جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ـ كتاب المكاسب المحرمة « کتابخانه « صفحه اصلى  

<<صفحه بعد فهرست صفحه قبل>>

صفحه 101

للالتزام بها لو لم نقل بأنّ الأولويّة بالعكس، كما لايخفى ، هذا ما أفاده بعض الأعلام(قدس سره)(1) .

وأمّا ما أفاده سيّدنا الاُستاذ الماتن(قدس سره)، فهو أنّ وجوب النهي عن المنكر هل هو عقليّ أو شرعيّ ، وقد اختار هو تبعاً للشيخين الطوسي(2) والأنصاري(3)والعلاّمة(4) والشهيدين(5) وبعض آخر الأوّل (6)، كما أنّ جمهور المتكلّمين، منهم المحقّق الطوسي الثاني(7). وأفاد أنّه على كلا القولين يكون النهي عن المنكر بترك البيع ممّن يعلم أنّه يصرفه في الخمر لازماً وإن كان هذا الدليل لا يجري في هذا الفرع الذي ليس فيه العلم .

و خلاصة ما أفاده في ضمن كلام طويل: أنّه لا فرق في نظر العقل بين الرفع والدفع، بل لا معنى لوجوب الرفع; فإنّ ما وقع لا ينقلب عمّا هو عليه ، فالواجب عقلاً هو المنع عن وقوع مبغوض المولى ، وما يشير إليه كلام الشيخ من الاستدلال عليه بوجوب اللطف، فهو غير تامّ ; لما أفاده السيّد في الحاشية من كفاية ترهيب الله ونهيه في تحقّق اللطف(8) . هذا لو كان الوجوب عقليّاً .



(1) مصباح الفقاهة 1: 267.
(2) الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد: 147.
(3) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 134.
(4) مختلف الشيعة 4: 471 ـ 472 مسألة 83 .
(5) اللمعة الدمشقيّة : 46، الروضة البهيّة 2: 409.
(6) نضد القواعد الفقهيّة على مذهب الإماميّة: 264، السابع، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التنقيح الرائع 1: 591 ـ 592.
(7) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 578 ـ 579.
(8) حاشية كتاب المكاسب للسيّد اليزدي 1: 60.


صفحه 102

وأمّا لو كان شرعيّاً، فمقتضى إطلاق الأدلّة الشمول للدفع أيضاً لو لم نقل بأنّ الواجب هو الدفع وأنّ الرفع يرجع إليه; لأنّ النهي عبارة عن الزجر عن إتيان المنكر، وهو لا يتعلّق بالموجود إلاّ باعتبار ما لم يوجد; فإنّ الزجر عن إيجاد الموجود محال عقلاً وعرفاً، فهل ترى من نفسك أنّه لو أخذ أحد كأس الخمر يشربها بمرئى ومنظر من المسلم، يجوز له التماسك عن النهي حتّى يشرب جرعة منها ؟

ومن الواضح أنّ النهي في صورة شرب الجرعة إنّما هو باعتبار استمراره، وهو لايكون إلاّ دفعاً لا رفعاً(1) ، انتهى ، وهذا متين جدّاً .

ثمّ إنّه أفاد سيّدنا العلاّمة الاُستاذ الماتن(قدس سره) وجهاً آخر للحكم بالحرمة في بعض مصاديق هذا الفرع; وهو اشتراء العنب للتخمير ; وحاصله: أنّ الظاهر المتفاهم من المستفيضة الدالّة على لعن الخمر وغارسها وحارسها وبائعها ومشتريها . . .(2) أنّ اشتراء العنب للتخمير حرام ، بل كلّ عمل يوصله إليه حرام، لا لحرمة المقدّمة; فإنّ التحقيق عدم حرمتها، ولا لمبغوضيّة تلك الاُمور بعناوينها ، بل الظاهر أنّ التحريم نفسيّ سياسيّ لغاية قلع مادّة الفساد .

فإذا كان الاشتراء للتخمير حراماً; سواء وصل المشتري إلى مقصوده أم لا ، تكون الإعانة عليه حراماً; لكونها إعانة على الإثم بلا إشكال; لأنّ قصد البائع وصول المشتري إلى اشترائه الحرام، والفرض تحقّق الاشتراء أيضاً(3) ، انتهى موضع الحاجة .



(1) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني(رحمه الله) 1: 203 ـ 206.
(2) وسائل الشيعة 25: 375، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأشربة المحرّمة ب34 ح1 و 2.
(3) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني(رحمه الله) 1: 215.


صفحه 103

هذا ، ويمكن أن يقال بعدم اختصاص الحكم بالمصداق المذكور ، بل يعمّ اشتراء الخشب للصنم مثلاً; فإنّ الأثر المترتّب عليه غالباً محقّق الشرك في العبادة، الذي كانت الجاهليّة مبتلاة به; لأنّهم كانوا مشركين في العبادة، ويقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}(1) . ومن الواضح أنّ الشرك أعظم فساداً من الخمر، فهل يحتمل أن يكون غارس شجر العنب بقصد جعله خمراً ملعوناً ومرتكباً للحرام ، وغارس الشجر في المثال المذكور غير ملعون وغير مرتكب للحرام ؟ والظاهر أولويّة الثانى من الأوّل.

نعم ، بالإضافة إلى آلات اللهو والقمار يمكن منع الأولويّة، بل منع دعوى إلغاء الخصوصيّة من روايات الخمر بالإضافة إليها وإن كانت تلك الآلات أيضاً موادّاً للفساد، لكن مراتب الفساد مختلفة، كما لايخفى .

