في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة121)

الثاني : إمكان الفرق بين الحمرتين خصوصاً بعد قوله(عليه السلام) ـ في بعض الروايات المتقدّمة ـ : لأنّ المشرق مطلّ على المغرب»(1) ، أي مشرف عليه . فإنّ ظاهره إشراف المشرق وارتفاعه بالنسبة إليه . وحينئذ فظهور الحمرة في جانب المغرب لا يدلّ على طلوع الشمس ، بخلاف زوالها في ناحية المشرق ، فإنّه يدلّ على الغروب .
الثالث : إنّ هذا اجتهاد في مقابل النص ، فلعلّ الشارع اعتبر ذلك في الغروب دون الطلوع ، ويؤيّده عدم تعرّض الأصحاب له ، وهو ظاهر بل صريح في عدم اعتباره فيه .
الرابع : إن هذا قياس مع الفارق ، إذ وقت المغرب مسبوق بوقت صلاة العصر ، واستصحاب بقاء اليوم ما لم يتيقّن بدخول وقت المغرب يقتضي ببقائه ما لم تزل الحمرة ، وهذا بخلاف صلاة الفجر ، فإنّ استصحاب بقاء وقته يقتضي عدم انقطاعه إلاّ بيقين على الخلاف ، وهو لا يحصل إلاّ بظهور قرص الشمس ، وبعبارة اُخرى ، ذهاب الحمرة المشرقية علامة على تيقّن الغروب الذي هو المعيار في صحّة صلاة المغرب ، وانقطاع استصحاب عدمه ، بخلاف الحمرة المغربية ، فإنّ أقصاها حصول الشك بذلك ، وهو لا ينقض اليقين بالوقت .
واستشكل في الجواهر(2) على الوجه الأخير بأنّ هذا الجواب جيد لولا ظهور النصوص والفتاوى بخلافه ، فإنّ ظاهرها كون زوال الحمرة علامة للغروب نفسه لا لتيقّنه.
هذا ، ولكن ذلك مناقشة لفظية ولا يوجب قدحاً في الجواب ، لوضوح أنّ المراد ليس جعل ذلك علامة لليقين بل المراد جعله علامة لنفس الغروب ، والتعبير

(1) الوسائل 4 : 173 . أبواب المواقيت ب16 ح3 .
(2) جواهر الكلام 7 : 120 .

(الصفحة122)

باليقين كما في الرياض(1) من جهة أن تحقق العلامة يوجب حصول اليقين .
ويمكن تقريب هذا الوجه وتوضيحه بأن يقال : إنّ الاعتبار في صلاة المغرب وإن كان بالغروب ، وفي آخر وقت صلاة الصبح بالطلوع ، ولكنّه لمّا كان العلم بتحقّقهما غالباً غير ميسّر ، مضافاً إلى كون عدمها مورداً للاستصحاب ، فلا محالة حكم الشارع في ناحية صلاة المغرب ، بلزوم تأخيرها إلى أن تزول الحمرة المشرقية ، تحفّظاً لها عن الوقوع في غير الوقت ، من دون دليل وحجّة على دخوله ، وحكم في ناحية صلاة الصبح بجواز الإتيان بها إلى طلوع الشمس ، من جهة دلالة الأصل العقلائي ، وهو الاستصحاب على بقائه .
وبالجملة : فقد حكم الشارع في الطرفين على طبق الأصل العقلائي بالحكم الواقعي لا أنّه أمر بالعمل بالاستصحاب ، بل لاحظ في حكمه الواقعي الاستصحاب العقلائي وحكم على طبقه ، فتدبّر .
ثم انّه يمكن أن يفرّق بين المقامين بوجه آخر ، بأن يقال : إنّه بعدما ثبت في مقام الاثبات أنّ العبرة في ناحية المغرب بزوال الحمرة ، وفي ناحية صلاة الصبح بطلوع الشمس ، يمكن أن يكون الوجه في ذلك أنّ صلاة المغرب من الصلوات الليلية بمعنى أنّ الاعتبار في طرف المغرب إنّما هو بدخول الليل ، لا بتحقّق الغروب ، والتعبير بالغروب كما في الأخبار إنّما هو لملاحظة ما عليه المسلمون غير الامامية ، ولا يكون ذلك مضرّاً بالمطلوب بعدتفسيره بماينطبق على دخول الليل، ومن المعلوم أنّ دخول الليل لا يتحقّق إلاّ بغيبوبة الشمس ، مع جميع توابعها التي آخرها الحمرة المشرقية .
وهذا بخلاف صلاة الفجر ، فإنّها من الصلوات اليومية ، ولا يقدح فيها ظهور

(1) رياض المسائل 3 : 68 .

(الصفحة123)

الحمرة في ناحية المغرب بعد إمكان أن يكون الاعتبار بحسب مقام الثبوت بنفس الطلوع ; ويؤيّد ما ذكرنا ـ من كون العبرة في صلاة المغرب بدخول الليل وأنّها من الصلوات الليلية ـ بعض الروايات الواردة في المسألة ، كرواية بكر بن محمّد عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال : سأله سائل عن وقت المغرب؟ فقال : «إنّ الله تعالى يقول في كتابه لإبراهيم : {فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربى}(1) فهذا أوّل الوقت ، وآخر ذلك غيبوبة الشفق...»(2) الحديث . ويشهد لذلك أيضاً قوله تعالى : {وأتمّوا الصيام إلى الليل}(3) ، فإنّ وقت الافطار وصلاة المغرب واحد كما هو ظاهر .
وممّا ذكرنا يعلم أنّه لو ثبت وجوب تأخير المغرب إلى زوال الحمرة ، يترتّب على ذلك امتداد وقت العصر إليه ، لعدم الفصل بين وقتيهما وأخبار الغروب مفسّرة للغروب الواقع في كلام الشارع مطلقاً ، ولا دلالة لها على خصوص الغروب الذي تصح معه صلاة المغرب ، فيستفاد منها أنّ الغروب الذي جعل غاية لصلاة العصر لا يتحقق إلاّ بزوال الحمرة .
ثمّ إنّه بعدما كان أوّل وقت المغرب هو زوال الحمرة ، يعلم من ذلك أوّل وقت صلاة العشاء أيضاً ، فإنّه يدخل بعد مضيّ مقدار أداء المغرب ، لدلالة كثير من الأخبار على دخول وقتهما بمجرّد غروب الشمس ، غاية الأمر أنّ هذه قبل هذه . ومن تلك الروايات رواية عبيد بن زرارة المتقدمة(4) المذكورة في ضمن أخبار الاستتار ، وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى .

