في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة41)

فريضة العصر ، وأربع ركعات بعد المغرب ، وركعتان من جلوس بعد العتمة ، تعدّان بركعة ، وثمان ركعات في السحر ، والشفع والوتر ثلاث ركعات ، تسلم بعد الركعتين ، وركعتا الفجر»(1) .
وبإزاء هذه الأخبار ، بعض الأخبار الاُخر ، كرواية أبي بصير قال : سألت أبا  عبدالله(عليه السلام) عن التطوّع بالليل والنهار؟ فقال : «الذي يستحبّ أن لا يقصر عنه ثمان ركعات عند زوال الشمس ، وبعد الظهر ركعتان ، وقبل العصر ركعتان ، وبعد المغرب ركعتان ، وقبل العتمة ركعتان ، ومن السحر ثمان ركعات ، ثم يوتر ، والوتر ثلاث ركعات مفصولة ، ثم ركعتان قبل صلاة الفجر ، وأحبّ صلاة الليل إليهم آخر الليل»(2) .
وظاهرها أنّ مجموع الفرائض والنوافل يبلغ ستّاً وأربعين ركعة ، ورواية زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) الدالّة على أنّ المجموع أربع وأربعون ركعة(3) ، وكذا روايته عن الصادق(عليه السلام)(4) .
وقد عمل بعض الأصحاب بهذه الروايات ، ولذا كانوا مختلفين قبل زمن الرضا(عليه السلام) ، ومنشأ اختلافهم هي الروايات المختلفة ، وقد أُشير إلى ذلك في رواية البزنطي المتقدّمة ، وفي زمنه(عليه السلام) قد ارتفع الاختلاف بينهم ، لأجل السؤال عنه ، وتعيينه لما هو الحقّ من تلك الروايات ، ولذا صار ذلك مورداً لتسالم الأصحاب بعده(عليه السلام) .
هذا كلّه بناء على عدم إمكان الجمع بين تلك الأخبار المختلفة ، ويمكن الجمع

(1) عيون اخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 123 ح1 ; تحف العقول : 417 ; الوسائل 4 : 54 . أبواب اعداد الفرائض ب13 ح23 .
(2) التهذيب 2 : 6 ح11 ; الاستبصار 1 : 219 ح777  ; الوسائل 4 : 59 أبواب اعداد الفرائض ب14 ح2 .
(3) التهذيب 2 : 7 ح13 ; الوسائل 4 : 59 . أبواب أعداد الفرائض ب14 ح1 .
(4) التهذيب 2 : 7 ح12 ; الوسائل 4  : 59 . أبواب أعداد الفرائض ب14 ح3 .

(الصفحة42)

بينها بأن يقال : إنّ الاختلاف بينها في نافلة العصر والمغرب محمول على اختلاف مراتب الاستحباب ، فالإتيان بأربع ركعات في نافلة العصر ، يشترك مع الإتيان فيها بثمان ركعات في أصل فضيلة نافلة العصر ، ولكنّه واقع في المرتبة الدانية ، وذاك في المرتبة العالية ; وهكذا في نافلة المغرب .
هذا ، ولكن هذا الجمع لا يتمّ بالنسبة إلى نافلة العشاء ، لعدم التعرّض لها في بعض الأخبار ، وبعبارة أُخرى : هي لا تكون أزيد من ركعتين حتّى يختلف فيها المراتب بالقلّة والكثرة ، فاختلاف الأخبار حينئذ يرجع إلى المشروعيّة وعدمها كما لا يخفى . نعم يمكن الجمع حينئذ بأن يقال : إنّ عدم ذكرها في بعض الأخبار يحتمل أن يكون لأجل التقيّة ، لترك بعض العامّة لها ، ويحتمل أن يكون من جهة أنّ المقصود هو بيان ما ثبت استحبابه أوّلا وبالذّات ، ونافلة العشاء لا تكون كذلك ، لأنّها مشروعة لصيرورة عدد النافلة ضعف الفريضة ، أو لكونها عوضاً عن الوتر لو ترك ، كما في بعض الأخبار(1) ، فلا تكون من النوافل الثابتة بالأصالة .
ثمّ انّه ورد في بعض الروايات ، ما يدلّ بظاهره على أنّ نافلة الظهر أربع ركعات ، وهو ما رواه الحميري في قرب الإسناد ، عن الحسن بن ظريف ، عن الحسين بن علوان ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي(عليهم السلام) ، أنّه كان يقول : «إذا زالت الشمس عن كبد السماء ، فمن صلّى تلك الساعة أربع ركعات فقد وافق صلاة الأوّابين ، وذلك بعد نصف النهار»(2) . ولكنّها مضافاً إلى عدم صحّة سندها ، لأن حسين بن علوان من الزيديّة ، أنّها لم تكن مذكورة إلاّ في كتاب قرب الإسناد ، وهو وإن كان مؤلّفه من الإماميّة إلاّ أنّ بناءه في ذلك الكتاب ذكر الأخبار الضعيفة أيضاً ، أضف إلى ذلك كلّه أنّ هذه الرواية محمولة على التقيّة ، من جهة موافقتها

(1) الكافي 1 : 208 ح4 ; الوسائل 4  : 45 . أبواب أعداد الفرائض ب13 ح2 .
(2) قرب الاسناد : 109 ح390 ; الوسائل 4  : 94 . أبواب أعداد الفرائض ب28 ح4  .

(الصفحة43)

لمذهب الحنفيّة ، ويؤيّده أنّ فقه الزيديّة موافق لفقه الحنفيّة .
وكيف كان فالرواية غير قابلة للاستناد خصوصاً مع معارضتها للأخبار الكثيرة المستفيضة ، بل المتواترة ; نعم قد عرفت الاختلاف بين الروايات في نافلة العصر والمغرب ، وعرفت أيضاً أنّ طريق الجمع بينها هو الحمل على مراتب الفضيلة .
ثمّ إنّه قد ورد في الأخبار الكثيرة التي تقدّم بعضها ، أنّ نافلة العشاء ركعتان من جلوس ، تعدّان بركعة من قيام(1) ، وهي بهذه الكيفيّة من متفرّدات الإماميّة ولم يقل به أحد من العامّة ، لأنّهم بين من ينكرها رأساً ، ويذهب إلى عدم مشروعيّتها ، وبين من يقول بأنّها ركعتان من قيام ، وبين قائل بأنّها ثمان ركعات ، أربع منها قبل فريضتها ، وأربع بعدها كأبي حنيفة ومن تبعه(2) .
* * *

