في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة321)



النساء في عمرة التمتع، فامّا ان يقال بامكان الجمع الدّلالي بينها و بين الروايتين المتقدمتين الظاهرتين بل الصريحتين في عدم الوجوب بجعلهما قرينة على كون مفادها الاستحباب، و امّا ان يقال بثبوت التعارض و لزوم الرجوع الى مرجحات باب التعارض، و من المعلوم: ان الشهرة الفتوائية المحققة موافقة لما يدلّ على عدم الوجوب. و النتيجة على كلا التقديرين: هو القول بالعدم، كما في المتن. نعم، لا مجال لانكار كون مقتضى الاحتياط هو الاتيان به.
ثمّ انه يقع الكلام في محلّ طواف النساء في عمرة التمتع، و انه هل هو بين السعي و التقصير او بعد التقصير، كما في العمرة المفردة، حيث انه لا ريب في ان محلّه فيها بعد التقصير، صريح المتن تبعا للعروة هو الاوّل، مع انّ ظاهر رواية سليمان المتقدمة هو الثاني، لجعل التقصير مؤثرا في حلية كل شيء ما خلا النساء، و توقف حليتهن على الطواف و الصلاة، و ظاهرها وقوعهما بعد التقصير.
و هذا من دون فرق بين القول بالوجوب و بين القول بالاستحباب، لان الظاهر انه لا فرق بين القولين في محلّه، بل الاختلاف في مجرّد حكمه من جهة الوجوب و الاستحباب.
و بالجملة: لاخفاء في ظهور الرواية، على تقدير اشتمالها على جملة «و قصّر» في تقدم التقصير على طواف النساء، سواء اخذ بظاهرها من جهة الدلالة على الوجوب او حملت على الاستحباب.
و عليه، فيقع الكلام في مستند ما في المتن من تقدم الطواف المزبور على التقصير، و الظاهر ان المستند ما ورد من الروايات الكثيرة، الدالة: على انه بالتقصير في عمرة التمتع يحلّ له كلّ شيء ممّا حرمه الاحرام، حيث انها تدل بالدلالة الالتزامية على ان طواف النساء انما يكون محلّه قبل التقصير، و الا يلزم عدم حلية كل شيء، لتوقف حلية النساء على الطواف الواقع بعد التقصير

(الصفحة322)

مسألة 1 ـ يشترط في حج التمتع امور: احدها: النية اي قصد الاتيان بهذا النوع من الحج حين الشروع في احرام العمرة، فلو لم ينوه او نوى غيره او تردّد في نيته بينه و بين غيره، لم يصحّ1 .


فمقتضى الروايات: انّه لا يكون بعد التقصير شيء مؤثر في الحليّة، كما لا يخفى، فاللازم ان يكون محلّه قبل التقصير، و هذا هو الظاهر.
ثم انه تعرض بعض شروح العروة لبعض الخصوصيات المعتبرة في الحج في هذا المقام، و نحن نحيل تفصيل البحث في جميعها الى محالّها، و نتعرض لها هناك ان شاء الله تعالى.
1 - الظاهر انه لا اشكال عند الاصحاب في اعتبار النيّة بعنوانها، و لكن البحث في المراد من النيّة المعتبرة خصوصا، مع ملاحظة جعلها من الامور المعتبرة في حج التمتع، كسائر الامور المعتبرة فيه.
فعن الدروس: ان المراد بها نية الاحرام. و اورد عليه في المسالك بقوله: «و هو حسن، الا انه كالمستغنى عنه، فانه من جملة الافعال، و كما تجب النيّة له تجب لغيره، و لم يتعرضوا لها في غيره على الخصوص».
و يرد عليه ايضا، ما سيأتي، من: ان النيّة دخيلة في ماهية الاحرام و جزءمنها، و الجزء الاخر التلبيه. و عليه، فلا يمكن تعلق النية به لاستلزامه تعلقها بنفسها.
و عن بعض الاصحاب: انّها عبارة عن نيّة الخروج الى مكّة، بل في محكي كشف اللثام عنه: انه قدمها على الدعاء للخروج من المنزل و ركوب الدّابة، و بطلانه واضح، لان الكلام في النيّة المعتبرة في اعمال حج التمتع، و لا محالة تكون مبدأ للشروع، كما هو ظاهر.
و التحقيق يوافق ما في المتن من التفسير، الذي مرجعه الى قصد الحج اوّلا، و ارادة الاتيان بالتمتع، الذي هو نوع خاص من جنس الحج ثانيا، و لكنه تنظّر في

(الصفحة323)



