليد عن ذلك المكان المشترك كالمسجد والمدرسة، ثمّ بعد الرفع والإعراض يجوز للباذل الحيازة والسبقة، كما نراه في صفوف الجماعات المهمّة من سبقة أشخاص إلى الحيازة ثمّ رفع اليد مع بذل المال .

وأمّا إيقاع المعاوضة الماليّة فغير جائز، كما أنّ المزاحمة مع السابق من دون أن يرفع اليد عن مكانه من المدرسة أو المسجد فكذلك . نعم، الظاهر أنّه لو رفع المالك يده عنه وأعرض مطلقاً من دون أن يفوّضه إلى شخص خاصّ يكون الجميع فيه شرع سواء، والسابق أولى من غيره وأحقّ به، كما لو فرض أنّه أعرض عن المدرسة وانتقل إلى دار شخصيّه; فإنّه يجوز للسابق الحيازة وهو أحقّ به، كما لا يخفى.


صفحه 51

مسألة 3 : لا إشكال في جواز بيع ما لا تحلّه الحياة من أجزاء الميتة ممّا كانت له منفعة محلّلة مقصودة، كشعرها وصوفها، بل ولبنها إن قلنا بطهارته ، وفي جواز بيع الميتة الطاهرة ـ كالسمك ونحوه ـ إذا كانت له منفعة ولو من دهنه، إشكال لا يترك الاحتياط1.

1 ـ يقع الكلام في هذه المسألة في موردين :

أحدهما : بيع ما لا تحلّه الحياة ممّا كانت له منفعة محلّلة مقصودة كالشعر والصوف، وقد تقدّم في مبحث النجاسات الاختلاف بعد الاتّفاق على طهارة تلك الأجزاء، في أنّه هل يكون خروجها عن أدلّة نجاسة الميتة بنحو التخصّص، وأنّ تلك الأدلّة لا تشمل الأجزاء التي لا تحلّها الحياة، فيكون مقتضى القاعدة الطهارة كما اختاره سيّدنا الماتن(قدس سره)(1)، أو يكون بنحو التخصيص لدلالة الأخبار الكثيرة(2)على الطهارة على خلاف القاعدة، كما اخترناه وحقّقناه(3) ؟ وعلى أيّ حال تكون تلك الأجزاء طاهرة لا نجسة، ومع هذا الفرض لا مجال للحكم بعدم جواز البيع بعد ثبوت المنفعة المحلّلة المقصودة، كما هو المفروض .

ثمّ إنّه لو فرض الحكم بالنجاسة فالظاهر أنّه لا دليل على مجرّد كون النجاسة مانعة عن صحّة البيع، وذلك لما عرفت(4) في بحث الدم من جواز بيعه مع ثبوت المنفعة المحلّلة المقصودة له، كالتزريق إلى بعض المرضى، وأنّه لا دليل على عدم الجواز من حيث هو دم نجس .



(1) كتاب الطهارة للإمام الخميني(رحمه الله) 3: 138.
(2) وسائل الشيعة 3: 513 ـ 515، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات ب68.
(3) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، كتاب الطهارة، النجاسات وأحكامها: 68 ـ 87 .
(4) في ص 28.


صفحه 52

ثانيهما : بيع الميتة الطاهرة ـ كالسمك ونحوه ـ إذا كانت له منفعة ولو من دهنه، وقد استشكل في المتن في الجواز، بل نهى عن ترك الاحتياط ، ولكنّ الشيخ الأعظم استظهر أنّه لا خلاف في جوازه، وعلّله بوجود المقتضى وعدم المانع; لأنّ أدلّة عدم الانتفاع بالميتة مختصّة بالنجسة، وقال : صرّح بما ذكرنا جماعة(1)،(2)

ولعلّ وجه الإشكال فيه في المتن ; إمّا دعوى عدم الاختصاص، وإمّا عدم كون المنفعة المذكورة مقصودة، وكلاهما ممنوعان .



