في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة81)

الأخبار.
واستدلّ الشيخ(رحمه الله) وغيره أيضاً بروايات :
منها : رواية عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «لكلّ صلاة وقتان ، وأوّل الوقتين أفضلهما ، ووقت صلاة الفجر حين ينشق الفجر إلى أن يتجلل الصبح السماء ، ولا ينبغي تأخير ذلك عمداً ، ولكنّه وقت من شغل أو نسي أو سهى أو نام ، ووقت المغرب حين تجب الشمس إلى أن تشتبك النجوم ، وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلاّ من عذر أو من علّة»(1) . وروي قطعة من هذه الرواية في الوسائل في موضع آخر أيضاً(2) .
ولا يخفى أنّ قوله(عليه السلام) : «وأوّل الوقتين أفضلهما» ، يدل على المختار لدلالته على اشتراك الوقتين في أصل الفضيلة المرادف للإجزاء ، وكذلك قوله(عليه السلام)  : «ولكنّه وقت من شغل» ; فإنّ جعل الشغل موجباً لجواز التأخير لا يناسب مع تعيّن الوقت الأوّل للإجزاء ، إذ مع تعيّنه يجب رفع اليد عن جميع المشاغل ، والإتيان بالواجب  ، وكذلك قوله : «لا ينبغي تأخير ذلك عمداً» ; فإنّ التعبير بـ «لاينبغي» لا يناسب مع التعيّن واختصاص أوّل الوقت بالإجزاء كما هو واضح . وبالجملة فالرواية دليل على ما ذكرنا ، لا أنّها تنافيه . وأمّا قوله(عليه السلام) في ذيل الرواية : «وليس لأحد أن يجعل آخر الوقتين وقتاً إلاّ من عذر أو علّة» ; فإنّما هو لترغيب الناس وتحريصهم إلى الإتيان بالصلوات في أوائل أوقاتها ، وكم لذلك من نظير في الأخبار التي سيقت لبيان المستحبات ، إذا كان المقصود الترغيب إلى الإتيان بمستحبّ مؤكّد .
وبالجملة : فلا يستفاد من الرواية إلاّ كراهة التأخير ، واستحباب التقديم استحباباً مؤكّداً لا ينبغي تركه مع عدم العذر ، كما يدلّ عليه ما ورد ، من أنّ فضل

(1) التهذيب 2 : 39 ح123 ; الاستبصار 1 : 276 ح1003 ; الوسائل 4 : 208 . أبواب المواقيت ب26 ح5 .
(2) الوسائل 4 : 119 . أبواب المواقيت ب3 ح4 .

(الصفحة82)

الوقت الأوّل على الآخر كفضل الآخرة على الدنيا(1) . ونظيره من التعبيرات الواردة في بعض الأخبار الاُخر(2) .
ثمَّ إنّ القائل بعدم جواز التأخير عن أوّل الوقت ، إمّا أن يريد بذلك الحرمة التكليفيّة وترتّب العصيان فقط ، من دون أن يخرج وقت الصلاة بالتأخير ويصير قضاء ، وإمّا أن يريد الحرمة الوضعيّة الراجعة إلى خروج وقتها وصيرورتها قضاء ، ولا يخفى أنّ احتمال إرادتهم هو الوجه الثاني في غاية البعد ، وعلى الأوّل فهو عصيان من دون ثبوت عقاب ، كما التزم به ونطقت به الأخبار(3) وحينئذ فيرجع هذا القول إلى ما ذكرنا كما لا يخفى .

الفرع الثاني : الأوقات المختصّة والمشتركة

المشهور اختصاص مقدار أربع ركعات من أوّل الوقت بالإتيان بالظهر ومن آخر الوقت بالعصر(4) ، خلافاً للصدوق(5) حيث إنّه يظهر منه اشتراك الظهرين في دخول وقتهما بمجرّد الزوال ، وامتداده إلى الغروب ، غاية الأمر لزوم الترتيب بينهما ، فلو صلّى العصر بعد الزوال بلا فصل ، تبطل من جهة فقدانها للترتيب

(1) الكافي 3 : 274 ح6 ; ثواب الأعمال : 58 ح2 ; التهذيب 2 : 40 ح129 ; الوسائل 4 : 123 . أبواب المواقيت ب3 ح15  .
(2) راجع الوسائل 4  : 118 . أبواب المواقيت ب3  .
(3) الوسائل 4 : 123  . أبواب المواقيت ب3 ح16  .
(4) المبسوط 1 : 72 ; مسائل الناصريات  : 189 . المسألة 72 ; السرائر 1 : 195 ; المهذّب 1 : 71 ; الغنية : 69 ; شرائع الاسلام 1 : 50 ; رياض المسائل 3 : 33 ; مدارك الاحكام 3 : 35 ; مستند الشيعة 4 : 22 ; جواهر الكلام 7 : 75 ; جامع المقاصد 2 : 24 .
(5) الفقيه 1 : 139 ح647 .

(الصفحة83)

المعتبر فيها ، لا من جهة وقوعها في غير وقتها ، وتظهر الثمرة بين القولين فيما إذا صلّى العصر في وقت الظهر نسياناً ، فعلى قول المشهور يجب عليه الإعادة لوقوعها في غير الوقت ، وعلى قول الصدوق تصحّ ولا تجب عليه الإعادة ، لأنّ المفروض وقوعها في وقتها ، والاخلال بالترتيب لا يضرّ ، لأنّه شرط في حال الذكر فقط . هذا والأقوى في المسألة ما اختاره المشهور .
ولا يخفى أنّ كلام الصدوق لا يأبى عن الحمل على ذلك ، فإنّ مجرّد الفتوى على طبق أخبار الاشتراك لا ينافي القول بالاختصاص ، ألا ترى أنّ السيّد المرتضى(1)(رحمه الله) ـ مع أنّه أسند إلى الأصحاب ما يدلّ عليه أخبار الاشتراك ـ ذهب إلى الاختصاص وشرع في بيانه . ولو سلم التنافي فهو بدوي يرتفع بملاحظة جميع الأخبار ، ومن هنا يظهر أنّ القائلين بالاختصاص لم يطرحوا أخبار الاشتراك بل أفتوا بمضمونها ، والسرّ في ذلك ما سيجيء من أنّ النظر فيها إنّما هو إلى ردّ المخالفين القائلين بتباين الوقتين ، فهي بصدد بيان الاشتراك في الجملة ، ولا منافاة بينها وبين ما يدلّ على اختصاص مقدار أداء الظهر من أوّل الوقت به . والأولى نقل أخبار المسألة فنقول : الأخبار الواردة في هذا الباب على قسمين : قسم منها ظاهر في الاشتراك وقسم آخر منها يدلّ على الاختصاص .
أمّا القسم الأوّل : فكثيرة : منها : رواية زرارة المتقدّمة في المسألة الاُولى(2) ، ومنها : روايتا عبيد بن زرارة المتقدّمتان في المسألة الاُولى(3) أيضاً . ومنها : رواية ثالثة لعبيد بن زرارة ، وهي ما رواه عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إذا زالت الشمس فقد