المسالك في وجوب النية بهذا المعنى، و الوجه في النظر ما اشار اليه في المدارك، من: ان مقتضاه انه يجب الجمع بين هذه النيّة و بين نيّة كل فعل من افعال الحج على حدّه، و هو غير واضح، و الاخبار خالية عن ذلك كلّه.
أقول: الظاهر ان الجمع بين النيّتين في باب الحجّ ليس امرا مختصا به من بين سائر العبادات، كالصلاة مثلا، بل مرجعه الى لزوم استمرار النيّة الاولى المتعلقة بالمجموع، و الاتيان بكل جزء بعنوانه، و بما انه جزء لذلك المجموع، فكما انه يعتبر في الطواف ـ مثلا ـ الاتيان به بعنوانه، و بما انه جزء للعمرة او الحج مع الالتفات الى الخصوصية النوعية، كذلك يعتبر في ركوع الصلاة ـ مثلا ـ الاتيان به بعنوانه، و بما انه جزء لصلاة الظهر كذلك، فان كان يعدّ ذلك الاستمرار تعدّدا للنية في باب الحج، فليكن ـ ايضا ـ تعدّدا في باب الصلاة، و ان كان ذلك مجرد استمرارفي الصلاة يكون كذلك ـ ايضا ـ في باب الحج.
و بالجملة: لم يعرف للحج خصوصية من بين العبادات من هذه الجهة، الراجعة الى لزوم اشتمال كل فعل من افعاله على نية مستقلة على حده. نعم، الخصوصية انّما هي من جهة استحباب التلفظ بالنية فيه دونها.
ثم انه لو فرض وجود الخصوصية من جهة اصل التعدّد، فالكلام هنا في اعتبار نيّة المجموع حين الشروع، و لا دلالة لاعتبارها عند كل فعل على عدم اعتبارها حين الشروع، بل يدلّ على الاعتبار في المقام امور:
الأوّل: ان عناوين العبادات، و كذا خصوصيات انواعها كلها من العناوين القصدية، التي لا تكاد تتحقق الا بالقصد، و لا تتعين الصورة المشتركة بينها و بين غيرها، او المشتركة بين انواعها الاّ بالقصد، فصلاة الظهر ـ مثلا ـ يتوقف تحققهاعلى قصد عنوانها جنسا و نوعا، لعدم طريق للتعيين و التعين سوى القصد، و الحج ايضا من هذا القبيل، كما هو ظاهر.

(الصفحة324)



الثاني: انه لا شبهه في ان الشروع في الحج او العمرة انّما هو بالاحرام، و ماهيته ـ كما يأتي ـ عبارة عن النيّة و التلبية، و حينئذ فيسئل عن ان المراد بهذه النية، التي هي جزء لماهية الاحرام، ماذا؟ فهل المراد هي نيّة الاحرام او نيّة مجموع العمل؟ لا سبيل للاوّل، لانه بعد ما كان الاحرام عبارة عن النيّة، فاللازم ان يكون المنوي غير الاحرام، و ليس الاّ المجموع.
فبالنية و التلبية يتحقق الاحرام، الذي هو الشروع في العمل، كما انه في الاحرام الصغير الموجود في باب الصلاة، و لذا سميت التكبيرة الافتتاحية تكبيرة الاحرام، يتحقق ذلك بنية مجموع الصلاة و تكبيرة الاحرام، و لا فرق بين الاحرامين من هذه الجهة.
الثالث: دلالة بعض الروايات عليه، مثل صحيحة احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، قال: قلت لابي الحسن على بن موسى الرضا (عليه السلام): كيف اصنع إذا اردت ان اتمتع؟ فقال: لبّ بالحج و انو المتعة، فاذا دخلت مكة طف بالبيت، و صليت الركعتين خلف المقام، و سعيت بين الصفا و المروة، و قصّرت، فنسختها و جعلتها متعة.(1) ثمّ انه استدرك في العروة عن اعتبار نيّة حجّ التمتع عند الشروع في عمرته موردا، فقال: «نعم، في جملة من الاخبار: انه لو اتى بعمرة مفردة في اشهر الحج جاز ان يتمتع بها، بل يستحب ذلك إذا بقى في مكّة الى هلال ذي الحجّة، و يتأكد إذا بقى الى يوم التروية، بل عن القاضي وجوبه حينئذ، و لكن الظاهر تحقق الاجماع على خلافه» ثم تعرض لتلك الاخبار و البحث فيها. و الظاهر انّ

1 ـ وسائل ابواب الاحرام الباب الثاني و العشرون ح ـ 4 ـ و لا يخفى ان المذكور في الكتب الفقهية: ان له روايتين، و يظهر من الوسائل في هذا الباب: ان له ثلاث روايات، مع ان التحقيق اتّحادها، و ان كان بعض الاختلافات موجودا.

(الصفحة325)



المراد بالجواز في العبارة الاولي هو الاستحباب، لانه لا معنى للجواز الاّ الاتيان بحج التمتع بعدها، و لا شبهة في انّه عبادة مستحبة راجحة. و عليه، فالاختلاف انّماهو في مراتب الاستحباب.
و منشأ اصل الحكم الروايات الكثيرة الواردة فيه، و هي على طوائف مختلفة:
الطائفة الاولى: ما تدلّ، على: ان المعتمر في اشهر الحج يجب عليه البقاء الى ان يحجّ حج التمتع، مثل صحيحة يعقوب بن شعيب، قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المعتمر في اشهر الحج، قال: هي متعة.(1) و ظهور السؤال في كون المراد هي العمرة المفردة لا خفاء فيه، فانه مضافا الى انّ اطلاق العمرة من دون الاضافة الى التمتع يراد به العمرة المفردة، يكون نفس السؤال قرينة على خصوصها، اذ عمرة التمتع، في اشهر الحج لا ابهام فيها من جهة، حتى تحتاج الى السوأل، فالسؤال انّما هو عن خصوص العمرة المفردة، و الجواب ظاهر في صيرورتها متعة قهرا، و يأتي البحث من هذه الجهة ايضا.
و مرسلة موسى بن القاسم، قال: اخبرني بعض اصحابنا: انّه سأل ابا جعفر (عليه السلام) في عشر من شوال، فقال: اني اريد ان افرد عمرة هذا الشهر، فقال له: انت مرتهن بالحجّ... الحديث.(2) و رواية عليّ، قال: سأله ابو بصير و انا حاضر، عمن اهلّ بالعمرة في اشهر الحج أله ان يرجع؟ قال: ليس في اشهر الحج عمرة، يرجع منها الى اهله، و لكنه يحتبس بمكّة حتى يقضي حجّه، لانه انّما احرم لذلك.(3) و التعليل يشعر بعدم كون المراد هي العمرة المفردة، كما ان الظاهر ان الراوي هو علي بن ابي حمزة البطائني،

1 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 4.
2 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 8.
3 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 7.

