في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>


نهاية التقرير


الجزءالاول



(الصفحة5)

مقدّمة التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة في حياة الإمام السيّد البروجردي

آية الله العظمى السيد حسين بن علي بن أحمد بن علي النقي بن الجواد بن المرتضى ـ والد السيّد بحر العلوم، محمد مهدي الطباطبائي ـ ابن محمد بن عبد الكريم بن المراد ـ الذي تجتمع فيه الأسر الطباطبائية الأربع: الأسرة الطباطبائية في بروجرد. اُسرة آل الحكيم في النجف الأشرف. اُسرة آل صاحب الرياض في كربلاء. الاُسرة الطباطبائية في يزد ـ ابن الشاه أسد الله بن جلال الدين الأمير بن الحسن بن مجد الدين بن قوام الدين بن إسماعيل بن عباد بن أبي المكارم بن عباد ابن أبي المجد بن عباد بن علي بن حمزة بن طاهر بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد ابن أحمد بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج ـ الذي كان ممّن حضر وقعة فخ في ذي القعدة سنة تسع وستين ومائة مع ابن عمّ أبيه «الحسين بن علي بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)» ـ ابن إبراهيم الغَمر ـ الذي كانت اُمّه فاطمة بنت الإمام الحسين(عليه السلام) ، وقد قضى نحبه مظلوماً سنة 145هـ في سجن المنصور العباسي، وكان عمره سبعاً وستين سنة ـ ابن الحسن المثنى ـ الذي سمّه عبد الملك بن مروان الأموي ، فمات عن خمس وثلاثين سنة ـ ابن الإمام أبي محمد

(الصفحة6)

الحسن بن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) .
أمّا اُمّه فهي: السيدة آغابيگم بنت السيد محمد علي بن السيد عابد بن السيد علي بن السيد محمد بن عبد الكريم.
إذن فنسبه الشريف ينتهي بالإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، فهو حسني من جهة أبيه، وحسيني من جهة اُمّ إبراهيم الغَمر : فاطمة بنت الحسين (عليه السلام)، وهو طباطبائيّ نسبةً إلى جدّه السابع والعشرين، إبراهيم طباطبا، وهو بروجرديّ نظراً إلى توطّنه في بروجرد، مدينته الواقعة في منطقة لُرِستان في جبال غرب إيران برهةً من الزمن.

مراحل حياته المباركة

المرحلة الاُولى: بروجرد
احتضنته هذه المدينة وليداً لأبوين كريمين، في اُسرة جليلة عريقة عرفت بالعلم والورع والتقوى، وكان ذلك في أواخر شهر صفر من سنة اثنتين وتسعين ومائتين وألف من الهجرة النبويّة المباركة.
كانت اُسرته روضةً من رياض العلم والأخلاق ، فراح سيّدنا يرتع فيها، ويتوغّل في معارجها، ويحلِّق في آفاقها بعيداً، فخلقت منه صورةً مشرقةً للفضيلة، وعَلَماً من أعلام المسلمين، ومفخرةً من مفاخرهم العلمية، وزعيماً من زعماء الطائفة.
يقول العلاّمة الطهراني عند ترجمته للسيد:
«... إنّ اُسرة السيد البروجردي من اُسر العلم الجليلة، التي لها مكانتها السامية، فوالده وجدّه، وعمّ أبيه الميرزا محمود، وجدّ أبيه، وجدّ جدّه، وسلفه إلى السيد عبد الكريم المذكور علماء أجلاّء معاريف، لهم آثار هامّة، قد قاد بعضهم

(الصفحة7)