هذا ، ويمكن المناقشة في ثبوت الحكم في المصداق المذكور ـ وهو اشتراء العنب للتخمير أيضاً ـ بأنّ المفروض في هذا الفرع مجرّد الالتزام والإلزام اللفظي بالصرف في الخمر، أو التواطئ عليه كما عرفت ، ويمكن أن لايكون عزم المشتري من الأوّل على ذلك، أو تبدّل عزمه، خصوصاً مع علمه ببطلان هذا الشرط وعدم لزوم الوفاء به، فحينئذ لا دليل على حرمة مجرّد الاشتراء حتّى يكون البيع بعنوان الإعانة على الشراء محرّماً، ولايكون هذا الشراء مماثلاً للعناوين العشرة المحرّمة المأخوذة في المستفيضة ، فتدبّر .

الفرع الثاني : إجارة المساكن ليباع أو يحرز فيها الخمر، أو ليعمل فيها بعض المحرّمات، وكذا إجارة السفن أو الحمولة لحمل الخمر وشبهها، والظاهر أنّ الحكم



(1) سورة الزمر 39: 3.


صفحه 104

فيه بلحاظ القواعد والضوابط إنّما هو كالحكم في الفرع الأوّل من دون فرق .

وأمّا بملاحظة الروايات، فنقول قبلها: إنّه ذكر بعض الأعلام(قدس سره) أنّ ما يقصد من إجارته الحرام يكون على أربعة أقسام، ولم يذكر منها هنا إلاّ اثنين :

الأوّل : أن يكون متعلّق الإجارة من الاُمور المحرّمة; كأن يؤجر نفسه للعمل الحرام، وذكر أنّ هذا لا ريب في حرمته من حيث الوضع والتكليف .

الثاني : أن يشترط المؤجر على المستأجر أن ينتفع بالعين المستأجرة بالمنافع المحرّمة من دون أن يكون أصل الإيجاد للحرام، كاستئجار مثل الثياب بشرط الانتفاع به في الجهة أو الجهات المحرّمة ، وذكر أنّ المشهور بين علماء الفريقين عدم الجواز(1) .

أقول : قد ذكرنا في كتاب الإجارة وفي التعليقة على العروة الوثقى(2): أنّ الإجارة إضافة خاصّة بالنسبة إلى العين المستأجرة أو الشخص الأجير، تتبعها ملكيّة المنفعة أو المنافع، ولا تكون مرتبطة بالمنفعة مستقيمة، ولذا يقال: أجرت الدار أو استأجرتها، أو أجّر الشخص نفسه واستأجرها .

وأمّا النصّ في المقام ـ أي في باب الإجارة ـ فاثنان :

أحدهما : خبر صابر (جابر خ ل) قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيُباع فيه (فيها خ ل) الخمر ؟ قال : حرام أجره(3) .



(1) مصباح الفقاهة 1: 267 ـ 269.
(2) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، كتاب الإجارة: 10، العروة الوثقى مع تعليقات المؤلّف دام ظلّه 2: 465.
(3) الكافي 5: 227 ح8 ، تهذيب الأحكام 6: 371 ح1077 وج7: 134 ح593، الاستبصار 3: 55 ح179، وعنها وسائل الشيعة 17: 174، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب39 ح1.


صفحه 105

ثانيهما : صحيحة ابن اُذينة قال : كتبت إلى أبي عبدالله(عليه السلام) أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته ودابّته ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير ؟ قال : لابأس(1) .

وذكر في الوسائل بعد نقل الخبرين أنّه حمل الشيخ الأوّل على من يعلم أنّه يُباع فيه الخمر، والثاني على من لا يعلم ما يحمل عليها . وقد جمع الشيخ الأعظم(قدس سره)بين الحديثين بأنّ رواية ابن اُذينة محمولة على ما إذا اتّفق الحمل من غير أن يؤخذ ركناً أو شرطاً في العقد; بتقريب أنّ خبر جابر نصّ فيما نحن فيه وظاهر في هذا، و رواية ابن اُذينة بالعكس، فيطرح ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر(2) .

وأورد عليه بعض الأعلام(قدس سره) بأنّ المتيقّن الخارج عن مقام التخاطب من الدليلين لا يصحّح الجمع الدلالي بينهما ما لم يساعده شاهد من النقل والاعتبار، وإنّما هو تبرّعيّ محض(3) .

أقول  ـ مضافاً إلى أنّ كلا الخبرين خارجان عن الفرع الذي هو مورد البحث ; لأنّ محلّه ما إذا كانت الإجارة للأمر المحرّم على نحو الاشتراط اللفظي، أو ما بحكمه من التواطئ.

وإلى أنّ صريح الأوّل الفساد وظهور الثاني في الصحّة، والكلام في الحرمة التكليفيّة وعدمها لا في الحرمة الوضعيّة نفياً وإثباتاً.

وإلى إمكان المناقشة في سند الأوّل باعتبار احتمال كون الراوي جابراً وهو ضعيف، بخلاف الصابر الذي يقال: إنّه حسن، وإن كنت لم أجده في الممدوحين غير



(1) الكافي 5: 227 ح6، تهذيب الأحكام 6: 372 ح1078، الاستبصار 3: 55 ح180، وعنها وسائل الشيعة 17: 174، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب39 ح2.
(2) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 124.
(3) مصباح الفقاهة 1: 270.


