في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة241)



جاء بابيه الى النبى صلّى اللّه عليه و اله فقال يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله هذا ابى و قد ظلمنى ميراثى عن امى فاخبره الاب انه قد انفقه عليه و على نفسه و قال انت و مالك لابيك و لم يكن عند الرجل شىء او كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يحبس الاب للابن.(1) و هذه هى الرواية التى اشرنا اليها و قلنا بدلالتها على عدم كون حكم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)و قوله حكما كليا فقهيا بل حكما ادبيا اخلاقيا واقعا في واقعة خاصة و يؤيده انه لا معنى لكون الابن بنفسه ملكا للاب بحيث يعامل معه معاملة العبد المملوك يبيعه و يتصرف فيه بما يتصرف فيه فهو يدل على عدم كون اضافة ماله اليه اضافة ملكية كاموال نفس الاب.
و منها رواية على بن جعفر (عليه السلام) عن ابى ابراهيم (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل ياكل من مال ولده؟قال لا الاّ ان يضطر اليه فيأكل منه بالمعروف و لا يصلح للولدان يأخذ من مال والده شيئا الاّ باذن والده.(2)
و منهاصحيحة اسحق بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن الوالد يحل له من مال ولده إذا احتاج اليه قال: نعم و ان كان له جارية فاراد ان ينكحها قومها على نفسه و يعلن ذلك قال و ان كان للرجل جارية فابوه املك بها ان يقع عليها ما لم يمسها الابن.(3) ثم انه ذكر السيد (قدس سره) في العروة ان قول الشيخ ضعيف و ان كان يدل عليه صحيح سعيد بن يسار و استدل عليه باعراض الاصحاب عنه قال مع امكان حمله على الاقتراض من ماله مع استطاعته من مال نفسه، او على ما إذا كان فقيرا و كانت نفقته على ولده و لم يكن نفقة السفر الى الحج ازيد من نفقته في الحضر اذ الظاهر الوجوب ـ ح ـ اقول: اما الاعراض فلا مجال لاثباته بل لا مجال لدعويه بعد ذهاب الشيخين

1 ـ ئل ابواب ما يكتسب به الباب الثامن و السبعون ح ـ 8
2 ـ ئل ابواب ما يكتسب به الباب الثامن و السبعون ح ـ 6
3 ـ ئل ابواب ما يكتسب به الباب التاسع و السبعون ح ـ 2

(الصفحة242)



الى مفاده و الفتوى على طبقه خصوصا مع ادعاء الشيخ الاجماع على وفقه كما عرفت في عبارته المتقدمة و فتوى المشهور على الخلاف لا دلالة لها على الاعراض فانه يمكن ان يكون وجهها ترجيح الطائفة المعارضة و تقديمها عليه لا الاعراض و اما امكان الحمل الاول المحكى عن الاستبصار و بعض كتب العلامة فلا يكفى بمجرده بعد عدم اقتضاء الجمع العرفى له و كذا امكان الحمل الثانى المحكى عن كاشف اللثام فانه ايضا بمجرده لا يكفى الا إذا كان مقتضى الجمع العرفى.
و التحقيق في المقام ان يقال ان ما استدل به الشيخ لمرامه في كتاب الخلاف امران احدهما: الحديث النبوى و قوله صلّى اللّه عليه و اله انت و مالك لابيك الثانى: صحيح سعيد بن يسار.
اما الحديث النبوى فظاهره و ان كان ثبوت الملكية للوالد بالاضافة الى مال الولد مطلقا لكنه قد ورد في تفسيره و بيان المراد منه طائفتان من الروايات من الائمة الاطهار ـ عليهم الصلوة و السلام ـ و من الظاهر ثبوت المعارضة بين الطائفتين و عدم امكان الجمع بين التفسيرين فانه كيف يجتمع ثبوت الملكية المطلقة التى مقتضاها التصرف فيه ما شاء و باىّ نحو اراد مع كون المراد هو القوت مع الاضطرار اليه بدون ان يتحقق الاسراف و بعد تحقق التعارض لا محيص عن الرجوع الى المرجحات و قد ذكرنا مرارا ان اول المرجحات على ما يستفاد من المقبولة هى موافقة الشهرة الفتوائية و من المعلوم موافقتها مع الروايات الحاكمة بالتحديد و لزوم الاقتصار على القوت المذكور.
نعم بعض الروايات المتقدمة خالية عن التعرض للنبوى و التفسير له و تدل على جواز وطى جارية الابن ان احبّ الاب و لكنها قابلة للحمل على ما إذا قومها على نفسها بشهادة الروايات الاخر المتعددة الدالة على ذلك و مقتضى الجمع مع ذلك انّه حكم ارفاقى بالاضافة الى الوالد على خلاف القاعدة لدلالته على جواز التقويم

(الصفحة243)

مسئلة 41 ـ لو حصلت الاستطاعةلا يجب ان يحج من ماله فلو حج متسكعا او من مال غيره ولو غصبا صح واجزأه نعم الاحوط عدم صحة صلوة الطواف مع غصبية ثوبه، و لو شراه بالذمة او شرى الهدى كذلك فان كان بنائه الاداء من الغصب ففيه اشكال و الا فلا اشكال في الصحة، وفي بطلانه مع غصبية ثوب الاحرام والسعى اشكال والاحوط الاجتناب1.