الحركة العلميّة»(1).
وكما احتضنت ولادته احتضنت نشأته، حيث قضى فيها قرابة خمس وخمسين سنة من عمره الشريف (1392 ـ 1310، 1328 ـ 1364 هـ . ق) متعلِّماً ومعلِّماً وهذا ديدنه في كلّ الحوزات الاُخرى.. فكان نزوعه إلى العلم جبلة وطبيعة، حتى غدت عنده كلّ العلوم ـ التي تلقّاها في حياته الطويلة التي نافت على ثمان وثمانين سنة ـ مَلَكات، وكان لا يتعب من طلبها، ولا يملّ من قضاء كلّ وقته في تحصيلها...
ويبدو أنّ والده السيد علي أدرك فيه كلّ هذا، فراح هذا العالم الجليل يبذل جهده المبارك في تربية ولده وإعداده دينيّاً وعلمياً، فقد تلقّى تعليمه الأول قراءةً وكتابةً عنده قبل السابعة من عمره، ثمّ هيَّأه وأعدّه لدراسة آداب اللغة العربية، فقد اختار له من كتب الأدب العربي: جامع المقدّمات والسيوطي وغيرهما في «المكتب»، كما درس «گلستان سعدي» في الأدب الفارسي، وكان ذلك سنة تسع وتسعين ومائتين وألف قمرية(2).
لم ينته دور الأب السيد علي الطباطبائي مع ابنه عند هذا الحدّ، بل راح يلاحقه في تعليمه ويواكبه في دراسته، ويهيئ له أجواءً علميةً بعيدةً عن مشاغل الحياة اللاهية والمرهقة... ليوفِّر له الوقت الكافي للدراسة والتحصيل، وليشبع رغباته العلمية وما تحتاجه مواهبه وقدراته ، خاصة بعد أن لمسها فيه، وعرف أنّ ابنه يتمتّع بقوّة الذاكرة، وأنه ذو قابلية نادرة وقدرة عجيبة على الاستيعاب، فنقله إلى مدرسة «نوربخش» الدينية، التي كانت يومذاك تتّصف بدراستها الجيّدة، لما فيها من أساتذة أكفّاء ومصادر بحث قيّمة، مكّنته أن يقضي وقته درساً وبحثاً ومطالعةً

(1) اُنظر نقباء البشر 2 : 602 .
(2) مقدمة الحاشية على كفاية الاُصول : 42.

(الصفحة8)

ومناظرةً، فحصل منهاعلى نصيب تحتاج إليه حياته العلمية... وكان إلى جانب ذلك يحضر دروساً اُخرى مستفيداً من أساتذة الحوزة العلمية في بروجرد، فدرس في هذه المرحلة علم المنطق والفقه والاُصول ، وأتمّها على أيدي أساتذة الحوزة العلمية.. منهياً هذه المرحلة من حياته العلمية سنة 1310هـ ، وقد أكمل فيها المقدّمات والسطوح العالية.. وقد هيّأته هذه الدراسة واستيعابه المبكر لعلومها ليكون مدرِّساً ممتازاً في الحوزة الاُخرى التي انتقل إليها في اصفهان فيما بعد.
وبانتقاله إلى مدينة اصفهان، تنتهي المرحلة الاُولى من حياته، ليبدأ مرحلةً اُخرى سنة 1328 قمرية بعد أن عاد إلى بروجرد من اصفهان والنجف مجتهداً فقيهاً; ليقضي فيها ستّاً وثلاثين سنةً أُستاذاً فذّاً، وباحثاً لامعاً، ومحقِّقاً جادّاً قلَّ نظيره، فعكف عليه طلبة حوزة بروجرد; ليستنيروا بإيمانه وتقواه، ويستزيدوا من معارفه وعلومه، التي استقاها من أقطاب العلم وأئمّة الدين في كلّ من مدينتي إصفهان والنجف الأشرف.

المرحلة الثانية: اصفهان
بعد أن اكتملت عند سيدنا مرحلتا المقدّمات والسطوح انتقل إلى مدينة اصفهان حيث أكبر الحوزات العلمية يومذاك. إذ كان فيها من حَمَلة العلم وأبطاله عدد لا يُستهان به(1)، وكان عمره ثمانية عشر عاماً، أي في سنة 1310. وقضى في اصفهان عشر سنوات (1310 ـ 1320) استاذاً لمرحلة السطوح، وتلميذاً يحضر بحوث كبار علمائها، حتى أتقن السطوح، وتقدّم على أقرانه وزملائه، واشتغل بتدريس «قوانين الاُصول» برهةً، استفاد منه خلالها بعض الطلاّب(2)، فعظم علمه، وصقلت مواهبه، وتوسّعت دائرة اُفقه; لتشمل مجالات العلوم الحوزوية المختلفة من

(1 و 2) نقباء البشر 2 : 605 .

(الصفحة9)

الفقه والاُصول والرجال والحديث والحكمة والفلسفة.