(1) المسائل الناصريّات  : 189 .
(2) الفقيه 1 : 140 ح648 ; الوسائل 4 : 125 . أبواب المواقيت ب4 ح1 .
(3) الوسائل 4 : 157 . أبواب المواقيت ب10 ح4 وص126 ب4 ح5 .

(الصفحة84)

دخل وقت الصلاتين إلاّ أنّ هذه قبل هذه»(1) . ومنها : رواية الصباح بن سيّابة عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال : «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين»(2) . ومنها : رواية سفيان بن السمط عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين»(3) . ومنها : رواية مالك الجهني قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن وقت الظهر؟ فقال : «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين»(4) .
ومنها : رواية منصور بن يونس عن العبد الصالح(عليه السلام)قال : سمعته يقول : «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين»(5) .
ومنها : رواية إسماعيل بن مهران قال : كتبت إلى الرضا(عليه السلام) : ذكر بعض أصحابنا أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة ، إلاّ أنّ هذه قبل هذه في السفر والحضر ، وإنّ وقت المغرب إلى ربع الليل ; فكتب(عليه السلام) : «كذلك الوقت غير أنّ وقت المغرب ضيّق . . .» الحديث(6) . وغير ذلك ممّا هو ظاهر في الاشتراك .
وأمّا القسم الثاني : فروايتان ، إحداهما : رواية داود بن أبي يزيد المتقدّمة(7) وهي وإن كانت مرسلة بإبهام الواسطة ، إلاّ أنّ ذلك لا يضرّ بحجّيتها بعد انجبارها بعمل الأصحاب . ثانيتهما : رواية الحلبي المتقدّمة(8) أيضاً .

(1) الكافي 3 : 276 ح5 ، التهذيب 2 : 26 ح73 ; الوسائل 4 : 130 . أبواب المواقيت ب4 ح21 .
(2) التهذيب 2 : 243 ح964  ; الاستبصار 1 : 245 ح874  ; الوسائل 4 : 127 . أبواب المواقيت ب4 ح8  .
(3) التهذيب 2 : 244 ح965 ، الإستبصار 1 : 246 ح875  ، الوسائل 4 : 127 أبواب المواقيت ب4 ح9  .
(4) التهذيب 2 : 244 ح967 ، الاستبصار 1 : 246 ح877  ، الوسائل 4 : 128 . أبواب المواقيت ب4 ح11  .
(5) التهذيب 2 : 244 ح966 ; الاستبصار 1 : 246 ح876 ; الوسائل 4 : 127 . أبواب المواقيت ب4 ح10 .
(6) الكافي 3 : 281 ح16 ; التهذيب 2 : 260 ح1037 ; الاستبصار 1 : 270 ح976 ; الوسائل 4 : 130 . أبواب المواقيت ب4 ح20 .
(7) التهذيب 2 : 25 ح70  ; الاستبصار 1 : 261 ح936  ; الوسائل 4 : 127 . أبواب المواقيت ب4 ح7 .
(8) التهذيب 2 : 269 ح1074 ، الإستبصار 1 : 287 ح1052 ، الوسائل 4 : 129 . أبواب المواقيت ب4 ح18  .

(الصفحة85)

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّه لا مجال للإشكال في أخبار الاشتراك والاعتراض عليها من حيث السند ، فإنّها مع كثرتها لا يمكن انكار صدورها ، مضافاً إلى ذلك انّك عرفت أنّ القائلين بالاختصاص لم يطرحوا أخبار الاشتراك أيضاً .
ثمّ إنّ عبارة السيّد في هذا المقام تدلّ على صدور أخبار الاشتراك أيضاً ، قال في الناصريّات : والذي نذهب إليه أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر بلا خلاف ، ثمّ يختصّ أصحابنا بأنّهم يقولون : إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر معاً ، إلاّ أنّ الظهر قبل العصر ، وتحقيق هذا الموضوع ، انّه إذا زالت فقد دخل وقت الظهر بمقدار ما يؤدِّي أربع ركعات فإذا خرج هذا المقدار من الوقت اشترك الوقتان(1) . انتهى موضع الحاجة .
وصرّح المحقّق أيضاً بصدور أخبار الاشتراك عنهم(عليهم السلام) حيث قال في المعتبر ما لفظه : واعترض بعض المتأخّرين على قول أصحابنا : «إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين» . وزعم أنّ الحذاق وأصحاب البحث ينكرون هذا اللفظ ، من حيث أنّ الظهر يختصّ بمقدار أربع ركعات فلا يشترك الوقتان إلاّ بعد قدر إيقاع الظهر ، لأنّه ما درى أنّه نصّ من الأئمّة(عليهم السلام)  ، أو درى وأقدم ، وقد رواه زرارة وعبيد والصباح بن سيّابة ومالك الجهني ، ويونس من العبد الصالح عن أبي عبدالله(عليه السلام)ومع تحقّق كلامهم يجب الاعشاء بالتأويل لا الإقدام بالطعن(2) . انتهى موضع الحاجة .
وبالجملة : فالإشكال في صدور أخبار الاشتراك ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه ، فالواجب الجمع بينها وبين ما يدلّ على الاختصاص بالجمع الدلالي . ولكن يمكن أن يقال بأنّ رواية داود بن فرقد أظهر في الدلالة على الاختصاص من دلالة أخبار

(1) المسائل الناصريّات  : 189  .
(2) المعتبر 2  : 34 .