(الصفحة326)



الذي تكون روايته ضعيفة. و عليه، فالرواية المعتبرة في هذه الطائفة هي الصحيحة الاولى.
الطائفة الثانية: ما تقابل الطائفة الاولى، و تدل على نفي البأس عن الخروج الى بلاده، و هي صحيحة عبد الله بن سنان، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بالعمرة المفردة في اشهر الحج، ثم يرجع الى اهله.(1)
الطائفة الثالثة: الروايات الدالة على كون جواز الخروج ثابتا الى هلال ذي الحجة او الى يوم التروية:
فالاولى: رواية عمر بن يزيد، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: من دخل مكّة بعمرة فاقام الى هلال ذي الحجّة، فليس له ان يخرج حتى يحجّ مع الناس.(2) و في سندها الحسين بن حماد، و هو مجهول الحال، و ان صحّحها في العروة، و مقتضى اطلاق الصدر، و ان كان الاتيان بالعمرة المفردة في غير اشهر الحج ايضا، الاّ ان الظاهر كون المراد بالحج هو حج التمتع، و اللازم فيه وقوع عمرته في اشهر الحج، فهو قرينة على عدم ثبوت الاطلاق للصدر، و اختصاصه بما وقع في اشهر الحج.
و الثانية: صحيحة عمر بن يزيد، عن ابي عبد الله (عليه السلام)، قال: من اعتمر عمرة مفردة فله ان يخرج الى اهله متى شاء، الاّ ان يدركه خروج الناس يوم التروية.(3) و مثلها: رواية ثالثة لعمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: من دخل مكة معتمرا مفردا للعمرة فقضى عمرته ثم خرج، كان ذلك له، و ان اقام

1 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 1.
2 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 6.
3 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 9.

(الصفحة327)



الى ان يدرك الحج كانت عمرته متعة، و قال: ليس تكون متعة الاّ في اشهرالحج.(1) و الذيل قرينة على ان المراد بالصدّر هو الاعتمار في اشهر الحج، كما ان مرجع كون عمرته متعة الى عدم جواز الخروج من مكة الاّ للحج. هذا، و المظنون قويّا، بل المطمئن به، عدم كون هذه الروايات الثلاث الاخيرة لعمر بن يزيدروايات متعددة، و ان جعلها في الوسائل و في الكتب الفقهية كذلك، و ان عمر بن يزيد حكى ما قاله الامام (عليه السلام)بالمعنى، او تحقق الاختلاف فيمن روى عنه بلا واسطة او معها.
الطائفة الرّابعة: ما تدل بالصراحة على جواز الخروج حتى يوم التروية، مثل صحيحة ابراهيم بن عمر اليماني، عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه سئل عن رجل خرج في اشهر الحج معتمرا، ثم خرج الى بلاده. قال: لا بأس، و ان حج من عامه ذلك و افرد الحج فليس عليه دم، و ان الحسين بن علي ـ عليهما السّلام ـ خرج يوم التروية الى العراق و كان معتمرا.(2)
و مثلها، بل اوضح منها: صحيحة معاوية بن عمّار، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): من اين افترق المتمتع و المعتمر؟ فقال: انّ المتمتع مرتبط بالحج، و المعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء، و قد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة، ثم راح يوم التروية الى العراق و الناس يروحون الى منى، و لا بأس بالعمرة في ذي الحجّة لمن لا يريد الحج.(3) و خروج الحسين (عليه السلام)يوم التروية بعد الاتيان بالعمرة المفردة في ذي الحجة، و ان كان في نفسه محتملا لان يكون من جهة الاضطرار، و كان

1 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 5.
2 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 2.
3 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 3.

(الصفحة328)



الحكم الاوّلى هو عدم جواز الخروج، لكنه قد خرج خوفا على نفسه، كما يشهد به التاريخ، الدالّ على تصميم عمالّ بني اميّة على قتله في حال المناسك و الاتيان باعمال الحج، او رعاية للمصلحة السياسية اللازمة لارائة مخالفته مع الحكومة الطاغوتية اليزيديّة، التي كان غرضها هدم اساس الدين و قطع اصول الشريعة و المقابلة معها، الاّ ان استشهاد الامام الصادق (عليه السلام) لجواز خروج كل من يعتمر في اشهر الحج حتى يوم التروية، بخروج جدّه الحسين (عليه السلام) دليل على ان الحكم الاولى هو الجواز، و لو لم يكن هناك خوف و لا اضطرار، كما لا يخفى.
ثم ان مقتضى الجمع بين الطوائف المتقدمة هو الحكم بجواز الخروج حتى يوم التروية، و عدم وجوب البقاء اصلا، خلافا للقاضي، على ما مرّ في عبارة العروة، غاية الامر، استحباب البقاء لاتيان الحج، و اختلاف مراتبه بالشدة و التأكد، فعند هلال ذي الحجة يتأكد الاستحباب و يوم التروية اشدّ تأكدا، و الاّ فأصل الجواز ثابت في الجميع.
نعم، يبقى الكلام في هذا الفرض من جهات:
احداها: انه على تقدير البقاء و ارادة الاتيان بالحج، هل يكون صيرورة العمرة المفردة، المأتي بها عمرة التمتع، متوفقة على القصد و العدول، كما في العدول في باب الصلاة، كما إذا شرع في صلاة العصر ـ مثلا ـ بتخيل انه اتى بصلاة الظهر قبلها، ثم انكشف له في الاثناء انه لم يأت بها بعد، فانه يجب عليه العدول بالنيّة الى صلاة الظهر، او انها لا تتوقف على القصد، بل يتحقق الانقلاب القهري، و التبدل غير الاختياري؟ فيه و جهان: ظاهر الروايات هو الثاني، فان قوله (عليه السلام): هي متعة ظاهرة في ان مجرد وقوعها في اشهر الحج يوجب انقلابها متعة، و لو لا التقييد بما إذا اراد البقاء و الاتيان بالحج لقلنا بالانقلاب كذلك مطلقا، و لازمهوجوب البقاء و عدم جواز الخروج، لكن مقتضى التقييد الاختصاص بالصورة