أساتذته في هذه المرحلة:
ـ الميرزا أبو المعالي الكلباسي (1247 ـ 1315هـ) وأفاد منه كثيراً في علمي الحديث والرجال، وحظي عنده بمقام كريم، فقد كان من طلاّبه المبرزين ومن المقرّبين. وكان سيّدنا يهتمّ بدرس استاذه أبو المعالي أكثر من غيره ، كما صرّح هو بذلك.
ـ السيد محمد باقر الدرچه اى (1264 ـ 1342هـ).
ـ السيد الميرزا محمد تقي المدرّس (1273 ـ 1337هـ) وقد درس عندهما علمي الفقه والاُصول.
ـ أمّا في الفلسفة والحكمة العالية فقد كان يدرسهما عند كلّ من الملاّ محمد الكاشاني المعروف بـ «الآخوند الكاشي» الذي توفي عام 1333هـ وجهانگيرخان القشقائي الاصفهاني (1243 ـ 1328هـ).
ونظراً للمكانة العلمية التي حظي بها، وللمقام المحمود الذي كان له عند أساتذته الكبار في الحوزة العلمية في إصفهان، ولما لمسوا فيه من صدق التوجّه والموهبة العظيمة، واستيعابه للمطالب بشكل علمي متين.. فقد منحه شهادة الاجتهاد كلّ من أبي المعالي والدرچه اي والمدرّس وهو بعد لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره.
أما الدروس التي كانت على عاتقه وقام بتدريسها في هذه المرحلة فهي على مستوى السطوح العليا: كشرح اللمعة الدمشقية في الفقه، والقوانين المحكمة في الاُصول ، والفصول في الاُصول حيث كان يدرّسها بإتقان تامّ وإمعان وتحقيق، ومن الجدير بالذكر أنه لم يكن يغفل عن مراجعة ما ذكره علماء العامّة في مختلف الحقول العلميّة فضلاً عمّا أفاده أصحابنا رضوان الله تعالى عليهم.


(الصفحة10)

وكان يحضرها عدد كبير من الطلبة والفضلاء آنذاك، مع أنّ طريقته ربما كانت مملّة كما يقول السيد الجهرمي: وكان من عادته كثرة التكرار في التدريس بحيث يؤدي إلى ملل بعض الطلاّب، فكان السيد يعلّل ذلك: بأني اُريد أن تقنع نفسي باستيعاب الدرس وتفهيمه!
غير أنّ أي فضلاء الطلبة توفّروا على متانة علمية ورصانة فقهية كان يتمتّع بها استاذهم ممّا زادهم انشداداً إلى درسه وإعجاباً به.
هذا في حياته العلمية. وأمّا في حياته الشخصية مع أنّ والده كان قد أجرى له معاشاً محدّداً، وهو مع ذلك يصرف بعضه على من كان في خدمته، وكان يرفض عروضاً بالمساعدة من الآخرين، تعزّزاً وإباءً واشمئزازاً من الترفّه والترف اللّذين يزريان بطالب العلم .
وكان في بدء وصوله إلى اصفهان يسكن مدرسة «حاجي كلباسي» ، ثم انتقل بعد فترة إلى «مدرسة الصدر» ، وظلّ في اصفهان يواصل دروسه وبحوثه تسع سنوات، ولم يخرج منها إلاّ تلبية لأمر والده الذي طلب منه المجيء إلى بروجرد ليتمّ زواجه ، وكان هذا سنة 1314هـ .

المرحلة الثالثة: النجف
لسماحة السيد زيارتان للنجف الأشرف: الثانية كانت بعد عودته من أداء فريضة الحج سنة 1344هـ وقضى فيها ثمانية أشهر في الدرس والتحصيل، كما التقى بكبار علماء الحوزة فيها.
وأمّا الاُولى ، فكانت في سنة 1319هـ حينما استجاز والده للسفر إلى النجف الأشرف لزيارة مرقد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولإتمام دراساته هناك، فأجابه على أن يعود إلى بروجرد من اصفهان لتهيئة مؤونة سفره إلى النجف الأشرف.


(الصفحة11)

وبالفعل سافر إلى النجف، حيث الحوزة العلمية العريقة علماً وعملاً وفضلاً وشرفاً وسؤدداً والتي هي بحق كانت تمثّل أكبر جامعة علميّة في العالم الإسلامي آنذاك ممّا جعل لرغبة سيّدنا حافزاً عظيماً للإلتحاق بها، وطالما كانت اُمنيته تراوده كي يحضر فيها ويستقي من معينها، بعد أن ذاق طعم الدراسة في حوزتي بروجرد واصفهان... ويالَه من طموح عظيم إنه طموح العظماء، الذين لا يشبعون من العلم، ولا يتهيبون صعوبات ومشاق الرحلة إليه... فحطّ رحاله حيث حلقات الدرس التي يقيمها كلّ من الآخوند المولى محمد كاظم الخراساني، وشيخ الشريعة الاصفهاني والسيد محمد كاظم اليزدي صاحب العروة الوثقى. وكان يومها له من العمر سبع وعشرون سنة. فراح طيلة عشر سنوات يستقي علمه منهم بشغف وجدّية قلَّما لها من نظير. وأفاد من الآخوند (رحمه الله) أيّما إفادة ، حيث انكبَّ على ملازمته أكثر من غيره، كما كان يحظى بإقبال وعناية خاصة من قِبله، إذ كان الآخوند والاصفهاني يتوسمان فيه الذكاء الوقّاد والعبقرية الفذّة ، ويرون له مستقبلاً لا يرقى إليه إلاّ من كان ذا حظٍّ عظيم.