(الصفحة86)

الاشتراك على الاشتراك المطلق ، بل ليس لها في ذلك إلاّ ظهور بدويّ يرفع اليد عنه بسببها ، لأنّ قوله(عليه السلام) :ـ «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعاً ، إلاّ أنّ هذه قبل هذه» إنّما يدلّ على دخول وقت مجموع الصلاتين من حيث المجموع ، لا وقت كل واحد منهما ، ولو سلم ظهوره في ذلك فالاستثناء يوجب رفع اليد عن ظهور الصدر ، لأن الظاهر أنّ المراد بالقبليّة ، القبليّة بحسب الوقت ، لأنّ الترتيب بين الصلاتين ممّا لم يكن محتاجاً إلى البيان ، بعد كونه ضروريّاً عند المسلمين جميعاً ، وحينئذ فقوله : «إلاّ أنّ هذه قبل هذه» لم يكن مسبوقاً لبيان اعتبار الترتيب ، بل المقصود به أنّ وقت صلاة الظهر يدخل قبل دخول وقت صلاة العصر . فتكون هذه الجملة بمنزلة الاستثناء للصدر .
وإن شئت قلت : إنّ رواية ابن فرقد بمنزلة الاستثناء لهذه الروايات ، فيصير مفاد المجموع هو اشتراك الصلاتين إذا زالت الشمس ومضى مقدار أربع ركعات ، فإنّه يختصّ بالظهر فقط . هذا ولا يمكن أن تجعل أخبار الاشتراك قرينة على توجيه هذه الرواية ، لعدم كونها قابلة للتوجيه ، بعد صراحتها في أنّ لكلّ من الصلاتين وقتين ، وقت اختصاصي ، ووقت يشتركان فيه ، اللهمّ إلاّ أن يقال : إنّ التفصيل في الرواية إنّما هو لبيان اعتبار الترتيب بين الصلاتين في الجملة حتّى لا ينافي اختصاص اعتباره بحال الذكر ، فتخصيص أوّل الوقت بالظهر ليس لأجل اختصاصه بها ، بل لكون ترتّب العصر عليها مقتضياً للإتيان بها قبل العصر ، ولو في الوقت المشترك ، لعدم التمكّن من الإتيان بها قبلها في أوّل الوقت ، وحينئذ فمقصود الرواية ليس بيان الوقت من حيث الاختصاص وعدمه ، بل مقصودها انّ اعتبار الترتيب اقتضى وقوع الظهر في أوّل الوقت قهراً .
هذا ولكن لا يخفى أنّ هذا التوجيه ـ مضافاً إلى كونه بعيداً عن مساق الرواية ، وإلى أن اعتبار الترتيب أمر بديهيّ لا يحتاج إلى البيان فتدبّر ـ لا يجري في ذيل

(الصفحة87)

الرواية ، إذ لو كان الغرض بيان الترتيب ، لكان اللاّزم فيمن لم يأت بشيء من الصلاتين إلى أن بقي من مجموع الوقت مقدار أربع ركعات ، أن يأتي بالظهر فقط مراعياً للترتيب ، فلا وجه لتقديم العصر حينئذ إلاّ أن يكون الوقت مختصّاً بها ، وبالجملة سقوط التكليف بالظهر في ذلك الفرض ووجوب الإتيان بالعصر فقط ممّا يدلّ قطعاً على اختصاص الوقت بها ، فالرواية حيث تكون متعرّضة للحكم المذكور فلابدّ من أن يكون المقصود بها هو بيان الوقت الاختصاصي وغيره .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ وقت الظهر مبائن لوقت العصر عند العامّة ، وكذا وقت المغرب والعشاء ، فعند بعضهم يكون أوّل الزوال إلى المثل وقتاً للظهر ، ثمّ يخرج وقتها ويدخل وقت العصر ، وعند بعضهم الآخر ، يكون أوّل الزوال إلى المثلين وقتاً للظهر ، ثمّ يخرج وقتها ويدخل وقت العصر(1) . نعم حكي عن ربيعة ، القول بدخول الوقتين بمجرّد الزوال(2) ، ولكن هذا القول شاذّ عندهم .
وكيف كان فالسيرة المستمرّة فيهم إلى زماننا هذا ، هو إتيان العصر بعد مدة طويلة من إتيان الظهر ، فكانوا يصلّون الظهر ثمّ يتفرّقون إلى مشاغلهم ، إلى أن يصير ظل الشاخص مثله أو مثليه ، ثمّ يعودون للإتيان بالعصر ، وكان الجمع بين الصلاتين والإتيان بهما معاً متّصلا بلا انقطاع أمراً منكراً عندهم ، ولذلك تعجّب أبو أمامة من فعل أنس فيما رواه البخاري عنه حيث روى عنه أنّه قال : صلّينا مع عمر بن عبدالعزيز الظهر ثمّ خرجنا حتّى دخلنا على أنس بن مالك ، فوجدناه يصلّي العصر ، فقلت : ما هذه الصلاة؟ فقال : العصر وهذه صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)التي

(1) المغني لابن قدامة 1 : 416 ; المجموع 3 : 21 ; الشرح الكبير 1 : 465 ; الخلاف 1 : 257 مسألة 4 ; تذكرة الفقهاء 2 : 302 مسألة 26 و ص306 مسألة 28 .
(2) المغني 1 : 418 ; الشرح الكبير 1 : 469 ; تذكرة الفقهاء 2 : 308  .

