في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة101)




قاعدة «من أدرك»

وحيث انتهى الكلام في هذا المقام ، إلى ذكر قاعدة من أدرك ، لا بأس للتعرّض لها سنداً ودلالة :
هذه القاعدة ممّا اتّفقت عليه العامّة والخاصّة ، ولم يظهر منهم مخالف إلاّ نادراً .
ورواها أصحاب الصّحاح في جوامعهم ، فروى البخاري عن أبي هريرة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال : «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر»(1) .
وروى أبو داود في سننه عن ابن طاووس ، عن ابن عباس عن أبي هريرة  مثله(2) .
وروى أيضاً ابن ماجة القزويني عن عروة بن الزبير عن عائشة عن النبي(صلى الله عليه وآله)  مثله(3) .
وروى أيضاً أبو هريرة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»(4) .
هذه مجموع ما ورد من طرق العامّة ، وأنت خبير بأنّه ليس فيها رواية عامّة

(1) صحيح البخاري 1 : 163 ح579  .
(2) سنن أبي داود 1 : 112 ح412 .
(3) سنن ابن ماجة 1 : 229 ح699 و 700 .
(4) صحيح البخاري 1 : 163 ح579 و 580 .

(الصفحة102)

شاملة للصلوات الخمس ، عدى الرواية الأخيرة المروية عن أبي هريرة . ولكن يحتمل أن لاتكون مرتبطة بباب الوقت، بل كان المقصودبهاصلاة الجماعة ، كما لايخفى.
وأمّا ما ورد من طرق الإمامية فثلاث روايات :
منها : ما رواه أصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال : «من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة تامّة»(1) .
ومنها : رواية عمّار بن موسى عن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث قال : «فإن صلّى ركعة من الغداة ثمّ طلعت الشمس فليتمّ وقد جازت صلاته»(2) .
ومنها : ما رواه أيضاً عن أبي عبدالله(عليه السلام) وهي مثلها إلاّ أنّه زاد فيها «وإن طلعت الشمس قبل أن يصلّي ركعة فليقطع الصّلاة، ولايصلّي حتّى تطلع الشمس»(3).
هذا وبقي في المقام خبر آخر ، رواه المحقّق في المعتبر مرسلا ، وهو قوله(عليه السلام) : «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت»(4) .
وبالجملة : فاشتهار هذه الأخبار يغني عن البحث في سندها والخدشة فيها بإرسال أو ضعف أو غيرهما كما هو دأب المتأخرين ، فلا مجال للإشكال في هذه القاعدة من حيث السند .
وأمّا من حيث الدلالة ، فقد يقال : بأنّ الرواية المشتملة على بيان هذه القاعدة غير ناظرة إلى حيثية الأدائية ، وأنّ الصلاة التي وقعت ركعة منها في الوقت هل تكون أداءً أو قضاءً ، بل غايتها الدلالة على صحة الصلاة في هذه الصورة وعدم وجوب إعادتها . ولكن لا يخفى ضعف هذا القول ، فإنّ ظاهر الرواية أنّ من أدرك

(1) التهذيب 2 : 38 و 262 ح119 ; الاستبصار 1 : 275 ح999 ; الوسائل 4 : 217 . أبواب المواقيت ب30 ح2  .
(2) التهذيب 2 : 38 ح120 ; الوسائل 4 : 217 . أبواب المواقيت ب30 ح1  .
(3) التهذيب 2 : 262 ح1044  ; الوسائل 4 : 217 . أبواب المواقيت ب30 ح3  .
(4) المعتبر 2 : 47  .

(الصفحة103)

ركعة من الوقت فقد أدرك ما يترقّبه من الوقت ، وهو وقوع صلاته فيه فتكون أداء ، فهو كمن أدرك جميع الوقت ، فالمراد بقوله(عليه السلام) في رواية عمّار : «جازت صلاته» جوازها كجواز الصلاة التي وقعت بتمامها في الوقت ، هذا .
وقد يقال أيضاً: بأنّ الرواية تدلّ على صحّة صلاة خصوص من انكشف له في الأثناء أوبعدهاوقوع ركعة منها في الوقت ، بأن شرع فيها غافلا ، أو معتقداً لإدراك الجميع ; ولا تدلّ على صحّة الدخول في الصلاة مع العلم بعدم إدراكه إلاّ ركعة منها .
ولا يخفى أنّ مفاد الرواية إنّما هو جعل الوظيفة لمن لم يصلّ إلى أن بقي من الوقت مقدار ركعة ، وأنّه يجب الشروع فيها ، ولا يجوز تأخيرها بتوهّم صيرورتها قضاء ، ولا دلالة فيها على الاختصاص بما إذا شرع في الصلاة غافلا ، أو معتقداً لإدراك الجميع، بل ظاهرها الإطلاق والشمول للعامد أيضاً. ويؤيّد ذلك إنّه لم يفهم أحد إلاّ ما ذكرنا من الإطلاق ، ولم يظهر منهم القول باختصاصها بغير العامد كما لا يخفى . وممّا ذكرنا ـ من أنّ المستفاد من الرواية كون المدرك ركعة من الوقت إنّما هو كمن يكون مدركاً لجميع الوقت ، بمعنى أنّ الصلاة التي وقعت ركعة منها في الوقت إنّما تكون أداءً بأجمعها ـ ظهر فساد ما حكي عن السيّد(رحمه الله) من كون هذه الصلاة قضاء بأجمعها(1); وكذا ظهر فساد احتمال كونها ملفّقة من الأدائية والقضائية(2).
وبالجملة : فالظاهر أنّه لا إشكال في كونها أداء بأجمعها . قال السيد العلاّمة الطباطبائي(قدس سره) في منظومته :

وهي أداء لا أداء وقضا ولا قضا كما ارتضاه المرتضى(3)


(1) الخلاف 1 : 268 مسألة 11 ; جواهر الكلام 7 : 258 ; الحدائق 6 : 277 ، ولم نعثر على المحكيّ عنه لا في الانتصار ولا في المسائل الناصريّات ولا في جمل العلم والعمل .
(2) كما أشار إليه في المبسوط 1 : 72  .
(3) الدرّة النجفيّة  : 91 .