المرحلة الرابعة: بروجرد مرّة اُخرى
ولما عاد إلى بلدة بروجرد سنة 1328 كان مزوّداً بشهادة الاجتهاد من كلّ من شيخيه الخراساني والأصفهاني(1). كانت عودته لزيارة والده السيد علي الطباطبائي الذي وافاه الأجل بعد ستّة أشهر من وصول ابنه، ثمّ ورده خبر وفاة استاذه الآخوند الخراساني. فحالت هاتان المصيبتان عن عودته إلى النجف الأشرف ، فآثر البقاء في مدينته، ودامت إقامته فيها هذه المرّة ستّاً وثلاثين سنة ، وهي أطول مدّة قضاها بشكل متواصل فيها.

(1) نقباء البشر 2 : 606 .

(الصفحة12)

حقّاً لقد كانت هذه المرحلة فترةً غنيةً بالعلم والمعرفة، حيث صقلت شخصيته، وعمقت مداركه، وبرّزت مواهبه، فبروجرد لم تكن مدينة بعيدة عن الأجواء العلمية الحوزوية أبداً، بل هي مدينة عريقة بحوزتها، وحافلة بعلومها وعطائها الثرّ وأساتذتها ، وبعلماء كبار وطلبة أفاضل ... هيّأت هذه الأجواء لسيّدنا فرصة عظيمة لتلقّي العلم ، والخوض في أعماقه ونواحيه المختلفة ومجالاته المتنوّعة قبل أن يكون ركناً من أركان الحوزات الشيعية، وعلماً من أعلامها، ومناراً من مناراتها، ومرجعاً كبيراً للطائفة.
يقول السيد المحقّق الجلالي عن هذه الفترة: .. فكانت تلك السنون التي ناهزت الست والثلاثين سنة إلى حين مغادرته المدينة في 1364هـ فرصةً قيّمةً لتركيز معارفه وتكنيزها، تلك التي ضمّت أسرار نبوغ السيد وطلوع شخصيته المرموقة. فقد وجد في البلد العُدّة الكافية من المصادر والعدد الكافي من المحصلين والباحثين لإلقاء الدروس عليهم والتحاور معهم، مع المواظبة والملازمة على الأعمال العلمية المتواصلة دون انقطاع طيلة المدة التي عاشها السيّد وقتئذ ، حيث كان يُلقي الدرس صباحاً ومساءً، كما كان يستوعب كلّ درس ساعةً من الزمن. وكانت حصيلتها التألق في سماء الفقه والاُصول والحديث والرجال، العلوم التي هي الملاك الأساسي للمرجعية الدينية.
وقد استفاد السيد في هذه البلدة من كل الإمكانات المتاحة لتركيز مبانيه العلمية متزوّداً من الطبيعة الطيبة التي تمتاز بها، ومن الهدوء والاحترام الذي يتمتّع به بيته الكريم، ومن قوّة شخصيته الفذّة التي كانت سبباً لالتفاف أهل الفضل والعلم حوله، والأهم من الجميع قلّة المشاغل غير العلمية التي تعوق ذوي الفضل عن التفرّغ للبحث والتحقيق والتوفّر على مسائل العلم(1).

(1) المنهج الرجالي: 19 ـ 20 .