(الصفحة329)



المذكورة، و لا منافاة بين الانقلاب و جواز الخروج. و ذكر صاحب الجواهر: «ان المتجه ارادة التمتع بها بالنية لا انها تكون قهرا، و ان لم ينو، و ان افاده بعض النصوص السابقة، الاّ انه لم نجد قائلا به، بل الاصل يقتضي خلافه ايضا».
هذا، و الظاهر انه لا محيص عن الاخذ بظاهر ما يدل على الانقلاب القهري، بعد عدم ثبوت الاجماع على الخلاف، و عدم كون الاصل في رتبة الظاهر.
نعم، ذكر السيّد (قدس سره) في العروة: انه يمكن ان يستفاد منها ـ يعنى من النصوص الواردة في الباب ـ: ان التمتع هو الحج عقيب عمرة وقعت في اشهر الحج، بايّ نحو اتى بها.
و لكنه يرد عليه: ان وصف التمتع ان كان ثابتا للحج او كان الشخص متصّفا بعنوان انه متمتع، كما في بعض الروايات، لجرى فيه هذا الاحتمال، و امّا إذا كان وصفا للعمرة المأتي بها، كما في صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة، لما كان مجال لمثل هذا الاحتمال اصلا، كما لا يخفى.
ثانيتها: انه ذكر السيّد (قدس سره) في العروة: ان القدر المتيقن منها ـ اي من اخبار الباب ـ هو الحج الندبي، ففيما إذا وجب عليه التمتع فاتى بعمرة مفردة، ثم اراد ان يجعلها عمرة التمتع، يشكل الاجتزاء بذلك عمّا وجب عليه، سواء كان حجة الاسلام او غيرها، ممّا وجب بالنذر او الاستيجار.
و اورد عليه: في الحج الواجب بالاصل: بان مقتضى اطلاق الروايات الشمول له، و عدم الاختصاص بالحج الندبي، نظرا الى ان وجود القدر المتيقن لا يمنع عن التمسك بالاطلاق، و الاّ فكلّ مطلق له قدر متيقن، فاطلاق الروايات يشمل الحج الواجب بالاصل.
و امّا الحج الواجب بالنذر، فقد اورد عليه: بان الحكم في النذر تابع لقصدالناذر، فان قصد الاتيان بالحج على النحو المتعارف، فلا يكتفي بهذا الفرد، لعدم

(الصفحة330)



كونه مصداقا لنذره، فيجب عليه الخروج و الاحرام للحج من احد المواقيت، و ان قصد الاعم، يعني نذر اتيان الحج على اطلاقه، و لو لم يكن قاصدا اليه من الاوّل، يجوز الاكتفاء بذلك، لان الشارع يحسب عمرته متعة.
كما انه قد اورد على الواجب بالاستيجار: بانّ ذكره من سهو القلم، لانه مع الاستيجار يملك المستأجر العمل في ذمة الاجير، و إذا فرضنا ان الاجير اعتمر عمرة مفردة لنفسه يكون عمله محسوبا له، لخروجه عن متعلق الاجارة، فكيف يحتمل الاجتزاء بذلك عمّا تعلق به الايجار؟ فيجب على الاجير الخروج من مكّة لعمرة التمتع.
و لتوضيح هذا الايراد اقول: ان مقتضى الروايات المتقدمة انقلاب العمرة المفردة الى التمتع اختيارا او قهرا، و امّا تبدل ما اوقعه لنفسه الى الوقوع عن الغير المنوب عنه، فلا دلالة لشيء منها عليه.
و لكنه يمكن الجواب عن هذا الايراد: بانه لا بدّ على تقدير جريان الحكم في الحج الواجب بالاستيجار، من فرض ما لو اوقع العمرة المفردة للمنوب عنه، نظرا الى انها تحسب متعة. نعم، هنا اشكال ـ يأتي التعرض له في الجهة الثالثة ـ، و هو: انّه إذا كان قاصدا من الاوّل للبقاء في مكة و الاتيان بالحج، هل يكون مشمولا للروايات الدالة على الانقلاب و التبدل، ام لا؟ و لكنه امر اخر لا يرتبط بهذه الجهة، التي نحن فيها.
ثالثتها: ان النصوص الواردة في المقام، الدالة على احتساب العمرة المفردة متعة، هل يكون موردها خصوص من لم يكن قاصدا للحج من الاوّل، و لكن من باب الاتفاق بقي الى ايّام الحج، او يشمل الاعم منه، و من كان قاصدا لحج التمتع من اوّل الامر؟ و يترتب على ذلك: انه لو كانت عمرته مفردة يجوز له الخروج بعدها، و امّا إذا انقلبت الى المتعة، و كانت عمرته متعة، لا يجوز له الخروج بعدها، لانه مرتهن بالحجّ و محتبس به.