صفحه 106

الموثّقين بالخصوص، ولا في إسناد كامل الزيارات، ولا في إسناد تفسير علي ابن إبراهيم ـ :

لعلّ مقتضى الجمع بينهما من حيث أنفسهما ـ مع قطع النظر عن ملاحظة إيرادهما في المقام ـ هو حمل الأوّل على الحكم الوضعي، للحكم فيه بحرمة الأجر التي لا تجتمع إلاّ مع فساد الإجارة وبطلانها، وحمل الثاني على الحكم التكليفي، ويصير محصّل الخبرين عدم الحرمة تكليفاً وثبوت الحرمة وضعاً، كما في جملة من الموارد التي يكون البيع مثلاً فاسداً، ولكنّه غير محرّم كما في مثل البيع الغرري .

ولازم ذلك الحكم بالجواز في محلّ البحث ولو فرض كون مقتضى القواعد العدم، كما لو فرض شمول آية التعاون أو مثلها له، خصوصاً مع ملاحظة صحّة رواية ابن اُذينة على ما هو التحقيق من صحّة روايات علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، كما عرفت مراراً; لأنّها بمنزلة المخصّص للعمومات وتلك القواعد .

اللّهم إلاّ أن يقال: إنّه من المستبعد جدّاً شرط مثل ابن اُذينة ـ مع كونه من ثقات الرواة ـ على المستأجر للسفينة أو الدابّة حمل الخمر فيها أو عليها، إلاّ أن يكون مراده السؤال عن حكم الفرض مع كونه غير مبتلى به لنفسه، كما لايخفى .

ويؤيّده ذكر كلمة «الرجل» في السؤال من دون أن ينسب ذلك إلى نفسه، فتدبّر . أو يقال  بأنّ آية التعاون على تقدير دلالتها آبية عن الاستثناء، كما عرفت نظيره .

الفرع الثالث : فساد البيع والإجارة في الفرعين الأوّلين . أمّا فساد البيع، فالظاهر أنّه لا دليل عليه سوى أنّ الشرط الفاسد يكون مفسداً، وهو على خلاف


صفحه 107

التحقيق ; لأنّ الآية الناهية عن التعاون على الإثم والعدوان(1) وإن كان مفادّها الحكم التكليفي، إلاّ أنّك عرفت(2) أوّلاً: أنّ موردها الإعانة، وسيجيء البحث عن معناها .

وثانياً: أنّ الحرمة في المعاملات لا تقتضي الفساد كما حقّق في محلّه .(3)

والآية الناهية عن أكل المال بالباطل إلاّ أن تكون تجارةً عن تراض منكم(4)لا دلالة لها على حكم المقام ; لأنّ صدق الباطل الشرعي أوّل الكلام، والباطل العقلائي ممنوع، وليس هنا ما يدلّ على الفساد، إلاّ أن يقال بدلالة الخبر الوارد في الإجارة على بطلانها بعد كون المراد من قوله : «فيباع فيه الخمر» هو ليباع فيه الخمر على طريق الاشتراط والركنية في العقد، كما صنعه الشيخ(قدس سره) . وبعد ثبوت الحكم في الإجارة يحكم في البيع أيضاً بالبطلان إمّا بإلغاء الخصوصيّة، أو بطريق الأولويّة . ويؤيّده ذكر الشيخ(قدس سره)أخبار الإجارة في باب البيع(5) .

وأمّا استبعاد اشتراط بيع الخمر في البيت المستأجر فيه من المسلم، فقد أجاب عنه الشيخ بمنع الاستبعاد المذكور وإمكان وقوع مثل هذا الاشتراط من المسلم كثيراً، وإن كان اشتراط جعل الخشب المبيع صنماً أو صليباً لايكاد يصدر من المسلم المعتقد ببطلانهما(6) .



(1) سورة المائدة 5: 2.
(2) في ص92 ـ 96 .
(3) سيرى كامل در اصول فقه 7:292 ـ 346.
(4) سورة النساء 4: 29.
(5) تهذيب الأحكام 6: 372، وج7 : 134 وغيرهما.
(6) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 125.


صفحه 108

وأمّا فساد الإجارة، فالدليل الوحيد في هذا الباب هو خبر صابر المتقدّم بناءً على المعنى الذي ذكرناه; ضرورة أنّ حرمة الأجر لا تكاد تجتمع مع الاتّصاف بالصحّة .

ودعوى أنّه يكفي في الحكم بالفساد وقوع الاُجرة في مقابل المنفعة المحرّمة الساقطة عند الشارع، مدفوعة بما أشرنا إليه من أنّ الاُجرة لا تقع في الإجارة في مقابل المنفعة، بل حقيقة الإجارة إضافة خاصّة بين المستأجر والعين المستأجرة، ولاتكون عبارة عن تمليك المنفعة بعوض، كما يدلّ عليه التعبير بها في حقيقة الإجارة في كثير من الكلمات ، ويؤيّد ما ذكرنا تعلّق الإيجار والاستئجار بنفس الدار مثلاً .

وكيف كان، فالظاهر أنّه لا دليل على فساد الإجارة وبطلانها غير الخبر المتقدّم الذي عرفت المناقشة في سنده على كلّ حال، واحتمال استناد المشهور إليها على فرض قولهم بالبطلان غير معلوم .