(الصفحة88)

كنّا نصلّي معه(1) .
وبالجملة : فالتباين في الوقت في الظهرين وكذا العشائين كان أمراً مرتكزاً في أذهانهم ، بحيث التزموا بعدم اشتراك الوقت أيضاً في موارد الجمع كما في السفر وعند المطر ، وأنّ وقت الصلاة الاُولى يصير مضيقاً بسبب الآخر ; والدليل لهم في ذلك ما روي من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يفرّق بين الصلاتين(2) . مضافاً إلى ذلك رواية جبرئيل المتقدّمة(3) . ولكن لا يخفى أنّ ذلك لا يدلّ على مرامهم وهو وجوب التفريق ، فإنّ التزامه(صلى الله عليه وآله) بوقت خاصّ للمجيء إلى المسجد لعقد الجماعة ، إنّما كان لاطّلاع الناس على وقت مجيئه(صلى الله عليه وآله) كما هو شأن أئمّة الجماعة أيضاً ، وهذا لا ينافي عدم التزامه(صلى الله عليه وآله)بوقت خاصّ ولو في حال كونه مريداً للصلاة منفرداً ; ويدلّ على ذلك قول أنس في رواية البخاري المتقدّمة ، مع أنّه كان حاجباً له ومطّلعاً على خفايا أمره ; وروى نظير هذه الرواية مالك وأحمد بن حنبل ، من أن النبيّ(صلى الله عليه وآله) جمع بين الصلاتين(4) ، وكذلك روى ابن عبّاس أنّه(صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء من غير مطر ولا سفر(5) ، وفي رواية : من غير خوف ولا سفر(6) . وقد أجابوا عن هذه الرواية بأنّ روايات ابن عباس معمول بها إلاّ روايته في مسألة الجمع ، فإنّها لا تكون حجّة للاعراض عنها(7) .

(1) صحيح البخاري 1 : 156 ح549 .
(2) سنن ابن ماجة 1 : 219 ح667 ; سنن النسائي 1 : 283 ح498 ; سنن الترمذي 1 : 203 ح152 .
(3) سنن الترمذي 1 : 200 ح149 ; سنن أبي داود 1 : 107 ح393 .
(4) الموطأ : 90 باب الجمع بين الصلاتين ح1 ـ 7; مسائل أحمد بن حنبل : 75 .
(5) علل الشرائع : 322 ، ب11 ، ح6; الوسائل 4 : 221 . أبواب المواقيت ب32 ح5 . صحيح مسلم 5 : 176 ب6 ح49 ـ 50 ; الموطّأ  : 91 ح4 .
(6) علل الشرائع : 327 ، ح4 و 5; الوسائل 4 : 221 . الموطأ : 91 ، ح4; أبواب المواقيت ، ب32 ، ح4 .
(7) راجع شرح النووي على صحيح مسلم 5 : 178 ح706 .

(الصفحة89)

وبالجملة : فالجمع بين الصلاتين كان من المنكرات عندهم وحينئذ فلا يبقى الارتياب في كون أخبار الاشتراك مسوقة لبيان الحكم الواقعي ، وأنّ الحقّ في خلافهم ، فمرادهم(عليهم السلام) أنّه لا يجب الانتظار للإتيان بصلاة العصر بعد الإتيان بالظهر كما عليه الجمهور ، بل يجوز الإتيان بهما معاً بعد الزوال بلا فصل ; وليست هذه الروايات بصدد بيان اشتراكهما في كل جزء منه حتّى تنافي ما يدلّ على اختصاص أوّل الوقت بالظهر ، وقد عرفت أنّ اعتبار لترتيب بين الصلاتين كان أمراً بديهيّاً عند المسلمين ، حتّى أنّ العامّة القائلين بتباين الوقتين المستلزم لوقوع الثانية عقيب الاُولى قهراً ، ذهبوا إلى اعتباره في موارد جواز الجمع(1) ، وحينئذ فلا يبقى مجال بعد وضوح اعتباره ، لتوهّم أن يكون قوله(عليه السلام)  : «إذا زالت الشمس دخل الوقتان»(2) . دالاًّ على دخول الوقتين بمجرّد الزوال المستلزم لنفي اعتبار الترتيب ، فحيث لا يكون ذلك القول موهماً لخلاف المقصود ، لأجل ارتكاز اعتبار الترتيب في أذهانهم ، وكان الغرض من مثل ذلك القول ، الردّ على المخالفين القائلين بوجوب تأخير العصر بعد الفراغ من الظهر إلى أن يدخل وقتها ، كان التعبير بهذا النحو من العبارة أحسن تعبير في بيان المرام .
فحاصل معنى الروايات أنّه لا يجب بعد الفراغ من الظهر الانتظار مدّة مديدة ، والصبر إلى أن يصير الظلّ مثلي الشاخص مثلا ، بل يجوز الجمع بينهما مطلقاً لدخول وقت العصر بعد الفراغ من الظهر فوراً ، والمصحّح لذلك الكلام هو ملاحظة مجموع العملين باعتبار ترتّب أحدهما على الآخر أمراً واحداً ، يدخل أوّل وقته بالزوال ألا ترى أنّه لو قيل : إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر ، لا يتوهّم أحد دخول وقت الركعة الأخيرة منها أيضاً بالزوال ، ولا يتبادر منه إلاّ

(1) سنن النسائي 1 : 321 ـ 330  .
(2) الفقيه 1 : 140 ح648 ; الوسائل 4 : 125 . أبواب المواقيت ب4 ح1 .

(الصفحة90)

مجرّد جواز الشروع فيها بمجرّد تحقّقه ، وهكذا المقام فإنّه لا يتبادر من أخبار الاشتراك إلاّ مجرّد الإتيان بالصلاتين معاً بلا فصل .
إن قلت : ما ذكرت من كون المراد بدخول وقت الصلاتين دخول وقت المجموع من حيث المجموع ، إنّما يجري في مثل التعبير بقوله : «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين»(1) ولا يتمشّى في مثل قوله : دخل الوقتان كما في رواية زرارة(2) .
قلت : من الواضح أنّه ليس المراد بدخول الوقتين دخول زمانين في آن واحد ، فإنّه غير معقول ، بل النظر في ذلك إلى تعدّد العمل ، فلا فرق بين التعبيرين . وبالجملة بعد كون اعتبار الترتيب بين الصلاتين أمراً مركوزاً في ذهنهم ، فلا يتبادر عندهم من قوله(عليه السلام)  : «دخل وقت الصلاتين» ، إلاّ مجرّد جواز الشروع فيهما متعاقباً ، من غير دلالة على اختصاص أوّل الزوال بالظهر ، أو اشتراكهما في جميع أجزاء الوقت ، بحيث لو وقعت العصر في أوّل الزوال نسياناً أو غفلة ، لوقعت صحيحة فالروايات لا تعرّض لها إلى حيثية الاشتراك ، أو الاختصاص حتّى تنافي ما يدلّ على أحدهما ، بل مفادها ليس إلاّ مجرّد بيان عدم وجوب تأخير العصر ، كما هو المتداول بين العامّة في مقام العمل .
إن قلت : إن ما ذكرت من أنّ معنى الروايات ليس إلاّ مجرّد جواز الإتيان بالصلاتين متعاقباً ، وهذا لا ينافي أن يكون للظهر وقت مختص به ، يوجب الاستهجان بنظر العرف ، ألا ترى أنّه لو قيل : إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر وكان الجزء الأوّل الذي يمكن ايقاع ركعة منها فيه مختصّاً بالركعة الاُولى ، والثاني بالثانية ، وهكذا يكون مستهجناً عرفاً فكذا المقام .

