في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة341)



المقام الاوّل: في اصل الاعتبار: فنقول: لا اشكال، كما انه لا خلاف بين الاصحاب، بل المجمع عليه بينهم، انه يعتبر ان يكون احرام حجّ التمتع من مكّة في حال الاختيارو عدم التعذر، كما انه يعتبران تكون عمرته من احد المواقيت او ما يكون بحكمها.
و يدل على اعتبار ما ذكر في الحج روايات متعددة:
منها: صحيحة عمرو بن حريث الصيرفي، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): من اين اهلّ بالحج؟ فقال: ان شئت من رحلك و ان شئت من الكعبة، و ان شئت من الطريق.(1) هذا على ما رواه الكليني و رواه الشيخ مثله، كما في الوسائل، الاّ انه قال في اوّله، يعني في السؤال: و هو بمكّة، ثم قال: و من المسجد بدل قوله من الكعبة. و من المعلوم ان اضافة قوله: و هو بمكة، معتبرة، لان رواية الشيخ ايضا صحيحة، و قد رواها بسند مستقل. و عليه، فلا اجمال في الجواب من جهة ان التخيير انما هو بالاضافة الى المواضع المختلفة من مكّة، كما ان ظهور السؤال في ان المراد هو الاهلال بحج التمتع لا خفاء فيه، و ان كان اللفظ مطلقا، لان الشروع في الحج من مكة، الذي يكون لازمه عدم كونه محرما قبله، لا يكون الاّ في حج التمتع بعد تمامية العمرة و الاحلال منها. و عليه، فدلالة الرواية على اصل الحكم ظاهرة، بل يظهر منها مفروغية اعتبار كون احرام الحج من مكة، و السؤال انما هو ناش عن احتمال خصوص بعض المواضع، و الجواب دالّ على العموم و عدم الاختصاص.
و منها: صحيحة حماد المتقدمة في بحث المقيم في مكّة، المشتملة على قوله (عليه السلام):

1 ـ وسائل ابواب المواقيت الباب الواحد و العشرون ح ـ 2.

(الصفحة342)



فاذا اقاموا شهرا، فان لهم ان يتمتعوا. قلت من اين؟ قال: يخرجون من الحرم، قلت: من اين يهلّون بالحج؟ فقال: من مكّة نحوا، ممّن يقول النّاس.(1) و رواهاالكليني ايضا، الاّ انه قال: نحوا مما يقول الناس.(2) قال في مرآة العقول في معنى ذيل الرواية: «اي يفعل كما يفعل غيره من المتمتعين، و لا يخالف حكمه في احرام الحج حكمهم».
و منها: غير ذلك من الروايات الدّالة عليه.
لكن هنا رواية ربما ينافي ظاهرها ما ذكر، و هي موثقة اسحاق بن عمّار، قال: سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجيء فيقضي متعة (متعته ظ) ثم تبدو له الحاجة فيخرج الى المدينة و الى ذات عرق او الى بعض المعادن. قال: يرجع الى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لان لكل شهر عمرة، و هو مرتهن بالحج. قلت: فانه دخل في الشهر الذي خرج فيه. قال: كان ابي مجاورا هاهنا فخرج يتلقى (ملتقيا) بعض هولاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق، احرم من ذات عرق بالحج، و دخل و هو محرم بالحج(3). نظرا الى دلالتها على انّ اباه (عليه السلام) و هو الامام الصّادق (عليه السلام) احرم من ذات عرق ـ الذي هو ميقات اهل العراق ـ بحج التمتع، فينا في ما مرّ من الرّوايات.
و لكن في الرواية نقاط من الابهام و الاجمال، من جهة انه لم تنقل مجاورة الامام الصادق (عليه السلام) في مكة المكرمة، و على تقديرها ان كانت المجاورة بمقدار يوجب الانقلاب و تبدل الفرض، فيصير حجّه (عليه السلام) غير التمتع، و لا يرتبط بالسّؤال الذي هو عن المتمتع، الذي قضى متعته، اي اتى بعمرته و بقى حجّة، و ان لم تكن

1 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب التاسع ح ـ 3.
2 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب التاسع ح ـ7.
3 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الثاني و العشرون ح ـ 8.