(الصفحة13)

إضافةً إلى ما يتمتّع به سيّدنا من نبوغ مبكّر وذكاء مفرط وحافظة جيّدة، وقدرة عجيبة على الصبر والمواظبة والإخلاص، وحرص شديد على عدم إضاعة الوقت، حيث يقول عن نفسه:
إنّي مذ عرفت نفسي لم أفرط بلحظة واحدة من حياتي، ولم أزل حتى الآن على هذه السيرة التي تشاهدونها.
وراح يوصي طلاّبه فيقول: فلا يحسبنَّ أحدٌ أنه سيبلغ المدى عندما يصرف وقته في سائر المشاغل، ويقتصر على ساعة واحدة ـ فقط ـ في اليوم للمطالعة.
وقد كان لا يملّ من المطالعة، بل تدرَّب عليها، واستأنس بها وبقي ذلك ديدنه حتى أيام زعامته وإلى آخر أيام حياته(1).
فمن كانت هذه صفاته كيف لا يسمو ولايرتقي العلياء؟! وكيف لا تكون حياته خصبةً معطاء غنيّة حافلةً بالعِبر والمُثل؟!
ولقد تجلّى نشاطه العلمي في هذه المرحلة من حياته بإلقائه أربع دورات أصولية، وأتمّ بحوثه في الطهارة والصلاة والزكاة والنكاح والطلاق والصيد والذبائح والمتاجر والوصية واللقطة. كما قام بتدريس «شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام» للاّهيجي (رحمه الله). وفي سنة 1363هـ وقبل سنة واحدة من وروده إلى قم كان يقوم بتدريس كتاب «معالم الدين في الاُصول» لولده السيد محمد حسن، وكان  ـ كما يقول الشيخ المطهري الذي حضر ذلك الدرس في بروجرد ـ : «درساً حافلاً بالدقة والعمق».
قال السيد الجهرمي: كان يحضر هذا الدرس مَن هو بمستوى كفاية الاُصول من طلبة العلوم الدينية(2).
أما الشيخ آغا بزرك فيقول عنه: ورجع إلى بروجرد فاشتغل بوظائفه

(1) المنهج الرجالي: 19 ـ 20 .
(2) المنهج الرجالي : 20 .

(الصفحة14)

الشرعية، وسطع نجمه أكثر من ذي قبل، واتجهت الأنظار إليه وكثر الإقبال عليه، ورجعت إليه الناس في التقليد، فطبع رسالة عملية وأدار شؤون الحوزة العلمية(1)...
كما يتحدّث عنه السيد الجلالي فيقول:
قد اشتهر فضل السيد وفقاهته على اثر الهجرة الطويلة تلك وشاع اسمه وطار صيّته بين الأعلام، وفي سنة 1355 هـ . ق التي توفي فيها الشيخ الحائري بقم ، حيث اتجهت إليه أنظار أفاضل الحوزة العلمية وأعلامها ، كما كان قد أرجع إليه المرجع العام للشيعة في ذلك العصر السيد أبو الحسن الاصفهاني احتياطاته، فنشرت لأوّل مرّة حاشيته على العروة الوثقى سنة 1355هـ . ق، تلك التي كشفت عن أبعاده العلمية المتميّزة، ممّا زاد في سعة شهرة فقاهة السيد وعظمته العلمية.
وهناك أسس ودعم وركّز مبانيه الاُصولية من خلال دورات الدروس التي ألقاها على تلامذته وناقشها معهم(2).
وكان كثيراً ما ينأى بعلم الاُصول ـ الذي يراه مقدمةً من المقدّمات الاُخرى للورود إلى الفقه ـ عن الفلسفة ومصطلحاتها المعقدة ، وعن العبارات الغامضة وعمّا لا ثمرة عملية له.. ويؤكد على وجوب فهم الأحاديث وظروفها، وعلى عدم الاتكال على ما توصل إليه علماء الرجال ، والاكتفاء به فقط دون النظر والتحقيق والتأمّل.

المرحلة الخامسة: قم المقدّسة
بعد زيارته لمشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، ونزولاً عند رغبة فضلائها أمضى فيها

(1) نقباء البشر 2 : 606 .
(2) المنهج الرجالي : 24 .

(الصفحة15)