(1) الوسائل 4 : 127 ، 128 ، 130 . أبواب المواقيت ب4 ح8 ـ 11 و 21 .
(2) الوسائل 4 : 125 أبواب المواقيت ب 4 ح1  .

(الصفحة91)

قلت : الاستهجان العرفي إنّما هو فيما إذا كانت الركعات متّصلة وأمّا في مثل المقام فلا نسلّم الاستهجان .
هذا وإن أبيت إلاّ عن ظهور أخبار الاشتراك في دخول وقت العصر أيضاً بمجرّد الزوال ، فنقول : لابدّ من رفع اليد عن هذا الظهور بملاحظة رواية ابن فرقد(1) الصريحة في الاختصاص ، خصوصاً بملاحظة ذيلها كما عرفت .
إن قلت : كيف يمكن الذهاب إلى الاختصاص مع أنّه لا يكون للوقت المختص حدّ محدود ، لاختلافه بحسب اختلاف المكلّفين من حيث الخفّة والبطء وحالاتهم من حيث السفر والحضر .
قلت : لم يدلّ دليل على أنّه يجب أن يكون الوقت بحيث لا يقبل الزيادة والنقصان ، ألا ترى أنّ مقدار القدم والقدمين والمثل والمثلين يختلف باختلاف الفصول والأيّام من حيث الطول والقصر ، ومع ذلك فقد جعلت حدّاً كما عرفت ويأتي .
ثمّ إنّ صاحب المصباح(قدس سره) ذكر في المقام كلاماً ، ملخّصه أن المتبادر من قول القائل : إذا زالت الشمس دخل وقت العمل الكذائي ، إرادة دخول وقته الفعلي الذي يجوز فيه ذلك الفعل ، لا الوقت الشأني الذي لا يصحّ إيقاعه فيه إلاّ على بعض الفروض النادرة الخارجة عن اختيار المكلّف ، كما هو الشأن في المقام بالنسبة إلى صلاة العصر ، بناء على مشاركتها مع الظهر من أوّل الوقت ، إلاّ أنّه يجب رفع اليد عن هذا الظهور هنا ، فيدور الأمر بين أن يكون المراد دخول الوقتين معاً ، غاية الأمر كون المراد بالنسبة إلى العصر الوقت الشأنيّ ; ويكون قوله(عليه السلام) : «إلاّ أنّ هذه قبل هذه» ، قرينة عليه ; وبين أن يكون المراد دخول الوقتين متعاقبين ، ولكنّك

(1) التهذيب 2 : 25 ح70; الاستبصار 1 : 261 ح936; الوسائل 4 : 127 . أبواب المواقيت ب4 ح7 .

(الصفحة92)

خبير بأن جعل هذه الفقرة قرينة لإرادة الوقت الشأنيّ أولى من ارتكاب هذا التأويل ، بل هو المتعيّن ، لصراحة جملة من الأخبار في إرادة دخول وقت العصر أيضاً كالظهر بمجرّد الزوال ، فيجب أن يكن المراد بها دخول وقتها الصالح للفعل من حيث هو لا بالفعل ، وحينئذ فيكون للعصر ثلاثة أوقات : وقت شأنيّ ، ووقت فعليّ ، ووقت منجّز .
فالأوّل : عبارة عن الوقت الصالح للإتيان بها بحسب الذات ، بحيث لو فرض تحقّق سائر شرائطها لكان إيقاعها فيه صحيحاً ، وهو الوقت الذي يدخل بمجرّد الزوال .
والثاني : عبارة عن الوقت الذي يكون المكلف مأموراً بايقاعها فيه على سبيل الإطلاق ، لا معلّقاً بوجود سائر الشرائط التي منها الترتيب ، وهو يدخل بمضي مقدار أربع ركعات من أوّل الزوال ولم يأت بالظهر بعد .
والثالث : عبارة عن الوقت الذي يكون بعد الفراغ عن الإتيان بالظهر ، وحينئذ فقوله(عليه السلام)  : «إذا زالت الشمس دخل الوقتان» ; يحمل على الوقت الشأنيّ بالنسبة إلى العصر ، ورواية داود بن فرقد المتقدّمة ، الدالّة على اختصاص أوّل الوقت بالظهر ، ودخول وقت العصر بعد مضي مقدار أربع ركعات من أوّل الزوال تحمل على الوقت الفعلي ، ورواية الفضل(1) الدالّة على دخول وقت العصر بعد الفراغ عن الظهر على الوقت المنجز .
هذا ، وتظهر ثمرة دخول وقت العصر بمجرّد الزوال في مواضع :
منها : ما لو انتفت شرطية الترتيب ، كما لو غفل عن الإتيان بالظهر . أو اعتقد إتيانها فصلّى العصر أو أتى بالظهر بزعم دخول الوقت ، ثمّ صلّى العصر بعدها ، ثمّ تبيّن وقوع الظهر قبل وقتها ووقوع العصر أوّل الزوال .

(1) علل الشرائع : 263 ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2 : 109 ح1 ; الوسائل 4 : 159 . أبواب المواقيت ب10 ح11  .