(الصفحة104)

ثمّ إنّ الظاهر مساعدة العرف لإلغاء الخصوصية من مورد الروايات ، وهي صلاة العصر والغداة ، وحينئذ فالحكم عام لجميع الصلوات ، ويؤيّده إطلاق الفتاوى .
إذا عرفت ذلك فنقول : إذا بقي إلى الغروب مقدار خمس ركعات للحاضر ، أو ثلاث ركعات للمسافر ، فلا إشكال في أنه يجب عليه الإتيان بالصلاتين ، وكذا إذا بقي إلى انتصاف الليل مقدار خمس ركعات للحاضر ، أو أربع ركعات للمسافر ، فإنّه يجب عليه أيضاً الجمع بين الصلاتين والإتيان بهما معاً بلا إشكال ، ولا خلاف بين الأصحاب كما ادّعاه الشيخ(رحمه الله) في كتاب الخلاف(1) .
ولكن يظهر من بعض الأعاظم من المعاصرين(2) الاستشكال في المسألة ويمكن تقرير الإشكال بوجوه ثلاثة :
الأوّل : أن يقال : إنّ معنى اختصاص آخر الوقت بالعصر مثلا هو عدم صحّة وقوع شريكتها فيه أصلا ، لا أداء ولا قضاء لا كلاًّ ولا بعضاً ، وحينئذ فلا مجال للإتيان بصلاة الظهر إلاّ إذا بقي إلى الغروب مقدار ثمان ركعات ، وحيث أنّ في مفروض المقام تقع ثلاث ركعات من الظهر في الوقت المختص بالعصر فلا تصحّ .
الثاني : إنّ مفاد قوله(عليه السلام)  : من أدرك ـ ليس توسعة الوقت بحيث كان تأخير الصلاة عمداً ، إلى أن بقي من وقت أدائها مقدار ركعة جائزاً ، لوضوح عدم جواز التأخير عمداً ، ووقوعه عصياناً ، بل مفاده ليس إلاّ مجرّد التنزيل الحكمي بالنسبة إلى الأدائية ووجوب التعجيل ، وحينئذ فإطلاق من أدرك بالنسبة إلى الظهر يعارض دليل وجوب التعجيل الثابت بالنسبة إلى العصر ، فإن أدراك الظهر بأجمعها يوجب وقوع ثلاث ركعات من العصر خارج الوقت ، وبعبارة اُخرى

(1) الخلاف 1 : 273 مسألة 14 .
(2) كتاب الصلاة للمحقّق الحائري (رحمه الله)  : 16 ـ 18  .

(الصفحة105)

الأمر دائر بين إدراك كلتي الصلاتين ، لكن بحيث يقع مقدار من العصر خارج الوقت ، وبين إدراك صلاة العصر تامّة واقعة بأجمعها في الوقت المختص بها ، وحينئذ يقع التزاحم بينهما ، ولا مرجّح للأوّل على الثاني أصلا كما لا يخفى .
الثالث : إنّ مورد الروايات هي صلاة الغداة والعصر كما في روايات العامّة(1) أو خصوص الغداة كما في الروايات الواردة من طرق الإمامية(2) . نعم مرسلة المعتبر(3)عامّة شاملة لجميع الصلوات ، ولكنّها لم تثبت ، ويحتمل قويّاً أن تكون مأخوذة من الروايات ، غاية الأمر إلغاء الخصوصية فيها . وكيف كان فالتعدي عن مورد الروايات يتوقف على الغاء الخصوصية ، وذلك إنّما يجوز فيما إذا علم عدم مدخلية الخصوصية في الحكم المذكور في القضية وإلاّ فلا يجوز التعدي أصلا ، فإنّ المراد بإلغاء الخصوصية المتداول في الألسن إنّما هو مفهوم الموافقة المذكور في علم الأصول ، لأن الخصوصيات المذكورة في الكلام ربما يحرز عدم دخالتها في الحكم ، فيتعدى عن المورد إلى غيره ويسمى الحكم المستفاد بالنسبة إلى غير المذكور مفهوم الموافقة ، وربّما لا يحرز ذلك فتحمل القضية على ظاهرها من مدخلية القيد في ثبوت الحكم ، وحينئذ فلا يتعدى عن مورده ، بل يثبت لغير المذكور خلاف الحكم الثابت بالنسبة إلى المذكور ، ويسمى ذلك الحكم الثابت لغير المذكور مفهوم المخالفة .
وبالجملة : فتسرية الحكم عن خصوص المورد يتوقف على إحراز عدم مدخلية خصوصية في المورد ، وفي المقام يمكن هذه الدعوى بالنسبة إلى صلاة العشاء ، ولكن لا يمكن بالنسبة إلى الظهر والمغرب ، لأنّ الصبح والعصر وكذا

(1) صحيح البخاري 1 : 163 ح579 و 580 ; سنن ابن ماجة 1 : 229 ح699 و700 .
(2) الوسائل 4 : 217 . أبواب المواقيت ب30 ح1 و 2 و 3  .
(3) المعتبر 2 : 47 ، وكذا مرسلة الذكرى المتقدّمة .