(1) منهم: المحدّث البحراني في الحدائق الناضرة 18: 77، والسيّد العاملي في مفتاح الكرامة 12: 58 ـ 64، وصاحب الجواهر فيه: 22: 17.
(2) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 40.


صفحه 53

مسألة 4 : لا إشكال في جواز بيع الأرواث إذا كانت لها منفعة . وأمّا الأبوال الطاهرة فلا إشكال في جواز بيع بول الإبل ، وأمّا غيره ففيه إشكال، لا يبعد الجواز لو كانت له منفعة محلّلة مقصودة1.

1 ـ الكلام في المسألة في أمرين :

الأوّل : بيع الأرواث الطاهرة والعذرات غير النجسة كروث الأنعام الثلاثة; لما أفاده الشيخ في عبارته المتقدّمة من وجود المقتضى و عدم المانع; لأنّ المفروض أوّلاً: الطهارة وعدم النجاسة ، وثانياً: ثبوت المنفعة العقلائيّة المقصودة لها كالاستفادة منها في مقام إيجاد الحرارة في الشتاء في مثل الكرسي ونحوه .

الثاني : بيع الأبوال الطاهرة كأبوال الأنعام الثلاثة، والتقييد بالطهارة فيها دون الأرواث ; إمّا لأجل أنّ الأرواث لا تشمل غير الطاهرة، بل يطلق عليه العذرة ومثلها، وعلى هذا التقدير يكون الحكم بجواز البيع ظاهراً ، وإمّا لعدم اختصاص الحكم بالأرواث الطاهرة، بل الأرواث النجسة إذا كانت لها منفعة محلّلة مقصودة كذلك، كما عرفت في مثل الدم(1) . والّذي يخطر بالبال استعمال كلمة «الروث» في موثّقة ابن بكير المفصّلة المعروفة الدالّة على فساد الصلاة في أجزاء الحيوان غير المأكول في رديف سائر أجزائه كشعره و وبره(2) .

ولكنّ الذي يساعده النظر عدم شمول الأرواث لغير الطاهرة، خصوصاً مع ملاحظة ما تقدّم من(3) البحث في عذرة الإنسان وغيرها .



(1) في ص28.
(2) الكافي 3: 397 ح1، تهذيب الأحكام 2: 209 ح818 ، وعنهما وسائل الشيعة 4: 345، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلّي ب2 ح1.
(3) في ص16 ـ 34.


صفحه 54

وكيف كان ، فالكلام في الأبوال الطاهرة تارةً: يقع بالإضافة إلى الإبل، واُخرى:بالنسبة إلى غيره; كالبقر والغنم والحمار ومثلها .

أمّا الكلام بالنسبة إلى الأوّل، فنقول : قد نقل الشيخ في أوّل البحث وجود الإجماع على الجواز(1) وإن ناقش فيه في ذيل كلامه; لمخالفة العلاّمة في بعض كتبه(2)وابن سعيد في النزهة(3)، واستدلّ على الجواز ـ مضافاً إلى الإجماع المذكور بجواز شربه اختياراً ـ لما ورد في بعض الروايات من أنّ «أبوال الإبل خير من ألبانها»(4)وبروايتين واردتين في هذا المجال :

إحداهما: موثّقة عمّار بن موسى، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سُئل عن بول البقر يشربه الرجل ، قال : إن كان محتاجاً إليه يتداوى به يشربه، وكذلك أبوال الإبل والغنم(5) .

ثانيتهما : رواية سماعة قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن شرب الرجل أبوال الإبل والبقر والغنم تنعت له من الوجع، هل يجوز له أن يشرب؟ قال : نعم، لابأس به(6)،(7).



(1) جامع المقاصد 4: 14.
(2) نهاية الإحكام في معرفة الأحكام 2: 463.
(3) نزهة الناظر: 78.
(4) الكافي 6: 338 ح1، تهذيب الأحكام 9: 100 ح437، وعنهما وسائل الشيعة 25: 114، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة ب59 ح3.
(5) تهذيب الأحكام 1: 284 ح832 ، وعنه وسائل الشيعة 25: 113، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة ب60 ح1.
(6) طب الأئمّة(عليهم السلام) : 62 ـ 63، وعنه وسائل الشيعة 25: 115، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المباحة ب59 ح7.
(7) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 21 ـ 22.