(1) الانعام : 76 .
(2) الفقيه 1 : 141 ح657 ; التهذيب 2 : 30 ح88  ; الإستبصار 1 : 264 ح953 ; الوسائل 4 : 174 . أبواب المواقيت ب16 ح6 .
(3) البقرة : 178 .
(4) التهذيب 2 : 27 ح78 ; الاستبصار 1 : 262 ح941 ; الوسائل 4 : 181 . أبواب المواقيت ب16 ح24 .

(الصفحة124)

المسألة الرابعة : آخر وقت صلاة المغرب

فاعلم أنّه قد وقع الخلاف فيه بين العامّة والخاصّة . قال الشيخ في كتاب الخلاف ما حاصله : إنّ أوّل وقت المغرب إذا غابت الشمس وآخره إذا غاب الشفق وهو الحمرة ، وبه قال أبو حنيفة ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبوبكر بن المنذر في اختياره وحكى أبو ثور هذا المذهب من الشافعي(1) ولم يصحّحه أصحابه وقال الشافعي: إنّ وقت المغرب وقتواحد، وهوإذاغابت الشمس وتطهر وسترالعورة وأذّن وأقام فإنّه يبتدي بالصلاة في هذاالوقت،فإن أخّر عنه فاته ، وقال أصحابه : لا يجيء على مذهبه غير هذا ، وبه قال الأوزاعي(2) ، وذهب مالك إلى أنّ وقت المغرب يمتدّ إلى طلوع الفجر الثاني ، كما أنّ وقت الظهر ممتدّ إلى الغروب(3) ، وفي أصحابنا من قال بذلك  ، ومنهم من قال : إنّه ممتدّ إلى ربع الليل(4) ، انتهى .
والعجب أنّه(قدس سره) لم ينقل القول بالامتداد إلى النصف مع كثرة أخباره ، ولعلّه لم يجد به قائلا وهو بعيد .
ومحصّل أقوالهم باعتبار الاختلاف في معنى الشفق أيضاً يرجع إلى أربعة :
أحدها : القول بامتداده إلى زمان غيبوبة الشفق وهو الحمرة ، وهو مذهب من عدى أبي حنيفة من القائلين بالامتداد إلى الشفق .
ثانيها : القول الأوّل ولكن المراد بالشفق هو البياض الغربي .

(1) المجموع 3 : 290 ; المغني لابن قدامة 1 : 424 ; الشرح الكبير 1 : 472 ; بداية المجتهد 1 : 142 ـ 143 .
(2) المجموع 3 : 28 ـ 34 ; الامّ 1  : 73  .
(3) أحكام القرآن للجصّاص 2 : 274 ; المجموع 3 : 34  .
(4) المقنعة : 95 ; الفقيه 1 : 141 ; المسائل الناصريات : 193 ; الخلاف 1 : 261 مسألة 6 .

(الصفحة125)

ثالثها : ضيق وقت المغرب .
رابعها : امتداده إلى طلوع الفجر ، وذهب إلى الأخير مالك ، وإلى الثالث الشافعي وإلى الثاني أبو حنيفة .
وامّا الخاصة فما نقل عنهم الشيخ أقوال ثلاثة :
أحدها : ما اختاره نفسه وهو امتداده إلى زمان غيبوبة الشفق بمعنى الحمرة .
ثانيها : القول بالامتداد إلى طلوع الفجر .
ثالثها : القول بالامتداد إلى ربع الليل(1) .
ولكنّه(قدس سره) لم يكن بصدد استقصاء أقوال الخاصة ، فإنّ القول بالامتداد إلى النصف إلاّ بمقدار أداء العشاء من الأقوال المشهورة بينهم(2) . هذا ولا يخفى أنّه ليس فينا من يقول بالضيق .
وأمّا الأخبار الواردة من طريق أهل البيت(عليهم السلام) في هذا الباب فعلى طوائف :
طائفة منها تدلّ على اعتبار الضيق . وطائفة اُخرى على امتداد وقته إلى زوال الشفق . وطائفة ثالثة على امتداده إلى ربع الليل . وطائفة رابعة على امتداده إلى النصف . وطائفة خامسة على امتداده إلى الفجر الثاني .
أمّا الطائفة الاُولى :
فمنها : رواية زيد الشحّام قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن وقت المغرب؟ فقال : «إنّ جبرئيل أتى النبيّ(صلى الله عليه وآله) لكلّ صلاة بوقتين غير صلاة المغرب ، فإنّ وقتها واحد ،

(1) الخلاف 1 : 261 مسألة 6 ; المبسوط 1 : 74 ـ 75 .
(2) المسائل الناصريات : 193 ; المسائل الميّافارقيات (رسائل المرتضى) 1 : 274 ; الغنية : 69 ـ 70 ; الكافي في الفقه  : 137 ; السرائر 1 : 195 ; الجامع للشرائع : 60 ; شرائع الاسلام 1 : 51 ; المعتبر 2 : 40 ; وحكاه عن ابن الجنيد أيضاً في تذكرة الفقهاء 2 : 311 مسألة 31 ; نهاية الأحكام 1 : 311 ; الدروس 1 : 139 ; مسالك الأفهام 1 : 139 .