ينبغي التنبيه على أُمور :

الأمر الأوّل : نافلة كلّ فريضة عبادة مستقلّة

لا ريب في أنّ نافلة كلّ فريضة عبادة مستقلّة ، وعمل واحد ، لا ارتباط لها بنافلة فريضة أُخرى ، فيجوز الإتيان بها وإن ترك غيرها من النوافل ، فيجوز لمن أراد الإتيان بالظهرين أن يأتي بنافلة الظهر دون العصر أو العكس ، وهذا ممّا لا خفاء فيه ولا إشكال ، إنّما الإشكال في أنّ النوافل التي تكون أزيد من صلاة واحدة  ـ مثل نافلة المغرب المركّبة من صلاتين ، ونافلة الظهر أو العصر المركّبة من

(1) الوسائل 4  : 45 ـ 57 ، أبواب أعداد الفرائض ب13 ح2 ، 3 ، 7 ، 23 ، 25 .
(2) فتح العزيز 4 : 217 ; المغني 1 : 798 ; المجموع 4 : 8 ; المعتبر 2 : 12 ; تذكرة الفقهاء 2 : 262 مسألة 3 .

(الصفحة44)

أربع صلوات ، كلّ واحدة منها ركعتان ، كما أنّها تكون متعدّدة بما أنّها مصداق لعنوان الصلاة بلا ريب ، ـ هل تكون أيضاً متعدّدة بعنوان أنفسها أم لا؟
وبعبارة أُخرى ، كما أنّ لنافلة الظهر ـ مثلا ـ المركّبة من أربع صلوات ، مصاديق متعدّدة لحقيقة الصلاة ـ لأنّ كل واحدة من تلك الصلوات الأربع صلاة مستقلّة بحيالها ، ولذا لا يضرّ وقوع الحدث بينها ، ولا يوجب بطلان المأتي به منها ،  ـ فهل تكون بعنوان أنّها نافلة متعدّدة أيضاً حتّى تكون مركّبة من أربع نوافل مستقلّة تعلّق بكلّ واحدة منها أمر مستقلّ لا ارتباط له بالأمر المتعلّق بالاُخرى ، أو أنّها بهذا العنوان لا تكون إلاّ نافلة واحدة تعلّق بها أمر واحد ، ويكون كلّ ركعتين منها جزء للمستحبّ المركّب من أربع ، مشتمل كلّ واحدة منها على ركعتين ، نظير صلاة جعفر(عليه السلام) ، فإنّها وإن كانت صلاتين ، للتسليم في كلّ ركعتين منها ، إلاّ أنّها من حيث كونها معنونة بهذا العنوان صلاة واحدة ، متعلّقة لأمر واحد ، ولا يترتّب عليه الآثار المترقّبة ، إلاّ بالإتيان بالمجموع؟
وجهان ; والثمرة بينهما إنّما تظهر في جواز التفكيك بينهما في مقام الإتيان ، فعلى الأوّل : يجوز التفكيك ، ويحصل الامتثال بالنسبة إلى الأمر الذي أتى بمتعلّقه ، فلو أتى في نافلة الظهر بأربع ركعات مفصولة ، يكون ممتثلا للأمرين اللذين تعلّق كلّ واحد منهما بصلاة واحدة ، مشتملة على ركعتين ، وهكذا . وعلى الثاني : لا يحصل الامتثال إلاّ بالإتيان بالمجموع ، لأنّه ليس في البين إلاّ أمر واحد متعلّق بالمجموع ، وهو لا يقبل التجزية من حيث الامتثال كما هو واضح .
والذي يظهر من أخبار الباب(1) ، هو كون المجموع المركّب من صلاتين أو أربع صلوات ، نافلة واحدة متعلّقة لأمر استحبابي واحد ، وإن كانت بما هي

(1) الوسائل 4  : 45 . أبواب أعداد الفرائض ب13 .

(الصفحة45)

صلوات متعدّدة . ولكنّ المستفاد من صاحب الجواهر هو الوجه الأوّل الذي مرجعه إلى استقلال كلّ ركعتين ، في كونه مأموراً به ، ونسب ذلك إلى العلاّمة الطباطبائي(1) ، ولعلّه ذهب إليه في كتاب المصابيح ، إذ لم نجد ذلك في كتاب الدرّة .
وكيف كان فقد استدلّ على ذلك في الجواهر بوجوه أربعة منها : الأصل . ومنها : تحقّق الفصل ، وهو يقتضي التعدّد . ومنها : عدم وجوب إكمالها بالشروع فيها . ومنها : أنّها مشروعة لتكميل الفرائض ، فيكون لكلّ بعض منها قسط منه .
ولكنّها كلّها مخدوشة ، أمّا الأصل ، فلأنّ اعتباره إنّما هو فيما إذا لم يكن في مقابله دليل اجتهاديّ ، وقد عرفت أنّ المستفاد من ظواهر النصوص والفتاوى هو كون المجموع نافلة واحدة متعلّقة لأمر واحد ، فصلاة الليل المركّبة من أربع صلوات بما أنّها صلاة الليل نافلة واحدة لا تصدق على أربع ركعات منها ، ولا يترتّب عليها الآثار إلاّ بعد الإتيان بمجموع الثمان ، نظير صلاة جعفر(عليه السلام) على ما عرفت ، هذا مضافاً إلى أنّه لا أصل في المسألة إلاّ استصحاب عدم الاشتراط الثابت قبل الشرع ، والمدّعى هو ارتباط الأجزاء بعضها ببعض ، والارتباط يغاير الاشتراط ، بداهة أنّه ليس معنى الارتباط إلاّ مجرّد كون المجموع المركّب من الأجزاء متعلّقاً لأمر واحد وطلب فارد . غاية الأمر إنّ ذلك الأمر مع كونه واحداً حقيقة له أبعاض متعدّدة حسب تعدّد أبعاض متعلّقه ، ويتعلّق كلّ بعض من الأمر ببعض المتعلّق كما حقّقناه في الاُصول(2) ، وهذا لا ارتباط له باعتبار اشتراط بعض الأجزاء ببعض ، كما هو واضح .
وأمّا الوجه الثاني : فيرد عليه أنّ مقتضاه تعدّدها ، بما أنّها صلاة ومصداق لطبيعتها ، لا بما أنّها نافلة الظهر مثلا ، والأمر المتعلّق بها إنّما تعلّق بها بعنوانها

(1) جواهر الكلام 7  : 29 .
(2) نهاية الأصول ، الصحيح والأعم : 49  .