(الصفحة106)

العشاء لا تزاحم ـ بوقوع بعضها خارج الوقت ـ شيئاً من الواجبات ، لعدم ثبوت واجب بعدها ، وهذا بخلاف الظهر والمغرب ، لمزاحمتهما للعصر والعشاء ، فلا يجوز إلغاء الخصوصية بالنسبة إليهما بعد افتراقهما عمّا ورد في الروايات كما عرفت ، فلا يكون الحكم المستفاد من قوله(عليه السلام) : «من أدرك» ثابتاً بالنسبة إليهما  ، حتى تصل النوبة إلى ملاحظة مرجحات باب المزاحمة كما لا يخفى .
والجواب عن الأوّل : إنّه قد مرّ مراراً أنه لم يرد في آية ولا رواية لفظ الاختصاص حتى نتمسك باطلاقه ، ويكون مقتضاه حينئذ عدم صحة الشريكة مطلقاً ، لا أداء ولا قضاء ، بل غاية ما تدل عليه رواية ابن فرقد المتقدمة(1) ، أنّ مقدار أربع ركعات من أول الزوال مختص بالظهر ، ويكون نسبته إلى العصر كنسبة قبل الزوال إلى الظهر ، ومقدار أربع ركعات من آخر الوقت مختص بالعصر ، ويكون نسبته إلى الظهر كنسبة ما بعد الغروب إلى العصر ، ولا دلالة فيها على عدم صحة وقوع الشريكة فيه ولو بعضاً كما لا يخفى .
وعن الثاني : إنّ غاية ما تدل عليه الأدلة الأولية ، وجوب الإتيان بالصلاة أداء ، غاية الأمر أنه لو لم يكن في البين قاعدة من أدرك ، لكان المستفاد من تلك الأدلة وجوب الإتيان بجميع أجزاء الصلاة في الوقت ، إلاّ أنه بعد ثبوت هذه القاعدة يستكشف أن تحقق عنوان الأدائية لا يتقوم بوقوعها بأجمعها في الوقت ، بل يكفي في اتصاف الصلاة بهذه الصفة مجرّد وقوع ركعة منها في الوقت ; فقوله(عليه السلام)  : «من أدرك . . .» الحديث ، يكون حاكماً على تلك الأدلة ومفسّراً لها ، وحينئذ فمع وقوع ركعة من الصلاة في الوقت يتحقق امتثال الأمر المتعلق بإيجاد الصلاة أداء ، وليس هنا ما يدل على وجوب التعجيل والمبادرة أصلا ، ولو سلّم لكان ذلك بأمر

(1) الوسائل 4 : 125 . أبواب المواقيت ب4 ح7 .

(الصفحة107)

مستقل يكشف عنه الاجماع ، وهو منصرف عن هذه الصورة ، وعلى تقدير عدم الانصراف لا دليل على اطلاقه بعد كونه دليلا لبّياً يقتصر فيه على المتيقن .
وبالجملة : فلم يثبت الاجماع في المقام لو لم نقل بثبوته على الخلاف ، كما ادّعاه في الخلاف(1) على ما عرفت ، بل هو على تقدير ثبوته منحصر بصلاة الغداة لو أخّرها عمداً إلى أن بقي من الوقت مقدار ركعة ، هذا أوّلا .
وثانياً : سلّمنا أنّ مقتضى الأدلة الأولية الآمرة بإتيان الصلاة في وقتها ، وجوب المبادرة والتعجيل ، وأنه لا يستفاد من قوله(عليه السلام)  : «من أدرك» إلاّ التنزيل بحسب الأدائية ووجوب التعجيل من دون أن يكون ناظراً إلى توسعة الوقت مطلقاً ، لكن نقول : مقتضى دليل شرطية الترتيب بالنسبة إلى صلاة العصر ، وكون الإتيان بصلاة الظهر من الشرائط الوجودية بالنسبة إلى العصر ، وجوب الإتيان بالظهر مع الإمكان ليتحقق هذا الشرط ، والمفروض في المقام إمكانه بنحو لا يفوت العصر أيضاً ، كما يدلّ عليه رواية الحلبي المتقدمة الواردة فيمن نسي الظهر والعصر ، ثمّ تذكر عند غروب الشمس حيث قال(عليه السلام)  : «إن كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصلِّ الظهر ثمّ ليصلِّ العصر ، وإن هو خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر ، ولا يؤخّرها فتفوته فتكون قد فاتتاه جميعاً»(2) .
وهذا الشخص في المقام يصدق عليه أنّه لا يخاف فوت إحداهما ، لأنّ المفروض بمقتضى قاعدة من أدرك أنّ إدراك ركعة من الوقت كإدراك جميع الوقت في اتّصاف الصلاة بكونها أداء فلا وجه حينئذ لتوهّم أن يقال إنّ تقديم الظهر يوجب وقوع بعض أجزاء العصر في خارج الوقت .

(1) الخلاف 1  : 273 مسألة 14 .
(2) التهذيب 2  : 269 ح1074 ; الاستبصار 1 : 287 ح1052 ; الوسائل 4 : 129 . أبواب المواقيت ب4 ح18  .

(الصفحة108)

وعن الثالث ، ما عرفت من أنّ الظاهر من الروايات كون إدراك ركعة من الوقت كافياً في وقوع الصلاة أداء بلا فرق بين الصلوات أصلا كما يساعد على ذلك فهم العرف ، مضافاً إلى فهم علماء الفريقين وافتراق الصلوات في جهة المزاحمة وعدمها لا يوجب تخصيص الحكم ببعضها بعدما عرفت في الجواب عن الوجه الثاني من عدم المزاحمة بينهما أصلا ، فتدبّر .