الفرع الرابع : بيع الخشب ممّن يعلم أنّه يجعله صنماً أو صليباً، وكذا بيع العنب والتمر ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً، وهكذا من الأمثلة، وإجارة المساكن ممّن يعلم بأنّه يعمل فيها محرّماً لا غير، وشبه ذلك ، والكلام فيه في مقامين :

المقام الأوّل : فيما تقتضيه القواعد والضوابط في مثل الفرع، وقد قوّى في المتن الحرمة في وجه قويّ، ومنشؤها أحد اُمور على سبيل منع الخلوّ :

الأمر الأوّل : الآية الدالّة على النهي عن التعاون على الإثم والعدوان(1)، بناءً على



(1) سورة المائدة 5: 2.


صفحه 109

ما ذكرنا(1) من أنّ المراد من التعاون هي الإعانة ، ولكن وقع البحث والخلاف في بيان معنى الإعانة وحقيقتها ، مع أنّها من الاستعمالات العرفيّة الكثيرة .

ومحصّل ما ذكروه في هذا المجال يرجع إلى الأقوال التالية :

أحدها : فعل بعض مقدّمات فعل الغير وعمله المحرّم; سواء كان مقروناً بقصد حصوله منه، أم لم يكن كذلك ، وسواء وقع المعان عليه في الخارج وتحقّق من الغير أم  لا .

ثانيها : ما ذكره المحقّق الثاني في حاشية الإرشاد; من أنّ صدق الإعانة على بيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً ممنوع، وإنّما تتحقّق المعاونة مع بيعه لذلك(2) ، ووافقه على ذلك صاحب الكفاية(3) وجماعة من متأخّري المتأخّرين على ما حكى عنهم(4).

ثالثها : ما حكاه الشيخ الأعظم(5) عن بعض معاصريه من اعتبار وقوع المعان عليه في تحقّق مفهوم الإعانة في الخارج زائداً على اعتبار قصد المعين ذلك(6) .

رابعها : ما حكي عن المحقّق الأردبيلي في زبدة البيان في تفسير الآية المذكورة; من أنّ الظاهر أنّ المراد بالإعانة على المعاصي مع القصد أو على الوجه الذي يصدق أنّها إعانة، مثل أن يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم فيعطيه إيّاها، أو يطلب منه القلم لكتابة ظلم فيعطيه إيّاه، ونحو ذلك ممّا يعدّ معاونة عرفاً، فلا تصدق



(1) في ص92 ـ 96 .
(2) حاشية إرشاد الأذهان، المطبوع ضمن حياة المحقّق الكركي وآثاره 9: 318.
(3) كفاية الفقه، المشتهر بـ «كفاية الأحكام» 1: 425 ـ 426.
(4) مستند الشيعة 14: 100.
(5) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 1: 133.
(6) عوائد الأيّام: 75 ـ 79.


صفحه 110

على التاجر الذي يتّجر لتحصيل غرضه أنّه معاون للظالم العاشر في أخذ العشور، ولا على الحاجّ الذي يؤخذ منه المال في طريقه ظلماً، وغير ذلك ممّا لايحصى، فلا يعلم صدقها على بيع العنب ممّن يعمل خمراً، أو الخشب ممّن يعمل صنماً ، ولهذا ورد في الروايات الصحيحة جوازه(1)،وعليه الأكثر، ونحو ذلك ممّا لايخفى(2) ، انتهى .

خامسها : ما اختاره بعض الأعلام (قدس سره) من أنّه لا يعتبر في صدق الإعانة شيء إلاّ وقوع المعان عليه في الخارج (3)، ولعلّه يقرب من القول الأوّل أو هو نفسه، إلاّ أن يُراد عدم لزوم كون المعين إنساناً حتّى يشمل مثل العصا ونحوها، فإنّ الظاهر عدم انطباق القول الأوّل عليه .

سادسها : ما اختاره صاحب كتاب العناوين، الذي ذكر أنّه من تقريرات ابني الشيخ جعفر الكبير صاحب كشف الغطاء; وهو كتاب نفيس قد استفدت منه كثيراً، سيّما في كتابنا في القواعد الفقهيّة المشتمل على عشرين قاعدة مهمّة من تلك القواعد، ومحصّله: أنّ الضابط في ذلك أحد أمرين :

أحدهما : القصد والنيّة، فكلّ من عمل أو باع أو آجر أو قام أو قعد أو صدر عنه فعل من الأفعال بقصد ترتّب ظلم أو معصية عليه بحيث بنى نيّته عليه; سواء شرط ذلك بلسانه أم لا ، يُعدّ إعانة للإثم ولو كان بواسطة أو وسائط; وذلك أمر في العرف واضح ـ إلى أن قال : ـ

ثانيهما : قرب العمل من الإعانة وتمحّضه لذلك بحيث يعدّ إعانة وإن لم يكن قاصداً... كما لو كان مثل الوزراء والعمّال والكُتّاب والجنود; فإنّ هذه الجماعة



(1) وسائل الشيعة 17: 229، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب59.
(2) زبدة البيان : 382 ـ 383.
(3) مصباح الفقاهة 1: 290.


صفحه 111

وإن لم يكونوا قاصدين من عملهم الإعانة على المعاصي والظلم، لكن هذه الصنعة و هذه المناصب تعدّ معاونة لقيام الشوكة بهم .

وكذلك قد يكون ذهاب شخص إلى عاص أو ظالم سبباً لجرئته و شوكته من جهة كون سيره إليه سبباً لبعض قوّة له في عمله(1) ، انتهى .

وهذا البيان إمّا راجع إلى ما ذكره المقدّس الأردبيلي في تفسير الآية على ماعرفت أو قريب منه، كما لايخفى .