(الصفحة46)

الثانوي ، من كونها نافلة الظهر أو العصر أو صلاة الليل مثلا ، ولم يتعلّق بها بما أنّها صلاة ، كما لا يخفى .
وأمّا الوجه الثالث : ففيه; أنّ عدم وجوب الإكمال بالشروع وجواز الاقتصار على البعض لا يدلّ على انطباق عنوان المأمور به على غير الكامل أيضاً ، لأنّه لا منافاة بين اعتبار الارتباط بين الأبعاض والحكم بعدم وجوب الإكمال وجواز رفع اليد عنه في الأثناء ، ولا تكون هذه الإجازة دالّة على أنّ المأتيّ به ناقصاً مصداق لعنوان المأمور به ، ومنطبق عليه لذلك العنوان ، حتّى يترتّب عليه الآثار المترتّبة على المجموع .
وقد وقع نظير هذا الخلط من بعضهم في باب صلاة الجماعة ، حيث استدلّ على جواز نيّة الانفراد في أثنائها بأن الجماعة لم تكن واجبة ابتداءً ، وليس هنا ما يدلّ على وجوب إدامتها ، وعدم جواز رفع اليد عنها(1) .
فإنّه يقال عليه : إنّ غاية ذلك هو جواز القطع في الأثناء بنيّة الانفراد ، وأمّا كون مقتضى الجواز هو اتّصاف ما وقع منها قبل القطع بوصف الجماعة حتّى يترتّب عليه الآثار المترتّبة على صلاة الجماعة من سقوط القراءة ونحوه ، فنحن نمنعه لعدم الملازمة بينهما ، كما هو غير خفيّ .
وأمّا الوجه الرابع : ففيه; أنّ تشريع النوافل لتكميل الفرائض لا يقتضي جواز التقسيط ، بحيث كان كلّ قسط دخيلا في التكميل مستقلاًّ ، وإلاّ لجاز الاقتصار على بعض صلاة واحدة أيضاً .
وانقدح ممّا ذكرنا أنّ الظاهر كون النوافل المركّبة من أزيد من صلاة واحدة ، واحدة بعنوانها ، ولم يتعلّق بها إلاّ أمر واحد ; ويؤيّده التعبير في الروايات عن نافلة

(1) مختلف الشيعة 3 : 74 ـ 75  .

(الصفحة47)

الظهر مثلا بأنّها ثمان ركعات(1) ، لا أنّها أربع صلوات ، فإنّ هذا التعبير يماثل التعبير عن فريضة الظهر بأنّها أربع ركعات بلا فرق بينهما ، فكما أنّ المجموع المركّب من الأربع في الفريضة تعلّق به أمر وجوبيّ واحد ، فكذا المجموع المركّب من الثمان في النافلة تعلّق به أمراستحبابيّ واحد، والفرق بينهماإنّماهوفيوجوب الأمر واستحبابه، وكذا في جواز القطع وعدمه ، وقد عرفت أنّ جواز القطع لا ينافي الارتباط .
ثم إنّه ذكر المحقّق الهمدانيّ في المصباح «أنّه لا ينبغي الاستشكال في جواز الاقتصار في نافلة المغرب على ركعتين ، وفي نافلة العصر على أربع ركعات ، لدلالة بعض الأخبار عليه ، بل الظاهر جواز الإتيان بركعتين من نافلة العصر ، لما في غير واحد من الأخبار الآمرة بأربع ركعات بين الظهرين ، من التفصيل بالأمر بركعتين بعد الظهر ، وركعتين قبل العصر ، فإنّ ظاهرها بشهادة السياق أنّ كلّ واحد من العناوين المذكورة في تلك الروايات نافلة مستقلّة ، فللمكلّف الإتيان بكلّ منها بقصد امتثال الأمر المتعلّق بذلك العنوان ، من غير التفات إلى ما عداها من التكاليف . وبهذا ظهر أنّه يجوز الإتيان بستّ ركعات أيضاً من نافلة العصر ، لقوله(عليه السلام)في موثّقة سليمان بن خالد : «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس وستّ ركعات بعد الظهر وركعتان قبل العصر»(2) . فإنّ ظاهرها كون ستّ ركعات في حدِّ ذاتها نافلة مستقلّة . وفي خبر عيسى بن عبدالله القمّي عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال : «إذا كانت الشمس من هاهنا من العصر فصلِّ ستّ ركعات»(3) .
هذا ، واستظهر بعد ذلك من خبر حسين بن علوان المتقدّم(4) جواز الاقتصار

(1) الوسائل 4 : 45 ، أبواب أعداد الفرائض ب13  .
(2) التهذيب 2 : 5 ح8  ; الوسائل 4 : 51 . أبواب أعداد الفرائض ب13 ح16 .
(3) رجال الكشي 2 : 333 ، ح610 ; الوسائل 4  : ص62 . أبواب أعداد الفرائض ب14 ح8  .
(4) الوسائل 4  : 94 . أبواب أعداد الفرائض ب28 ح4  .

(الصفحة48)