ولو من غير اذن الابن او رضاه و الظاهر انه لا فرق فيه بين ما إذا كان الابن صغيرا او كبيرا للتعبير عن الولد بالرجل في بعض الروايات المتقدمة.
و اما صحيحة سعيد بن يسار فلو كانت خالية من الذيل المشتمل على التعليل بالنبوى و التفسير له بما يوافق احدى الطائفتين المتقدمتين لكان من الممكن القول بوجوب الحج على الوالد من مال الولد لعدم المخالف له في هذه الجهة و عدم منافاته مع التفسير بالقوت بغير سرف كعدم منافاة تقويم الجارية لنفسه على ما عرفت الا ان اشتمالها على التعليل المزبور المبتنى على احد التفسيرين و رجحان التفسير الاخر عليه يوجب ضعف الرواية و عدم امكان الالتزام بمفادها فالحق ـ ح ـ ما عليه المشهور من عدم الوجوب بل عدم الجواز مطلقا حتى في الفرض الذى استظهر السيد (قدس سره) الوجوب فيه كما لا يخفى.
1 ـ الاستطاعة الحاصلة شرط لوجوب الحج و ثبوته على المكلف و اما صرفها في الحج فلا دليل على وجوبه الا فيما إذا توقف الاتيان بالحج عليه و في غير هذه الصورة لا مجال لتوهم الوجوب و عليه فلو حج المستطيع متسكعا و مضيقا على نفسه في المركب و المسكن و غيرهما لا يقدح ذلك في صحة حجه و تمامية عمله بوجه كما انه لو حج من مال غيره مثل ما إذا بذل له الغير مصارف الحج ليحج لنفسه فقبل و صرف المال المبذول لا يضر ذلك بعمله اصلا و لا يوجب عدم اتصاف حجه بكونه حجة الاسلام الواجبة بسبب الاستطاعة المالية بل لو كان مال الغير الذى صرفه في الحج قد صرفه بغير اذنه و رضاه فانه لا يوجب البطلان نعم الكلام يقع في موارد خاصة:

(الصفحة244)



منها الطواف فانه حكم جماعة و منهم السيد (قدس سره) في العروة باعتبار الستر في الطواف كاعتباره في الصلوة و لذا افتى السيد (قدس سره) في المقام بعدم الصحة إذا كان ثوب الطواف غصبا و يظهر من الماتن (قدس سره) عدم الاعتبار لتعرضه لحكم صلوة الطواف مع غصبية الثوب دون نفس الطواف و قد احتاط وجوبا في كتاب الصلوة في مسئلة اعتبار الستر في الصلوة باعتباره في الطواف ايضا و قد اخترنا هناك عدم الاعتبار.
و كيف كان فالظاهر عندنا عدم البطلان سواء قلنا باعتباره في اصل الطواف او باعتباره فى خصوص صلوته لان البطلان مبنى على القول بالامتناع و تقديم جانب النهى في مسئلة اجتماع الامر و النهى المعروفة او على القول بالاجتماع و دعوى عدم امكان كون المبعد مقربا في الخارج كما اختاره سيدنا العلامة الاستاذ البروجردى (قدس سره) و اما على تقدير القول بالاجتماع و امكان اجتماع المقرب و المبعد في عمل واحد خارجى لاجل العنوانين و انطباق المفهومين فاللازم هو القول بالصحة و يظهر من الماتن (قدس سره) الترديد في ذلك لجعل عدم الصحة مقتضى الاحتياط الوجوبى و كان (قدس سره) في مجلس الدرس ايضا مرددا فى هذه الجهة.
و منها الهدى فانه لو اشتراه بثمن معين مغصوب فالمعاملة باطلة و لازمها عدم انتقال الهدى الى ملكه و عليه يكون الحج باطلا و لو اشتراه بثمن كلى في الذمة فمقتضى اطلاق بعض الكلمات الصحة و لو ادى الثمن من المال المغصوب فان الاداء المذكور لا يوجب بطلان المعاملة بل غايته ثبوت الثمن في ذمته بعد صحة المعاملة هذا و لكن يظهر من الماتن (قدس سره) انه في هذه الصورة إذا كان بنائه حال المعاملة على الاداء من المال المغصوب ففى صحة المعاملة اشكال و هو يستلزم الاشكال في صحة الحج و الوجه فيه انه مع هذا البناء ربما يمكن ان يقال بتحقق اكل المال بالباطل المنهى عنه نعم مع عدم هذا البناء لا مجال للاشكال في الصحة سواء كان بنائه على

(الصفحة245)

مسئلة 42 ـ يشترط في وجوب الحج الاستطاعة البدنية فلا يجب على مريض لا يقدر على الركوب او كان حرجا عليه و لو على المحمل و السيارة و الطيارة، و يشترط ايضا الاستطاعة الزمانية فلا يجب لو كان الوقت ضيقا لا يمكن الوصول الى الحج او امكن بمشقة شديدة، و الاستطاعة السربية بان لا يكون في الطريق مانع لا يمكن معه الوصول الى الميقات او الى تمام الاعمال و الا لم يجب، و كذا لو كان خائفا على نفسه او بدنه او عرضه او ماله و كان الطريق منحصرا فيه او كان جميع الطرق كذلك، و لو كان طريق الا بعد مأمونا يجب الذهاب منه، و لو كان الجمع مخوفا لكن يمكنه الوصول اليه بالدوران في بلاد بعيدة نائية لا تعد طريقا اليه لا يجب على الاقوى1.


الاداء من مال نفسه او لم يكن له بناء على الاداء من اىّ مال.
و منها ثوب الاحرام و قد حكم السيد (قدس سره) في العروة بعدم الصحة مع غصبيته مع انه حكم في مباحث الاحرام بعدم مدخلية لبس الثوبين في ماهية الاحرام و حقيقته بل هو واجب تعبدى آخر و لا يكون من الاركان و عليه فلا يكون غصبيته موجبة لبطلان الحج اصلا.
نعم لو كان دخيلا و شرطا في الاحرام لكان اللازم الحكم بالبطلان بناء على مبناهم و اما على ما اخترنا فلا مجال للحكم بالبطلان و لو على هذا التقدير كما لا يخفى.
و منها ثوب السعى و الظاهر انه لا مجال للحكم بالبطلان مع كونه مغصوبا اصلا لانه لا يعتبر فيه الستر و يصح حتى في صورة عدم وجوده و كونه عاريا و لكنه ذكر السيد (قدس سره) في العروة انه لا يصح الحج في هذا المورد ايضا.
1 ـ تشتمل هذه المسئلة على اعتبار ثلاث استطاعات في وجوب الحج:
الاولى الاستطاعة البدنية و الكلام فيها يقع في مراحل:
المرحلة الاولى اصل اعتبارها في الوجوب في الجملة و يدل عليه ـ مضافا الى ما في الجواهر: من قوله بلا خلاف اجده فيه بل عن المنتهى كانه اجماعى بل عن المعتبر