(الصفحة93)

ومنها : ما إذا حصلت براءة الذمّة من الظهر ، ولو بمقتضى ظاهر التكليف ، كما لو اعتقد دخول الوقت فصلّى الظهر ثمّ دخل الوقت في آخر صلاته قبل إكمالها ولو بلحظة ، فله أن يأتي بالعصر مع عدم مضيّ مقدار أربع ركعات ، لوقوعها حينئذ في وقته ، والفرض تحقّق سائر الشرائط أيضاً ; وكما لو صلّى الظهر بزعم دخول الوقت ، ثمّ شك بعد الفراغ في الزوال ، فيحكم بصحّتها لقاعدة الفراغ ; ولكنّها لا يثبت دخول الزوال قبلا ، فإذا علم به فعلا صحّ إتيان العصر(1) . انتهى ملخّصاً .
ولا يخفى أنّه بعد تسليم ظهور قوله(عليه السلام)  : «إذا زالت الشمس دخل الوقتان» في الوقت الفعلي وعدم إمكان الحمل على ظاهره لوجوب تقديم الظهر على العصر ، وهو يوجب رفع اليد عنه ، لا وجه لحمله على الوقت الشأنيّ بالمعنى الذي ذكره ، بعد إمكان حمله على ما ذكرنا في معناه ، من أنّ المراد به جواز الشروع فيهما عند الزوال ، بأن يأتي بالظهر ثمّ العصر من غير فصل ، في مقابل الجمهور القائلين بوجوب تأخير العصر بعد الفراغ من الظهر إلى أن يدخل وقتها الذي يكون مبائناً لوقت الظهر .
وبالجملة : بعد دوران الأمر بين الوجهين لا مجال لحمل الروايات على الوجه الأوّل ، خصوصاً مع كون الثاني متبادراً من مثل هذا التعبير كما عرفت . فالأقوى في المسألة ما اختاره المشهور من الاختصاص ، لرواية ابن فرقد الصريحة فيه ، وعدم منافاة أخبار الاشتراك معها .
وتوهّم أنّه كيف يرفع اليد عن الروايات الكثيرة الدالّة على الاشتراك برواية واحدة ، خصوصاً مع كونها مرسلة لأنّ رفع اليد عن الاطلاقات الكثيرة يتوقّف على دليل قطعي؟
مندفع ـ مضافاًإلى أنّ الرواية الواحدة تكفي لتقييدالاطلاقاتوإن كانت كثيرة،

(1) مصباح الفقيه كتاب الصلاة : 19  .

(الصفحة94)

والارسال فيهامنجبر بعمل الأصحاب ـ بأنّ أخبارنا لاتكون منحصرة فيما أُودعت في الجوامع الأربعة الثانويّة التي تكون بأيدينا ، بل كان في زمن الرضا(عليه السلام)وقبله وبعده إلى زمان تصنيف تلك الجوامع ، جوامع دائرة بين الأصحاب ; ولم تكن جميع الأخبارالمذكورة فيهامنقولة في الجوامع الثانوية ، والدليل على ذلك وجود روايات في بعضها دون بعض الآخر ; وبالجملة فلا إشكال في عدم كون الكتب الأربعة جامعة لجميع الأخبار المودعة في الجوامع الأولية الدائرة بين الأصحاب ، كجامع البزنطي ، والبرقي ، وغيرهما . هذا كلّه بالنسبة إلى الوقت الاختصاصي للظهر.
وأمّا اختصاص آخر الوقت بالعصر ، فيدلّ عليه روايتا ابن فرقد والحلبي المتقدّمتان ، وصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إذا طهرت الحائض قبل العصر صلّت الظهر والعصر معاً وإن طهرت في آخر وقت العصر صلّت العصر»(1) . وغير ذلك ممّا يدلّ على اختصاص العصر بآخر الوقت ، وهذا لا شبهة فيه أصلا ، ويمكن حينئذ اثبات الاختصاص بالنسبة إلى الأوّل أيضاً بعدم القول بالفصل . وما حكي عن الصدوق من التفصيل بين أوّل الوقت وآخره بالقول بالاشتراك في الأول ، وبالاختصاص في الثاني(2) ، لا ينافي ما ذكرنا ; لعدم صراحة كلامه في الاشتراك فإنّه أفتى على طبق قوله(عليه السلام)  : «إذا زالت الشمس دخل الوقتان» . وقد عرفت أن هذا التعبير لا ينافي القول بالاختصاص .
ثمّ إنّه بعد الفراغ عن ثبوت أصل الاختصاص ، يقع الكلام في مقداره ، وأنّه هل يكون مقدار أربع ركعات مطلقاً حتّى بالنسبة إلى المسافر والخائف ، فيجب عليهما الانتظار بعد الفراغ عن الظهر التي صلياها في أوّل الوقت بمقدار ركعتين أُخريين ، حتّى يمضي مقدار أربع ركعات ، أو أنّ التعبير بذلك كما في رواية ابن فرقد

(1) التهذيب 1 : 390 ح1202 ; الاستبصار 1 : 142 ح487 ; الوسائل 2 : 363 . أبواب الحيض ب49 ح6 .
(2) الفقيه 1 : 139 ، ح647 .

(الصفحة95)