ثمانية أشهر ـ وقيل ثلاثة عشر شهراً ـ استاذاً وإماماً للجماعة الوحيدة، بعد أن اقتدى به كلّ أئمّة الجماعات هناك. وفي طريق عودته إلى مدينته الاُم، بروجرد، زار مدينة قم المقدّسة، فكان في استقباله جمع كبير من علمائها وفضلائها، ولم يكتف الشيخ عبد الكريم الحائري بأن يكون على رأس المستقبلين، بل طلب من السيد البقاء في قم، فما كان من السيد إلاّ أن يلبّي هذه الدعوة، فبقي فيها خمسة أشهر، وكان هذا في سنة 1347هـ .
يقول السيد الجلالي: فأقام السيد هناك، وبدأ بالتدريس والبحث مدّة خمسة أشهر، كان نجمه فيها يتألّق، لكن الحكومة لم يرُق لها ذلك، فكانت تدبّر المؤامرات وتحيكها; لانتقال السيد إلى بروجرد، تاركاً قم أمله ومأمنه.
وفي عام 1364هـ وبعد سبعة عشر عاماً من عودته إلى مدينته من قم المقدّسة، عاد إلى هذه المدينة المقدسة مرجعاً كبيراً وعَلماً من أعلام الطائفة، تلبيةً لطلب أكثر الأعلام ـ وفي طليعتهم السيّد الإمام الخميني (قدس سره)ـ واستجابةً لرغبة فضلائها بعد التشتّت والاختلاف الذي دبّ بين صفوفها على اثر وفاة مؤسّسها الشيخ الحائري.
يقول الشيخ آغا بزرك : ... فسافر إلى طهران في (1364) للعلاج، وبقي في (مستشفى الفيروزآبادي) سبعين يوماً حتى تحسّنت حاله وبرئ، فطلب منه جمع من طلاّب قم وبعض علمائها أن يحلّ بينهم، فينظم الحوزة العلمية هناك، فأجابهم ووردها في (14 محرّم 1364) أو في (26 صفر 1364 على قول، وقيل في 24 محرّم) وعزم على سكناها; لايجاد روح العلم وتشجيع الطلاّب، حيث تبدّد نظام الهيأة العلمية بعد وفاة المؤسس الشيخ عبد الكريم اليزدي الحائري (رحمه الله)، وتمهدت له الاُمور، واتفق أن فجع العالَم الإسلامي بوفاة السيد أبي الحسن الأصفهاني في  (1365) ومضت برهة يسيرة وإذا بأنظار المسلمين في شتى البلاد والأصقاع متجّهةً إليه شاخصةً نحوه... وهو اليوم ـ في عهد الشيخ آغا بزرك ـ أكبر زعماء

(الصفحة16)

الدين وأشهر مراجع تقليد الإمامية في سائر البلاد ، سواء في ذلك الإسلامية أو غيرها، كما أنّ بيده زمام الهيأة العلمية وهو مديرها ومدبرها...(1).
من هنا بدأت المرحلة الأخيرة، مرحلة المرجعية والزعامة الدينية التي ما سعى إليها قط كما سعت إليه. حيث كان يقول: «إني لم أقم بخطوة في طلب هذا المقام، لكنني أحسست فجأةً أنّ المرجعية تطاردني، وشعرت في نفسي انه لابدّ من تقبّلها» وله أيضاً: «كلّ من يطلب العلم بغرض الوصول إلى المقام الذي أنا فيه، إنّه لسفيه سفيه».
وكانت أقواله هذه مرآةً صادقةً تعكس أفعاله، فقد عرف نفسه، وعرف دوره، وعرف ما حوله، وأدرك مسؤوليته ، فكان أن تولد موقفه منها ومسؤوليته في تحمل أمانتها ، وهي ـ بلا شك ـ أمانة عظيمة ومسؤولية خطيرة. وهذا ما حدث فعلاً، كانت مرجعيته حافلةً بالأحداث، فقد جاءت عقيب وفاة زعيم الحوزة العلمية في قم، وقد انبرى لها عدد غير قليل، فتشتّتت المواقف واختلفت الآراء، واضطربت الاُمور.
كما جاءت تلو وفاة السيد أبو الحسن الأصفهاني الذي جمعت المرجعية فيه، ودانت له جميع الحوزات العلمية وانقادت لتقليده; وهي مرجعية واسعة موحّدة في شخصه.
يقول الشيخ آغا بزرك: فإنّ المرجعية التقليدية انقسمت ـ بعد أن كانت مجموعة في السيد الأصفهاني ـ إلى عدّة أشخاص تقرب العشرة أكثرهم في النجف الأشرف.
وجاءت مرجعية السيد البروجردي في وقت كانت رحى الحرب العالمية الثانية قائمة ، وما رافقها من اضطراب وقلق عمّ جميع البلدان ، ومنها بلادنا

(1) نقباء البشر 2 : 606 ـ 607 .