(الصفحة246)



اتفاق العلماء عليه.بل في المستند دعوى الاجماع صريحا ـ الروايات المستفيضة الظاهرة في ذلك بل في بعضها تفسير الاستطاعة الواردة في الاية الشريفة بما يشتمل عليها
منها صحيحة محمد بن يحيى الخثعمى قال سئل حفص الكناسى ابا عبد اللّه ـ (عليه السلام) ـ و انا عنده عن قول اللّه عز و جل: و للّه على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا.ما يعنى بذلك؟قال من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة فهو ممن يستطيع الحج او قال ممن كان له مال.فقال له حفص الكناسى: فاذا كان صحيحا في بدنه، مخلى سربه، له زاد و راحلة فلم يحج فهو ممن يستطيع الحج؟ قال: نعم.(1)
و منها خبر الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه الى المأمون قال: و حج البيت فريضة على من استطاع اليه سبيلا، و السبيل الزاد و الراحلة مع الصحة(2)
و منها صحيحة هشام بن الحكم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في قوله ـ عز و جل ـ و للّه على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ما يعنى بذلك؟قال: من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه، له زاد و راحلة.(3)
و منها رواية الرحمن بن سيابة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في قوله: و للّه على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا قال: من كان صحيحا في بدنه، مخلى سربه، له زاد و راحلة فهو مستطيع للحج.(4)
و منها رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال سئلت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله: و للّه على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا قال الصحة في بدنه و القدرة في ماله(5)

1 ـ ئل ابواب وجوب الحج و شرائطه الباب الثامن ح ـ 4
2 ـ ئل ابواب وجوب الحج و شرائطه الباب الثامن ح ـ 6
3 ـ ئل ابواب وجوب الحج و شرائطه الباب الثامن ح ـ 7
4 ـ ئل ابواب وجوب الحج و شرائطه الباب الثامن ح ـ 10
5 ـ ئل ابواب وجوب الحج و شرائطه الباب الثامن ح ـ 12

(الصفحة247)



و منها صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال اللّه تعالى و للّه على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا قال هذه لمن كان عنده مال و صحة، و ان كان سوّفه للتجارة فلا يسعه و ان مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرايع الاسلام إذا هو يجد ما يحج به الحديث.(1)
و منها صحيحة ذريح المحاربى عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال من مات و لم يحج حجة الاسلام لم يمنعه عن ذلك حاجة تجحف به او مرض لا يطيق فيه الحج او سلطان يمنعه فليمت يهوديا او نصرانيا.و فيما رواه الشيخ قال: ان شاء يهوديا و ان شاء نصرانيا.(2) و لكن ربما يتوهم انه تعارض هذه الروايات ما رواه السكونى عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئله رجل من اهل القدر فقال يابن رسول اللّه اخبرنى عن قول اللّه ـ عز و جل ـ و للّه على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا اليس قد جعل اللّه لهم الاستطاعة؟ فقال: ويحك انما يعنى بالاستطاعة الزاد و الراحلة ليس استطاعة البدن الحديث.(3) و يدفع التوهم المذكور ـ مضافا الى عدم تمامية الرواية من حيث السند ـ ان ظاهر الجواب باعتبار كونه جوابا عن سؤال كون المراد بالاستطاعة في الاية خصوص الاستطاعة البدنية المتحققة في غالب الناس انه ليس المراد خصوص ذلك بل ما يشمل الزاد و الراحلة اللذين يحتاجان الى التحصيل نوعا و على تقدير الاجمال في الجواب تكون الروايات السابقة مبنية للمراد منه و مفسرة لما اريد و انه ليس المراد نفى مدخلية الاستطاعة البدنية رأسا بل المراد عدم كونها بخصوصها مرادة من الاستطاعة

1 ـ ئل ابواب وجوب الحج و شرائطه الباب السادس ح ـ 1 و في الوسائل بدل سوفه: سوقه و الظاهر عدم صحته.
2 ـ ئل ابواب وجوب الحج و شرائطه الباب السابع ح ـ 1
3 ـ ئل ابواب وجوب الحج و شرائطه الباب الثامن ح ـ 5

(الصفحة248)



القرآنية كما انه لو فرض ثبوت التعارض يكون الترجيح مع تلك الروايات لموافقتها للشهرة الفتوائية المحققة على ما عرفت فلا مجال للاشكال في اصل اعتبار الاستطاعة البدنية في الجملة.
المرحلة الثانية في المراد من الاستطاعة البدنية قد ظهر مما تقدم ان العنوان المأخوذ فى اكثر الروايات المتقدمة الصحة في البدن و في صحيحة ذريح جعل المانع المرض الذى لا يطيق فيه الحج و الظاهر ان هذا هو الملاك باعتبار تناسب الحكم و الموضوع و كون المراد من الطاقة هى الطاقة العرفية لا العقلية كما هو واضح فالمرض الذى لا يكون الحج معه مقدورا عرفا يمنع عن تحقق الوجوب و عليه فمثل الاعمى و الاصم و الاخرس و الاعرج و بعض الامراض المنافى لصحة البدن غير المنافى للحج بوجه لا يكون خارجا بالاستطاعة البدنية و كذلك السفيه و لو فرض كون السفه شعبة من الجنون لا يكون خارجا عن دائرة الحكم بالوجوب.
و يظهر مما ذكرنا ان الملاك كون المرض لا يطيق فيه الحج فلا يختص بعدم القدرة على الركوب فقط كما يستشم من كلمات الفقهاء حيث انهم فرعوا على اعتبار الاستطاعة البدنية عدم القدرة على الركوب و عليه فلو كان منشأ عدم القدرة شيئا آخر غير مسئلة الركوب كالاستيحاش الذى لا يتحمل من جهة رؤية تلك الجمعية الكثيرة المجتمعة في مكة و كذلك بعض الجهات الاخر يكون ذلك مانعا عن الوجوب.
المرحلة الثالثة في الفرعين اللذين الحقهما السيد (قدس سره) في العروة بعدم القدرة على الركوب و حكم فيهما بعدم الوجوب قال: و كذا لو تمكن من الركوب على المحمل لكن لم يكن عنده مؤنته، و كذا لو احتاج الى خادم و لكن عنده مؤنته و موردهما ما إذا كانت الاستطاعة المالية المناسبة لشأنه متحققة و لكن المرض صار مانعا عن الجرى على طبقها فكان شأنه الركوب على الدابة و لكنه لا يقدر عليه بل على الركوب على المحمل و مثله فى هذه الازمنة ما إذا كان شأنه الركوب على السيارة