وصرّح في ذيل كلامه بأنّه لا يشترط ترتّب المعصية المقصودة عليه ، فلو فعل فعلاً ونوى الإعانة لكن لم يترتّب المعصية لعروض مانع عنه فصدق الإعانة على الإثم غير مستبعد .(2)

وقبل الخوض في بيان الصحيح من الأقوال نقول : إنّه لا شبهة في استعمال الإعانة في موارد عدم ثبوت القصد أصلاً، مثل:

ما ورد في أحاديث الفريقين من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه(3); ضرورة أنّ الآكل للطين لا يكون قاصداً لموته، بل مريداً لدوام حياته بذلك ، وفي الاستعمالات العرفيّة ينسب كثيراً الإعانة إلى غير الإنسان من الأشياء غير الشاعرة، كالعصاوا لهواء والماء و مسير الريح وغير ذلك من الموارد ، ولا مجال لدعوى كون تلك الاستعمالات مع كثرتها مجازية مسامحيّة، خصوصاً مثل الحديث



(1، 2) العناوين 1: 566 ـ 568.
(3) الكافي 6: 266 ح8 ، المحاسن 2: 565 ح975، تهذيب الأحكام 9: 89 ح376، وعنها وسائل الشيعة 24: 222، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المحرّمة ب58 ح7 .
المعجم الكبير للطبراني 6:253 ح 6138، السنن الكبرى للبيهقى 14:411 ح 20277، مجمع الزوائد 5:45، كنزالعمال 15:274 ح 40956.


صفحه 112

المذكور الذي يستفاد منه ترتّب استحقاق العقوبة على أكل الطين، وهو لا يتمّ إلاّ بعد كونه إعانة على النفس حقيقة وواقعاً، وإلاّ فلا وجه للترتّب المذكور ، وهكذا صدق المعين على العصا ومثله من الأمثلة المذكورة والموارد غير الشاعرة .

والتحقيق أن يقال : إنّه لا ينبغي الإشكال في أنّه يعتبر في صدق الإعانة على الإثم وقوع الإثم في الخارج; لأنّ الظاهر من قوله : {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الاِْثْمِ وَالْعُدْوَ نِ}(1) هو تحقّقه، وأنّه لا يصدق إلاّ معه، فإذا لم يتحقّق خارجاً ولكنّه أوجد شخص مقدّمات عمله ـ ولو كان مقروناً بقصد صدوره منه ـ لا يقال: إنّه أعانه على الإثم بعد عدم صدوره منه ، بل هو توهّم الإعانة على الإثم في صورة القصد، وهو لايكون إلاّ تجرّياً لا إثماً .

ولكنّه ذكر سيّدنا العلاّمة الاُستاذ الماتن(قدس سره) أنّه يمكن أن يقال : إنّ المفهوم العرفي من الإعانة على الإثم هو إيجاد مقدّمات إيجاد عمله الذي هو الإثم وإن لم يوجد، نظراً إلى أنّه من أعطى سُلّماً لسارق بقصد توصّله إلى السرقة، فقد أعانه على إيجادها، فلو حيل بين السارق وسرقته شيء ولم تقع منه، يصدق على المعطي للسلّم أنّه أعانه على إيجاد سرقته وإن عجز السارق عن العمل، فلو كان تحقّق السرقة دخيلاً في الصدق فلابدّ وأن يقال: إنّ المعتبر في صدق الإعانة إيجاد المقدّمة الموصلة، أو الالتزام بأنّ وجود السرقة من قبيل الشرط المتأخّر لصدق الإعانة، وكلاهما خلاف المتفاهم العرفي منها، بل هما أمران عقليّان (2). انتهى موضع الحاجة .



(1) سورة المائدة 5: 2.
(2) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني(رحمه الله) 1: 211.


صفحه 113

ويمكن الإيراد عليه بأنّ الكلام ليس في وجوب المقدّمة المبحوث عنه في الاُصول حتّى يكون البحث عقليّاً; لأنّه هناك يكون البحث في حكم العقل بالملازمة والعدم، ويكون القول بوجوب خصوص المقدّمة الموصلة مورداً للمناقشة ، كما أنّ البحث لا يرتبط بالبحث عن الشرط المتأخّر الذي صار تصوّره ممكناً مع الصعوبة ; فإنّ البحث ليس في المقدّمة ولا في الشرط المتأخّر; لأنّه ربما يكون في البين عناوين تفتقر إلى ثلاثة أشياء كعنوان الضرب .

فكما أنّه يحتاج في تحقّقه إلى اُمور ثلاثة ; الضرب والضارب والمضروب وأمثاله من الموارد الكثيرة، كذلك عنوان الإعانة على الإثم المتوقّف على اُمور ثلاثة: المعين والمُعان والمُعان عليه ، ولا يمكن فرض تحقّقها بدون هذه الاُمور الثلاثة، من دون أن يرتبط ذلك ببحث المقدّمة ولا بالشرط المتأخّر، كما لايخفى .