(الصفحة126)

وأنّ وقتها وجوبها»(1) .
ومنها : رواية أديم بن الحرّ قال : سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول : «إنّ جبرئيل أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالصلوات كلّها ، فجعل لكلّ صلاة وقتين إلاّ المغرب ، فإنّه جعل لها وقتاً واحداً»(2) .
ولا يخفى أنّه حيث لا يوجد القائل بالتضييق بين الإمامية ، فيجب حمل ما يدلّ عليه على شدّة كراهة التأخير ، مضافاً إلى أنّ الأخبار الآتية ـ التي تدل على التوسعة إجمالا ، وإن اختلفت في مقدارها ـ صريحة في عدم التضييق ، فهي مانعة عن الأخذ بظهور ما يدلّ عليه ، فلا مجال للأخذ به معها .
وأمّا الطائفة الثانية : فهي كثيرة .
منها: مارواه حريز عن زرارة والفضيل قالا: قال أبوجعفر(عليه السلام): «إنّ لكلّ صلاة وقتين غيرالمغرب، فإنّوقتهاواحد، ووقتهاوجوبها،ووقت فوتها سقوط الشفق»(3).
ومنها : رواية إسماعيل بن مهران قال : كتبت إلى الرضا(عليه السلام) ـ إلى أن قال : ـ فكتب : «كذلك الوقت غير أنّ وقت المغرب ضيق ، وأنّ آخر وقتها ذهاب الحمرة ، ومصيرها إلى البياض في اُفق المغرب»(4) .
ومنها : رواية إسماعيل بن جابر عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : سألته عن وقت المغرب؟ قال : «ما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق»(5) .

(1) الكافي 3 : 280 ح8 ; التهذيب 2 : 260 ح1036 ; الإستبصار 1 : 245 ح873 وص270 ح975 ; الوسائل 4 : 187 . أبواب المواقيت ب18 ح1  .
(2) التهذيب 2 : 260 ح1035 ، الإستبصار 1 : 245 ح872  ، الوسائل 4 : 189  . أبواب المواقيت ب 18 ح11 .
(3) الكافي 3 : 280 ح9  ; الوسائل 4 : 187 . أبواب المواقيت ب18 ح2  .
(4) الكافي 3 : 281 ح16 ، التهذيب 2 : 260 ح1037 ، الإستبصار 1 : 270 ح976 ، الوسائل 4 : 188 . أبواب المواقيت ب18 ح4 .
(5) التهذيب 2 : 258 ح1029 ; الاستبصار 1 : 263 ح950 ; الوسائل 4 : 190 . أبواب المواقيت ب18 ح14 .

(الصفحة127)

ومنها : رواية بكر بن محمد عن أبي عبدالله(عليه السلام) : «إنّ آخر وقت المغرب غيبوبة الشفق»(1) .
وغير ذلك من الأخبار . هذا ، ولا يخفى انّ هذه الأخبار وإن كانت ظاهرة في أنّ آخر وقت المغرب زوال الشفق ، فينقضي وقته بذلك ، إلاّ أنّه يجب رفع اليد عن هذا الظهور ، بالحمل على كونها بصدد بيان الوقت الأوّل ، لظهور الأخبار الآتية بل صراحتها في امتداد وقت المغرب إلى الربع ، أو إلى النصف ، أو إلى الفجر . ومن هنا يظهر أنّه يجب حمل تلك الأخبار على كونها بصدد بيان الوقت الثاني .
نعم يقع النزاع في أنّ اختلاف الوقتين هل هو بالاختيارية والاضطرارية ، أو بالفضيلة والإجزاء؟ وقد تقدّم أنّ الحقّ هو الثاني(2) .
الطائفة الثالثة : ما يدلّ على الربع ، فهو ما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال : «وقت المغرب في السفر إلى ربع الليل»(3) . ورواه في الوسائل مكرّراً ، وفي خبره الآخر قال : قال أبو عبدالله(عليه السلام)  : «وقت المغرب في السفر إلى ثلث الليل»(4) . وعلى أيّ تقدير فيجب الحمل على مراتب الفضيلة ، لأنّ ذلك مقتضى الجمع بينه وبين الأخبار الآتية الصريحة في الامتداد إلى الانتصاف ، أو إلى الفجر .
وأمّا الطائفة الرابعة : فكثيرة .
منها : رواية داود بن فرقد المتقدمة الدالة على امتداد وقت المغرب إلى أن يبقى من انتصاف الليل مقدار أربع ركعات(5) .

(1) الفقيه 1 : 141 ح657 ; الوسائل 4 : 174 . أبواب المواقيت ب16 ح6 .
(2) راجع ص79 .
(3) الكافي 3 : 281 ح14 ; الوسائل 4 : 194 . أبواب المواقيت ب19 ح2 .
(4) الكافي 3 : 431 ح5 ; الوسائل 4 : 193 . أبواب المواقبت ب19 ح1 .
(5) الوسائل 4 : 184 . أبواب المواقيت ب17 ح4 .

(الصفحة128)

ومنها : ما رواه القاسم مولى أبي أيوب ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال : «إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل»(1) .
ومنها : مرسلة الكليني قال : وروي أنّ وقت المغرب في السفر إلى نصف الليل(2) . وغير ذلك من الأخبار .
وأمّا الطائفة الخامسة : فبعضها تدلّ على الامتداد إلى الفجر مطلقاً ، كرواية عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «لا تفوت الصلاة من أراد الصلاة ، لا تفوت صلاة النهار حتّى تغيب الشمس ، ولا صلاة الليل حتّى يطلع الفجر ، ولا صلاة الفجر حتّى تطلع الشمس»(3) .
وبعضها واردة في خصوص النائم ، والساهي كرواية أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال : «إن نام رجل ولم يصلّ صلاة المغرب والعشاء أو نسي ، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّيهما ، وإن خشي أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ، وإن استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصلّ الفجر ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس ، فإن خاف أن تطلع الشمس فتفوته إحدى الصلاتين فليصلّ المغرب ويدع العشاء الآخرة حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها ، ثمّ ليصلّها»(4) .
ورواية ابن مسكان عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إن نام رجل أو نسي أن يصلّي

(1) التهذيب 2 : 27 ح78 ; الاستبصار 1 : 262 ح941 ; الوسائل 4 : 181 . أبواب المواقيت ب16 ح24 .
(2) الكافي 3 : 281 ح13 ; الوسائل 4 : 186 . أبواب المواقيت ب17 ح13 .
(3) الفقيه 1 : 232 ح1030 ; التهذيب 2 : 256 ح1015 ; الاستبصار 1 : 260 ح933 ; السرائر 3 : 602  ; الوسائل 4 : 159 . أبواب المواقيت ب10 ح9 .
(4) التهذيب 2 : 270 ح1077 ; الاستبصار 1 : 288 ح1054  ; الوسائل 4 : 288 . أبواب المواقيت ب62 ح3  .