(الصفحة249)



و لكنه لا يقدر لاجل المرض الاعلى الركوب على الطيارة و في مثال الخادم كانت الاستطاعة المناسبة لشأنه حاصلة بدون الخادم ايضا و لكن المرض اقتضى استصحابه و المفروض في المثالين عدم القدرة المالية على المحمل و على الخادم.
ثم ان وجه الحكم بعدم الوجوب في الفرعين واضح لان ما يقدر عليه لا يكون عنده مؤنته و ما لا يقدر عليه لا يجب عليه لذلك فالحكم هو عدم الوجوب و لكنه وقع الكلام فى ان سقوط وجوب الحج فيهما هل هو لاجل فقدان الاستطاعة المالية و عدم التمكن المالى او انه لاجل وجود المرض و فقد الاستطاعة البدنية فعلى الاول لا يجب الحج بالمرة فلا تجب الاستنابة كما لا تجب المباشرة و على الثانى تجب الاستنابة لما سيأتى من وجوب الاستنابة على المريض لدلالة النصوص عليه.
و الظاهر من الحاق العروة هو الثانى و هو الحق لان المفروض ان الاستطاعة المالية المناسبة لشأنه حاصلة لا نقص فيها اصلا غاية الامر ان المرض صار مانعا عن الجرى على طبقها و الركوب على الدابة و الحج بدون استصحاب الخادم و عليه فيجرى فيهما حكم المريض من وجوب الاستنابة كما سيأتى بيان حكم المريض.
هذا و يظهر من عبارة المتن بلحاظ جعل المثال عدم القدرة على الركوب و لو على المحمل او السيارة او الطيارة ان صورة القدرة على الركوب على المحمل او مثله خارج عن مثال المرض فاللازم ان يكون الوجه للسقوط هو فقد الاستطاعة المالية.
و هذا المعنى و ان كان يستفاد من العبارة الاّ ان الظاهر عدم كونه مرادا للماتن (قدس سره) و يؤيده بل يدل عليه خلو هذين الفرعين المذكورين في العروة عن موارد تعليقته عليها و هو يدل على موافقته معها في هذه الجهة كما لا يخفى
الثانية الاستطاعة الزمانية و قد نسب اعتبارها في الوجوب العلامة في التذكرة الى علمائنا و في كشف اللثام انه اجماع و قال النراقى (قدس سره) في المستند: للاجماع

(الصفحة250)



و فقد الاستطاعة و لزوم الحرج و العسر و كونه مما يعذره اللّه تعالى فيه كما صرح به فى بعض الاخبار.
و يدل على اعتبارها و ان كانت الروايات الواردة في الاستطاعة و بيان المراد منها خالية عن التعرض لها انه لو كان الوقت ضيقا بحيث لا يقدر و لا يمكنه الوصول الى الحج تكون العلة لعدم الوجوب هو عدم القدرة العقلية المعتبرة في ثبوت التكليف و إذا امكنه لكن بمشقة شديدة لا تتحمل عادة يكون الوجه لعدم الوجوب هو دليل نفى الحرج الحاكم بعدم ثبوته معه كما لا يخفى.
ثم انه فرع السيد (قدس سره) في العروة على عدم وجوب الحج فيما إذا كان الوقت ضيقا قوله: و ـ حينئذ ـ فان بقيت الاستطاعة الى العام القابل وجب و الا فلا و يظهر من اكثر محشى العروة و منهم الامام الماتن (قدس سره) الموافقة معه في هذه الجهة.
و لكنه اورد عليه بعض الاعلام في شرح العروة بان الصحيح وجوب ابقاء الاستطاعة و عدم جواز تفويتها اختيارا لان وجوب الحج غير مقيد بزمان و انما الواجب مقيد بزمان خاص فالوجوب حالى و الواجب استقبالى كما هو شأن الواجب المعلق و لذا لو توقف الحج على قطع المسافة ازيد من سنة واحدة كما كان يتفق ذلك احيانا في الازمنة السابقة وجب الذهاب، و الاستطاعة الموجبة للحج غير مقيدة بحصولها في اشهر الحج او بخروج الرفقة بل متى حصلت وجب الحج و يجب عليه التحفظ على الاستطاعة فلو استطاع في الخامس من شهر ذى الحجة و لم يتمكن من السفر الى الحج في هذه السنة يجب عليه ابقاء المال الى السنة الآتية ليحج به.
و الجواب عن هذا الايراد يظهر بعد ملاحظة امرين:
الاول: ان الواجب المشروط الذى يتوقف وجوبه على تحقق الشرط و ثبوته إذا كان مشروطا بشرائط متعددة بحيث كان اجتماعها و تحقق مجموعها دخيلا في

(الصفحة251)