(الصفحة17)

الإسلامية وشعوبها.
ومع كلّ هذا يقول السيّد الجلالي عن مرجعية سيدنا البروجردي:
وقد كانت المرجعية في عصره من أبرز أمثلة المرجعيات الصالحة الرشيدة المؤدية لما يُتوقع منها على مستويات الاُمّة والوطن والتقدّم العلمي. فكانت مرجعية مليئة بالمفاخر والمآثر في مجالات دين الناس ودنياهم وتراث الاُمّة، وقد مضى وخلّف آثاراً وذكريات عجز المتأخّرون عن اللحوق بشأوِهِ في مثلها(1).
فمن جملة مواقفه السياسيّة امتناعه من اللقاء مع الملك سعود عاهل المملكة العربية السعودية يومئذ، عندما جاء لزيارة طهران وحكّامه، فأرسل إليه بعض الهدايا والتي منها المصاحف الشريفة وستار الكعبة بيد السفير السعودي في ايران، فتقبّل السيّد المصاحف وشيء من الستار وأرجع الباقي. ثم كتب رسالة إلى الملك ضمّنها رواية شريفة للإمام الصادق (عليه السلام) تحتوي على أحكام الحج، فانعكست بعد ذلك في جرائد المملكة العربية السعودية بشكل واسع(2).
ومنها: ما احتاله النظام الحاكم على ايران في عصر زعامته حيث سعى لمحو رسم الخط الفارسي وإبداله بالخط اللاتيني، لكنّه جُوبه بالردّ العنيف مِن قِبَل السيّد الزعيم ، حيث كان له موقف مشهود في المقام الذي أدّى إلى امتناع السلطات من إجراء مقاصدهم الخبيثة(3).
نعم، إنّ المؤهلات التي كان يتمتّع بها السيد البروجردي ، ومنها قوّة الشخصية التي كان يتصف بها، وقدراته العلمية التي فاقت أقرانه ومعاصريه هيّأته لأن يكون زعيماً للطائفة ، كما يكون قائدها المدبّر وعالمها الفذّ. فراح يسدّد الحركة

(1) المنهج الرجالي : 26 .
(2) مجلّة الحوزة ، العدد 43 ـ 44 : 82 ـ 83 .
(3) مجلّة الحوزة ، العدد 43 ـ 44 : 153 ـ 154 .

(الصفحة18)

العلمية التي كانت همّه الأوّل، ويقيم أعمدتها على اُسس متينة واُصول ثابتة، فنظم شؤونها ووحَّد كلمتها ودفع عنها السوء.
فكان لوجوده المبارك، ونشاطه الحثيث، وعمله الدؤوب الذي ما عرف التوقّف أو التردّد، وأيضاً التفاف أهل العلم والفضل حوله الذين وجدوه عالماً، وشخصاً صادقاً... أعظم الأثر لا في تطوّر حوزة قم العلمية فحسب، بل تطوّر الحوزات العلمية الاُخرى في مختلف البلاد الإسلامية. فكان فكره الثاقب، ويده المباركة، ونظراته البعيدة ترقب الأحداث في تلك الحوزات وإن بعدت، فتحظى باهتمامه ورعايته الأبوية.
وكيف لا يكون كلّ هذا وغيره من شأنه ، وهو المعروف بأنّه صاحب الأفكار الخلاّقة التي منها فكرة التقريب بين المذاهب، ودارها في القاهرة، والمبادرات العلمية وصاحب المشاريع الكبيرة الرائدة العملاقة التي تتصف بالإبداع والتجديد؟! وما خلّفه من آثار ومؤلّفات ومساجد ومدارس ومؤسسات دينية هنا وهناك في ايران والنجف الأشرف ، وفي بلدان اُخرى إسلامية وغير إسلامية ، منها: المسجد الذي اُسس بأمره في هامبورغ آلمانيا، كما ان المسجد الأعظم في قم عاصمة التشيّع اليوم ، يعدّ من أروع مآثره التاريخية. وأن إرساله المبلِّغين من الأعلام لنشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في شتّى أقطار العالم ولا سيّما أروبا لخير دليل على وعيه واُفقه الواسع وخبرته وتجاربه.
فكان بحقّ من العمالقة القلّة، الذين عرفتهم الحوزات العلمية في بروجرد ، وفي اصفهان، وفي النجف، وفي مشهد وفي قم. وشهد له بذلك الكثيرون من أعلامها ورجالها. وقد ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً طيلة عمره المديد.
ولَكَم وجدنا ونحن نطالع حياته هنا وهناك الشبه الكبير بينه وبين غيره من علمائنا الأفذاذ وإن اختلف في رؤاه وفي منهجه العلمي والتربوي والاجتماعي. وهذا أمر طبيعي ، فلكلّ شيخ طريقة. فقد اختطّ لنفسه هذه المنهجية منذ أوّل خطوة

(الصفحة19)

خطاها في سُلَّم العلم والمعرفة وفي تدريسه وتعليمه وتأليفه ، وحتى في حياته الشخصية كما نلاحظ ذلك في معالم حياته، حتى غدت كلّها مدرسةً متكاملةً، سعيدٌ من نال حظّاً وفيراً منها.