(الصفحة109)





علامات زوال الشمس

بقي الكلام في هذا المقام حول علامات زوال الشمس وميلها عن دائرة نصف  النهار .
فنقول : قد ذكر في الكتب الخاصة لنقل الفتاوى المأثورة عن الأئمة(عليهم السلام) بعين ألفاظها الصادرة عنهم ، لزوال الشمس علامتان والمذكور في النصوص التي وصلت إلينا هي العلامة الاُولى فقط ، ولكن يستكشف من ذكر العلامة الثانية أيضاً في تلك الكتب وجود نصّ عليها ، غاية الأمر أنه لم يصل إلينا كما هو الشأن في جميع المسائل المذكورة في تلك الكتب ، وكيف كان فالعلامة الاُولى هي زيادة الظل بعد نقصانه أو وجوده بعد انعدامه ، والعلامة الثانية ميل الشمس إلى جانب الحاجب الأيمن لمن استقبل القبلة(1) .
ولا يخفى أنّ العلامة الاُولى إنّما هي علامة لجميع البلاد في جميع أيّام السنة ولكن الأغلب فيها هي زيادة الظلّ ، وأما انعدامه فهو يتّفق نادراً في خصوص بعض البلاد في يومين(2) من أيام السنة أو يوم واحد ، باختلاف البلاد ، ولذا لم يقع له ذكر في الأحاديث أصلا ، وأمّا العلامة الثانية فهي تعتبر بالنسبة إلى البلاد التي تكون قبلتها نقطة الجنوب كأطراف العراق الغربية من الموصل ونحوه ،

(1) المقنعة : 92 ـ 93 ; المبسوط 1  : 73 ; النهاية  : 63 ; الجامع للشرائع : 59 ـ 60 ; شرائع الاسلام 1  : 51  ; الدروس 1 : 138 .
(2) كما في مكّة المكرّمة وما قاربها في العرض ; جواهر الكلام 7 : 99 .

(الصفحة110)

وحينئذ فتكون الناصية مقابلة للقبلة ، فميل الشمس إلى جانب الحاجب الأيمن يكشف عن تحقّق الزوال ، وأمّا البلاد التي تكون قبلتها منحرفة عن نقطة الجنوب إلى جهة المغرب ، فميل الشمس إلى جانب الأيمن فيها يكشف عن تحقّق الزوال من قبل بمقدار معتد به . وليعلم أنّ العلامتين اللّتين ذكرناهما ليس لهما موضوعية ، بل المعتبر هو العلم بالزوال من أيّ طريق حصل ، وإن لم تصر زيادة الظلّ محسوسة ، وحينئذ فلا وجه لما حكاه في الجواهر عن بعض من احتمال وجوب التأخير حتى تصير زيادة الظلّ محسوسة كما لا يخفى .

المسألة الثالثة : ابتداء وقت المغرب

فنقول : اتّفقت الاُمّة الإسلامية على أنّ أول وقت صلاة المغرب غروب الشمس(1) ، ولا إشكال ولا خلاف بينهم في ذلك وانّما الخلاف والإشكال في أنّ الغروب هل يتحقق باستتار القرص عن النظر أو أنّه يعرف بذهاب الحمرة المشرقية؟ فيه قولان ، اتفق غير الإمامية من أهل السنة ، والزيدية ، وغيرهم على القول الأوّل(2) ووافقهم على ذلك بعض أصحابنا الإمامية(3) ، والمشهور بينهم هو

(1) الخلاف 1 : 261 مسألة 6 ; المعتبر 2 : 40 ; تذكرة الفقهاء 2 : 310 مسألة 30 ; المجموع 3 : 34 ; بداية المجتهد 1 : 142 ـ 143; أحكام القرآن للجصاص 2 : 274 ; المغني لابن قدامة 1 : 381 .
(2) فتح العزيز 3 : 20 و 21 ; المغني لابن قدامة 1 : 424 ; الشرح الكبير 1 : 472 ; المجموع 3 : 29 ; تذكرة الفقهاء 2 : 310 مسألة 30 .
(3) المقنع  : 106 ; علل الشرائع : 350 ; الهداية : 129 ; المبسوط 1 : 74 ; المسائل الناصريّات : 193 مسألة73 ; الغنية ; 69 ; المراسم : 62 ; المهذّب 1 : 69 ; مجمع الفائدة والبرهان 2 : 22 ; مدارك الاحكام 3 : 53 ; نهاية الاحكام 1 : 311 ; بحار الأنوار 80 ; 51 ; مفاتيح الشرائع 1 : 94 ; مستند الشيعة 4 : 25 ; المسألة الثانية ; كشف اللثام 3 : 33 .

(الصفحة111)

القول الثاني(1) ويظهر من المحقق شهرة القولين ، غاية الأمر أنّ الثاني أشهر(2) ، ومنشأ الخلاف بينهم إختلاف الأخبار الواردة في هذا الباب .
أمّا الطائفة الاُولى من الأخبار التي ظاهرة في الاعتبار بالاستتار ، فكثيرة :
منها : رواية زرارة قال : قال أبو جعفر(عليه السلام)  : «وقت المغرب إذا غاب القرص ، فإن رأيته بعد ذلك وقد صلّيت أعدت الصلاة . . .»(3) الحديث .
ومنها : رواية جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)  : «إذا غاب القرص أفطر الصائم ودخل وقت الصلاة»(4) .
ومنها : مرسلة عليّ بن الحكم عمّن حدّثه ، عن أحدهما(عليهما السلام) إنّه سئل عن وقت المغرب؟ فقال : «إذا غاب كرسيّها ، قلت : وما كرسيّها؟ قال : قرصها ، فقلت : متى يغيب قرصها؟ قال : إذا نظرت إليه فلم تره»(5) .
ومنها : رواية عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «وقت المغرب حين تغيب الشمس إلى أن تشتبك النجوم»(6) .
ومنها : رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «كان رسول  الله(صلى الله عليه وآله) يصلّي المغرب حين تغيب الشمس حيث تغيب حاجبها»(7) .
ومنها : رواية عمرو بن أبي نصر قال : سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول في المغرب :

(1) المنتهى 1 : 203 ; تذكرة الفقهاء 2 : 310 ; جامع المقاصد 2 : 17 ; المعتبر 2 : 51 ; النهاية : 59 ; الدروس 1 : 139 ; مسالك الأفهام 1 : 139 ; مفتاح الكرامة 2 : 35 ; جواهر الكلام 7 : 109 .
(2) المعتبر 2  : 51  .
(3) الكافي 3 : 279 ح5 ; التهذيب 4 : 271 ح818 و ج2 : 261 ح1039  ; الاستبصار 2 : 115 ح376 ; الوسائل 4 : 178 . أبواب المواقيت ب16 ح17  .
(4) الفقيه 2  : 81 ح358 ; الوسائل 4 : 179 . أبواب المواقيت ب16 ح20 .
(5) التهذيب 2 : 27 ح79 ; الإستبصار 1 : 262 ح942 ; الوسائل 4 : 181 . أبواب المواقيت ب16 ح25 .
(6) التهذيب 2 : 257 ح1023  ; الإستبصار 1 : 263 ح948  ; الوسائل 4 : 182 . أبواب المواقيت ب16 ح26  .
(7) التهذيب 2 : 258 ح1025 ; الإستبصار 1 : 263 ح946 ; الوسائل 4 : 182 . أبواب المواقيت ب16 ح27 .