ثبوت الوجوب لا يتحقق وجوب الا بعد اجتماعها و يكون نقصان واحد منها كافيا فى عدم تحقق الوجوب لان المفروض شرطية الاجتماع.
الثانى ان ارتباط الزمان و اضافته الى الحج يكون على نحوين فان الملحوظ ان كان نفس الزمان الذى يقع فيه اعمال الحج و مناسكه تكون مدخليته في الحج بنحو الواجب المعلق الذى افاده المورد بمعنى كونه قيدا و دخيلا في الواجب دون الوجوب و ان كان الملحوظ الاستطاعة الزمانية التى هى وصف المكلف لان المراد به هى قدرته على ان يأتى بالحج في زمانه من دون ان يكون هناك حرج و مشقة فاعتبارها انما هو في الوجوب كاعتبار الاستطاعة المالية و الاستطاعه البدنية و لا يتحقق الوجوب بدونها لان القدرة العقلية شرط لاصل ثبوت التكليف و دليل نفى الحرج رافع لاصل الحكم في مورد ثبوت الحرج.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان مقتضى الامرين عدم وجوب الحج مع انتفاء الاستطاعة الزمانية كعدم وجوبه مع انتفاء الاستطاعة المالية او البدنية و مع عدم وجوب الحج لا مجال للحكم بوجوب ابقاء الاستطاعة و التحفظ عليها الى العام القابل و الا فاللازم وجوب ابقاء الاستطاعة البدنية ايضا إذا كانت الاستطاعة المالية منتفية و لكنه يعلم بتحققها في العام القابل لان دخالة الاستطاعتين في الوجوب على نحو واحد خصوصا مع التصريح في كثير من الروايات المتقدمة الواردة في تفسير الاستطاعة باعتبار كلا الامرين كما ان اللازم فيما إذا كانت الاستطاعة المالية متحققة دون البدنية الحكم بلزوم ابقائها خصوصا في صورة العلم بتحقق الاستطاعة البدنية في العام القابل و الظاهر عدم التزامه به.
و لا مجال لدعوى ان المراد بالاستطاعة الزمانية المعتبرة في وجوب الحج هى الاستطاعة و لو بعد خمسين عاما بحيث لو علم بتحقق الاستطاعة الزمانية بعد الخمسين يجب عليه الحج فعلا و يجب عليه حفظ الاستطاعة المالية و ابقائها في مدة

(الصفحة252)



الخمسين فالظاهر ـ حينئذ ـ ما افاده السيد (قدس سره) في العروة و العجب انه لم يعلق المورد على هذا المورد في تعليقاته على العروة كاكثر المحشين على ما عرفت.
الثالثة الاستطاعة السربية و اعتبارها في وجوب الحج هو المشهور بين الفقهاء بل ادعى عليه الاجماع كما ذكره النراقى في المستند و يدل عليه الاية الشريفة المتضمنة لقوله تعالى: من استطاع اليه سبيلا نظرا الى ان استطاعة السبيل هى الاستطاعة السربية و لا اقل من شموله لهذه الاستطاعة كما يدل عليه جملة من الروايات المتقدمة الدالة على ان تخلية السرب مأخوذة في الاستطاعة في رديف صحة البدن و الزاد و الراحلة و السرب بفتح السين المهملة و قد تكسر بمعنى الطريق فلا اشكال في اعتبارها و عليه فلو كان في الطريق مانع من الوصول الى الميقات او الى مواضع الاعمال الاخر كمكة و عرفات و منى و نحوها لا يجب الحج من اول الامر نعم لو عرض المانع في الاثناء فهو من المصدود الذى يأتى حكمه بعدا.
و الحق في المتن بذلك في عدم الوجوب ما لو كان خائفا على نفسه او بدنه او عرضه او ماله و كان الطريق منحصرا به او كان جميع الطرق كذلك و الظاهر ان ملاك الالحاق ليس هو شمول عدم تخلية السرب لصورة الخوف المذكور و عدم الا من فانه مضافا الى ان التخلية و عدمها امران واقعيان و الاستطاعة السربية تكون كسائر الاستطاعات من جهة الواقعية و لا ترتبط بالاحتمال الذى مورده النفس تكون تخلية السرب امرا لانه عبارة عن عدم ثبوت المانع من الوصول الى الميقات او الى تمام الاعمال و الخطر خصوصا إذا لم يكن على النفس امرا آخر.
و كيف كان فقد ذكر بعض الاعلام في شرح العروة ان خوف الضرر بنفسه كما قد يستفاد من بعض الروايات طريق عقلائى الى الضرر و لا يلزم ان يكون الضرر معلوما جزما بل جرت سيرة العقلاء على الاجتناب عن محتمل الضرر فالحكم في مورد خوف الضرر مرفوع واقعا حتى لو انكشف الخلاف و تبين عدم وجود المانع في الطريق

(الصفحة253)



و قد ذكر في المستمسك: «ان الحكم هنا ظاهرى فان موضوع الحكم الواقعى بعدم الوجوب لعدم الاستطاعة هو عدم تخلية السرب واقعا فمع الشك لا يحرز الحكم الواقعى بل يكون الحكم بعدم الوجوب ظاهريا نعم مع احتمال تلف النفس لما كان يحرم السفر يكون الحكم الظاهرى بحرمة السفر موضوعا للحكم الواقعى بانتفاء الاستطاعة و انتفاء وجوب الحج لكن لا لاجل تخلية السرب بل للحرمة الظاهرية المانعة عن القدرة على السفر اما مع احتمال تلف المال او غيره مما لا يكون الاقدام معه حراما فالاصول و القواعد العقلائية المرخصة في ترك السفر تكون من قيل الحجة على انتفاء تخلية السرب و لاجل ذلك يكون المدار في عدم وجوب السفر وجود الحجة على عدم وجوبه من اصل عقلائى او امارة كذلك تقتضى الترخيص في تركه و عليه لو انكشف الخلاف انكشف كونه مستطيعا واقعا انتهى موضوع الحاجة من كلامه زيد في علو شأنه و مقامه.
و يرد عليه ان ما افاده في صورة الخوف على النفس مبنى على اعتبار القدرة الشرعية غير المتحققة مع ثبوت الحرمة في الحج و وجوبه و قد مر و يأتى عدم اعتبارها في الوجوب اصلا و ان الاستطاعة المعتبرة في الوجوب تجتمع مع توقف الحج على الاتيان بالمحرم لكنه تتحقق المزاحمة حينئذ و الترجيح مع ما هو اهم كما سيأتى و ان التفصيل بين هذه الصورة و بين صورة الخوف على غير النفس من جهة انتفاء تخلية السرب في الاخيرة و عدم انتفائها في الاولى مما لا يقبله الذوق الفقهى اصلا.
و اما ما افاده بعض الاعلام مما تقدم فيرد عليه ان وجوب دفع الضرر المحتمل ان كان فى مورد العقاب المحتمل فهو و ان كان مسلما الا انه يرجع الى الاحتياط اللازم في مورد احتمال العقاب و يكون من الاصول العملية و الاحكام الظاهرية و ان كان في مورد الضرر غير العقاب فهو مع انه محل اشكال و مناقشة لعدم الدليل على الوجوب و لو عند العقلاء لا يكون على تقديره الاّ اصلا عقلائيا و لا مجال لدعوى