(الصفحة343)



بذلك المقدار، فما الذي يترتب على التعبير بها من الفائدة و الثمرة؟ ثم انه على هذا التقدير، لم يكن الخروج من مكة جائزا اوّلا، و على تقديره مع الحاجة و الاضطرار، لا بد و ان يكون بعد الاحرام للحج.
ثم انه ذكر للرواية محامل:
احدها: ما احتمله في مرآة العقول، حيث قال: «و يحتمل ان يكون احرامه (عليه السلام) للتقيّة، اذ ظاهر ان المراد بقوله (عليه السلام): بعض هؤلاء: بعض العامّة، بل ولاتهم، و كان ترك الاحرام دليلا على احرامه بحج التمتع، فلذا احرم تقيّة».
و يرد عليه: ان الحاكي لفعله (عليه السلام) لو كان غير الامام (عليه السلام) او كان هو الامام، و لكنه لم يكن المقصود من الحكاية بيان الحكم و الاستشهاد به، لكان للاحتمال المذكور مجال، و امّا فيما إذا كان الناقل هو الامام (عليه السلام)، و كان غرضه من النقل بيان الحكم و الاستشهاد بفعله (عليه السلام) كما في المقام، لما كان وجه لجريان احتمال التقيّة في الفعل و صدوره. نعم، يبقى الكلام في جريان الاحتمال في نفس النقل و الحكاية، و هو لا يجري في الرواية بعد التعبير عنهم بهؤلاء، فاحتمال التقية لا مجال له لا في نفس النقل و لا في الفعل المنقول، كما هو ظاهر.
ثانيها: ما وصفه السيّد (قدس سره) في العروة بانه احسن المحامل، من: ان المرادبالحج، الذي احرم له من ذات عرق هو عمرة التمتع، لانّها اوّل اعمال حجّة، و يؤيّده: انه لا اشعار في الرواية بان الامام الصادق (عليه السلام) قد قضى متعته، و اتى بعمرة التمتع في مكة.
و لكن يرد عليه: انه لا يبقى حينئذ ارتباط بين السّؤال عن المتمتع، الذي اتى بعمرته في مكة ثم خرج منها الى شيء من المواضع المذكورة، و بين الجواب المشتمل على حكاية فعل الامام (عليه السلام)، مع انه لم يأت بعمرة التمتع في مكّة، بل غرضه الشروع فيها من الميقات، مع ان التصريح بالحج مرّتين في الجواب عن

(الصفحة344)



السؤال الثاني، و اشتمال السّؤال و الجواب الاوّل على التصريح بالعمرة، خصوصا مع التعبير: بان لكل شهر عمرة. ظاهر في ان المراد باحج ما يقابل العمرة لاما يشملها، كما لا يخفى. فالانصاف: بعد هذا المحمل ايضا.
ثالثها: انه (عليه السلام) احرم من ذات عرق بحج الافراد دون التمتع.
و يرد عليه: ما مرّ من عدم ارتباطه حينئذ مع السؤال عن المتمتع، الذي قضى متعته و اتى بعمرته.
رابعها: انه (عليه السلام) احرم من ذات عرق لحج التمتع بعد الاتيان بعمرته في مكّة، لكنه لا دلالة للفعل على الوجوب، فيمكن ان يكون على سبيل الاستحباب، و بعد ذلك جدّده في مكة بعد دخولها.
و يرد عليه: انه لا اشعار في الرواية بالتجديد اصلا.
هذا، و يمكن ان يقال: بانه يستفاد من الرواية جواز الاحرام لحج التمتع من الميقات، مثل ذات عرق، إذا خرج المتمتع عن مكّة الى موضع يكون رجوعه مرورا على الميقات، و هذا من دون فرق بين ما إذا كان الخروج جائزا، حتى بدون الاحرام، كما لا بد من الالتزام به في فعل الصادق (عليه السلام)، حيث انه يحتمل ان يكون خروجه غير اختياري، لاجل احضار بعض ولاة الجور ايّاه، و لازمه عادة ان يكون بدون الاحرام، و بين ما إذا لم يكن جائزا، لكنه عصى و خرج من دون احرام، فانه إذا بلغ في رجوعه الى الميقات لكان اللازم عليه او الجائز له الاحرام للحج من ذلك الميقات، و هذا يناسبه احترام الميقات، و عدم جواز المرور منه بدونه و عليه، تكون الرواية مخصصة للروايات المتقدمة، الدالة على ان احرام حج التمتع لا بد و ان يكون من مكّة.
و مال الى ذلك الشيخ في التهذيب، حيث قال: «و من خرج من مكة بغيراحرام و عاد في الشهر الذي خرج فيه، فالافضل ان يدخلها محرما بالحج، و يجوز له