(الصفحة129)

المغرب والعشاء الآخرة ، فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلّيهما كلتيهما فليصلّيهما ، وإن خاف أن تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة ، وإن استيقظ بعد الفجر فليصلّ الصبح ثمّ المغرب ثمّ العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس» . وروى عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله(عليه السلام) مثله(1) .
وبعض تلك الروايات واردة في خصوص الحائض ، كرواية أبي الصباح الكناني عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلّت المغرب والعشاء وإن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلّت الظهر والعصر»(2) .
وكرواية عبدالله بن سنان «عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر ، وإن طهرت من آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء»(3) .
ورواية داود الزجاجي عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «إذا كانت المرأة حائضاً فطهرت قبل غروب الشمس صلّت الظهر والعصر ، وإن طهرت من آخر الليل صلّت المغرب والعشاء الآخرة»(4) .
ورواية عمر بن حنظلة عن الشيخ(عليه السلام) قال : «إذا طهرت المرأة قبل طلوع الفجر صلّت المغرب والعشاء ، وإن طهرت قبل أن تغيب الشمس صلّت الظهر والعصر»(5) . فهذه ثمانية أخبار يستفاد منها الامتداد إلى طلوع الفجر ، ولأجل كثرتها لا مجال للخدشة فيها من حيث السند ، مضافاً إلى أنّ بعضها صحيح

(1) الإستبصار 1 : 288 ح1053 ; التهذيب 2 : 270 ح1076 ، الوسائل 4 : 288 . أبواب المواقيت ب62 ح4 .
(2) التهذيب 1 : 390 ح1203  ; الإستبصار1 : 143 ح489  ; الوسائل 2 : 363 . أبواب الحيض ب49 ح7 .
(3) التهذيب 1 : 390 ح1204 ، الإستبصار 1 : 143 ح490 ; الوسائل 2 : 364 . أبواب الحيض ب49 ح10 .
(4) التهذيب 1 : 390 ح1205 ; الاستبصار 1 : 143 ح491 ; الوسائل 2 : 364 . أبواب الحيض ب49 ح11 ; وفيه : «عن داود الدجاجي» بالدّال .
(5) التهذيب 1 : 391 ح1206 ; الاستبصار 1 : 144 ح492 ; الوسائل 2 : 364 . أبواب الحيض ب49 ح12 .

(الصفحة130)

ودلالتها على المقصود أيضاً واضحة ، فلا مجال للمناقشة فيها .
وأمّا حملها على التقية لا وجه له ، بعدما عرفت من أنّ القائل بالامتداد إلى طلوع الفجر من العامّة إنّما هو مالك(1) والمشهور بينهم هي المخالفة معه(2) ، فلا وجه لصدور الحكم تقية .
نعم يبقى الاشكال فيها من حيث إعراض المشهور عنها حتّى بالنسبة إلى المضطر ، فإن ثبت ذلك يسقطها عن الحجية ، وإلاّ فاللاّزم العمل بها والأخذ بمقتضاها . وقد يقال بعدم ثبوت الاعراض ، لنقل الشيخ ـ في كتاب الخلاف في عبارته المتقدّمة ـ القول بالامتداد إلى الفجر عن بعض أصحابنا الإمامية ، وكذلك في المبسوط ، ومثله المحقّق في المعتبر والشرائع(3) ، واختاره بعض المتأخّرين كصاحبي المدارك والمعالم ، والوافي ، وتردّد فيه المحقّق الأردبيلي ، وصاحب الكفاية(4) ، وهذا المقدار يكفي في عدم ثبوت الاعراض .
مضافاً إلى أنّه ادّعى الشيخ في موضع آخر من الخلاف عدم الخلاف في ذلك ، حيث قال : إذا أدرك بمقدار يصلّي فيه خمس ركعات قبل المغرب لزمته الصلاتان بلا خلاف ، وإن لحق أقل من ذلك لم يلزمه الظهر عندنا ، وكذلك القول في المغرب والعشاء الآخرة قبل طلوع الفجر(5) . انتهى .
وربّما يتوهّم المناقضة بين هذا الكلام الظاهر في امتداد وقتهما إلى الفجر ، بلا

(1) المجموع 3 : 34 ; المغني لابن قدامة 1 : 424 ; الشرح الكبير 1 : 472 ; تذكرة الفقهاء 2 : 312 ; مسألة 31 ; الخلاف 1 : 261 مسألة 6 .
(2) المجموع 3 : 290 ; المغني لابن قدامة 1 : 424 ; الشرح الكبير 1 : 472 ; تذكرة الفقهاء 2 : 311 ـ 312 مسألة 31 ; الخلاف 1 : 261 مسألة6 .
(3) الخلاف 1 : 261 مسألة 6 ; المبسوط 1 : 75 ; المعتبر 2 : 40 ; شرائع الاسلام 1 : 51 .
(4) مدارك الاحكام 3 : 54 ; مفاتيح الشرائع 1 : 88  ; مجمع الفائدة والبرهان 2 : 28 ; كفاية الأحكام : 15 .
(5) الخلاف 1 : 273 مسألة 14 .

(الصفحة131)