(الصفحة254)



كون احتمال الضرر و ان كان احتمالا عقلائيا طريقا لثبوت الضرر الواقعى المرفوع بقاعدة نفى الضرر ضرورة ان موضوع القاعدة هو ما إذا كان الضرر محققا ثابتا مع انه قد ذكرنا مرارا ان قاعدة لا ضرر اجنبية عن الاحكام الفقهية بل هو حكم حكومتى صادر من النبى صلّى اللّه عليه و اله بما انه حاكم على المسلمين و التحقيق في محله.
و كيف كان فظاهر اطلاق المتن انه لا فرق في المال الذى يخاف عليه بين القليل و الكثير كما ربما ظهر من معقد الاجماع المحكى عن التذكرة و نفى الخلاف في محكى الحدائق و لكنه ذكر صاحب الجواهر انه لو كان المال قليلا غير مضر و غير مجحف اتجه الوجوب ـ حينئذ و كان ذلك كزيادة اثمان الالأت على الاقوى بل حكى فيه عن كشف اللثام عدم السقوط و ان خاف على كل ما يملكه سواء قيل باشتراط الرجوع الى الكفاية او قيل بعدمها لانه بالاستطاعة قد دخل في العمومات و خوف التلف غير التلف و غاية ما يلزمه ان يؤخذ ماله فيرجع.
هذا و لكن التفصيل الذى ذكره صاحب الجواهر وجيه.
بقى في هذه المسئلة فرعان:
احدهما ما لو كان طريق الا بعد مأمونا و قد حكم في المتن بوجوب الذهاب منه و الوجه فيه ان اقربية الطريق لا دخالة لها في وجوب الحج نعم لا بد من فرض المسئلة فيما إذا كانت الاستطاعة بقدر الطريق الا بعد ضرورة انه لو لم تكن بهذا المقدار لا يجب عليه الذهاب منه.
ثانيهما ما لو كان الجميع مخوفا لكن يمكنه الوصول اليه بالدوران في بلاد بعيدة نائية لا تعد طريقا اليه و قد حكم فيه ايضا بعدم الوجوب و هذا الفرع بالنحو المفروض في المتن لا يرد على الحكم بعدم الوجوب فيه شىء و اما بالنحو المذكور في العروة الخالى عن قيد: لا تعد طريقا اليه فيرد عليه اشكال بعض الشروح فانه لو لم يكن البلاد البعيدة بحيث لا تعد طريقا اليه لا وجه للحكم بعدم وجوب

(الصفحة255)

مسئلة 43 ـ لو استلزم الذهاب الى الحج تلف مال له معتد به بحيث يكون تحمله حرجا عليه لم يجب، و لو استلزم ترك واجب اهم منه او فعل حرام كذلك يقدم الاهم لكن إذا خالف و حج صح و اجزئه عن حجة الاسلام و لو كان في الطريق ظالم لا يندفع الا بالمال فان كان مانعا عن العبور و لم يكن السرب مخلى عرفا و لكن يمكن تخليته بالمال لا يجب، و ان لم يكن كذلك لكن يأخذ من كل عابر شيئا يجب الا إذا كان دفعه حرجيا1.


الحج حينئذ و الاستدلال له بعدم صدق تخلية السرب كما في العروة غير صحيح لان المفروض عدم وجود المانع في العبور بهذا النحو و الدوران في بلاد بعيدة و مجرد البعد لا يقتضى انتفاء تخلية السرب كما لا يخفى و اما مع القيد المذكور في المتن فلا موقع للاشكال اصلا لان المفروض انه ليس في البين طريق عرفا حتى يكون مخلى ام لا فالحكم مع هذا القيد ظاهر.
1 ـ فى هذه المسئلة فروع:
الاول ما لو استلزم الذهاب الى الحج تلف مال له معتد به بحيث يكون تحمله حرجا عليه و الحكم فيه عدم الوجوب كما في جميع الموارد التى يستلزم الحج الحرج فان وجوبه منفى بقاعدة نفى الحرج هذا على مبنى الماتن (قدس سره) من ان دليل نفى الضرر غير مرتبط بالحكم الفقهى بل هو حكم مولوى ناش عن مقام حكومة النبى (صلى الله عليه وآله) و اما على مبنى المشهور من ان الدليل المذكور رافع للاحكام الضررية في رديف دليل نفى الحرج فلا يحتاج الى القيد الاخير و هو كون تحمله حرجا عليه بل يكفى كون المال معتدا به يكون تلفه مضرا بحاله و ان لم يكن حرجا كما عنونه في العروة كذلك و ان اورد عليه بان الحج من الاحكام الضررية التى لا يجرى فيها دليل نفى الضرر لانه من التكاليف المبنية على الضرر كالزكوة و الخمس و الجهاد و نحوها تكون ادلتها مخصصة لدليل نفى الضرر.
و لكنه اجيب عن الايراد المذكور بان الحج و ان كان حكما ضرريا في نفسه

(الصفحة256)