(الصفحة345)



ان يدخلها بغير احرام» و مقتضى كلامه عدم التعيين، و ان الافضل الاحرام من الميقات.
ثمّ ان افضل مواضع مكة لاحرام حج التمتع هو المسجد الحرام، و يدل عليه روايات، بعضها ظاهرة في تعينه للاحرام، لكنها تحمل على الاستحباب، بقرينة الروايات المتقدمة.
منها: صحيحة معاوية بن عمّار، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم التّروية ان شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك و ادخل المسجد، الى ان قال: ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) او في الحجر، ثم احرم بالحج... الحديث.(1)
و منها: رواية ابي بصير، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا اردت ان تحرم يوم التروية فاصنع كما صنعت حين اردت ان تحرم، الى ان قال: ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات قبل ان تحرم، و تقول: اللهم انّي اريد الحج، الى ان قال: احرم لك شعري و بشري و لحمي و دمي... الحديث.(2)
و منها: غير ذلك.
ثم ان مقتضى صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة: ان افضل مواضع المسجدعند مقام ابراهيم (عليه السلام) او في الحجر، كما في المتن، و ظاهره التخيير بين الامرين و عدم ثبوت ترجيح في البين، و لكن الفتاوى مختلفة من هذه الجهة، حيث يظهرمن بعضها ما ذكر، و من بعضها التخيير بين المقام و تحت الميزاب، و من بعضها ـ كالشرايع ـ الاقتصار على المقام، و من بعضها الاقتصار على تحت الميزاب، و لكنه قال في الجواهر، بعد نقله: و لم نعثر له على شاهد يقتضي فضله على المقام.

1 ـ وسائل ابواب المواقيت الباب الواحد و العشرون ح ـ 1.
2 ـ وسائل ابواب المواقيت الباب الواحد و العشرون ح ـ 4.

(الصفحة346)



المقام الثاني: فيما لو تعذر الاحرام من مكّة لحج التمتع، و المتسالم عليه بينهم: انه في هذه الصورة يحرم ممّا يتمكن، اي الاقرب الى مكة فالاقرب، و يدل عليه ـ مضافا الى الاجماع و التسالم المذكور ـ الروايات الواردة فيمن تجاوز الميقات بلا احرام و لم يمكن له الرجوع الى الميقات، الدالة على انه يحرم مما يتمكن، معلّلا بخوف فوات الاعمال، فان مقتضى التعليل سراية الحكم بالاضافة الى احرام حج التمتّع.
و هنا روايتان تدلان على ان شرطيّة الاحرام من مكّة انّما تختص بصورة التمكن، و امّا مع عدمه فلا اعتبار له، بل يحرم من مكانه او يسقط رأسا.
احداهما: صحيحة علي بن جعفر، عن اخيه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسى الاحرام بالحج فذكر و هو بعرفات، فما حاله؟ قال: يقول: اللهم على كتابك و سنّة نبيّك، فقد تم احرامه.(1)
ثانيتهما: صحيحته الاخرى، عن اخيه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل كان متمتعا خرج الى عرفات، و جهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع الى بلده، قال: إذا قضى المناسك كلّها فقد تم حجّه.(2) فان مورد الرواية الاولى، و ان كان هو النسيان، و الثانية هو الجهل، لكن المستفاد منهما عدم الاختصاص بشيء من الامرين، بل الحكم شامل لمطلق العذر، كما انه يستفاد من الاولى: انه إذا امكن الاحرام في عرفات بالكيفية

1 ـ وسائل ابواب المواقيت الباب العشرون ح ـ 3.
2 ـ وسائل ابواب المواقيت الباب العشرون ح ـ 2.