(الصفحة112)

«إذا توارى القرص كان وقت الصلاة ، وافطر»(1) .
ومنها : مرسلة الصدوق قال : قال الصادق(عليه السلام)  : «إذا غابت الشمس فقد حلّ الافطار ووجبت الصلاة ، وإذا صلّيت المغرب فقد دخل وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل»(2) .
ومنها : رواية داود بن أبي يزيد قال : قال الصادق جعفر بن محمّد(عليهما السلام) : «إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب»(3) .
ومنها : رواية عبيدالله بن زرارة عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سمعته يقول : «صحبني رجل كان يمسي بالمغرب ويغلس بالفجر ، وكنت أنا أُصلّي المغرب إذا غربت الشمس وأُصلّي الفجر إذا استبان الفجر . فقال لي الرجل : ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع؟ فإنّ الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنّا وهي طالعة على مرقد آخرين بعد. قال: فقلت: انّما علينا أن نصلّي إذا وجبت الشمس عنّا، وإذا طلع الفجر عندنا ليس علينا إلاّ ذلك وعلى اُولئك أن يصلّوا إذا غربت الشمس عنهم»(4) .
ومنها : رواية عبيد بن زرارة أيضاً عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف اللّيل ، إلاّ أنّ هذه قبل هذه»(5) .
ومنها : رواية اُخرى لعبدالله بن سنان عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سمعته يقول : «وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها»(6) .

(1) التهذيب 2  : 27 ح77 ; الإستبصار 1 : 262 ح940 ; الوسائل 4 : 183 . أبواب المواقيت ب16 ح30 .
(2) الفقيه 1 : 142 ح662 ; الوسائل 4 : 179 . أبواب المواقيت ب16 ح19  .
(3) أمالي الصدوق : 74 ح11 ; الوسائل 4 : 179 . أبواب المواقيت ب16 ح21 .
(4) امالي الصدوق : 75 ح15 ; الوسائل 4 : 179 . أبواب المواقيت ب16 ح22 .
(5) التهذيب 2 : 27 ح78 ; الاستبصار 1 : 262 ح941 ; الوسائل 4 : 181 . أبواب المواقيت ب16 ح24 .
(6) الكافي 3 : 279 ح7 ; التهذيب 2 : 28 ح81 ; الإستبصار 1 : 263 ح944 ; الوسائل 4 : 178 . أبواب المواقيت ب16 ح16 .

(الصفحة113)

ومنها : رواية ربيع بن سليمان وأبان بن أرقم وغيرهما قالوا : أقبلنا من مكّة حتّى إذا كنّا بوادي الأخضر إذا نحن برجل يصلّي ونحن ننظر إلى شعاع الشمس ، فوجدنا في أنفسنا ، فجعل يصلّي ونحن ندعو عليه ونقول : هذا من شباب أهل المدينة ، فلمّا آتيناه إذا هو أبو عبدالله جعفر بن محمّد(عليهما السلام) ، فنزلنا فصلّينا معه وقد فاتتنا ركعة ، فلمّا قضينا الصلاة قمنا إليه فقلنا له : جعلنا فداك هذه الساعة تصلّي؟! فقال(عليه السلام) : إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت(1) . وغير ذلك من الأخبار الظاهرة في تحقّق الغروب بمجرّد استتار القرص عن الأنظار .
وأمّا الطائفة الثانية من الأخبار ، الدالّة على المذهب المشهور أو الأشهر بين الامامية ، فهي أيضاً كثيرة .
منها : رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «إذا غابت الحمرة من هذا الجانب ـ يعني من المشرق ـ فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها»(2) . وذكر هذه الرواية في الوسائل في ثلاثة مواضع من باب واحد(3) وظاهره كونها ثلاث روايات مع وضوح أنّها ليست إلاّ رواية واحدة ، ثمّ إنّ الرواية وإن لم يكن فيها ذكر من الصلاة فضلا عن خصوص المغرب إلاّ أنّ الظاهر كونها بصدد بيان ما به يتحقّق الغروب الذي يترتّب عليه أحكام كثيرة في الشرع ، كجواز الافطار عند تحقّقه وجواز الدخول في صلاة المغرب ، وغيرهما من الأحكام المترتبة عليه .
والظاهر أيضاً أنّ المراد بمشرق الأرض ومغربها ، هو مجموع الأرض التي تكون بحسب الحسّ متساوية السطح لأرض المصلّي ; وحينئذ فيستفاد من الرواية

(1) أمالي الصدوق : 75 ح16 ; الوسائل 4 : 180 . أبواب المواقيت ب16 ح23 .
(2) الكافي 3 : 278 ح2 و ج4  : 100 ح2 ; التهذيب 2 : 29 ح84 ; الاستبصار 1 : 265 ح956 ; الوسائل 4 : 172 . أبواب المواقيت ب16 ح1 .
(3) الوسائل 4 : 175 ، 176 . أبواب المواقيت ب16 ح7 و 11  .