لكن بالنسبة الى المقدار اللازم مما يقتضيه طبع الحج و اما الضرر الزائد عن ذلك الذى ليس من شؤون الحج و لا من مقتضيات طبعه فلا مخصص له و لا مانع من شمول دليل نفى الضرر له.
الثانى ما لو استلزم الحج ترك واجب او فعل حرام و قد مر ان الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج هى الاستطاعة الجامعة للااستطاعات الاربعة المتقدمة التى هى امور واقعية و ليست الاستطاعة الشرعية معتبرة فيه زائدة على الاستطاعة الجامعة المذكورة و ـ ح ـ فمع تحقق هذه الاستطاعة يتنجز التكليف بالحج فان كان الحج مستلزما لتركب واجب او فعل حرام فاللازم اجراء قواعد باب التزاحم بينهما من ترجيح ما هو الاهم قطعا او محتمل الاهمية و التخيير في غير الصورتين فاذا استلزم الحج لتلف نفس محترمة فلا اشكال في تقدم وجوب حفظ النفس على وجوب الحج و إذا استلزم ترك صلة الرحم ـ مثلا ـ فلا شبهة في تقدم وجوب الحج على وجوبها و هكذا لا بد من ملاحظة ما هو الاهم و ترجيحه على غيره و التخيير في صورة التساوى المطلق.
ثم انه قد حقق في الاصول انه لو خالف الامر بالاهم و اشتغل بالمهم و كان عبادة كما فى المثال المعروف و هى الصلوة و الازالة تكون العبادة صحيحة اما لوجود ملاك الامر فيها و اما لاجل صحة الترتب و امكانه المقتضى لصحة العبادة و لو على القول بافتقارها الى الامر الفعلى او بنحو ثالث حققه الماتن (قدس سره) في علم الاصول.
و كيف كان فمع المخالفة و الاشتغال بالحج لا موقع للاشكال في صحته بل يصح و يجزى عن حجة الاسلام كما لا يخفى.
الثالث ما إذا كان في الطريق ظالم لا يندفع الا بالمال و قد فرض فيه فرضين:
احدهما ما إذا كان غرض الظالم و هدفه مجرد المنع عن العبور و عليه فلا يكون السرب مخلى لوجود الظالم المانع من العبور و لكن يمكن تخليته بالمال و الحكم فيه عدم دفع المال لتحقق التخلية لان تحصيل التخلية كتحصيل الاستطاعة المالية و مثلها

(الصفحة257)

مسئلة 44 ـ لو اعتقد كونه بالغا فحج ثم بان خلافه لم يجز عن حجة الاسلام، و كذا لو اعتقد كونه مستطيعا مالا فبان الخلاف، و لو اعتقد عدم الضرر او الحرج فبان الخلاف فان كان الضرر نفسيا او ماليا بيغ حد الحرج او كان الحج حرجيا ففى كفايته اشكال بل عدمها لا يخلو من وجه، و اما الضرر المالى غير البالغ حد الحرج فغير مانع عن وجوب الحج، نعم لو تحمل الضرر و الحرج حتى بلغ الميقات فارتفع الضرر و الحرج و صار مستطيعا فالاقوى كفايته.و لو اعتقد عدم المزاحم الشرعى الاهم فحج فبان الخلاف صح، و لو اعتقد كونه غير بالغ فحج ندبا فبان خلافه ففيه تفصيل مر نظيره و لو تركه مع بقاء الشرائط الى تمام الاعمال استقر عليه و يحتمل اشتراط بقائها الى زمان امكان العود الى محله على اشكال.و ان اعتقد عدم كفاية ماله عن حجة الاسلام فتركها فبان الخلاف استقر عليه مع وجود سائر الشرائط، و ان اعتقد المانع من العدو او الحرج او الضرر المستلزم له فترك فبان الخلاف فالظاهر استقراره عليه سيما في الحرج، و ان اعتقد وجود مزاحم شرعى اهم فترك فبان الخلاف استقر عليه1.


لا يكون واجبا لانه لا يجب تحصيل شرط التكليف.
ثانيهما ما إذا كان السرب مخلى و لكن غرض الظالم و هدفه اخذ المال من دون ان يكون المنع عن العبور مقصودا فيأخذ من كل عابر شيئا و الحكم فيه وجوب دفع المال فيما إذا لم يكن حرجا و موجبا لوقوعه في المشقة و العسر.
و الفرق بين الفرضين واضح فان الغرض في الاول عبارة عن المنع عن العبور و في الثانى عبارة عن اخذ المال و لذا لو لم يدفع اليه مال و رجع العابر عن الطريق يتحقق الغرض في الاول دون الثانى فلا مجال لتوهم انه لا فرق بين الفرضين لتوقف العبور على دفع المال في كليهما.
1 ـ قد وقع التعرض في هذه المسئلة لفروع كثيرة تجمعها احدى الضابطتين:

(الصفحة258)



اعتقاد وجود بعض الشرائط مع كونه مفقودا في الواقع و الانكشاف بعد الحج، و اعتقاد فقد بعض الشرائط مع كونه موجودا في الواقع كذلك.
الاول: ما لو اعتقد كونه بالغا فحج ثم بان الخلاف و الحكم فيه عدم كونه مجزيا عن حجة الاسلام لان المفروض ان ما اتى به لم يكن واجدا لشرائطها لعدم وقوعه في حال البلوغ فلا محالة يقع ندبا ـ بناء على مشروعية عبادات الصبى كما هو مقتضى التحقيق ـ و الحج الندبى لا يجزى عن حجة الاسلام التى هى حج واجب باصل الشرع و بعبارة اخرى بعد ما صار بالغا و كان سائر الشرائط موجودا يكون مقتضى اطلاق الكتاب و السنة وجوب الحج عليه و ليس في مقابله ما يدل على العدم فاللازم حينئذ الحكم بعدم الاجزاء.
الثانى: ما لو اعتقد كونه مستطيعا مالا فبان الخلاف و قد سوى الماتن (قدس سره) بينه و بين الفرع الاول في الحكم بعدم الاجزاء و لكن السيد (قدس سره) في العروة بعد الحكم في الفرع الاول بان الظاهر بل المقطوع عدم اجزائه عن حجة الاسلام ذكر في هذا الفرع ان في اجزائه عن حجة الاسلام و عدمه وجهين: من فقد الشرائط واقعا و من ان القدر المسلم من عدم اجزاء حج غير المستطيع عن حجة الاسلام غير هذه الصورة.
و كانه (قدس سره) تخيل ان الحكم بعدم الاجزاء حكم مخالف للقاعدة يقتصر فيه على المقدار الذى دل الدليل عليه و حيث ان الدليل في المقام هو الاجماع و هو دليل لبى يقتصر فيه على القدر المسلم و هو ما إذا كان الحج المأتى به متصفا بعنوان الاستحباب واقعا و اعتقادا و اما المقام الذى يكون الاعتقاد على خلاف الواقع فلا يعلم بشمول الاجماع له فيحكم بالاجزاء على وفق القاعدة.
مع انك عرفت ان الحكم بعدم الاجزاء حكم موافق للقاعدة و منشأه اطلاق الكتاب و السنة الحاكم بلزوم الحج على المستطيع و ان تحقق منه الحج قبل الاستطاعة