خلاف بين المسلمين حتى العامّة ، وبين ما تقدّم من كلامه ، نظراً إلى أنّ مقتضى ذلك أنّ القائل باشتراك الوقت وامتداده إلى الفجر ، إنّما هو مالك ، وبعض أصحابنا الإمامية(1) ، ومقتضى هذا الكلام اتّفاق جميع المسلمين على الاشتراك والامتداد إلى الفجر ، وهذان ممّا لا يجتمعان .
والذي يدفع التوهّم أنّ العامّة ـ مع قولهم بتباين الوقتين في الظهر والعصر ، وكذا المغرب والعشاء ـ لا إشكال ولا خلاف بينهم في جواز الجمع في الجملة ، إلاّ أنّ وجه الجمع عندهم يخالف ما هو الوجه عند الإمامية ، فالإمامية يقولون بأنّ الجمع بين الصلاتين إنّما هو لبقاء وقت الاُولى ، ودخول وقت الثانية ، فإذا أتى بالظهر والعصر مثلا بعد الزوال بلا فصل ، فهو جائز من حيث دخول وقت العصر بمجرّد الفراغ عن الظهر ، كما أنّه لو أتى بهما في آخر الوقت يكون ذلك جائزاً من حيث بقاء وقت الظهر بعد .
ومن هنا يظهر أنّه لا يختص جواز الجمع بمورد دون مورد ، ولا يتوقف على العذر والعلّة كالسفر والمطر ، كما روى ابن عباس أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) جمع بين الصلاتين من غير خوف ولا علّة(2) . وقد عرفت أنّ تفريق النبيّ(صلى الله عليه وآله) بين الظهرين ، وكذا بين العشائين غالباً إنّما كان لإدراك الفضيلة ، لا لعدم دخول الوقت ، كيف! وقد تواترت الروايات عن الأئمّة الهداة عليهم الصلاة والسلام ، على اشتراك الظهرين في الوقت وكذا العشائين .
هذا ، وأمّا وجه الجمع عند العامة ، فهو لا يكون باعتبار بقاء الوقت ودخوله ، فإنّ الجمع في اصطلاحهم عبارة عن وقوع إحدى الصلاتين في الوقت المختص

(1) الخلاف 1 : 261 مسألة 6  .
(2) المعجم الكبير للطبراني 12 : 68 ح12558 وص92 ح12644 ; الموطأ 1 : 91 ح4; صحيح مسلم 5 : 176 ، ب6 ، ح49 ، 50 .

(الصفحة132)

بالاُخرى ، كأنّ إحدى الصلاتين تضيف الاُخرى في وقتها ، وحيث أنّ ذلك يحتاج إلى دليل ; ولذا لا يجوز عندهم إلاّ في موارد مخصوصة كالسّفر والمطر ونحوهما(1)وقد عرفت(2) أنّهم أخذوا بجميع روايات ابن عباس ، إلاّ روايته الدالة على جواز الجمع مطلقاً .
وحينئذ فيظهر لك الوجه فيما ادّعاه الشيخ(رحمه الله) من عدم الخلاف في وجوب الاتيان بالمغرب والعشاء الآخرة، إذاأدرك قبل طلوع الفجر مقدار خمس ركعات(3)، فإنّ ذلك مورد لاتفاق المسلمين ، وإن كان الوجه بينهم مختلفاً كما عرفت .
وكيف كان فيظهر من الشيخ عدم الاعراض عن أخبار الفجر ولو في خصوص مواردها وحينئذ فيقع الكلام ـ بعد عدم إمكان الاعتماد برواية عبيد المتقدّمة(4) الظاهرة في الامتداد مطلقاً ، لضعف سندها ـ في أنّه هل يعمل بتلك الأخبار في خصوص مواردها ، أعني النائم ، والساهي والحائض ، فيكون الوقت بالنسبة إليهم أوسع منه بالنسبة إلى غيرهم ، أو أنّه يتعدّى عنها إلى مطلق ذوي الأعذار بإلغاء الخصوصية ، أو يستفاد منها الاطلاق ، ولو بالنسبة إلى العامد ، غاية الأمر إنّه عاص بالتأخير ، للأخبار الكثيرة الدالّة على حرمة التأخير عن انتصاف الليل(5)؟ وجوه .
ولا يخفى أنّه لا دلالة لما دلّ على ثبوت كفّارة صوم يوم ، على من أخّر العشاء

(1) المجموع 4: 370 ـ 371; المغني لابن قدامة 2: 113; الشرح الكبير 2: 116; بداية المجتهد 1: 246 ـ 240; الخلاف 1: 588 مسألة 351 وص591 مسألة 353; تذكرة الفقهاء 2: 365 مسألة 66 .
(2) راجع ص88 .
(3) الخلاف 1 : 273 مسألة 14 .
(4) الوسائل 4 : 159 أبواب المواقيت ب10 ح9 .
(5) الوسائل 4 : 183 . أبواب المواقيت ب17 .

(الصفحة133)

عن الانتصاف(1) على انقضاء الوقت بذلك ، لأنّه يحتمل أن تكون الكفارة من جهة حرمة التأخير ، لا خروج وقتها بذلك .
ويجري في الأخبار الواردة في خصوص الحائض احتمالات ثلاثة :
أحدها : أن تكون محمولة على الاستحباب ، كما حكي عن الشيخ(رحمه الله)(2) .
ثانيها : أن تحمل على الوجوب ، ويكون المراد إتيانها إلى طلوع الفجر قضاء ، فتكون هذه الأخبار مخصّصة للأخبار الدالّة على عدم وجوب القضاء على الحائض ; إذا طهرت بعد انقضاء الوقت(3) .
ثالثها : الحمل على ظاهرها ، وهو وجوب إتيانهما عليها أداء ، لامتداد وقتهما إلى الفجر ، ولا يخفى أنّ الاحتمال الأوّل خلاف الظاهر ، والأظهر منها هو الاحتمال الأخير ، فإنّ المتبادر من هذه الروايات امتداد وقت المغرب والعشاء إلى الفجر ، كامتداد الظهرين إلى الغروب .
ثم إنّه قد يقال بترجيح الاحتمال الثالث ، نظراً إلى أنّ مقتضى الاحتمال الثاني تخصيص العمومات الدالّة على عدم وجوب القضاء على الحائض ، إذا طهرت بعد مضيّ الوقت ; ومقتضى الاحتمال الثالث خروج مورد الروايات عن تلك العمومات بنحو التخصّص ، فيدور الأمر بين التخصيص والتخصّص ، ولا ريب أنّ الترجيح مع الثاني ، ولكن لا يخفى أنّ ذلك فيما إذا كان مراد المتكلّم مجهولا ، فبأصالة العموم النافية للتخصيص يستكشف المراد .
وأمّا في مثل المقام ممّا إذا كان المراد معلوماً ـ لأنّ المفروض ثبوت الوجوب

(1) الفقيه 1 : 142 ح658 ; الوسائل 4 : 214 . أبواب المواقيت ب29 ح3 .
(2) التهذيب 1 : 391 ذح1207 .
(3) الكافي 3 : 102 ح1 و 2 ; التهذيب 1 : 389 ح1198 و 1199 ; الإستبصار 1 : 142 ح484 و485 ; الوسائل 2 : 361 ـ 362 . أبواب الحيض ب49 ح2 و3 .