أعماله في بروجرد:
في أطول فترة علمية قضاها ـ قرابة الخمسين سنة باستثناء طفولته ـ في حوزتها التي كان مغرماً بعلومها وشغوفاً بدروسها، ومستوعباً لبحوثها، وكانت حقّاً منهلاً سلسبيلاً، لم يذق شربه أنقع لغليله منها. وراحت هذه المرحلة من عمره الشريف تدقّ في شخصه الكريم أعمدة العلم، وتجذّرها في مداركه، وتفتح له من كلّ باب يرده أبواباً اُخر، ومن كلّ نشاط يخطو نحوه خطواته الرصينة أنشطة اُخر أكثر نفعاً وأعظم استيعاباً لعلوم أهل البيت (عليهم السلام); التي نذر نفسه منذ صغره لخوض غمارها، تدريساً وبحثاً. ومعالم حياته المباركة الفكرية منها والقيادية كانت نتيجة هذه السنين الطويلة وثمرة لجهود عظيمة تتجلّى عبر ما بحثه وما تركه من آثار تدلّنا بوضوح على ما كان يتمتّع به الرجل من فكر ثاقب ، ونشاط لا يعرف التوقّف في التحقيق والبحث.
ومَن أراد الاطّلاع على قدراته الفائقة وخدماته الجليلة ، فليرجع وليحتكم إلى أعماله ومؤلّفاته وإلى ما شهد به أساتذته وتلامذته.
لقد كان ذا باع طويل وإلمام بكلّ جوانب العلوم الحوزوية، وكان على تبحّر واسع بعلمي الرجال والحديث ، فهو فيهما صاحب مدرسة خاصة، ألَّف في هذين العلمين كتباً قيّمة. حقّاً إن الفقيه لا يكون فقيهاً ما لم يكن متبحراً بعلم الرجال وملمّاً به أيّما إلمام. وفعلاً نضجت عنده في بروجرد فكرة تأليف أعماله الجبارة والتي احتضنت ما بين لابتيها: الموسوعة الرجالية وجامع أحاديث الشيعة والأضابير الفقهية الاُخرى.

(الصفحة20)

يقول المحقّق الجلالي:
إن بروجرد كانت مجمعاً علمياً نفّذ فيه السيد كلّ طموحاته واُطروحاته العلمية، مستنفداً كلّ وسعه، ومستفيداً من كلّ إمكاناته، ومتمتّعاً من كلّ الفرص المؤاتية.
فهناك طرح فكرته عن تكميل الموسوعة الحديثية والرجالية، التي تبلورت عن وجود «جامع أحاديث الشيعة في أحكام الشريعة» أحدث موسوعة حديثية شيعية، وأوسعها وأجمعها وأحسنها ترتيباً وتنظيماً(1).
لقد كان سيدنا يأمل من موسوعته هذه أن تكون جامعةً حاويةً لجميع الفوائد ، وافيةً بجملة المقاصد ، مشتملةً على الآيات الدالة على الأحكام والأحاديث الباحثة حول الفروع ، وما يحتاج إليه في الفقه من الاُصول، خاليةً عن التكرار والتقطيع والفضول، مراعىً فيها تسهيل طرق الاطلاع والعثور ، بحيث لا يحتاج معه الفقيه إلى غيره، ويستغني به عمّا سواه(2). وهكذا كان، فقد وفّقه الله تعالى للنهوض بهذا العبء مع ثلّة مؤمنة من العلماء والفضلاء.
وهناك نظّم السيد فكرة «الموسوعة الرجالية» العظيمة بقسميها «ترتيب الأسانيد»، و «طبقات الرجال».
كما بدأ أيضاً مشروع الأضابير الفقهية، المؤسَس على فكرة إفراز كل فرع فقهي في ملفٍّ يضبط كلّ ما يتعلّق بالفروع من أدلة وأحكام ومناقشات وشؤون.

معجم بأعماله العلميّة:
وهنا نكتفي بما وقف عليه السيّد الجلالي بنفسه من أعمال لسيدنا

(1) المنهج الرجالي: 21 .
(2) جامع أحاديث الشيعة 1 : 10.

<<التالي الفهرس السابق>>