في نافلة الزوال أيضاً على أربع ركعات ، ثم أخذ في جواز التخطي عمّا يستفاد من النصوص ، ونقل كلام صاحب الجواهر(1) واستدلالاته ، والمناقشة فيها ، واستظهر في ذيل كلامه عدم الفرق بين النوافل ، وجواز الاقتصار على البعض في الجميع»(2) .
أقول : يرد عليه :
أوّلا : ما عرفت من أنّ الروايات الدالّة على كون نافلة المغرب ركعتين ، أو نافلة العصر أربعاً أو ركعتين ، أو نافلة الزوال أربعاً ، متروكة غير معمول بها بين الأصحاب رضوان الله عليهم بعد زمن الرضا(عليه السلام) ; فلا يجوز الاعتماد عليها في إثبات ما هو بصدده . هذا ، مضافاً إلى أنّه لو ثبت ذلك يجب الاقتصار فيها على موردها ، أعني المغرب والعصر ، ولا يجوز التعميم بالنسبة إلى نافلة الزوال أيضاً ، بعدما عرفت من أنّ الرواية الدالّة على ذلك مضافاً إلى ضعف سندها محمولة على التقيّة ، لموافقتها لفتوى أبي حنيفة(3) ; فالحمل على اختلاف مراتب الاستحباب إنّما هو في غير نافلة الزوال ، فتدبّر .
وثانياً : إنّ ما ذكره من جواز الاقتصار على الركعتين ، أو الستّ ركعات في نافلة العصر مستنداً إلى ما ذكره من الروايات ، ممنوع جدّاً ، لوضوح أنّه لا منافاة بين الروايات الدالّة على الثمان بنحو الاجتماع ، وبين الروايات الدالّة على الثمان بنحو الافتراق ; وقد عرفت ظهور الطائفة الاُولى في الارتباط بين الأجزاء وكون المجموع نافلة العصر . وهذا لا ينافي جواز التفريق في مقام العمل الذي يدلّ عليه الطائفة الثانية ، فانّه لما كان من سيرتهم التفريق بين فريضتي الظهر والعصر ، والإتيان بكلّ منهما في وقت فضيلته كما هو المتداول الآن بين أهل السنّة ، فلذا كانوا

(1) جواهر الكلام 7  : 29  .
(2) مصباح الفقيه كتاب الصلاة : 7  .
(3) راجع ص43 .

(الصفحة49)

قد يأتون ببعض نافلة العصر أيضاً بعد الإتيان بفريضة الظهر .
وبالجملة : جواز التفريق والإتيان بالنافلة في وقتين أمر ، والارتباط وكون المجموع من حيث هو مجموع نافلة واحدة مسمّاة بنافلة العصر أمر آخر ، فلا منافاة بين الروايات الدالّة على الأمر الأوّل ، وبين الروايات الظاهرة في الأمر الثاني .
وقد تلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ الظاهر في كلّ نافلة مركّبة من أزيد من صلاة هو الارتباط ووحدة الأمر ، وأنّ اختلاف بعض الأخبار في عدد الركعات لا يدلّ على الخلاف ، فضلا عن الأخبار التي لا تخالف الروايات المعمول بها في أصل العدد ، بل تخالفها في الجمع والتفريق ، كخبر سليمان بن خالد المتقدّم الدالّ على الإتيان بستّ ركعات من نافلة العصر بعد الظهر ، وبركعتين منها قبل فريضة العصر ، وخبر رجاء بن أبي الضحاك الدالّ على أنّ الرضا(عليه السلام) صلّى ستّاً من نافلة الظهر ، ثمّ أذّن ثمَّ صلّى ركعتين منها ، وكذا نافلة العصر(1) ، فإنّه لا يدلّ على استقلال ستّ ركعات ، وكونها نافلة مستقلّة ، بل التفريق والإتيان بالستّ قبل الأذان ، وبالركعتين بينه وبين الإقامة ، لعلّه كان من جهة تحقّق الفصل المستحب بين الأذان والإقامة .

الأمر الثاني : صلاة الغفيلة

روى الشيخ في المصباح عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال : «من صلّى بين العشائين ركعتين يقرأ في الاُولى الحمد {وذا النون إذ ذهب مغاضباً ـ إلى قوله :  ـ وكذلك ننجي المؤمنين}(2) وفي الثانية الحمد وقوله : {وعنده مفاتِح

(1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2 : 181 ح180 ; الوسائل 4 : 55 . أبواب أعداد الفرائض ب13 ح24 .
(2) الأنبياء 21 : 87 ـ 88  .

(الصفحة50)

الغيب لا يعلمها إلاّ هو}(1) الآية فإذا فرغ من القراءة رفع يديه وقال : اللّهمَّ انّي أسألُكَ بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلاّ أنت ، أن تصلّي على محمّد وآل محمّد وأن تفعل بي كذا وكذا ، وتقول : اللهمَّ أنت وليّ نعمتي ، والقادر على طلبتي ، تعلم حاجتي ، فأسألك بحقِّ محمّد وآله لمّا قضيتها لي ، وسأل الله حاجته أعطاه الله ما سأل»(2) .
وعن السيّد رضيّ الدين بن طاووس(رحمه الله) في كتاب فلاح السائل بإسناده عن هشام بن سالم نحوه وزاد : فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال : «لا تتركوا ركعتي الغفلة وهما ما بين العشائين»(3) .
والنقل عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) يحتمل أن يكون صادراً من السيّد(رحمه الله) ، ويحتمل أن يكون من كلام الإمام(عليه السلام) وإن كان الثاني أظهر .
وروى الصدوق مرسلا قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)  : «تنفّلوا في ساعة الغفلة ولو بركعتين خفيفتين فإنّهما تورثان دار الكرامة» . قال : وفي خبر آخر : «دار السلام وهي الجنّة» وساعة الغفلة ما بين المغرب والعشاء الآخرة(4) . والظاهر أنّ قوله : وساعة الغفلة . . . ، من كلام الصدوق لا تتمّة للرواية .
وروى سماعة ووهب بن وهب والسكوني عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه(عليهما السلام)قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)  : «تنفّلوا في ساعة الغفلة ولو بركعتين خفيفتين فإنّهما تورثان دار الكرامة»(5) .

(1) الأنعام 6  : 59  .
(2) مصباح المتهجّد : 94 ; الوسائل 8 : 121 ، أبواب بقية الصلوات المندوبة ب20 ح2 .
(3) فلاح السائل : 248 ; مستدرك الوسائل 6 : 303 . أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب15 ح3 .
(4) الفقيه 1 : 357 ح1564 ; الوسائل 8  : 120 . أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب20 ح1 .
(5) علل الشرائع : 343 ح1 ، ثواب الأعمال  : 68 ، أمالي الصدوق : 445 ح10 ، معاني الأخبار : 265 ، التهذيب 2 : 243 ، ح963 ; الوسائل 8 : 120 ـ 121 . أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ، ب20 ، ذح1 .