بل لزوم تحقّق الإعانة على الإثم وتوقّفها عليه إنّما هو كأصل المعصية الصادرة من المكلّف ، فكما أنّه لايكفي فيه مجرّد النيّة وإن قلنا بأنّها بنفسها معصية لكنّه معفوّ عنها ، بل اللازم إيجاد العمل وصدور المعصية منه خارجاً، الموجب لترتّب استحقاق العقوبة عليه، كذلك المقام; فإنّه لايتحقّق عنوان الإعانة على الإثم بدون تحقّقه، ففي المثال الذي أفاده هل يمكن أن يقال بأنّ السارق قد ندم عن السرقة قبل إيجادها ولذا لايستحقّ العقوبة ، وأمّا المعطي للسلَّم له بقصد السرقة يكون معاقباً على عنوان الإعانة على الإثم؟

ودعوى أنّه يلزم حينئذ أن يكون استحقاق العقوبة متوقّفاً على الغير، وهو لايكون تحت إرادة الإنسان واختياره ، مدفوعة بلزوم مثل ذلك في جميع موارد التجرّي; فإنّ استحقاق العقوبة على ارتكاب شرب الخمر يتوقّف على ثبوت هذا العنوان واقعاً ، فلو شرب الخلّ بتخيّل أنّه خمر لايكون في البين إلاّ التجرّي


صفحه 114

لااستحقاق العقوبة على ارتكاب شرب الخمر، كما بيّن ذلك في محلّه ، فتدبّر .

وعدم استبعاد صاحب العناوين عن تحقّقها بدون تحقّقه ممّا لاينبغي أن يصغى إليه ، وممّا يؤيّد ما ذكرناه أنّه لو قصد المعين الإعانة على الإثم، ثمّ انكشف عدم كونه إثماً من رأس; كما إذا أعطى السيف زيداً بقصد صدور القتل المحرّم منه، ثمّ انكشف كونه ـ أي المقتول ـ مهدور الدم وجائز القتل للقصاص ونحوه، فهل يتحقّق عنوان الإعانة على الإثم، أو لايكون في البين إلاّ مجرّد التجرّي ؟ فتدبّر .

وما أبعد ما بين ما أفاده الاُستاذ، وبين ما تقدّم عن بعض الأعلام(قدس سره) من أنّه لايعتبر في صدق الإعانة إلاّ وقوع المعان عليه في الخارج وإن كان لا يمكن الالتزام بما التزم به; من أنّ مسير الحاجّ ومتاجرة التاجر مع العلم بأخذ المكوس والكمارك، وهكذا عدم التحفّظ على المال مع العلم بحصول السرقة منه، فكلّها داخل في عنوان الإعانة; فإنّه لا وجه لجعل أمثالها من قبيل الموضوع للإعانة وخروجها عن عنوانها، كما زعمه شيخنا الاُستاذ(1) والمحقّق الايرواني(2)، كما لا  وجه لما ذهب إليه المصنّف(رحمه الله)من إخراجها عن عنوان الإعانة، من حيث إنّ التاجر والحاج غير قاصدين لتحقّق المعان عليه; لما عرفت من عدم اعتبار القصد في صدقها (3)، انتهى.

وقد ذكر المحقّق الايرواني(قدس سره) أنّ الإعانة عبارة عن مساعدة الغير بالإتيان بالمقدّمات الفاعليّة لفعله، دون مطلق المقدّمات الشاملة للمادّية، فضلاً عن إيجاد نفس الفاعل أو حفظ حياته، فتهيئة موضوع فعل الغير والإتيان بالمفعول به لفعله ليس إعانة له على الحرام ، ومن ذلك مسير الحاجّ وتجارة التجّار وفعل ما يغتاب



(1) المكاسب والبيع تقرير أبحاث المحقّق النائيني 1: 27، ومنية الطالب في شرح المكاسب 1: 37ـ 38.
(2) حاشية كتاب المكاسب للمحقّق الايرواني(رحمه الله) 1: 97 ـ 98.
(3) مصباح الفقاهة 1: 290 ـ 291.


صفحه 115

الشخص على فعله . نعم ، ربما يحرم لكن لا بعنوان الإعانة، ومن ذلك القيادة(1) ، انتهى موضع الحاجة .

أقول : لو قلنا بأنّ مسير الحاجّ ومتاجرة التاجر في الفرض المزبور ومثلهما من مصاديق الإعانة وهي حرام، يلزم انسداد هذه الأبواب في زماننا هذا، خصوصاً بالنسبة إلى الحجّ والتجارة ، فكلّ من الأمرين يترتّب عليهما الحرام وتحقّق المعصية، ولا يمكن الالتزام به .

ودعوى المنع من حرمة الإعانة كما عرفت(2) من بعض، يدفعها أنّها خلاف ظاهر النهي في الآية(3) .

ودعوى أنّ وجوب الحجّ في الفرض المزبور إنّما هو لأجل مزاحمته مع حرمة الإعانة، وتقدّمه عليها لأجل الأهمّية ، مدفوعة بوضوح خلافه، مضافاً إلى أنّه على فرض التماميّة يجري في الحجّ ولا يجري في التجارة، خصوصاً مع عدم توقّف معيشته عليهما، كما لايخفى .

وتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ اعتبار تحقّق المعان عليه الحرام في صدق الإعانة وتحقّق ماهيّتها ممّا لاتنبغي المناقشة فيه .

وأمّا اعتبار القصد فقط زائداً على ما ذكر، فينفيه إسناد الإعانة إلى من لا قصد له، أو شيء لا يمكن في حقّه القصد لعدم الشعور، كما مرّ في الأمثلة المتقدّمة ، وقدعرفت(4) أنّ الإسناد المجازي المسامحي مع أنّه مخالف للظاهر تنفيه كثرة



(1) حاشية كتاب المكاسب للايرواني 1: 98.
(2) في ص 93.
(3) سورة المائدة 5: 2.
(4) في ص111 ـ 112.


صفحه 116

الاستعمالات المذكورة.