صفحه 55

والظاهر أنّ المراد من الاحتياج إليه للتداوي ليس هو الاضطرار الرافع للحكم عقلاً ونقلاً; ضرورة أنّ المراد بالاضطرار هناك هو الاضطرار العقلي المسوّغ لأكل الميتة و شرب الخمر ونحوهما ، بل المراد به هو المدخليّة للتداوي وإن لم يكن مضطرّاً إليه، كالتداوي بسائر الأدوية ، وبمثل هاتين الروايتين يقع التخصيص بالإضافة إلى تحريم الخبائث المذكور في الرواية (1)، كما أنّه ظهر جواز البيع للتداوي وإن كان في غير الإبل كالبقر والغنم ونحوهما، ولأجل ما ذكرنا نفى البُعد في المتن عن الجواز في غير الإبل لو كانت له منفعة محلّلة مقصودة، فظهر الكلام بالنسبة إلى المقام الثاني أيضاً .



(1) أي في رواية تحف العقول المتقدِّمة في ص11 .


صفحه 56

بيع المتنجّس

   مسألة 5 : لا إشكال في جواز بيع المتنجّس القابل للتطهير، وكذا غير القابل له إذا جاز الانتفاع به مع وصف نجاسته في حال الاختيار، كالدهن المتنجّس الذي يمكن الانتفاع به بالإسراج وطلي السفن، والصبغ والطين المتنجّسين، والصابون ونحو ذلك . وأمّا ما لا يقبل التطهير، وكان جواز الانتفاع به متوقّفاً على طهارته ـ كالسكنجبين النجس ونحوه ـ فلايجوز بيعه والمعاوضة عليه1.

1 ـ المتنجّس الذي يراد بيعه على أقسام :

الأوّل : المتنجّس القابل للتطهير، ولا إشكال في جواز بيعه; سواء كان جواز الانتفاع به متوقّفاً على تطهيره; كالظروف التي يستفاد منها في الأكل أو الشرب، أم لم يكن كذلك كالخشب ونحوها، والوجه فيه واضح ; لوجود المقتضي وعدم المانع; لفرض ثبوت المنفعة المحلّلة المقصودة، ولا دليل على مانعيّة النجاسة فضلاً عن المتنجّس .

الثاني : المتنجّس غير القابل للتطهير إذا جاز الانتفاع به مع وصف نجاسته في حال الاختيار، كالدهن المتنجّس الذي يمكن الانتفاع به في الإسراج وطلي السفن ونحوهما، وسائر الأمثلة المذكورة في المتن، والظاهر أنّه لا إشكال في جواز بيعه ; لأنّ المفروض جواز الانتفاع به في حال الاختيار في هذه الصورة; أي مع وصف النجاسة أيضاً وإن لم يكن قابلاً للتطهير .

الثالث : المتنجّس المذكور مع فرض توقّف جواز الانتفاع به على طهارته كالسكنجبين النجس ، وفي هذا القسم لايجوز بيعه لعدم ثبوت المنفعة المحلّلة المقصودة له في هذه الحالة، وإمكان تطهيره بالماء الكرّ أو الجاري إنّما يتحقّق مع فرض الاستحالة والخروج عن العنوان; لأنّ مجرّد الاتّصال بواحد منهما لايوجب


صفحه 57

ثبوت وصف الطهارة له; لأنّ بقاء العنوان لا يلائم مع ذلك ، فما دام كونه كذلك غير طاهر، ومع خروجه عنه يخرج عن عنوان هذا القسم . ولا بأس أن تجعل تتمّة البحث في أنّ الأصل الأوّلي في المتنجّس جواز الانتفاع أو عدمه، فنقول :

بعد الاتّفاق ظاهراً على أنّ مقتضى أصالة الحلّية والجواز وبعض الآيات الظاهرة في أنّه خلق الله لنا ما في الأرض جميعاً(1) هو الجواز، ربما يتوهّم حكومة بعض الأدلّة ـ الدالّة على المنع ـ عليهما، كعدّة من الآيات وجملة من الروايات .