(الصفحة331)



استظهر بعض الاعلام في شرح العروة الاوّل، و استشهد لذلك بعدة من الروايات:
منها: موثقة سماعة بن مهران، عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال: من حجّ معتمرا في شوّال و من نيّته ان يعتمر و يرجع الى بلاده، فلا بأس بذلك، و ان اقام الى الحج فهو متمتع، لان اشهر الحج شوال و ذو القعدة و ذو الحجة... الحديث(1). نظرا الى ان موردها من لم يكن قاصدا للحج، بل كان من قصده الرجوع، و لكن من باب الاتفاق اقام و بقي الى الحج، فلا تشمل ما إذا كان قاصدا للحج من الاوّل.
هذا، و لكن الظاهر اشتمال الرواية على حكمين: احدهما: جواز الاتيان بالعمرة المفردة في شوال، الذي هو اوّل اشهر الحج، و الرجوع بعده الى بلاده من غير اقامة الى الحج. و هذا الحكم انما هو لدفع توهم الفرق بين العمرة المفردة في غيراشهر الحج و بينها، فيها. ثانيهما: صيرورة تلك العمرة تمتّعا و المعتمر متمتّعا، و هذا موضوعه مجرد الاقامة الى الحج و البقاء لاجله، و لا دلالة للرواية على مدخلية نيّة الرجوع في هذا الحكم، خصوصا مع التعليل بوقوع العمرة في اشهر الحج، الذي لا فرق فيه بين القاصد للحج من الاوّل و بين غيره، كما هو ظاهر.
و منها: صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في الطائفة الرابعة، المشتملة على الفرق بين المتمتع و المعتمر، و الاستشهاد بعمل الحسين (عليه السلام)، الذي اعتمر في ذي الحجة و خرج يوم التروية، و قوله (عليه السلام) بعده: و لا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج.(2) نظرا الى انه يستفاد منها عدم الاكتفاء بالعمرة المفردة عن المتعة،

1 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 13.
2 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 3.

(الصفحة332)



إذا كان مريدا للحج و قاصدا اليه.
و ليت شعري!انه كيف يستفاد من نفي البأس عن الاتيان بالعمرة المفردة في ذي الحجة، و الاقتصار عليها، لعدم ارادة الحج؟ !انه مع ارادة الحج من الاوّل لا يكتفي بالعمرة المفردة، و لا تحسب متعة، و ايّ ارتباط بين الامرين!بل لا اشعارفي الرواية بالانقلاب اصلا.
منها: صحيحة الحسن بن عليّ الوشّا ابن بنت الياس، عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) انه قال: إذا اهلّ هلال ذي الحجة و نحن بالمدينة لم يكن لنا ان نحرم الاّ بالحج، لانا نحرم من الشجرة، و هو الّذي وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) و انتم إذاقدمتم من العراق فاهلّ الهلال فلكم ان تعتمروا، لان بين ايديكم ذات عرق و غيرها، ممّا وقت لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال له الفضل بن الربيع: الان فلي ان اتمتّع، و قد طفت بالبيت؟ فقال: نعم. قال: فذهب بها محمد بن جعفر الى سفيان بن عيينة و اصحابه، فقال لهم: انّ فلانا يقول كذا و كذا يشنع على ابي الحسن (عليه السلام).(1) حيث انها تدل على عدم مشروعية العمرة المفردة لمن يقصد الحج، و عدم تحقق الانقلاب بالاضافة اليه، و الفرق بين العراقي و المدني: انه حيث يكون ميقات المدني الشجرة، فاذا اراد ان يعتمر بعد هلال ذي الحجة فلا يتمكن من الرجوع الى ميقاته للتمتع بعد تمامية العمرة، لكثرة المسافة و عدم سعة الزمان، و امّا العراقي، فحيث يكون ميقاته ذات عرق، الذي مرّ انه على مرحلتين من مكّة، فيمكن له الرجوع الى ميقاته بعد ان يعتمر عمرة مفردة.
و هذا التفصيل ظاهر في انّ من يريد الحج لا يجوز له ان يكتفي بالعمرة المفردة،

1 ـ وسائل ابواب العمرة الباب السابع ح ـ 14.

(الصفحة333)