(الصفحة134)

بالنسبة إلى الحائض بعد الانتصاف ، سواء كان من باب التخصيص أو التخصّص ـ فلا مجال حينئذ للتمسّك بأصالة العموم كما حقّقناه في الاصول ، فانقدح ممّا ذكرنا أنّ مقتضى هذه الطائفة امتداد وقت المغرب والعشاء إلى طلوع الفجر ، وقد عرفت عدم ثبوت الاعراض عنها ، فلابدّ من الجمع بينها وبين الطائفة الرابعة الظاهرة في الامتداد إلى نصف الليل .
والاحتمالات في وجه الجمع ثلاثة :
الأوّل : أن يحمل أخبار الانتصاف على بيان آخر الوقت للمختار وأخبار الفجر على بيان آخر الوقت للمضطرّ .
الثاني : أن يحمل أخبار النصف على بيان آخر وقت الفضيلة ، وأخبار الفجر على بيان آخر وقت الإجزاء ، ومرجع هذين الوجهين إلى وجه واحد ، وهو كون كلّ من الطائفتين متعرّضة لتحديد أحد الوقتين المجعولين لكلّ صلاة ، غاية الأمر أنّ اختلافهما بالاختيار والاضطرار عند الشيخ ومن تبعه(1) ، وبالفضيلة والاجزاء عند غيرهم(2) ، وهو الأقوى كما عرفت .
هذا كلّه بناء على إلغاء الخصوصية من حيث الحيض ، والنوم ، والنسيان من أخبارالفجر،واستفادة العموم منها، وإلاّوجب العمل بمضمونهافي خصوص موردها.
الثالث : حمل أخبار الفجر على التقية ، لموافقتها للعامّة إجمالا ، وإن اختلفوا من حيث الامتداد إلى الفجر مطلقاً ، كما ذهب إليه مالك(3) ، أو الامتداد إليه في موارد

(1) المقنعة : 294 ; المبسوط 1 : 72 ; الخلاف 1 : 271 مسألة 13 ; الكافي في الفقه : 138 ; المهذّب 1 :71 ; الوسيلة : 81  .
(2) المسائل الناصريّات : 195 ; السرائر 1 : 196 ; المعتبر 2 : 26 ; الجامع للشرائع : 59 ; المراسم : 62 ; تذكرة الفقهاء 2 : 300 مسألة 23 ; حكاه عن ابن الجنيد في مختلف الشيعة 2 : 4 .
(3) المجموع 3 : 34 ; المغني لابن قدامة 1 : 424 ; الشرح الكبير 1 : 472 ; تذكرة الفقهاء 2 : 312 مسألة 31 .

(الصفحة135)

الجمع(1) وحينئذ فلابدّ من طرح أخبار الفجر ، والأخذ بأخبار الانتصاف ، لكونها بصدد بيان الحكم الواقعي ، لما عرفت من أنّه ليس من الانتصاف في كلماتهم أثر أصلا ; وهذا الاحتمال هو الذي يستفاد من فتاوى فقهائنا الإمامية في متونهم الفقهية(2) ، مع أنّ مقتضى القاعدة الجمع بين الطائفتين بأحد من الوجهين الأوّلين ، لأنّ الجمع الدلالي مقدّم على الجمع من حيث الجهة .
وحينئذ فطرح أخبار الفجر مشكل ، إلاّ أن يثبت الاعراض ، وقد عرفت عدم ثبوته ، والأحوط حتى بالنسبة إلى موارد أخبار الفجر من الحائض ، والنائم ، والساهي ، عدم قصد الأداء ولا القضاء بعد انتصاف الليل ، بل قصد الإتيان بما في الذمّة كما لايخفى .

المسألة الخامسة : أوّل وقت صلاة العشاء

قال الشيخ في كتاب الخلاف ما لفظه : الأظهر من مذهب أصحابنا ومن رواياتهم أنّ أوّل وقت العشاء الآخرة غيبوبة الشفق الذي هو الحمرة(3) ، وفي أصحابنا من قال : إذا غابت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين(4) .

(1) أحدها: السفر ، الامّ 1 : 77 ; المجموع 4 : 370 ـ 371 ; المغني لابن قدامة 2 : 113 ; الشرح الكبير 2 : 116 .
ثانيها : العرفة والمزدلفة ; وعلّة الجمع السفر كما قال أكثر الجمهور : المجموع 4 : 371 .
ثالثها : المطر ; المجموع 4 : 384 ; المغني 2 : 117 ; الشرح الكبير 1182 ; بداية المجتهد 1 : 246 ـ 240 .
(2) مسائل الميافارقيات (رسائل الشريف المرتضى) 1 : 274 ; المبسوط 1 : 75 ; المراسم : 62 ; الغنية : 70 ; الوسيلة : 83  ; السرائر 1 : 195 ، الجامع للشرائع : 60 ; المعتبر 2 : 43 ; الدروس 1 : 139 ; مفاتيح الشرائع 1 : 87  . .
(3) الهداية : 130 ; المقنعة : 93 ; الكافي في الفقه : 137 ; المراسم : 62 ; المسائل الناصريّات : 195 .
(4) المسائل الميافارقيات (رسائل الشريف المرتضى) 1 : 274 .