وتوجيه الاستعمالات الشرعيّة بأنّ صدق الإعانة على مواردها إنّما هو بنحو الحكومة، مثل «أكل الطين» المحكوم بالإعانة على النفس، يدفعه كثرة الاستعمالات العرفيّة، ووجود بعض الاستعمالات الشرعيّة غير القابلة للحمل على الحكومة، كقول عليّ(عليه السلام) لشيعته : أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد(1) ، ومثله.

فاللاّزم أن يقال باعتبار أحد أمرين على سبيل منع الخلوّ، إمّا القصد، وإمّا الصدق العرفي كما اختاره الأردبيلي(قدس سره)، كالأمثلة المذكورة في كلامه المتقدّم(2)، وقد عرفت أنّ كلام صاحب العناوين إمّا راجع إليه أو قريب منه .(3)

نعم ، الظاهر أنّه لا يعتبر العلم بتحقّق المعان عليه في الخارج ، بل لو ظنّ ذلك أو احتمل احتمالاً عقلائيّاً، وصدر منه فعل بعض مقدّماته بقصد تحقّق الحرام في الخارج وتحقّق الحرام منه، تتحقّق الإعانة ولو لم يكن عالماً به، كما لايخفى .

وقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنّه لا مجال للتفصيل المتقدّم(4) المحكي عن حاشية الإرشاد من منع صدق الإعانة على بيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً، وصدقها فيما إذا باعه لذلك; أي مشترطاً عليه الصرف في الخمر، مع أنّ الظاهر أنّ التفصيل بالعكس كان أولى; فإنّه في صورة الاشتراط قد مرّ أنّه لا داعي للمشتري للعمل بالشرط، خصوصاً إذا كان عالماً بالمسألة الفقهيّة، وأنّ مثل هذا الشرط غير لازم الوفاء به; لاستثنائه من عموم «المؤمنون عند شروطهم»(5) وأنّ الشرط الفاسد



(1) نهج البلاغة (صبحي الصالح): 417، من كتاب له(عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري: الرقم 45.
(2 ـ 4) في ص109 ـ 111.
(5) تقدّم في ص92.


صفحه 117

لايسري فساده إلى أصل المعاملة المشروطة به.

وهذا بخلاف ما إذا علم بأنّه يصرف المبيع في الخمر خارجاً وإن لم يكن هناك اشتراط لذلك; فإنّ صدق الإعانة في هذه الصورة أولى لو لم نقل بعدم صدقها في الصورة الاُولى، كما ذكرناه سابقاً ، فتدبّر .

كما أنّه ظهر ممّا ذكرنا عدم تماميّة ما تقدّم من المحقّق الأردبيلي(1) من أنّه لا يعلم صدق الإعانة في بيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً; فإنّك عرفت أنّ الظاهر الصدق العرفي وإن لم يكن البائع قاصداً لحصول الإثم من المشتري .

وعليه: فالظاهر تماميّة هذا الأمر الأوّل ; للحكم بالحرمة التكليفيّة.

الأمر الثاني : ما تقدّم من سيّدنا الاُستاذ الماتن(قدس سره)(2) في مورد خصوص الخمر من دلالة الأخبار المستفيضة ـ الدالّة على لعن عشرة أشخاص ـ على حرمة الشراء للتخمير، ولا شبهة في أنّ البيع إعانة على الشراء المحرّم .

ولكنّا وإن ناقشنا في شمول هذا الدليل بالنسبة إلى الفرع الأوّل، ولكن تماميّته بالإضافة إلى الفرع الرابع الذي نحن فيه غيرقابلة للمناقشة . نعم، ذكرناأنّه لايختصّ بالخمر، بل يجري في بيع الخشب للصنم أو الصليب بطريق أولى، كما عرفت(3) .

الأمر الثالث : حكم العقل بأنّ تهيئة مقدّمات فعل الغير الحرام مع العلم أو  الاطمئنان بصدوره منه قبيح ـ سواء كان من قصده ذلك أم لا ـ وموجب لاستحقاق العقوبة عليه ، وقد اُيّد ذلك بأنّ القوانين العرفيّة متكفّلة لجعل الجزاء على معين الجرم وإن لم يكن شريكاً في أصله، وقد ورد نظيره في الشرع فيما



(1) في ص109 ـ 110.
(2 ، 3) في ص102 ـ 103 .


صفحه 118

لو أمسك أحد شخصاً وقتله الآخر، كان الثالث مراقباً لهما، وإن اختلفوا في العقوبة من حيث القصاص والحبس إلى الموت وتسميل العينين(1) .

قال سيّدنا الماتن(قدس سره) بعد ذلك : ولا منافاة بين ذلك، وبين ما حرّرناه في الاُصول من عدم حرمة مقدّمات الحرام مطلقاً ; لأنّ ما ذكرناه في ذلك المقام هو إنكار الملازمة بين حرمة الشيء وحرمة مقدّماته ، وما أثبتناه هاهنا إدراك العقل قبح العون على المعصية والإثم لا لحرمة المقدّمة، بل لاستقلال العقل على قبح الإعانة على ذي المقدّمة الحرام وإن لم تكن مقدّماته حراماً (2).

وأنا أَزيدْ عليه بأنّ القبح المذكور ثابت وإن لم يكن من قصده وصول الغير إلى المحرّم وارتكابه له، كما في المقام ، فإذا علم بأنّ السارق يريد السرقة ويريد ابتياع السلّم لذلك، يكون تسليم السلّم إليه قبيحاً وإن لم يكن التسليم لذلك، وإن كان الأوّل أشدّ قبحاً .