(الصفحة114)

أن الاعتبار إنّما هو بغيبوبة الشمس عن جميع الأرض المتساوية السطح لأرض المصلّي ، بحيث لا يراها أحد من ساكني تلك الأرض ، لا بغيبوبتها عن نظر المصلّي فقط .
ومنها : ما رواه عليّ بن أحمد بن أشيم عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال : سمعته يقول : «وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق ، وتدري كيف ذلك؟ قلت : لا  . قال : لأنّ المشرق مطلّ على المغرب هكذا ـ ورفع يمينه فوق يساره  ـ فإذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا»(1) .
ومنها : مرسلة ابن أبي عمير عمّن ذكره عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «وقت سقوط القرص ووجوب الافطار من الصيام أن تقوم بحذاء القبلة ، وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق ، فإذا جازت قمّة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الافطار وسقط القرص»(2) .
ومنها : ما رواه الصدوق باسناده عن بكر بن محمّد ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) إنّه سأله سائل عن وقت المغرب؟ فقال : «إنّ الله يقول في كتابه لإبراهيم : {فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربّى}(3) فهذا أوّل الوقت ، وآخر ذلك غيبوبة الشفق ، وأوّل وقت العشاء الآخرة ذهاب الحمرة ، وآخر وقتها إلى غسق الليل يعني نصف الليل»(4) .
ومنها : رواية شهاب بن عبد ربّه قال : قال أبو عبدالله(عليه السلام) «يا شهاب! إنّي

(1) الكافي 3:278 ح1  ; علل الشرائع : 349 ب60 ح1 ; التهذيب 2:29 ح83 ; الإستبصار 1:265 ح959 ; الوسائل 4:173 . أبواب المواقيت ب16 ح3  .
(2) الكافي 3:279 ح4 وج4: 100 ح1; التهذيب 4 : 185 ح516 ; الوسائل 4 : 173 . أبواب المواقيت ب16 ح4.
(3) الأنعام : 76  .
(4) الفقيه 1 : 141 ح657 ; التهذيب 2 : 30 ح88  ; الإستبصار 1 : 264 ح953 ; الوسائل 4 : 174  . أبواب المواقيت ب16 ح6 .

(الصفحة115)

اُحبّ إذا صلّيت المغرب أن أرى في السماء كوكباً»(1) .
ومنها : رواية عمّار الساباطي عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إنّما أمرت أبا الخطاب أن يصلّي المغرب حين زالت الحمرة من مطلع الشمس ، فجعل هو الحمرة التي من قبل المغرب ، وكان يصلّي حين يغيب الشفق»(2) .
ومنها : رواية محمد بن شريح عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سألته عن وقت المغرب؟ فقال : «إذا تغيّرت الحمرة في الاُفق ، وذهبت الصفرة ، وقبل أن تشتبك النجوم»(3) .
وليس في الرواية ما يدلّ على كون المراد بالحمرة هي الحمرة المشرقية ، وحينئذ فيحتمل أن يكون المراد بها هي الحمرة المغربية ، وعليه فيكون المقصود بيان آخر وقت فضيلة المغرب ، ولو سلّم أنّ المتبادر منها هي الحمرة المشرقية فلا شبهة في أنّ ذيلها يكون بصدد بيان آخر الوقت ، وحينئذ فتكون الرواية متعرّضة لبيان وقت المغرب أوّلا وآخراً .
هذا ، والمراد بتغيّر الحمرة هل هو تغيّرها إلى السواد ، أو إلى الصفرة ، أو إلى الضعف؟ وجوه ، الأظهر هو الوجه الأول .
ومنها : رواية عبدالله بن وضّاح قال : كتبت إلى العبد الصالح(عليه السلام)يتوارى القرص ويقبل الليل ثمّ يزيد الليل ارتفاعاً ، وتستتر عنّا الشمس ، وترتفع فوق الجبل حمرة ، ويؤذّن عندنا المؤذّنون ، أفأُصلّي حينئذ وأفطر إن كنت صائماً أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب إليّ : «أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب

(1) التهذيب 2 : 261 ح1040; الإستبصار 1 : 268 ح971  ; علل الشرائع : 350 ب60 ح2 ; الوسائل 4 : 175 . أبواب المواقيت ب16 ح9  .
(2) التهذيب 2 : 259 ح1033 ، الإستبصار 1 : 265 ح960 ; السرائر 3 : 602 ; الوسائل 4 : 175 . أبواب المواقيت ب16 ح10 .
(3) التهذيب 2 : 257 ح1024 ; الوسائل 4 : 176 . أبواب المواقيت ب16 ح12 .

(الصفحة116)

الحمرة وتأخذ بالحائطة لدينك»(1) .
ومنها : رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : قال لي : «مسّوا بالمغرب قليلا فإنّ الشمس تغيب من عندكم قبل أن تغيب من عندنا»(2) .
وغير ذلك من الأخبار الكثيرة التي نقل بعضها صاحب الوسائل في كتاب الحج في باب الإفاضة من عرفات فراجع(3) .
إذا عرفت ذلك فنقول : هذه الأخبار كما ترى يترائى منها التعارض مع الأخبار المتقدّمة الدالّة على أنّ الاعتبار إنّما هو باستتار القرص ، ولابدّ من بيان وجه الجمع بينهما ، وعلى تقدير عدم إمكانه ، لابدّ من بيان أنّ الترجيح مع أيّهما؟ ونقول قبل ذلك أنّ الاحتمالات المتصوّرة الجارية في أخبار الاستتار أربعة :
أحدها : أن يكون الاعتبار باستتار الشمس وغيبوبتها عن نظرنا ، ولو بسبب حاجب ، أو مانع كالجبل ونحوه .
ثانيها : أن يكون الاعتبار باستتارها عن اُفق المصلّي بحيث لا يكاد يراها أحد من الساكنين في هذا الاُفق ، ولو لم يكن في البين حاجب ولا مانع .
ثالثها : أن يكون الاعتبار باستتارها ووقوعها تحت الافق الذي يكون المصلّي واقعاً فيه ، وكذلك عن اُفق جميع الأراضي الموافقة لهذه الأرض من حيث الاُفق .
رابعها : أن يكون المراد استتارها عن الاُفق الحقيقي المنصف للكرة .
وبالجملة : فكلمة الاستتار والغيبوبة وإن لم تكن مجملة من حيث المفهوم إلاّ أنّه يجري فيها باعتبار المستور عنه هذه الاحتمالات الأربعة ، فالروايات من هذه الحيثية تكون مجملة . ولا ريب أنّ التنافي بينها وبين أخبار الحمرة إنّما يتوقّف على