(الصفحة51)

وزاد الشيخ في التهذيب بعد نقل الرواية عن السكوني ، قيل : يا رسول الله وما ساعة الغفلة؟ قال : ما بين المغرب والعشاء .
وعن السيّد بن طاووس في الكتاب المذكور أنّه روى هذه الرواية أيضاً وزاد ، قيل : يا رسول الله وما معنى خفيفتين؟ قال : يقرأ فيهما الحمد وحدها . قيل : يا رسول الله متى أُصليهما؟ قال : ما بين المغرب والعشاء(1) .
وعن الصدوق في الفقيه ، عن الباقر(عليه السلام)  : «إنّ إبليس يبثّ جنوده جنود الليل من حين تغيب الشمس إلى مغيب الشفق ، ويبثّ جنود النهار من حين يطلع الفجر إلى طلوع الشمس . وذكر أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يقول : أكثروا ذكر الله عزّوجلّ في هاتين الساعتين وتعوّذوا بالله عزّوجلّ من شرّ إبليس وجنوده ، وعوّذوا صغاركم في هاتين الساعتين فإنّهما ساعتا غفلة» . انتهى(2) .
وروى الشيخ في المصباح عن الصادق ، عن آبائه(عليهم السلام) ، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال : «أُوصيكم بركعتين بين العشائين ، يقرأ في الاُولى الحمد وإذا زلزلت الأرض ثلاث عشرة مرّة ، وفي الثانية الحمد مرّة وقل هو الله أحد خمس عشرة مرّة ، فإن فعل ذلك في كلّ شهر كان من الموقنين ، فإن فعل ذلك في كلّ سنة كان من المحسنين ، فإن فعل ذلك في كلّ جمعة مرّة كان من المخلصين ، فإن فعل ذلك مرّة كلّ ليلة زاحمني في الجنّة ، ولم يحص ثوابه إلاّ الله تعالى»(3) .
إذاعرفت ذلك فاعلم أنّه يقع الكلام هنا في جهتين: إحداهما: اتّحادالتنفّل المأمور به في ساعة الغفلة مع صلاة الغفيلة التي تضمّنتها رواية هشام بن سالم المتقدّمة وكذا

(1) فلاح السائل : 248 ; مستدرك الوسائل 6 : 303 . أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب15 ح2 .
(2) الفقيه 1 : 318 ح1444 .
(3) مصباح المتهجّد : 94 ; الوسائل 8  : 118 . أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب17 ح1 .

(الصفحة52)

مع صلاة الوصيّة التي تدلّ عليها الرواية الأخيرة وعدمه ، والاُخرى : اتّحاد صلاة الغفيلة أو الوصيّة مع نافلة المغرب وعدمه .
فنقول : أمّا الكلام في الجهة الاُولى فملخّصه : إنّ الظاهر هو التعدّد ، وإن جاز التداخل في مقام الامتثال ، لوضوح أنّ الرواية الدالّة على مطلوبيّة مطلق التنفّل في ساعة الغفلة ، إنّما تدلّ على أنّ المطلوب هو عدم خلوّ هذا الزمان الذي هو زمان الغفلة من التنفّل الذي يكون حقيقته التوجّه إلى المعبود ، والتخضّع والتخشّع لديه ، فالمطلوب فيه أمر عام ينطبق على القليل والكثير ، ولا دلالة لها على كيفيّة مخصوصة ونحو خاصّ . والرواية الاُخرى تدلّ على استحباب ركعتين بالكيفيّة الخاصّة ، وهو عنوان آخر يغاير العنوان المأخوذ في تلك الروايات من حيث المفهوم ، ولكن لا يأبى من الاجتماع معه في الخارج ومقام الامتثال ; فهذان العنوانان في عالم تعلّق الطلب والأمر متغايران ، ولذا يجوز تعلّق أمر مستقلّ بكلّ منهما ، وفي عالم الامتثال والوجود الخارجي يمكن تصادقهما على أمر واحد .
وبعبارة أُخرى ، لمّا كان من سيرة النبي(صلى الله عليه وآله) التفريق بين المغرب والعشاء ، والإتيان بكلّ منهما في وقت فضيلته ، فكان يأتي بالعشاء بعد ذهاب الشفق كما هو المتداول الآن بين المسلمين من أهل السنّة ، فلذا يفصل بين الصلاتين زمان قهراً ، وكان الناس في ذلك المقدار من الزمان مجتمعين على ذكر الاُمور الباطلة ، والاشتغال باللغو والغيبة ، ولا أقلّ من الاُمور الدنيويّة ، فلذا وقع الحثّ والتحريض على صرف هذا الزمان في ذكر الله الذي هو عبارة عن الصلاة التي حقيقتها التوجّه إلى الخالق المعبود ، بنحو الخضوع والخشوع ، فالمطلوب هو مطلق التنفّل المانع عن الاشتغال بالاُمور الدنيويّة .
ومن الواضح تحقّق هذا المطلوب بالإتيان بصلاة الغفيلة بكيفيّتها المخصوصة ، لوجود الأعمّ في ضمن الأخصّ ; وهذا لا ينافي تعلّق أمر مستقل بكلّ منهما ، لأنّ

(الصفحة53)

ملاك تعدّد الأمر هو تغاير المتعلّقين في عالم المفهوميّة ، سواء كانت النسبة بينهما التساوي ، أو التباين ، أو العموم المطلق ، أو العموم من وجه ، غاية الأمر أنّه لايمكن التداخل في صورة التباين ، وأمّا في غيرها من الصور الثلاثة فيتحقّق التداخل في مقام الامتثال ، وإن لم يقصد العنوانين معاً .
نعم لو كان العنوانان من العناوين القصديّة التي قوامها بالقصد ، بحيث لاتتحقّق بدونه ، لا يمكن التداخل ما لم يقصد كلاهما . فانقدح ممّا ذكرنا أنّ صلاة الغفيلة وكذا الوصيّة تغاير النافلة المأمور بها في ساعة الغفلة في مقام تعلّق الأمر ; غاية الأمر أنّه يتحقّق التداخل بينهما في مقام الامتثال إذا أتى بها بصورة الغفيلة أو الوصيّة ، وأمّا إذا لم يأت بها بشيء من الصورتين ، يتحقّق الامتثال بالنسبة إلى الأمر المتعلّق بمطلق التنفّل ، دون الأمر المتعلّق بالغفيلة أو الوصيّة .
وأمّا الكلام في الجهة الثانية فملخّصه : إنّ فيه وجوهاً ثلاثة ، مقتضى الوجه الأوّل منها : إتّحاد الغفلية أو الوصيّة مع نافلة المغرب ذاتاً وعنواناً فتتحدان في مقام الصدق قهراً كما هو واضح . ومقتضى الوجه الثاني : عكس ذلك ، فهما متغايرتان عنواناً وكذا صدقاً ، فلا تجتمعان على وجود واحد . ومقتضى الوجه الثالث : التفصيل بين مقام الذات وعالم الصدق ، بتحقّق الاختلاف بينهما بحسب الذات وإمكان التصادق بحسب الخارج ومقام الامتثال .
المقايسة بين الوجوه ، الوجه الأوّل أن يقال : إنّه لمّا كان الإتيان بنافلة المغرب بين العشائين متداولا بين المسلمين ، بحيث لم يكونوا يتركونه في مقام العمل فكان قوله(عليه السلام) : «من صلّى بين العشائين ركعتين يقرأ في الاُولى الحمد . . .»(1) ، الحديث بياناً لكيفيّة خاصّة للركعتين من النافلة المعهودة بينهم ، المعروفة عندهم ، وأنّه