إنّما هو كناية عن الإتيان بالظهر؟ وجهان ، والحق هو الوجه الثاني الذي مرجعه إلى أنّ الاعتبار بمقدار أداء الظهر بحسب الوظيفة الفعلية لهذا المكلّف ، ولو كان ركعتين أو أقلّ منهما  ، كما إذا وقعت الظهر ببعض أجزائها في الوقت ، فإنّه يجوز له حينئذ الإتيان بالعصر بعدها ، والدليل على ما ذكرنا مضافاً إلى أنّ لفظة أربع في الرواية واردة مورد الغالب ، وظاهرة فيه . والمراد بها هو الإتيان بالظهر فكني بها عنه ; قوله(عليه السلام) : «إنّه ليس بين الظهر والعصر حدّ معروف» ، كما في بعض الروايات(1)ويؤيّده بل يدلّ عليه أيضاً قوله(عليه السلام)  : «إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين» . بناء على ما ذكرنا في معناه من أنّ المتبادر منه مجرّد جواز الشروع في العصر بعد الفراغ من الظهر بلا فصل ، فإنّ مقتضاه دخول وقت العصر بعد الفراغ من الظهر فوراً ، بلا تفاوت بين كونها تماماً أو قصراً ، لعدم الفصل بينهما .
وبتقريب آخر ، إنّ رواية ابن فرقد الدالّة على الاختصاص وإن كانت من حيث الدلالة عليه أظهر من هذه الروايات ، إلاّ أنّ ظهور أخبار الاشتراك ودلالتها على جواز الإتيان بالعصر بعد الفراغ من الظهر أقوى وأسدّ من ظهور رواية ابن فرقد ، في كون الأربع لها موضوعية ، وإن كانت صلاة الظهر قصراً ، ومن المعلوم أنّه لا مانع من العمل بما هو الأظهر منهما في ذلك ، وإن كان الآخر أظهر من جهة اُخرى ، وهي الدلالة على الاختصاص .
وبالجملة : لا يجوز رفع اليد عن ظهور قوله(عليه السلام) : «إذا زالت الشمس . . .» الحديث . في جواز الشروع في العصر ، بمجرّد الفراغ من الظهر ، وإن كان الجمود على ظاهر لفظة الأربع الواردة في رواية ابن فرقد يقتضي القول بها مطلقاً ، لكن الذوق السليم يأبى عن ذلك ، فلابدّ من حملها على الغالب كما عرفت . وممّا ذكرنا

(1) التهذيب 2: 255 ح1013; الوسائل 4: 126. أبواب المواقيت ب4 ح4.

(الصفحة96)

يظهر صحّة ما حكي عن المحقّق حيث حكم فيمن شرع في صلاة الظهر قبل دخول وقتها الذي هو الزوال ، بزعم الدخول ، ثم انكشف وقوع لحظة منها في الوقت ، بأنّ الوقت الاختصاصي بالنسبة إلى هذا الشخص عبارة عن هذه اللحظة ، فيجوز له الشروع في صلاة العصر بلا فصل(1) ، وجه الصحة ما عرفت من أنّ مقتضى الأخبار جواز الشروع في العصر بمجرّد الفراغ من الظهر ، لدخول وقتها بعد الفراغ منها ، وحينئذ فلا وجه للاشكال عليه أصلا كما لا يخفى .

تتمّة في بيان معنى الاختصاص
الظاهر أنّ معناه هو عدم دخول وقت الشريكة ، ما لم يمض المقدار المعيّن ، وحينئذ فنسبة صلاة العصر إلى الوقت الذي هو قبل المضيّ ، كنسبة صلاة الظهر إلى ما قبل الزوال ، فلا يصحّ إتيان العصر ما لم يمض ذلك المقدار ، ولا يلزم منه عدم صحّة سائر الصلوات ، سواء كانت مستحبّة أو واجبة  ، كقضاء الفرائض الفائتة في ذلك الوقت المختص بالظهر ، وليس المراد بالاختصاص عدم صحّة وقوع صلاة العصر في ذلك الوقت ، ولو كانت لليوم السابق مثلا ، فما ذكره صاحب الجواهر(قدس سره)في رسالة نجاة العباد(2) ، ممّا حاصله أنّ المراد بالاختصاص عدم صحّة الشريكة فيه مطلقاً أداءً وقضاءً ، عمداً وسهواً ، مع عدم اداء صاحبة الوقت ممّا لا وجه له ، إذ ليس لنا في المقام لفظ الاختصاص ، ولم يقع ذلك في حديث حتّى يفسّر بذلك ، لوضوح أنّ مدرك المسألة ، إنّما هي رواية ابن فرقد ; ومقتضاها ليس إلاّ ما ذكرنا . من أنّ دخول وقت العصر مشروط بمضيّ مقدار معلوم ، وأنّ نسبة العصر إلى ذلك المقدار كنسبة الظهر إلى قبل الزوال ، ولازم ذلك بطلان العصر لو وقعت بتمامها قبل

(1) المعتبر 2 : 35  ; شرائع الاسلام 1  : 54  .
(2) نجاة العباد : 81 .

(الصفحة97)

وقتها . نعم قد عرفت أنّه لو وقعت لحظة منها في وقتها لكانت صحيحة ، وليس للاختصاص المذكور في كلمات الأعلام معنى سوى ما ذكرناه ، فتدبّر .

لو ظنّ ضيق الوقت فصلّى العصر فانكشف الخلاف
قد عرفت اختصاص العصر بمقدار أدائها من آخر الوقت ، وحينئذ فلو ظنّ ضيق الوقت فصلّى العصر ، ثم انكشف بعد الفراغ بقاء الوقت بمقدار صلاة اُخرى ، ففي المسألة وجوه أربعة :
أحدها : وجوب إعادة العصر ، لأنّ الوقت الذي صلّى فيه العصر كان مختصّاً بالظهر ; فإتيانها فيه إتيان في غير الوقت . وبعبارة أخرى إنّ للظهر وقتين اختصاصيين : أحدهما : مقدار أدائها من أوّل الزوال ; وثانيهما : مقدار أدائها قبل الوقت المختصّ بالعصر متّصلا به ، وحينئذ فيتّضح بطلان العصر ، لوقوعها في الوقت المختص بالظهر مضافاً إلى عدم مراعاة الترتيب المعتبر في صحّة صلاة العصر . وحديث «لا تعاد»(1) وإن كان مقتضاه عدم وجوب الإعادة إلاّ من ناحية الخمسة المذكورة فيه ، إلاّ أنّه من الواضح اختصاصه بصورة السهو والنسيان ; والمفروض في المقام الاخلال به عمداً .
ثانيها : وجوب الإتيان بالظهر أداءً لانصراف الأدلّة التي تدلّ على اختصاص آخر الوقت بالعصر إلى صورة عدم الإتيان بها ، وأمّا إذا أتى بها قبلا فلا يستفاد منها الاختصاص ; ولو سلّم الاطلاق ومنع الانصراف نقول : إنّ ظاهر الروايات الدالّة على الاشتراك أقوى من حيث الشمول لهذا الفرض من رواية ابن فرقد وغيرها ، وإن كانت هي أقوى منها في الدلالة على أصل الاختصاص .