(1) التهذيب 2 : 259 ح 1031 ; الإستبصار 1 : 264 ح 952 ، الوسائل 4 : 176 . أبواب المواقيت ب16 ح14  .
(2) التهذيب 2 : 258 ح1030 ; الإستبصار 1 : 264 ح951 ; الوسائل 4 : 176 . أبواب المواقيت ب16 ح13 .
(3) الوسائل 13 : 557 . أبواب احرام الحج والوقوف بعرفة ب22 ح2 و 3 .

(الصفحة117)

أن يكون المراد منها واحداً من الاحتمالين الأولين ، لأنّه لو كان المراد منها واحداً من الاحتمالين الأخيرين ، لا يكون بينهما تعارض أصلا كما هو واضح ; وحينئذ فيمكن أن يقال بأنّ أخبار الحمرة تكون مبينة بالنسبة إلى أخبار الاستتار ، وحاكمة عليها ، ومفسّرة للمراد منها ، ويشهد بذلك رواية بريد بن معاوية المتقدّمة(1) بناء على ما استظهرنا منها من كون المراد أنّ الاعتبار إنّما هو بغيبوبة الشمس عن جميع الأراضي المتساوية السطح لأرض المصلّي .
هذا ، وإن أبيت عن إمكان الجمع بين الطائفتين وقلت : بأنّ الظاهر من أخبار الاستتار هو الاعتبار باستتار الشمس عن خصوص أرض المصلّي فنقول : لابدّ من ترجيح أخبار الحمرة والعمل على طبقها ، إذ قد عرفت أنّ جميع فرق المسلمين مخالف للإمامية فتوى وعملا في ذلك ، ولم يكن بينهم ذكر من الحمرة أصلا(2) ، كما أنّهم يصلّون بمجرّد استتار القرص ، وحينئذ فمع فتوى مشهور الإمامية على طبق تلك الأخبار ، وأنّ الاعتبار إنّما هو بذهاب الحمرة لا بالاستتار ، لا ينبغي للعاقل الارتياب في أنّ اختصاصهم بذلك من بين الفرق الإسلامية إنّما هو لاعتقادهم بحجّة اُخرى ، وهي فتوى أئمّتهم الإثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين ، حيث إنّهم يجعلونه حجّة مستقلّة مقابلا لجميع الفرق ; فمع اشتمال جوامعهم المعدّة لنقل الروايات المأثورة عنهم(عليهم السلام) على الأخبار الدالّة على أنّ الاعتبار إنّما هو بالحمرة ، يحصل القطع بأنّ هذا المعنى قد ألقي إليهم من ناحية أئمّتهم(عليهم السلام) وحينئذ فيجب العمل بها خصوصاً مع كثرتها ، وطرح الأخبار المخالفة ، لأجل صدورها تقية ، كما يشهد بذلك لسان بعضها . ومن المعلوم أنّ بنائهم على مراعاة التقية خصوصاً في مثل هذه

(1) الوسائل 4 : 172 . أبواب المواقيت ب16 ح1 .
(2) المجموع 3 : 29 ; المغني لابن قدامة 1 : 424 ; الشرح الكبير 1 : 472 ; تذكرة الفقهاء 2 : 310 ; بداية المجتهد 1 : 142 ـ 143 .

(الصفحة118)

المسألة التي كانت ضرورية عند سائر الفرق ، وكان اعتقادهم أنّ ذلك مأثوراً من النبي(صلى الله عليه وآله) وأنّ عمله(صلى الله عليه وآله) أيضاً كذلك .
ودعوى أنّه لو كان عمل النبي(صلى الله عليه وآله) على وفق ما يقول به الامامية ـ كما هو معتقدنا ـ فكيف يمكن أن يختفي على جميع المسلمين إلى زمان صدور أخبار الحمرة ، مدفوعة بأنّ المسلمين في الصدر الأوّل لم يكونوا متوجّهين إلى خصوصيّات أفعاله(صلى الله عليه وآله) ، ولا مهتمّين بضبطها حتّى لا يشتبه الأمر على من بعدهم ، لكونهم حديثي العهد بالإسلام ، مضافاً إلى أنّهم كانوا قليلين ، والاختلاف بين المسلمين في الأحكام إنّما حدث بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وحينئذ توجّه أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلى أنّه فات منهم ما فات ، وأنّهم لم يستفيدوا من صحبته(صلى الله عليه وآله) إلاّ قليلا .
وبالجملة : لا منافاة بين كون عمل النبيّ(صلى الله عليه وآله) على طبق ما يقول به الإمامية ، وبين اختفاء ذلك على المسلمين ، لعدم اهتمامهم بضبط خصوصيّات أفعاله(صلى الله عليه وآله) ; فلاينبغي الارتياب بملاحظة ما ذكرنا في أنّ الترجيح إنّما هو مع أخبار الحمرة . وقد تحصل مما ذكرنا عدم المنافاة بين الطائفتين من الأخبار أوّلا ، ولزوم الأخذ بأخبار الحمرة ثانياً .
واعلم أنّه بعد استتار القرص عن الأنظار تكون الحمرة المشرقية متّصلة بالاُفق حسّاً ، وترتفع تدريجاً من الاُفق ويسوّد الاُفق ، وإذا انتهى ارتفاعها يصير لونها ضعيفاً ، ويبلغ إلى حدّ لا ترى العين حمرة أصلا ، وحينئذ توجد مقارنة لزوالها حمرة ضعيفة في جانب المغرب فوق الاُفق ، وتنخفض تدريجاً مع الاشتداد إلى أن تغيب عن النظر بالكلّية ، وأمّا حركة الحمرة بالتدريج من المشرق إلى أن تبلغ قمّة الرأس ، وتميل إلى جانب المغرب كذلك ، فليس ممّا يصدقه الحسّ والوجدان ، وحينئذ فيشكل الأخذ بمرسلة ابن أبي عمير المتقدّمة(1) ، الظاهرة في حركتها من

(1) الكافي 3 : 279 ح4 ; الوسائل 4 : 173 . أبواب المواقيت ب16 ح4 .