(1) مصباح المتهجّد : 94 ; الوسائل 8 : 121 . أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ب20 ح2 .

(الصفحة54)

يترتّب عليها أثر مخصوص مع الإتيان بها بهذه الكيفيّة ، زائداً على الأثر المترتّب عليها مع الإتيان بها بدون هذه الكيفيّة ; فليس في البين أمر آخر متعلّق بعنوان صلاة الغفيلة أو الوصيّة ، في مقابل الأمر المتعلّق بنافلة المغرب المركّبة من أربع ركعات ، بل الغرض هو جواز الإتيان بركعتين من نافلة المغرب بهذه الكيفيّة ، لترتّب آثار مخصوصة عليهما ، وحينئذ فلو أتى بأربع ركعات بعنوان نافلة المغرب من دون هذه الكيفيّة ، لا يشرع له الإتيان بصلاة الغفيلة أو الوصيّة لعدم تعلّق أمر مستقلّ بعنوانهما .
والوجه الثاني أن يقال : إنّ المسلمين حيث استقرّت سيرتهم على الإتيان بنافلة المغرب بعد فريضته ، صار في ارتكازهم أنّ نافلة المغرب من توابعه المتصلة به ، وحينئذ فلا يفهمون من كلام الإمام الصادق(عليه السلام) في الرواية المتقدّمة الواردة في صلاة الغفيلة : «من صلّى بين العشائين ركعتين يقرأ في الاُولى الحمد . . .» الحديث ، إلاّ الإتيان بالركعتين بين المغرب ونافلته وبين العشاء ، وحينئذ فالمقصود بيان استحباب ركعتين أُخريين عدى نافلة المغرب ، وحينئذ فهما ـ أي صلاة الغفيلة أو الوصيّة ، ونافلة المغرب ـ متبائنتان لا يمكن تصادقهما على فرد واحد ، فلو أتى بنافلة المغرب بصورة الغفيلة لا يسقط الأمر الاستحبابي المتعلّق بصلاة الغفيلة ، كما أنّه لا يتحقّق امتثال الأمر المتعلّق بنافلة المغرب ، إذا ضمّ إلى صلاة الغفيلة ركعتين أُخريين ; وهكذا بالنسبة إلى صلاة الوصيّة .
والوجه الثالث أن يقال : ليس الأمر كما ذكر في الوجه الأوّل ، ولا كما ذكر في الوجه الثاني ، بل الظاهر أنّ النافلة المعنونة بعنوان نافلة المغرب تعلّق بها أمر مستقلّ ، وصلاة الغفيلة أو الوصيّة تعلّق بها أمر استحبابيّ آخر ، ولا بأس بتعلّق أمرين بعد تغاير المتعلّقين من حيث المفهوم والعنوان .
نعم يمكن تصادقهما في الخارج وفي مقام الامتثال ، لأنّ نافلة المغرب لا تكون

(الصفحة55)

مشروطة بصورة خاصّة ، وكيفيّة مخصوصة مغايرة لصورة الغفيلة ، والغفيلة أيضاً لا تكون مشروطة بالإتيان بها بعد نافلة المغرب أو قبلها حتّى لا يمكن تصادقهما ، بل نافلة المغرب مطلقة من حيث الكيفيّة ، والغفيلة مطلقة من حيث الوقت بالإضافة إلى نافلة المغرب ، فلا إشكال حينئذ في الإتيان بركعتين بصورة الغفيلة بعنوان نافلة المغرب أيضاً ، ويتحقّق الامتثال بالنسبة إلى كلا الأمرين .
نعم ، بناءً على ما ذكرنا سابقاً من أنّ نافلة المغرب نافلة واحدة مركّبة من صلاتين مرتبطتين ، تكون الركعتان منها المأتيّ بهما بعنوان صلاة الغفيلة أيضاً مأموراً بهما بالأمر الاستقلالي ، بالنظر إلى كونهما صلاة الغفيلة ، وبالأمر الضمني من جهة كونهما جزء من نافلة المغرب التي تعلّق بمجموعها أمر واحد ; فالركعتان إمتثال للأمر الاستقلالي والضمني معاً ، فبالاعتبار الأوّل يكون تامّاً ، وبالاعتبار الثاني يكون غير تام .
وقد انقدح ممّا ذكرنا أنّه بناء على الوجه الأوّل ليس هناك إلاّ مستحبّ واحد ، وعلى الوجه الثاني هناك مستحبّان متبائنان لا يمكن تداخلهما ، وعلى الوجه الثالث مستحبّان يمكن تداخلهما .
واعلم أنّه حيث كان التفريق بين العشائين وتأخير العشاء الآخرة إلى ذهاب الشفق ، ممّا استقرّت عليه سيرة المسلمين في الصدر الأوّل ، فلذا يكون المتبادر من قوله : «من صلّى بين العشائين ركعتين» ، هو الصلاة بين الوقتين اللّذين يصلّى فيهما الفريضتان أعني من ذهاب الحمرة إلى زوال الشفق ، وحينئذ فالمتبادر كون وقت الغفيلة هو ما بين المغرب والعشاء ، المأتيّ بهما في وقت فضيلتهما لا ما بينهما ، وإن أخّر العشاء إلى نصف الليل كما لا يخفى .
ثمّ إنّه بناءً على تغاير الغفيلة مع صلاة الغفلة ، أو مع نافلة المغرب ، وجواز التداخل في مقام الامتثال ، فهل يجب قصد كلا العنوانين في تحققهما  ، أو يكفي قصد