(الصفحة347)



المذكورة، فامكانه قبله انما يكون بطريق اولى.
المقام الثالث: فيما لو احرم من غير مكّة: فان كان مع العمد و الاختيار و التمكن من الاحرام من مكّة، بطل احرامه، لانه غير مأمور به، و لا يجوز الاكتفاء به و ترتيب الاثر عليه، و اللازم عليه العود الى مكّة و الرجوع اليها للتدارك و تجديد الاحرام بالنية و التلبية، و لا يكفي مجرد العود اليها من دون تجديد، و ان نسب الى بعض العامّة، لانّ ظاهر الروايات المشتملة على قوله: من مكّة. انه يعتبر ان يكون شروع الاحرام و الاهلال بالحج منها، فلا محيص عن التجديد بعد العود و الرجوع.
و ان كان مع الجهل و النسيان: فان امكن له العود الى مكّة و التجديد فيها، يجب ذلك، لان الجهل او النسيان لا يجدي في الحكم بالصحة بعد فرض امكان الاتيان بالمأمور به على وجهه. و مورد الروايتين المتقدمتين في المقام الثاني غير هذاالفرض.
و ان لم يمكن له العود اليها للتجديد: فالمحكي عن الشيخ، في الخلاف: اجزاء ذلك الاحرام و عدم لزوم التجديد في ذلك الموضع. و تبعه في كشف اللثام حاكيا له عن التذكرة ايضا، مستدلا بالاصل و بمساواة ما فعله لما يستأنفه، من الكون في غير مكّة و في العذر، لان النسيان عذر.
و لكنه اجاب عنه صاحب الجواهر (قدس سره): بان ما اوقعه اوّلا لم يوافق امرا به، فهو فاسد قال: «و من هنا كان مقتضى الاصل الفساد لا الصّحة، و امّا دعوى المساواة فلا ريب في انها قياس، و الاصل يقتضي العكس، اذ المصحّح للاحرام المستأنف انما هو الاجماع على الصّحة معه، و ليس النسيان مصحّحا له حتى يتعدّى الى غيره، و انّما هو مع العذر عذر في عدم وجوب العود، و هو لا يوجب الاجتزاء

(الصفحة348)



بالاحرام معه حيثما وقع، بل انما يجب الرجوع الى الدليل، و ليس هنا سوى الاتفاق، و لم ينعقد الاّ على الاحرام المستأنف، و امّا السابق فلا دليل عليه».
و قد استدركه بقوله بعده: «نعم، قد يقال بصحة احرام مصادف العذر واقعا، كما لو نسى الاحرام منها و احرم من غيرها، في حال عدم تمكّنه من الرجوع اليها، لو كان متذكرا لمصادفته الامر به واقعا حينئذ، فتامل. » و اشار بالامر بالتأمل الى جريان المناقشة في الحكم بالصحة في الصورة المذكورة، مع ان الظاهر هو الحكم بها، لان المأمور به بحسب الواقع هو الاحرام من نفس هذا المكان، لفرض عدم التمكن من العود، و لو كان متذكرا. غاية الامر، تخيله ان الوجه في الصحة هوالجواز في نفسه و بحسب الوظيفة الاختيارية الاولية، مع انّ الواقع هو استناد الجواز الى عدم التمكن و ثبوته مع الاضطرار، لكن هذا التخيل لا يقدح في الحكم بالصحة، مع مصادفته الامر به واقعا، كما هو واضح.
بقي الكلامبعد ظهور كون عنوان «البطن» المضاف الى مكّة، في اعتبار هذاالامر: يراد به البلد في مقابل النواحي و الاطراف، في انه هل المراد بمكّة ما هو الثابت في زمان صدور الروايات، فلا تشمل المحلاّت الجديدة الحادثة بعد ذلك الزمان، خصوصا في الازمنة المتأخرة، سيّما في هذا الزمان، او ان المراد بها: ما يطلق عليه عنوانها، و لو كانت متسعة؟ ربما يحتمل الاوّل، لكن الظاهر هو الثاني، لان الملاك هو العنوان، و قد اتسع بعد ذلك الزمان، كما ان المسجد الحرام قد توسع تدريجا في الازمنة المختلفة، و لا مجال لاحتمال اختصاص احكامه بخصوص ما كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله).
و يؤيّد، بل يدلّ على ما ذكرنا: ان الظاهر توسع مكّة في زمان صدور الرّوايات، الذي هو زمان الصادقين (عليهما السلام)بالاضافة الى زمان النبي (صلى الله عليه وآله)، فان كان المراد: ما هو في زمان النبي (صلى الله عليه وآله)، فليس في شيء من الروايات اشارة اليه