و لو بعد هلال ذي الحجّة، و الاّ فلا يبقى فرق بين المدني و العراقي.
و يمكن ان يقال، بملاحظة سؤال الفضل و استفهامه: انّ المراد من الرواية الجمع بين العمرة المفردة و حج التمتع، المشتمل على العمرة، و انّ الحكم فيه هو الجواز و لو بعد هلال ذي الحجة. غاية الامر، ان المدني لا يستطيع الجمع بين الامرين لبعد المسافة و قلة الوقت، و العراقي يقدر على ذلك خارجا، لقلة مسافة ميقاته الى مكّة.
هذا، و لكنه على هذا التقدير ـ ايضا ـ تدل الصحيحة على عدم الاحتساب، و عدم صيرورة العمرة المفردة متعة، بالاضافة الى قاصد الحج، و الاّ يكون الجمع بين العمرتين موجبا للجمع بين عمرتي التمتع، و هو غير مشروع، لعدم جواز تكرارعمرة التمتع، و تتضج هذه الدلالة على فرض اختيار الانقلاب القهري في الجهة الاولى، التي قدّمناها.
هذا، و لكن دلالة الصحيحة على اصل خروج من يكون قاصدا للحج، من الروايات المتقدمة الواردة: في ان العمرة المفردة في اشهر الحج متعة ليست بذلك الوضوح، خصوصا مع اشتمال تلك الروايات على الاطلاقات القوية، مثل قوله (عليه السلام) في جواب السؤال عن المعتمر في اشهر الحج: هي متعة. فانّها و ان قيّدت بما إذا لم يرد الخروج بعد العمرة المفردة الى بلاده، الاّ ان اطلاقها بالاضافة الى من كان مريدا للحج من الاوّل بحاله، و حينئذ يقع الاشكال في: ان دلالة الصحيحة هل تكون من القوة و الظهور بمكان يصلح لتقييده الاطلاقات من هذه الناحية ايضا ام لا؟ خصوصا مع عدم التعرض لهذا التخصيص في شيء من الكلمات، كما اعترف به بعض الاعلام، حيث قال: لم ار من تعرض للمسألة؟ و ان كان يؤيد التخصيص: انّ ملاحظة روايات الانقلاب تقضي بان منشأه هو الارفاق و التسهيل على من اتى بالعمرة المفردة، و التشويق له الى البقاء

(الصفحة334)

ثانيها: ان يكون مجموع عمرته و حجّه في اشهر الحج فلو اتى بعمرته او بعضها في غيرها لم يجز له ان يتمتع بها. و اشهر الحج شوّال و ذو القعدة و ذو الحجة بتمامه على الاصح1 .


للاتيان بالحج، و هذا انما يناسب من كان من نيته الخروج الى بلاده بعدالاعتمار.
ثم انه لو وصلت النوبة الى فرض الشك، نظرا الى عدم وضوح دلالة الصحيحة في مقابل الاطلاقات، و عدم امكان توجيهها الاّ باحد المعنيين المذكورين، و كلاهما يقتضي الاختصاص، لكان اللازم بمقتضى كون الانقلاب على خلاف القاعدة هو الحكم بالاختصاص ايضا، كما لا يخفى.
1 - المذكور في هذا الامر حكمان:
الحكم الاوّل: انه يعتبر في حج التمتع وقوع مجموع عمرته و حجّه في اشهر الحج، و لا يجوز الاتيان بعمرته و لو ببعضها في غيرها، و في المدارك: «هذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب» و في الجواهر: «بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه» و مثله في الحدائق و غيرها، و يدل عليه النصوص الكثيرة:
منها: صحيحة عمر بن يزيد، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: من دخل مكة معتمرا مفردا للعمرة فقضى عمرته فخرج، كان ذلك له، و ان اقام الى ان يدركه الحج، كانت عمرته متعة، و قال: ليس يكون متعة الاّ في اشهر الحج(1).
و منها: موثقة سماعة بن مهران عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال: من حج معتمرا في شوال و من نيته ان يعتمر و يرجع الى بلاده، فلا باس بذلك، و ان هو اقام الى الحج، فهو يتمتّع (متمتع)، لان اشهر الحج شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، فمن

1 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الخامس عشر ح ـ 1.

(الصفحة335)



اعتمر فيهن و اقام الى الحج فهى متعة... الحديث.(1)
و منها: صحيحة ابن اذينة، قال: قال ابو عبد الله (عليه السلام): من احرم بالحج في غير اشهر الحج فلا حج له، و من احرم دون الميقات فلا احرام له.(2) بناء على ان عمرة التمتع تكون مرتبطة بحجّه و جزء له، فتدل الرواية على عدم جواز وقوعها في غير اشهر الحج، كوقوع الاحرام قبل الميقات.
الحكم الثاني: انه لا اشكال و لا خلاف في: ان الشوال و كذا ذا القعدة بتمامهما من اشهرالحج، و انّما الخلاف في شهر ذي الحجّة، و انه هل يكون بتمامه منها او ببعضها؟ و في المراد من ذلك البعض، و فيه اقوال: 1 ـ القول بانه يكون بتمامه منها: حكى عن الشيخين في الاركان و النهاية، و ابني الجنيد و ادريس و القاضي في شرح الجمل، و اختاره المحقق في الشرايع، و السيد و الماتن (قدس سره).
2 ـ عشرة ايام من ذي الحجة، حكي عن الحسن و التبيان و الجواهر و روض الجنان.
3 ـ تسعة ايام منه: حكي عن الاقتصاد و الجمل و العقود و المهذب.
4 ـ تسع ليال منه: عن الغنية.
5 ـ تسعة ايام و ليلة يوم النحر الى طلوع الفجر: عن المبسوط و الخلاف و الوسيلةو الجامع، و قد نسب ذلك الى ظاهر جمل العلم و العمل و المصباح و مختصره و مجمع البيان و متشابه القران، لانه عبّر فيها بالشهران و عشر من ذي الحجة بالتأنيث

1 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب العاشر ح ـ 2.
2 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الحادي عشر ح ـ 4.