ثمّ إنّ الظاهر أنّ الفرق بين هذا الأمر والأمر الأوّل ـ مضافاً إلى ما عرفت(3) من أنّ المستند للحكم بالتحريم في الأمر الأوّل هي الآية الناهية عن التعاون على الإثم والعدوان، وفي هذا الأمر هو حكم العقل; ولذا صار سيّدنا الماتن(قدس سره) بصدد بيان الفرق بين المقام، وبين مسألة المقدّميّة التي يكون البحث فيها عن حكم العقل بالملازمة وعدمه ـ أنّك عرفت(4) أنّه لايبعد صدق الإعانة ولو مع عدم العلم



(1) الكافي 7: 288 ح4، الفقيه 4: 88 ح281، تهذيب الأحكام 10: 219 ح863 ، وعنها وسائل الشيعة 29:50، كتاب القصاص، أبواب القصاص في النفس ب17 ح3.
(2) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني(رحمه الله) 1: 194ـ 195.
(3) في ص108، 109 .
(4) في ص 116.


صفحه 119

بصدور الحرام من المعان ، بل يكفي في ذلك الاحتمال العقلائي مع تحقّق الإثم والعدوان، وفي هذا الأمر يكون حكم العقل بذلك في خصوص صورة العلم أو الاطمئنان بتحقّق الحرام، كما ظهر من تقريره ، فتأمّل جيّداً .

المقام الثاني: في الروايات الواردة في هذا المجال.

فنقول  : هي على طائفتين  :

الطائفة الاُولى  : ما ورد في بيع الخشب ممّن يعلم أنّه يعمله صنماً أو صليباً، وفيها ما يدلّ على التفصيل بينه، وبين بيع الخشب ممّن يعمله برابط  .

الطائفة الثانية  : ما ورد في بيع العنب أو التمر ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً، ولم يكن في المعاملة اشتراط أو تواطئ عليه ولا من قصد البائع ذلك  .

أمّا الطائفة الاُولى: فهي روايتان  :

إحداهما  : صحيحة ابن اُذينة قال  : كتبت إلى أبي عبدالله(عليه السلام) أسأله عن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه برابط ؟ فقال  : لا بأس به  ، وعن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه صلباناً ؟ قال  : لا(1)  .

ثانيتهما  : صحيحة عمرو بن حريث قال  : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن التوت أبيعه يصنع للصليب والصنم ؟ قال  : لا(2)  .

وأمّا الطائفة الثانية: فهي على قسمين  :

قسم يدلّ على الجواز، الظاهر في عدم الكراهة أيضاً  ، مثل  :



(1) الكافي 5: 226 ح2، تهذيب الأحكام 6: 373 ح1082 وج7: 134 ح590، وعنهما وسائل الشيعة 17: 176، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب41 ح1.
(2) الكافي 5: 226 ح5، تهذيب الأحكام 6: 373 ح1084 و ج 7: 134 ح591، وعنهما وسائل الشيعة 17: 177، كتاب التجارة، أبواب مايكتسب به ب41 ح2.


صفحه 120

صحيحة محمّد الحلبي قال  : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن بيع عصير العنب ممّن يجعله حراماً  ، فقال  : لابأس به تبيعه حلالاً ليجعله حراماً، فأبعده الله وأسحقه(1) . والظاهر أنّ المراد فيجعله(2) حراماً لا ليجعله حراماً، كما لايخفى  .

وصحيحة عمر بن اُذينة قال  : كتبت إلى أبي عبدالله(عليه السلام) أسأله عن رجل له كرم أيبيع العنب والتمر ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً أو سكراً؟ فقال  : إنّما باعه حلالاً في الإبّان الذي يحلّ شربه أو أكله، فلا بأس ببيعه(3)  .

ورواية أبي بصيرـ التي رواها عنه عليّ بن أبي حمزة ـ قال  : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمراً ؟ قال  : إذا بعته قبل أن يكون خمراً وهو حلال فلا بأس(4)  .

ورواية أبي كهمس قال  : سأل رجل أبا عبدالله(عليه السلام) عن العصير فقال: لي كرم وأنا أعصره كلّ سنة وأجعله في الدنان وأبيعه قبل أن يغلي ؟ قال  : لا بأس به، وإن غلى فلا يحلّ بيعه. ثمّ قال  : هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً(5) .

ورواية رفاعة بن موسى قال  : سُئل أبو عبدالله(عليه السلام) وأنا حاضر عن بيع العصير



(1) الكافي 5: 231 ح6، تهذيب الأحكام 7: 136 ح604، الاستبصار 3: 105 ح371، وعنها وسائل الشيعة 17: 230، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب59 ح4.
(2) كذا في الكافي والتهذيبين ومرآة العقول 19: 274 ح2 وملاذ الأخبار 11: 205 ح75، ولكن في الوافي 17: 251ـ 252 ح17212: ويجعله.
(3) الكافي 5: 231 ح8 ، وعنه وسائل الشيعة 17: 230، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب59 ح5.
(4) الكافي 5: 231 ح3، تهذيب الأحكام 7: 136 ح602، الاستبصار 3: 105 ح369، وعنها وسائل الشيعة 17: 229، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب59 ح2.
(5) الكافي 5: 232 ح12، وعنه وسائل الشيعة 17: 231، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب59 ح6.



<<صفحه بعد فهرست صفحه قبل>>