(الصفحة119)

المشرق إلى المغرب تدريجاً ، ويمكن حملها على ما ذكرنا من كون المراد زوال الحمرة في ناحية المشرق ، وحدوثها في ناحية المغرب ، وحينئذ فلا يستفاد منها أمر وراء سائر الروايات .
نعم هنا كلام يجري في جميع الروايات ، وهو أنّ المراد بغيبوبة الحمرة ، أو زوالها ، أو تغيّرها ، أو ذهابها على اختلاف التعبيرات الواقعة في الروايات ، هل هو ارتفاعها عن الحدّ المتصل بالاُفق وانفصالها عنه ، فتكون العبرة بمجرّد انفصالها؟ أو أنّ المراد زوالها من ناحية المشرق بالكلّية ، بحيث لو نظر الناظر إلى تلك الناحية لم ير فيها حمرة أصلا؟ وجهان ، الظاهر هو الوجه الثاني ، لأنّ المتبادر من تلك التعبيرات ، والمنسبق إلى أذهان العرف ، إنّما هو هذا الوجه كما لا يخفى .
ثم إنّه ربّما يجمع بين الطائفتين من الأخبار المتقدّمة بوجه آخر ، وهو أنّ المراد بزوال الحمرة هو الوجه الأول من هذين الوجهين الأخيرين ، وهو انفصالها عن الاُفق ولو بقدر أصابع ، وإن لم يصل إلى قمّة الرأس فضلا عن التجاوز عنها ، ومن المعلوم أنّ زوال الحمرة بهذا المعنى مقارن لاستتار القرص عن النظر .
ويرد عليه ـ مضافاً إلى ما ذكرنا من أنّ المراد بزوال الحمرة هو زوالها بالكلية ، بحيث لا يرى الناظر في ناحية المشرق حمرة أصلا ، كما يشهد بذلك التعبير عنه في مرسلة ابن أبي عمير المتقدّمة ، بتجاوزها قمّة الرأس ـ أنّه لو كان المراد من أخبار الحمرة هو ما يدلّ عليه أخبار الاستتار ـ وبعبارة اُخرى كان فتوى الأئمّة(عليهم السلام)موافقاً لسائر الفرق ، ولم يكن بينهما مخالفة في هذه الجهة أصلا ـ لما كان وجه لإلقاء هذه الكلمة الموهمة للخلاف بين شيعتهم ، خصوصاً مع كون غرضهم مراعاة الاتحاد ، وعدم الاختلاف مهما أمكن ، كما هو واضح ، فهذا الجمع ممّا لا سبيل إليه أصلا .
وقد يجمع أيضاً بين الأخبار كما عن بعض الأعاظم(1) بحمل أخبار الحمرة

(1) كتاب الصلاة لآية الله الحائري (رحمه الله) : 14 .

(الصفحة120)

على الاستحباب والفضيلة ، ولكن يرد عليه أنّ هذا تصرّف في ظواهر تلك الأخبار ، من غير أن يدلّ عليه دليل .
والانصاف أنّه لا سبيل إلى الجمع بغير ما ذكرناه ، ومقتضاه أنّ الاعتبار بذهاب الحمرة وعلى تقدير عدم إمكان الجمع لا مجال للارتياب في ترجيح أخبار الحمرة ، ويؤيّده الشهرة المحقّقة بين الفقهاء على ذلك .
ثمّ إنّه حكي عن المحقّق الوحيد البهبهاني(قدس سره)(1) انّه استدل على عدم اشتراط ذهاب الحمرة ، وأنّ الاعتبار إنّما هو بالاستتار بأنّه لو اعتبرت الحمرة المشرقية من حيث دلالتها على تحقّق الغروب ، لاعتبرت الحمرة المغربية من حيث دلالتها على الطلوع بالنسبة إلى صلاة الصبح ، وحينئذ يلزم أن يكون الإتيان بصلاة الصبح بعد ظهور الحمرة في ناحية المغرب ، وقبل ظهور القرص من ناحية المشرق إتياناً بها في غير وقتها ، مع أنّ المعلوم خلاف ذلك ، للاتفاق على وقوعها في وقتها لو أتى بها في ذلك الوقت .
وأجاب عنه في الجواهر(2) بوجوه أربعة :
الأوّل : انّه قد التزم بذلك بالنسبة إلى الطلوع ، بعض الأصحاب كالشهيد الثاني في المقاصد العلية ، وصاحب كشف اللثام(3) ، ويدلّ عليه رواية دعائم الإسلام عن الصادق(عليه السلام)  : «إنّ آخر الوقت أن يحمر اُفق المغرب»(4) ; وكذلك عبارة فقه الرضا(عليه السلام)حيث قال : «آخر وقت الفجر أن تبدو الحمرة في اُفق المغرب»(5) .

(1) مفتاح الكرامة 2 : 25 ; جواهر الكلام 7 : 119 .
(2) جواهر الكلام 7 : 119 و 120 .
(3) المقاصد العلّية : 102 ; كشف اللثام 3 : 51  .
(4) دعائم الاسلام 1 : 139 ; بحار الأنوار 80 : 74  .
(5) فقه الرضا (عليه السلام) : 74  .

<<التالي الفهرس السابق>>