(الصفحة336)



الظاهر في كون التمييز ليالا لا ايّاما، فيخرج اليوم العاشر.
6 ـ القول الخامس، مع جعل الغاية طلوع الشمس: حكي عن ابن ادريس في موضع.
ثمّ انه حكي عن العلامة، في كتاب المختلف ـ الموضوع لذكر المسائل التي اختلفت فيها اراء علمائنا الامامية رضوان الله تعالى عليهم اجمعين ـ، و بيان الاقوال فيها: «التحقيق ان هذا نزاع لفظي، فانهم ان ارادوا باشهر الحج ما يفوت الحج بفواته، فليس كمال ذي احجة من اشهره، لما يأتي من فوات الحج دونه، على ما يأتي تحقيقه، و ان ارادوا بها ما يقع فيه افعال الحج، فهي الثلاثة كلا، لان باقي المناسك تقع في كمال ذي الحجّة، فقد ظهران ان النزاع لفظي».
و قد استحسنه صاحب المدارك بعد نقله، و علّله بقوله: «اذ لا خلاف في فوات وقت الانشاء بعدم التمكن من ادراك المشعر قبل زوال يوم النحر، كما انه لا خلاف في وقوع بعض افعال الحج، كالطوافين و السعي و الرمي في ذي الحجة بأسره، و قد ظهر من ذلك ان هذا الاختلاف لا يترتب عليه حكم، و ان النزاع في هذه المسألة يرجع الى تفسير هذا اللفظ، و هو اشهر الحج، و الظاهر اطلاقها على مجموع الثلاثة حقيقة، لانها اقل الجمع».
و قال في الجواهر: «الظاهر لفظية الاختلاف في ذلك، كما اعترف به غيرواحد، للاتفاق على ان الاحرام بالحج لا يتأتي بعد العاشر من ذي الحجّة و كذا عمرة التمتع، و على اجزاء الهدى و بدل الهدى طول ذي الحجّة، و افعال ايام منىو لياليها... ».
و قال السيّد في العروة: «على ان الظاهر ان النزاع لفظي، فانه لا اشكال في جواز اتيان بعض الاعمال الى أخرذي الحجة، فيمكن ان يكون مرادهم: ان هذه الاوقات هي اخر الاوقات التي يمكن بها ادراك الحج».

(الصفحة337)

ثالثها: ان يكون الحج و العمرة في سنة واحدة فلو اتى بالعمرة في سنة و بالحج في الاخرى لم يصحّ و لم يجز عن حجّ التمتع، سواء اقام في مكّة الى العام القابل ام لا، و سواءاحلّ من احرام عمرته او بقي عليه الى العام القابل1 .


و يدلّ على لفظيّة النزاع: انه لم يعلم مستند سائر الاقوال غير القول الاوّل، الّذي يدل عليه ظاهر الكتاب، و جملة من الروايات. لكن لفظية النزاع انما تكون محدودة بالاضافة الى تمام ذي الحجة و بعضه، و امّا بالاضافة الى البعض نفسه فمنشأه الاختلاف فيما يأتي من الاجزاء بالاضافة الى الوقوفين، بعد ثبوت الاختياري و الاضطراري لكل منهما و بعض الجهات الاخر.
ثمّ انه يدلّ على القول الاوّل، مضافا الى ظاهر قوله تعالى: «الحج اشهر معلومات... » (1)لان اقل الجمع الثلاثة، و ظاهرها الثلاثة الكاملة، روايات:
منها: صحيحة معاوية بن عمّار، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: انّ الله تعالى يقول: «الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج» و هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة(2).
و منها: رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: الحج اشهر معلومات، شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، ليس لاحد ان يحرم بالحج في سواهن.(3)
و منها: موثقة سماعة المتقدمة في الامر الاوّل.
و منها: غير ذلك من الروايات الدّالة عليه.
1 - و المراد بهذا الامر: ان يكونا في اشهر الحج من سنة واحدة. و عليه، فكما

1 ـ سورة البقرة آية 192.
2 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الحادي عشر ح ـ 1. و لا يخفى اتحادها مع الروايتين الاخيرتين له، و ان جعلها في الوسائل ثلاثا.
3 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الحادي عشر ح ـ 5 و لا يخفى أيضا اتحادها مع رواية اخرى له، و ان جعلهما فيها اثنتين.

(الصفحة338)



تخرج الصورة المذكورة في المتن يخرج ما لو اتى بعمرة التمتع في اواخر ذي الحجة و اتى بالحج في العام القابل، و ان لم يتحقق الفصل بينهما الاّ باقل من اثني عشر شهرا.
ثمّ ان الظاهر انه لم ينقل الخلاف في اصل الحكم. نعم، حكى عن الدروس: انه احتمل الصحة في خصوص ما لو بقى على عمرته الى العام القابل من دون فرق بين ان يكون شروعها قبل ايام الحج او مقارنا له او بعده، كما يقتضيه الاطلاق.
و قد استدل على اعتبار هذا الامر بوجوه:
احدها: الاخبار الواردة في بيان كيفية حج التمتع، فان المتفاهم العرفيو المتبادر منها وقوع الحج عقيب لعمرة في نفس السنة التي وقعت فيها، و ليس في شيء منها دلالة، بل و لا اشعار على جواز التفريق، مع انه لو كان مشروعا لأشير اليه، و لو في بعضها. و بالجملة: لا ينبغي الارتياب في ان العرف لا يفهم منها الاّالتوالي في اشهر الحج من سنة واحدة.
ثانيها: ما يدل من الروايات المتعددة، على: ان المعتمر بعمرة التمتع إذا فرغ من عمرته يكون محتبسا في مكة حتى يحج، او يكون مرتهنا بالحج. و هذا الحكم و ان لم يكن بمجرّده دليلا على اعتبار هذا الامر، لانه يمكن ان يأتي بعمرة التمتع في سنة، و يبقى في مكة الى السنة الاخرى، لان يحج فيها، و لا يخرج منها اصلا، الاّ ان ما ورد في ذيل بعضها، من: انه لو اقتضت الضرورة الخروج لحاجة يجوز له الخروج، لكنه بعد الاحرام للحج، فيخرج محرما ثم يمضى الى عرفات، يدل عليه، لان مقتضاه امكان الاحرام للحج عند ارادة الخروج، و هذا لا يجتمع مع التفريق المذكور، لعدم امكان الاحرام للحج في غير اشهره.
ثالثها: ما دلّ من الاخبار، على: ان عمرة التمتع مرتبطة بحجّه، و في بعضها