(الصفحة56)

أحدهما في سقوط الأمر المتعلّق بهما ، إذا كان المأتي به منطبقاً عليه كلا العنوانين ، كما إذا صلّى ركعتين بكيفية صلاة الغفيلة؟ وجهان ، وتحقيق الحقّ موقوف على بيان المراد من قصد التعيين وحكمه ، والإشارة إلى الموارد التي يجب فيها ذلك .
فنقول : قد يتوهّم أن قصد التعيين من شؤون قصد امتثال الأمر فيقال : إنّه لو كان هناك عنوانان مشتركان في المصاديق ، بحيث يجوز أن تكون صورة واحدة مصداقاً لهذا العنوان تارة ، ولذلك العنوان أُخرى ، فإن كان المكلّف مأموراً بكلا العنوانين ، يجب عليه في مقام الامتثال تعيين العنوان الذي يريد امتثال أمره ; وإن لم يكن مأموراً إلاّ بأحدهما لم يجب عليه التعيين  ، بل يكفي قصد امتثال الأمر المتوجّه إليه . وهذا التوهّم بمكان من البطلان ، لعدم ارتباط مسألة قصد التعيين بمسألة قصد الامتثال .
والتحقيق في المسألة أن يقال : إنّ العناوين الواقعة تحت الأمر على قسمين :
الأوّل : العناوين القصديّة التي تكون انطباقها على العمل الخارجي موقوفاً على قصدها ، بحيث لا يصير العمل الخارجي مصداقاً لها ، ومنطبقاً عليه لشيء منها إلاّ بالقصد ، وهذا لا فرق فيه بين أن يكون هذا العنوان متعلّقاً للأمر أم لا ; وأمثلة هذا القسم كثيرة  :
فمنها : عنوان التعظيم ، فإنّه لا ينطبق على شيء من الأفعال المأتيّ بها في هذا المقام إلاّ مع ضميمة قصد عنوان التعظيم إليها .
ومنها : عنوان الظهرية والعصرية ونحوهما من عناوين الصلوات المفروضة ، فإنّ انطباقها على صورة الصلاة المأتيّ بها خارجاً المشتركة بين العناوين الكثيرة ، يتوقّف على ضمّ قصد شيء من تلك العناوين إليها ; والدليل على ذلك ، الأدلّة الواردة في العدول(1) الدالّة على العدول من العصر إلى الظهر ، إذا ذكر في أثناء

(1) الوسائل 4 : 290 ، أبواب المواقيت ب63 ح1 ، 3 ، 5  .

(الصفحة57)

العصر أنه لم يأت بالظهر بعد ; وكذا العدول من العشاء إلى المغرب ، فإنّه لو لم تكن الظهرية والعصرية من العناوين القصدية ، وكان الظهر إسماً لأربع ركعات مأتيّ بها بعد الزوال ، أوّلا ، لم يمكن الدخول في العصر قبل الإتيان بالظهر حتّى يصحّ العدول من العصر إليها كما لا يخفى .
الثاني : العناوين التي لا يتوقّف انطباقها على الصورة الخارجيّة على قصدها ، بل تنطبق عليها بنفس تحقّقها ولو لم يقصد شيئاً منها . إذا عرفت ذلك نقول :
إنّه لو كان العنوان المأخوذ في متعلّق الأمر من العناوين القصدية ، فاللاّزم في مقام الامتثال الإتيان بالمأمور به مع قصد عنوانه ، لعدم تحقّق المأمور به بدونه ; وهذا لا فرق فيه بين اشتراك صورة العمل بين عنوانين أو العناوين المتكثّرة أم لا ، وكذا لا فرق بين تعلّق الأمر بعنوان واحد أم بأكثر ، وإن كان من القسم الثاني ، فلا يجب قصد العنوان في شيء من الصور ; ومن ذلك ظهر أن قصد عنوان المأمور به ليس من شؤون قصد الامتثال ومرتبطاً به ، حتّى يجب مع تعدّد الأمر دون وحدته كما توهّم .
إذا ظهر لك ما ذكرنا نقول : لا شك في أنّ النوافل الراتبة تكون من العناوين القصديّة التي لا تنصرف صورة الصلاة إليها إلاّ بعد قصدها ، كما أنّه لا شك في عدم كون صلاة الغفلة من تلك العناوين ; لما عرفت من أنّ المقصود منها هو عدم اخلاء الوقت من الصلاة ، وصرفها في غيرها من الاُمور الدنيوية ، وحينئذ فالتداخل لا يتوقّف على قصد كلا العنوانين ، بل يكفي قصد الغفيلة والإتيان بها . نعم يبقى الإشكال في مثل صلاة الغفيلة والوصيّة ونحوهما ، وأنّه هل تكون من العناوين القصدية ، فلا يكفي الإتيان بصورتها من دون قصد عنوانها ، أم لا تكون كذلك ، فيكفي الإتيان بمجرّد صورتها وإن قصد بها نافلة المغرب مثلا؟ فيه وجهان .

(الصفحة58)

الأمر الثالث : الجلوس في صلاة الوتيرة

الظاهر تسالم الفقهاء إلى زمن الشهيد الأوّل(قدس سره) على ثبوت الجلوس في نافلة العشاء المسمّاة بالوتيرة ، ولم يفت أحد منهم بجواز القيام فيها ، والمذكور في كتب القدماء ، المعدّة لبيان الفتاوى المأثورة عن الأئمّة(عليهم السلام) بعين ألفاظها الصادرة عنهم ، أن الثابت بعد فريضة العشاء ركعتان من جلوس تعدّان بركعة من قيام(1) ، كما ورد هذا التعبير في الأخبار الكثيرة ، منها : رواية البزنطي المتقدّمة(2) ، ومنها : رواية الفضل بن شاذان المتقدّمة(3) أيضاً ، ومنها : خبراً فضيل بن يسار الدالاّن على أنّ مجموع الفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة ، منها ركعتان بعد العتمة جالساً ، تعدّان بركعة وهو قائم(4) .
ومنها : رواية الأعمش عن جعفر بن محمّد(عليه السلام) في حديث شرائع الدين قال : «وصلاة الفريضة : الظهر أربع ركعات ، والعصر أربع ركعات ـ إلى أن قال : ـ والسنّة أربع وثلاثون ركعة ، منها : أربع ركعات بعد المغرب ، لا تقصير فيها في السفر والحضر ، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدّان بركعة»(5) .
ومنها : خبر أبي عبدالله القزويني قال : قلت لأبي جعفر محمّد بن علي