فمن الآيات قوله ـ تعالى ـ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاَْنصَابُ وَالاَْزْلَـمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَـنِ فَاجْتَنِبُوهُ}(2). نظراً إلى أنّ المتنجّس من مصاديق الرجس، فيجب الاجتناب المطلق عنه .

والعمدة في الجواب أوّلاً: أنّ الظاهر أنّ الرجس عبارة عن القذارة الباطنيّة كالشرك ومثله، ولا تشمل القذارة الظاهريّة حتّى الأعيان النجسة، ويؤيّده «آية التطهير»(3) الدالّة على إذهاب الرجس عن أهل البيت الشامل لنفس الرسول(صلى الله عليه وآله)، كما بيّناه في رسالتنا في هذه الآية(4)، وإطلاقه على بعض الأعيان النجسة كالكلب لعلّه إنّما هو لأجل ملازماته من عدم دخول الملائكة بيتاً فيه كلب ، وعلى أيّ فلا يشمل المتنجّسات قطعاً ، كما أنّه تؤيّده نفس الآية الدالّة على أنّ الميسر والأنصاب والأزلام رجس; ضرورة عدم ثبوت القذارة الظاهرية فيها .

وثانياً : أنّ وجوب الرجس إنّما تفرّعت في الآية على الرجس الذي يكون من



(1) سورة البقرة 2: 29.
(2) سورة المائدة 5: 90.
(3) سورة الأحزاب 33: 33.
(4) آية التطهير رؤية مبتكرة: 121 ـ 124.


صفحه 58

عمل الشيطان; سواء كان مفاده أنّ الشيطان علّمه وبيّن صنعه، أم كان مفاده أمره بالارتكاب، كما هو شأنه بالإضافة إلى كلّ قبيح ، ومن الواضح أنّ المتنجّس لايكون كذلك .

وثالثاً : أنّ مرجع وجوب الاجتناب إلى عمل يناسب شأن كلّ واحد من هذه الاُمور ، فالاجتناب عن الخمر معناه عدم التعرّض لشربه، والاجتناب عن الميسر مرجعه عدم اللعب به، وهكذا; ضرورة أنّه ليس معنى الاجتناب عن الخمر الاجتناب حتّى عن رؤيتها ومثله ، مضافاً إلى أنّ الالتزام بالشمول للمتنجّسات يرجع حينئذ إلى رفع اليد عن المتنجّس مطلقاً، مع وجود أحكام كثيرة ومسائل متعدّدة بالإضافة إلى تطهير المتنجّسات، كالعصير في بعضها ومثل ذلك .

وأمّا ما أفاده الشيخ بعد استظهار أنّ المراد بالرجس ما كان كذلك في ذاته لا  ما عرض له التنجّس، من أنّه لو عمّ المتنجّس لزم أن يخرج عنه أكثر الأفراد; فإنّ أكثر المتنجّسات لايجب الاجتناب عنه(1) .

فقد أورد عليه بعض الأعلام(قدس سره) بأنّه لايلزم من خروج المتنجّسات كلّها من الآية تخصيص الأكثر، فضلاً عمّا إذا كان الخارج بعضها; فإنّ الخارج منها عنوان واحد ينطبق على جميع أفراد المتنجّس انطباق الكلّي على أفراده . نعم ، لو كان الخارج من عموم الآية كلّ فرد من أفراده للزم المحذور المذكور (2).

أقول :الخارج ليس عنوان المتنجّس مطلقاً، بل المتنجّس القابل للتطهير، أوالمتنجّس الذي لا يكون جواز الانتفاع به متوقّفاً على طهارته كالأمثلة



(1) المكاسب (تراث الشيخ الاعظم) 1: 83.
(2) مصباح الفقاهة 1: 215.