(1) الفقيه 1 : 181 ح857 ; التهذيب 2 : 152 ح597 ; الوسائل 4 : 312 . أبواب القبلة ب9 ح1 .

(الصفحة98)

ثالثها : وجوب الإتيان بالظهر قضاء ، لخروج وقت الظهر حينئذ أخذاً بإطلاق الأدلّة التي تدلّ على اختصاص الآخر بالعصر ، ومنع دعوى الانصراف إلى صورة عدم الإتيان بها ، وحينئذ فيجوز الإتيان بالظهر قضاءً ، بل يجب فوراً بناء على المضايقة في قضاء الفوائت .
رابعها : عدم وجوب إعادة العصر ، وعدم جواز الإتيان بالظهر في ذلك الوقت لا أداءً  ، ولا قضاءً ، واختار هذا الوجه صاحب الجواهر(1) مستنداً في ذلك إلى ما زعم من معنى الاختصاص ، من أنّ المراد به عدم جواز الشريكة لا أداءً ولا قضاءً .
وفي المسألة وجه خامس منقول عن الشهيد(2) ، حيث يقول بتعارض وقتي الصلاتين . هذا ويرد على الوجه الأوّل ، أنّ ما ذكره بأنّ للظهر وقتين اختصاصيين ، فهو ممّا لم يدلّ عليه دليل ، لأنّ العمدة في هذا الباب هي رواية ابن فرقد ، وهي لا تدلّ إلاّ على اختصاص مقدار أربع ركعات من أوّل الزوال بالظهر فقط ، بل يمكن أن يستفاد منها خلاف ذلك ، لأنّ ظاهرها اشتراكهما في الوقت بعد مضيّ مقدار أداء الظهر من أوّل الوقت إلى أن يبقى إلى الغروب هذا المقدار ، وأمّا ما ذكره من عدم جريان حديث «لا تعاد» في المقام فممنوع ، لأنّه لم يقدم العصر عمداً بل إنّما عمل بظنّه الذي انكشف خلافه ، ويأتي ذلك في محلّه إن شاء الله تعالى .
وأمّا الوجه الرابع : ففيه ما عرفت من أنّه ليس لنا في المقام لفظ الاختصاص ، ولم يقع ذلك في رواية حتّى يفسّر بما ذكر ، بل إنّما حدث هذا اللفظ ، وشاع في ألسنة الفقهاء ، وليس مرادهم بذلك إلاّ ما تدلّ عليه رواية ابن فرقد ، من عدم دخول وقت العصر قبل مضيّ مقدار أداء الظهر من أوّل الوقت ، وخروج وقت الظهر إذا

(1) جواهر الكلام 7 : 93  .
(2) الدروس الشرعية 1 : 138 .

(الصفحة99)

بقي من آخر الوقت مقدار أربع ركعات ، ولازم ذلك أنّه إذا وقعت الظهر قبل الغروب في ذلك الوقت ، وقعت قضاء ، كما أنّ العصر لو وقعت بتمامها في الوقت الاختصاصي للظهر لوقعت قبل الوقت ، كوقوع الظهر قبل الزوال ، وليس معنى الاختصاص بطلان صلاة القضاء أيضاً في الوقت المختصّ كما عرفت .
وأمّا الوجه الخامس : فهو يشبه قول العامة ، من أن كلاًّ من الظهر والعصر قد يكون ضيقاً للآخر ، كما إذا أتى بالظهر بعد المثل ، أو بالعصر قبله ، وعلى ذلك حملوا ما ورد من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهرين من غير خوف ولا علّة(1) . وحينئذ فيدور الأمر بين الوجه الثاني والثالث ، فإن ثبت الانصراف فالأقوى هو الثاني ، وإن لم  يثبت ذلك ، بل قلنا إنّ اطلاق الأدلّة شامل لما إذا أتى بالعصر أيضاً ، فيجوز الإتيان بالظهر قضاءً بل يتعيّن بناء على المضايقة ، وهذا الوجه لا يخلو من قوّة ، لعدم ثبوت الانصراف ، وإن كان الأحوط الاتيان بالظهر بقصد ما في الذمّة من غير نيّة الأداء ولا القضاء فتدبّر .
ثمّ إنّه ظهر من جميع ما ذكرنا أنّه يجب الإتيان بالصلاتين معاً إذا بقي إلى الغروب مقدار إتيان خمس ركعات أو أزيد ، فإنّ وقت الظهر حينئذ باق ولو بمقدار ركعة ، فيشملها عموم قوله من أدرك(2) . هذا ومن عبّر في المسألة بلفظ الاختصاص وفسّره بعدم صحّة الشريكة ، ذكر في وجه صحّة صلاة الظهر في مفروض المسألة ، أنّ المراد بعدم صحّة الشريكة عدم صحّتها ، إذا وقعت بتمامها في الوقت المختص بالاُخرى ، وأمّا إذا وقعت ببعضها فيه فلا يكون ذلك منافياً للاختصاص ، وأمّا نحن فلا نحتاج إلى هذا الكلام بل نقول :
إنّه لو فرض في المقام وجود لفظ الاختصاص لوجب الأخذ بظاهره ، والحكم

(1) المعجم الكبير للطبراني 12 : 68 ح12558 و ص92 ح12644; الموطّأ  : 91 ح4 .
(2) الذكرى 2  : 352  ; الوسائل 4 : 218 . أبواب المواقيت ب30 ح4 و 5 .

(الصفحة100)

ببطلان الغير ، خصوصاً بالنسبة إلى العصر في مفروض المسألة ، فإنّها تشمل جميع الوقت المختصّ بالمغرب كما لا يخفى . وما ذكرناه في الظهرين يجري في العشائين أيضاً ، فإنّه إذا أدرك من آخر النصف الأوّل من الليل مقدار خمس ركعات ، يجب عليه تقديم المغرب ، وإن كانت الركعتان منها واقعة في خارج الوقت ; لما عرفت من أنّ معنى الاختصاص ليس إلاّ خروج وقتها بذلك ، لا عدم صحّتها في الوقت المختص بالعشاء أصلا كما لا يخفى .

<<التالي الفهرس السابق>>