(الصفحة136)

ولا خلاف بين الفقهاء أنّ أول وقت العشاء الآخرة غيبوبة الشفق ، وإنّما اختلفوا في ماهية الشفق ، فذهب الشافعي إلى أنّه الحمرة ، فإذا غابت بأجمعها فقد دخل وقت العشاء الآخرة ، وروى ذلك عن عبدالله بن عمر ، وعبدالله بن مسعود ، وأبي هريرة ، وعبادة بن الصّامت ، وشدّاد بن أوس ، وبه قال مالك ، والثوري ، ومحمّد(1) ، وقال قوم : الشفق هو البياض ، لا تجوز الصلاة إلاّ بعد غيبوبته ، ذهب إليه الأوزاعي ، وأبو حنيفة ، وزفر ، وروي ذلك عن عمر بن عبدالعزيز ، وهو اختيار المزني(2) .
وذهب أحمد إلى أنّ وقتها في البلدان والأبنية غيبوبة البياض ، وفي الصحاري والفضاء غيبوبة الحمرة ، فإنّ البنيان يستر ، فاحتيط بتأخير الصلاة إلى غيبوبة البياض ، ليتحقّق معه غيبوبة الحمرة . وفي الصحراء لا حائل يمنع من ذلك ، فلم يعتبر ذلك ، لا أنّه جعل الوقت مختلفاً في الصحاري والبنيان(3) .
دليلنا : إنّ ما اعتبرناه من ذلك لا خلاف بين الطائفة المحقّة أنّه من الوقت ، وليس هاهنا إجماع على أنّ ما قبله وقت ، فوجب الاحتياط لئلاّ يصلّي قبل دخول الوقت ، وقد تكلّمنا في الأخبار المختلفة في هذا المعنى في الكتابين المقدّم ذكرهما(4) ، انتهى .
ويستفاد من ذلك تسالم المسلمين إجمالا على كون ما بين ذهاب الشفق بمعنى البياض ، وثلث الليل وقتاً للعشاء ، وإنّما وقع الاختلاف بينهم في وقتها أوّلا وآخراً ، هذا . وقد نقل(قدس سره) أقوالا ثلاثة :

(1) سنن البيهقي 1 : 373 ; أحكام القرآن للجصّاص 2 : 274 ; المجموع 3 : 42 .
(2) المجموع 3 : 43 ; مغني المحتاج 1 : 123 ; أحكام القرآن للجصّاص 2 : 274 .
(3) مسائل أحمد بن حنبل  : 27  .
(4) الخلاف 1 : 262 . مسألة 7 .

(الصفحة137)

الأوّل : إنّ وقتها هو غيبوبة الشفق بمعنى الحمرة .
الثاني : دخول وقتها بغيبوبة الشمس ، وهذا إنّما هو مع قطع النظر من حيث الاشتراك والاختصاص .
الثالث : دخول وقتها بغيبوبة الشفق بمعنى البياض ، ولا يخفى أنّ العامّة باعتبار إعراضهم عن أحد الثقلين(1) اللذين تركهما النبي(صلى الله عليه وآله) ـ وهو قول العترة الطاهرة سلام الله عليهم أجمعين ـ لم يكن لهم مستند فيما ذهبوا إليه في المقام إلاّ العمل المستمرّ من النبيّ(صلى الله عليه وآله) حيث إنّه كان يفرّق بين العشائين ، ويصلّي صلاة العشاء بعد زوال الشفق(2) ، وكذلك خبر جبرئيل المرويّ في كتب الفريقين(3) بأدنى اختلاف ، وحملوا جمع النبيّ(صلى الله عليه وآله) بين العشائين على اختصاص ذلك بموارد خاصّة من السّفر والمطر ونحوهما ، إذ قد عرفت أنّ المراد بالجمع عندهم هو الإتيان بإحدى الصلاتين في الوقت المختص بالاُخرى ، أعمّ ممّا إذا لم يدخل وقتها ، أو دخل وخرج ، وحيث أنّ جوازه يكون على خلاف القاعدة ، فلابدّ أن يقتصر على ما إذا دلّ الدليل على الجواز في موارد الضرورة .
وأمّا ما رواه ابن عباس من أنّ النبيَّ(صلى الله عليه وآله) جمع بين الصلاتين من غير خوف ولا علّة(4) ، فهو مردود ومطروح عندهم .
هذا ، ولا يخفى أنّ استمرار عمل النبيّ(صلى الله عليه وآله) على ذلك لا يدلّ على ما ذكروه ، لما عرفت من أنّ تفريق النبيّ(صلى الله عليه وآله) والإتيان بالثانية في وقت واحد معيّن ، إنّما هو لمراعاة الأفضلية ، وكذا مراعاة المأمومين ليجتمعوا في وقت واحد ، ويدركوا فضيلة

(1) المراجعات 27 : المراجعة 8 . وفي ذيله ذكر صور الحديث وموارد ذكره في كتب العامة .
(2) سنن ابن ماجه 1 : 219 ح667 ; سنن النسائي 1 : 283 ح498 ; سنن الترمذي 1 : 203 ح152 .
(3) التهذيب 2 : 252 ـ 253 ح1001 ـ 1004 ; الاستبصار 1 : 257 ـ 258 ح922 ـ 925 ; الوسائل 4 : 157 ـ 158 . أبواب المواقيت ب10 ح5 ـ 8 ; سنن الترمذي 1 : 200 ح149 ; سنن أبي داود 1 : 107 ح393 .
(4) المعجم الكبير للطبراني 12 : 68 ح12558 وص92 ح12644  .

(الصفحة138)

الجماعة ، فلم يكن حاله إلاّ كحال أئمّة الجماعة في هذه الأزمنة ، فلا يدلّ فعله(صلى الله عليه وآله) على عدم دخول الوقت قبل ذلك ، وعدم جواز الإتيان بالصلاة في غيره . وأمّا خبر جبرئيل فقد عرفت ما يتعلّق به سابقاً ، فليس لهم دليل على ذلك مضافاً إلى وجوده على خلافهم ، وهي رواية ابن عباس ، إذ لا وجه لطرحها بعد كونها واجدة لشرائط الحجية .
وأمّا الإمامية القائلون بحجّة اُخرى ، وهي قول الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين ، فالمسألة أيضاً محل خلاف بينهم ، فذهب إلى القول الثاني جمع كثير منهم السيد المرتضى ، وابن الجنيد ، وأبو الصلاح ، وابن البرّاج ، وابن زهرة ، وابن إدريس(1) ، وقد صار هذا القول من زمان العلاّمة إلى هذه الأزمنة أمراً مسلّماً مقطوعاً به .
وذهب الشيخ إلى القول الأوّل في أكثر كتبه ، كالمبسوط والخلاف والنهاية وغيرها ، والمفيد(رحمه الله) ، في المقنعة ، وسلاّر في المراسم ، والصدوق في الهداية(2) .
واما القول الثالث ، فيختص ببعض العامة كأبي حنيفة وجماعة(3) ; ومنشأ الاختلاف بينهم ـ أي الإمامية ـ هو اختلاف الأخبار الواردة في هذا الباب ، فبعضها ظاهر في القول الأول ، وبعضها يدلّ على القول الثاني .
أمّا ما يدل على جواز الإتيان بالعشاء قبل سقوط الشفق فكثيرة .
منها : رواية زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر ، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة»(4) .