(الصفحة259)



فالحكم بالاجزاء يحتاج الى دليل في مقابل القاعدة و المفروض انتفائه في المقام فاللازم هو الحكم بالعدم كما في المتن.
الثالث: ما لو اعتقد عدم الضرر او الحرج فبان الخلاف و الكلام في هذا الفرع تارة فى الحرج سواء كان من جهة المال او من جهة غيره و اخرى في الضرر اما من جهة الحرج فاذا كان الحج مستلزما للحرج واقعا و ان كان اعتقاده على خلافه فقد رجح في المتن عدم الكفاية بعد الاستشكال فيها و الوجه فيه ان دليل نفى الحرج هل يكون رافعا لمجرد الوجوب و الالزام مع بقاء الفعل على اصل المحبوبية و الرجحان او انه يرفع المجعول الشرعى الذى هو امر بسيط لا تركيب فيه و يدل على عدم كون الوجوب مجعولا اصلا فاذا ارتفع بلسان عدم الجعل لا دليل على ثبوت الرجحان و المحبوبية اصلا؟فان قلنا بالاول كما هو المشهور بينهم من ان دليل نفى الحرج رخصة لا عزيمة فالظاهر هو الحكم بالاجزاء عن حجة الاسلام كما استظهره السيد (قدس سره) في العروة و ان قلنا بالثانى كما هو مختار الماتن (قدس سره) ظاهرا و قد اخترناه في كتابنا في القواعد الفقهية فالظاهر هو الحكم بعدم الاجزاء.
ثم ان بعض الاعلام بعد ان استشكل على العروة بناء على المبنى الثانى اختار الاجزاء و الكفاية نظرا الى عدم شمول مثل دليل نفى الضرر للمقام لانه امتنانى و لا امتنان في الحكم بالبطلان بعد العمل قال: فما ذكره (قدس سره) من الاجزاء صحيح لا لاجل ان دليل نفى الضرر لا ينفى المحبوبية بل لاجل عدم جريان دليل نفى الضرر لكونه امتنانيا لا يشمل مثل الحكم بالبطلان و لا يعم ما إذا انكشف الخلاف بعد العمل و يرد عليه ـ مضافا الى ان الجمع بين كون دليل نفى الحرج و كذا دليل نفى الضرر رافعا لاصل المحبوبية و كون النفى فيهما بنحو العزيمة لا الرخصة و بين كونهما في مقام الامتنان مما لا يتم فان الامتنان انما يناسب رفع الالزام و الوجوب و لا يلائم رفع المحبوبية من رأس ـ اولا ان البطلان لا يكون مفاد القاعدة بنحو

(الصفحة260)



المطابقة حتى ينافى الامتنان بل مفاده عدم جعل الحكم اللزومى على الناس و هو بنفسه امر امتنانى لا ترديد فيه و اما كون لازمه بناء على المبنى الثانى هو البطلان فلا ينافى دلالة القاعدة عليه بوجه كما لا يخفى و ثانيا و هو المهم ان غاية الامر عدم دلالة القاعدة على البطلان و كون لازم الامتنان هى الصحة المناسبة معه لكن الكلام في المقام في الامر الزائد على الصحة و هو الاجزاء فمجرد عدم دلالتها على البطلان بل اقتضائها الصحة لا يستلزم الاجزاء لعدم الملازمة بينهما فان الحج الندبى يكون صحيحا و لا يكون مجزيا عن حجة الاسلام و هذا بخلاف الوضوء الضررى و الحرجى فان صحته تستلزم جواز الاكتفاء به في الصلوة و مثلها.
و بالجملة المدعى هو الاجزاء و الدليل لا يثبت الاّ الصحة و لا ملازمة بينهما اصلا و قد عرفت ان القاعدة تقتضى عدم الاجزاء و الاجزاء يحتاج الى الدليل و مع فقده لا مجال للالتزام به اصلا هذا كله فيما يتعلق بالحرج.
و اما من جهة الضرر فالكلام فيه مثل الحرج على مبنى المشهور و اما بناء على مختار الماتن (قدس سره) في قاعدة نفى الضرر على ما عرفت فيرد عليه ان المراد من الضرر النفسى فى المتن ماذا بعد انه لا شبهة في اختصاص قيد الحرج بالضرر المالى كما يدل عليه قوله بعده و اما الضرر المالى غير البالغ حد الحرج فان كان المراد به ما يشمل الضرر البدنى ايضا من جرح او قطع عضو او نحوهما كما يؤيده عطف الضرر المالى عليه فيرد عليه انه ما الدليل على عدم وجوب الحج مع وجود هذا الضرر إذا لم يكن حرجيا كما هو مقتضى الاطلاق فيصير ذلك مثل الضرر المالى غير البالغ حد الحرج غير مانع عن وجوب الحج و اعتقاد خلافه غير قادح في الوجوب.
و ان كان المراد به ما يختص بتلف النفس و ان كان يبعده ظهور الخلاف بعد الحج المفروض في صورة المسئلة فانه لا يجتمع مع مثله كما هو ظاهر فلزوم ترك