(1) الهداية : 132 ; المقنعة : 91 ; الوسيلة : 81  ; جمل العلم والعمل (رسائل المرتضى) 3 : 31 ; الغنية : 106 ; المهذّب 1  : 68 ; السرائر 1 : 193 ; النهاية : 119 ; المبسوط 1  : 71 ; الجامع للشرائع : 58  .
(2) الوسائل 4 : 47 . أبواب اعداد الفرائض ب13 ح7 .
(3) الوسائل 4  : 54 ; أبواب أعداد الفرائض ب13 ح23 .
(4) الكافي 1 : 208 ح4 و ج 3 : 443 ح2 ; التهذيب 2 : 4 ح2 ; الاستبصار 1 : 218 ح772 ; الوسائل 4  : 45 ـ 46 . أبواب أعداد الفرائض ب13 ح2 ، 3 .
(5) الخصال  : 603 ح9 ; الوسائل 4  : 57 . أبواب أعداد الفرائض ب13 ح25 .

(الصفحة59)

الباقر(عليهما السلام) : لأيّ علّة تصلّى الركعتان بعد العشاء الآخرة من قعود؟ فقال : «لأنّ الله فرض سبع عشرة ركعة ، فأضاف إليها رسول الله(صلى الله عليه وآله) مثليها ، فصارت إحدى وخمسين ركعة ، فتعدّان هاتان الركعتان من جلوس بركعة»(1) .
ومنها : رواية هشام المشرقي عن الرضا(عليه السلام) في حديث قال : «إنّ أهل البصرة سألوني فقالوا : إنّ يونس يقول : من السنّة أن يصلّي الإنسان ركعتين وهو جالس بعد العتمة؟ فقلت : صدق يونس»(2) .
إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة أو المشعرة بذلك .
وقد عرفت أنّ الفتاوى قبل الشهيد(قدس سره) كانت متطابقة على العمل بهذه الروايات الكثيرة الدالّة على ثبوت الجلوس في الوتيرة ، بحيث لو فرضنا أنّنا كنّا في زمان الشهيد لكنّا نحكم بعدم جواز الفتوى بالقيام ، لأنّه خرق لاجماع الطائفة ، وكيف كان فهنا روايتان ظاهرتان في جواز القيام ، بل وأفضليته من القعود .
الاُولى : رواية الحارث بن المغيرة النصري ، قال : سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)يقول : «صلاة النهار ستّ عشرة ركعة ، ثمان إذا زالت الشمس ، وثمان بعد الظهر ، وأربع ركعات بعد المغرب ، يا حارث! لا تدعهنّ في سفر ولا حضر ، وركعتان بعد العشاء الآخرة ، كان أبي يصلّيهما وهو قاعد ، وأنا أُصلّيهما وأنا قائم ، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول : ثلاث عشرة ركعة من الليل»(3) .
الثانية : رواية سليمان بن خالد عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر ، وستّ ركعات بعد الظهر ، وركعتان قبل العصر ، وأربع ركعات بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء الآخرة ، يقرأ فيهما مائة

(1) علل الشرائع : 330 ح1 ; الوسائل 4 : 96 . أبواب أعداد الفرائض ب29 ح6 .
(2) اختيار معرفة الرجال «المعروف برجال الكشي» : 490 ، ح934 .
(3) الكافي 3 : 446 ح15 ; التهذيب 2 : 4 ، 9 ح5 و16 ; الوسائل 4 : 48 . أبواب أعداد الفرائض ب13 ح9 .

(الصفحة60)

آية قائماً أو قاعداً ، والقيام أفضل ، ولا تعدّهما من الخمسين . . .» الحديث(1) .
وقد يجمع بين هاتين الروايتين وبين الروايات الكثيرة المتقدّمة بالتخيير ، ولكن لا يخفى أنّ الفتوى بجواز القيام في غاية الإشكال لأن الأخبار الكثيرة تدلّ على الجلوس ، وأنّهما تعدّان بركعة من قيام ; مضافاً إلى ذلك ، فقد ذكرها القدماء في كتبهم المعدّة لنقل الفتاوى المتلقّاة عن الأئمّة(عليهم السلام)(2) ، ودلالة الأخبار المتقدّمة الواردة في بيان مجموع الفرائض والنوافل ، وأنّه إحدى وخمسون ركعة ، معلّلا بأنّ ركعتين بعد العشاء تعدّان بركعة من قيام ، ومن الواضح أنّ عدّهما كذلك إنّما يتمّ مع ثبوت خصوص الجلوس فيهما ، لأنّه لا معنى لعدّ الركعتين من قيام بركعة منه .
وأمّا الروايتان الواردتان في القيام فهما كانتا متروكتين ، ولم يعمل بهما أحد من الأصحاب ، قبل الشهيد الأوّل ; نعم هو أفتى بذلك في الدورس واللمعة ، وتبعه الشهيد والمحقّق الثانيان(3) ، وقد اشتهر الفتوى بذلك بعدهم ، ولكنّه منهم خرق لإجماع المتقدّمين المطّلعين على فتاوى الأئمّة(عليهم السلام) حيث انّهم تلقّوا الفتاوى والأحكام الفقهيّة يداً بيد وخلفاً عن سلف ، ولم يقع في البين فترة أصلا إلى أن وصلت بيد المشايخ العظام ، والأساطين الكرام ، كالشيخ الطوسي(قدس سره) والمتأخّرين عنه ، فلا يجوز الغضّ عمّا هو المتسالم عليه بينهم ، مع كون هاتين الروايتين بمرئى ومسمع منهم .
فالأولى حملهما على التقيّة ، لما عرفت سابقاً من أنّ الركعتين بعد العتمة جالساً

(1) التهذيب 2 : 5 ح8 ; الوسائل 4 : 51 . أبواب اعداد الفرائض ب13 ح16 .
(2) راجع ص54 التعليقة رقم 1 .
(3) الدروس 1 : 136 ; اللمعة الدمشقية 1 : 169 ; مسالك الافهام 1 : 137 ; الروضة البهيّة 1 : 169 ; جامع المقاصد 2 : 9  .

<<التالي الفهرس السابق>>