(1) المسائل الميافارفيّات (رسائل المرتضى) 1 : 274 ; الكافي في الفقه : 137 ; الغنية : 69 ; المهذّب 1 : 69 ; الوسيلة : 83 ; المعتبر 2 : 42 ; ونقله فيه عن ابن الجنيد أيضاً ; السرائر 1 : 195 ; مختلف الشيعة 2 : 24 .
(2) المبسوط 1 : 75 ; الخلاف 1 : 262 ; النهاية  : 59 ; التهذيب 2 : 33 ; المقنعة : 93 ; المراسم : 62 ; الهداية : 130 .
(3) المجموع 3 : 43 ; مغني المحتاج 1 : 123 ; أحكام القرآن للجصّاص2 : 274 ; الخلاف 1 : 262 مسألة 7 .
(4) الفقيه 1 : 140 ح648  ; التهذيب 2 : 19 ح54 ; الوسائل 4 : 125 . أبواب المواقيت ب4 ح1 .

(الصفحة139)

ومنها : مرسلة الصدوق قال : قال الصادق(عليه السلام)  : «إذا غابت الشمس فقد حلّ الافطار ووجبت الصّلاة ، وإذا صلّيت المغرب فقد دخل وقت العشاء الآخرة»(1) .
ومنها : مرسلة داود بن فرقد عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتّى يمضي مقدار ما يصلّي المصلّي ثلاث ركعات ، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة حتّى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلّي المصلّي أربع ركعات ، وإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب وبقي وقت العشاء الآخرة إلى انتصاف الليل»(2) .
ومنها : رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «إذا غربت الشمس دخل وقت الصلاتين إلاّ أنّ هذه قبل هذه»(3) .
ومنها : رواية إسماعيل بن مهران قال : كتبت إلى الرضا(عليه السلام) : ذكر أصحابنا أنّه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر ، وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة ، إلاّ أنّ هذه قبل هذه في السفر والحضر ، وأنّ وقت المغرب إلى ربع الليل . فكتب : «كذلك الوقت غير أنّ وقت المغرب ضيّق . . .»(4) الحديث .
ومنها : رواية زرارة عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «صلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالناس المغرب والعشاء الآخرة قبل الشفق من غير علّة في جماعة ، وإنّما فعل ذلك ليتّسع الوقت على اُمّته»(5) .
ومنها : رواية زرارة أيضاً قال : سألت أبا جعفر وأبا عبدالله(عليهما السلام) عن الرجل

(1) الفقيه 1 : 142 ح662 ; الوسائل 4 : 179 . أبواب المواقيت ب16 ح19 .
(2) التهذيب 2 : 28 ح82  ; الاستبصار 1 : 263 ح945 ; الوسائل 4 : 184 . أبواب المواقيت ب17 ح4 .
(3) الكافي 3 : 281 ح12 ; التهذيب 2 : 27 ح78  ; الوسائل 4 : 186 . أبواب المواقيت ب17 ح11 .
(4) الكافي 3 : 281 ح16 ; التهذيب 2 : 260 ح1037 ; الوسائل 4 : 186 . أبواب المواقيت ب17 ح14 .
(5) التهذيب 2 : 263 ح1046  ; الاستبصار 1 : 271 ح981 ; الوسائل 4 : 202 . أبواب المواقيت ب22 ح2  .

(الصفحة140)

يصلّي العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق فقالا : «لا بأس به»(1) .
ومنها : رواية عبيدالله وعمران ابني عليّ الحلبيين قالا : كنّا نختصم في الطريق في الصلاة صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ، وكان منّا من يضيق بذلك صدره ، فدخلنا على أبي عبدالله(عليه السلام) فسألناه عن صلاة العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق؟ فقال : «لا بأس بذلك» قلنا : وأيّ شيء الشفق؟ فقال : «الحمرة»(2) .
ومنها : رواية إسحاق البطيخي قال : رأيت أبا عبدالله(عليه السلام) صلّى العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق ثم ارتحل(3) .
ومنها : رواية إسحاق بن عمّار قال : سألت أبا عبدالله(عليه السلام)  : يجمع بين المغرب والعشاء في الحضر قبل أن يغيب الشفق من غير علّة؟ قال : «لا بأس»(4) .
ومنها : رواية أبي عبيدة قال : سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول : «كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)إذا كانت ليلة مظلمة وريح ومطر صلّى المغرب ثم مكث قدر ما يتنفّل الناس ، ثم أقام مؤذّنه ثم صلّى العشاء الآخرة ثم انصرفوا»(5) .
ومنها : رواية الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث قال : «لا بأس بأن تعجّل العشاء الآخرة في السفر قبل أن يغيب الشفق»(6) .
ومنها : رواية عبيدالله الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال : «لا بأس أن تؤخّر

(1) التهذيب 2 : 34 ح4 ، الوسائل 4 : 203 . أبواب المواقيت ب22 ح5 .
(2) التهذيب 2 : 34 ح105 ; الوسائل 4 : 203  . أبواب المواقيت ب22 ، ح6 .
(3) التهذيب 2 : 34 ح106  ; الوسائل 4 : 204 . أبواب المواقيت ب22 ح7 .
(4) التهذيب 2 : 263 ح1047 ; وفيه  : «تغيب الشمس» ; الاستبصار 1 : 272 ح982 ، الوسائل 4 : 204 . أبواب المواقيت ب22 ح8  .
(5) التهذيب 2 : 35 ح109  ; الاستبصار 1 : 272 ح985  ; الوسائل 4 : 203 . أبواب المواقيت ب22 ح3 .
(6) الكافي 3 : 431 ح3 ; التهذيب 2 : 35 ح107 ; الإستبصار 1 : 272 ح983 ; الوسائل 4 : 203 . أبواب المواقيت ب22 ح4 .

<<التالي الفهرس السابق>>