صفحه 59

المذكورة; ضرورة أنّ القسم الاخير من المتنجّس داخل في العموم، أو الإطلاق على فرض الثبوت، كما لايخفى .

و بالجملة; فالاستدلال بالآية على أنّ الأصل الحاكم على أصالة الجواز في المتنجّسات هو عدم جواز الانتفاع ممنوع جدّاً .

ومن الآيات قوله ـ تعالى ـ: {وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ}(1) بناءً على كون المتنجّس من مصاديق الرجز ، فوجوب الهجر المطلق عنه دليل على وجوب الاجتناب من المتنجّس .

ومن جملة من الأجوبة عن الاستدلال بالآية المتقدّمة يظهر الجواب عن الاستدلال بهذه الآية ، مع أنّ الآية واقعة في السور الأوّلية النازلة من الكتاب ، ومن البعيد أن يكون المراد في هذه الحالة هو الشامل للمتنجّس، ولذا استبعدنا سابقاً أن يكون المراد بقوله : {وَ ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}(2) هو اعتبار طهارة لباس المصلّي(3) . وعليه: فيحتمل قويّاً أن يكون المراد بالرجز هو الرجس بمعناه الذي تقدّم، ويحتمل أن يكون المراد به العذاب الذي اُريد في الآية موجباته، كما في قوله ـ تعالى ـ : {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَـلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ}(4).

ومن الآيات قوله ـ تعالى ـ في شأن الرسول(صلى الله عليه وآله) : {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَــِثَ}(5)نظراً إلى انطباق الخبائث على المتنجّسات أيضاً .



(1) سورة المدّثر 74: 5.
(2) سورة المدّثر 74: 4.
(3) في ص 30.
(4) سورة البقرة 2: 59.
(5) سورة الأعراف 7: 157.


صفحه 60

وأجاب عنه الشيخ بأنّ المراد من التحريم خصوص حرمة الأكل بقرينة مقابلته بحلّية الطيّبات (1).

واُورد عليه بأنّ مقتضى الإطلاق هو حرمة الانتفاع بالخبائث مطلقاً ، فإذا قلنا بعمومها للمتنجّس يكون مقتضاه هي حرمة الانتفاع بالمتنجّس مطلقاً .

وربما يقال في مقام الجواب عن الاستدلال: أنّ متعلّق التحريم في الآية إنّما هو العمل الخبيث والفعل القبيح لا الأعيان الخارجيّة، مستشهداً لذلك بقوله ـ تعالى ـ : {وَ نَجَّيْنَـهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَـلـِثَ}(2); فإنّ المراد بالخبائث فيها اللواط (3).

ولكنّ الظاهر أنّ ما أفاده الشيخ من أنّ المقابلة تقتضي أن يكون المراد خصوص الأكل; ضرورة أنّ مقابلة الطيّبات مع الخبيثات لا يمكن معه أن يقال: إنّ المراد بالطيّبات الأعمال الحسنة، بداهة أنّه لا مجال لدعوى أنّ إحلال الأعمال الحسنة من شؤون النبيّ(صلى الله عليه وآله); لأنّ حلّيتها ضروريّة، خصوصاً مع المسبوقيّة بقوله ـ تعالى ـ : {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـلـهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ}(4). فإنّ التّنزل عن الأمر بالمعروف مع إحلال الطيّبات بالمعنى المذكور ممّا لا يكاد يستقيم .

و عليه: فلا محيص من أن يكون المراد هو إحلال الأكل، ولا محالة يكون مقتضى قرينة المقابلة أن يكون المراد بالخبائث القاذورات، كما لايخفى .

وأمّا كون المراد بالخبائث في الآية المستشهد بها بمعنى العمل، فلأجل ذكر العمل



(1) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 84 .
(2) سورة الأنبياء 21: 74.
(3) مصباح الفقاهة 1: 216.
(4) سورة الأعراف 7: 157.



<<صفحه بعد فهرست صفحه قبل>>