(الصفحة339)



حكاية قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة» كما مرّ، بخلاف العمرة المفردة، فانها عمل مستقل و غير مرتبطة بالحج، كما في الروايات المستفيضة.
و ربما يقال في توجيه هذا الاستدلال: ان معنى الارتباط: ان مشروعية العمرة مرتبطة بمشروعية الحج، فاذا اتى بالعمرة لا يجوز له تأخير الحج، لانه واجب فوري، و ان لم يأت به فقد افسد عمرته، و الاّ لكان منافيا للارتباط، و إذا اتى بعمرة التمتع بعد ايام الحج لم تكن عمرته مشروعة، لعدم مشروعية الحج له حينئذ، و إذا لم يكن مشروعا لا تكون هي ايضا مشروعة، لفرض الارتباط.
و لكنه يرد عليه: انه إذا اتى بالعمرة قبل ايام الحج، يكون مقتضى الارتباط، لزوم الاتيان بالحج بعدها في تلك السنة، لا لاجل كون الحج واجبا فوريّا، لان الكلام ليس في خصوص الحج الواجب، مضافا الى ان الاخلال بالفورية لا يستلزم البطلان و عدم المشروعية، بل لاجل كون الشروع في حج التمتع، المتحقق بالاتيان بعمرته، يقتضي لزوم الاتمام و الاكمال بالاتيان بالحج بعدها.
و امّا إذا اتى بالعمرة بعد ايام الحج او مقارنا لها، فلا يكون الارتباط مقتضيالعدم الصحّة إذا اتى بالحج في العام القابل، لانّ لازم الارتباط وجوب الاتيان باحج بعدها و فسادها مع الاقتصار عليها، و لا دلالة لمجرد الارتباط على لزوموقوعهما في سنة واحدة، كما لا يخفى.
رابعها: الاخبار الدالة على ذهاب المتعة بزوال يوم التروية، او بدخول يوم عرفة، او الى زمان عدم ادراك الحج، و مقتضاها عدم مشروعية عمرة التمتع بمجيء الزمان المذكور، مع انه لو كان الافتراق بالاتيان في السنتين جائزا لا يكون ذلك موجبا لذهاب المتعة و فوات مشروعية العمرة، لانه يمكن الاتيان بها ثم الاتيان

(الصفحة340)

رابعها: ان يكون احرام حجّه من بطن مكّة مع الاختيار و امّا عمرته فمحلّ احرامهاالمواقيت الاتية، و افضل مواضعها المسجد و افضل مواضعه مقام ابراهيم (عليه السلام) او حجر اسماعيل (عليه السلام)، و لو تعذر الاحرام من مكّة احرم مما يتمكن، و لو احرم من غيرها اختيارا متعمدا بطل احرامه، و لو لم يتداركه بطل حجّه، و لا يكفيه العود اليها من غير تجديد، بل يجب ان يجدّده فيها، لان احرامه من غيرها كالعدم، و لو احرم من غيرها جهلا او نسيانا وجب العود اليها و التجديد مع الامكان، و مع عدمه جدّده في مكانه1 .


بالحج في العام القابل.
ثمّ انه ربما يمكن ان يقال بدلالة رواية سعيد الاعرج، على خلاف ما ذكر، حيث قال: قال ابو عبد الله (عليه السلام): من تمتع في اشهر الحج ثم اقام بمكّة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، و من تمتع في غير اشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم، انما هي حجة مفردة، و انّما الاضحى على اهل الامصار.(1) نظرا الى ان الظاهر كون المراد هو العام القابل، فتدل على جواز التفكيك و الافتراق.
و لكن يرد عليه: مضافا الى ضعف السند بمحمد بن سنان، منع الظهورالمذكور، بل الظاهر كون المراد هو الشهر القابل. و على تقدير الاجمال تكون الوجوه المذكورة قرينة على كون المراد هو الشهر، خصوصا بعد ظهور كون الغرض الاصلي من الرواية هو الفرق بين العمرة الواقعة في اشهر الحج، الصالحة لان تكون عمرة التمتع، و الواقعة في غيرها، غير القابل لذلك، و لا نظر لها الى التفكيك بين العمرة و الحج و الاتيان بهما في سنتين، فلا تنافي الادلة المتقدمة بوجه.
هذا مضافا الى ان الرواية تدل على ان المجاورة حتى اقلّ من سنة واحدة، ;يوجب الانقلاب و تبدل الفرض، و هو مخالف للفتاوى و النصوص.
1 - يقع الكلام في اعتبار هذا الامر في مقامات:

1 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب العاشر ح ـ 1.

<<التالي الفهرس السابق>>