(الصفحة349)

خامسها: ان يكون مجموع العمرة و الحج من واحد و عن واحد فلو استؤجر اثنان لحج التمتع عن ميت، احدهما لعمرته و الاخر لحجّه، لم يجز عنه، و كذا لو حج شخص و جعل عمرته من شخص و حجّه عن اخر، لم يصحّ1 .


و اشعار به، فضلا عن الدلالة، و ان كان المراد ما هو في زمانهما (عليه السلام)، فليس لهوجه، بعد كون الروايات حاكية عما نزل وحيا، و دالة على كون الحكم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك، فلا يبقى الاّ كون المراد منها ما ينطبق عليه عنوانها، و ان اتّسعت جدّا.
1 - قال صاحب الجواهر (قدس سره) بعد الاستظهار من الاصحاب انه لا يشترط غير الامور المتقدمة: «يمكن ان يكون عدم ذكر اصحابنا لذلك ـ اي لهذا الامر الخامس ـ، اتكالا على معلومية كون التمتع عملا واحدا عندهم، و لا وجه لتبعيض العمل الواحد، فهو في الحقيقة مستفاد من كون حج التمتع قسما مستقلا، و يمكن ان لا يكون ذلك شرطا عندهم، لعدم الدليل على الوحدة المزبورة، التي تكون العمرة معها، كالركعة الاولى من صلاة الصبح، و الا لم تصح عمرته، مثلا مع اتفاق العارض عن فعل الحج الى ان مات، بل المراد اتصاله بها و ايجاب اردافه بها مع التمكن، و حينئذ فلا مانع من التبرع بعمرته عن شخص و بحجه عن اخر، لاطلاق الادلة، الى ان قال: و امّا الوقوع من شخص واحد، فلم اجد في كلام احد التعرض له، بمعنى انه لو فرض التزامه بحج التمتع بنذر و شبهه فاعتمر عمرته و مات مثلا، فهل تجزي نيابة احد عنه ـ مثلا ـ بالحج من مكة؟ و ان كان الذي يقوى عدم الاجزاء، ان لم يكن دليل خاص».
و قد تبعه في الترديد في اعتبار هذا الامر السيد (قدس سره) في العروة، بل استظهر من الرواية خلافه، و هي صحيحة محمد بن مسلم، عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل يحج عن ابيه، أيتمتع؟ قال: نعم، المتعة له و الحج عن ابيه.(1) و يظهر من

1 ـ وسائل ابواب النيابة في الحج الباب السابع و العشرون ح ـ 1.

(الصفحة350)



صاحب الوسائل ايضا ذلك، حيث جعل عنوان الباب: جواز نية الانسان عمرة التمتع عن نفسه و حج التمتع عن ابيه، و اورد فيه هذه الرواية فقط. لكن الاستظهار منها مبني على كون المراد من التمتع في السؤال و الجواب هي عمرة التمتع في مقابل حجّه، مع انه ممنوع، لظهور السّؤال في نفسه، في كون المراد هو حج التمتع، الذي هو من اقسام الحج في مقابل القران و الافراد. و عليه، لا بد من ملاحظة انّ النقطة المبهمة للسائل ـ الذي هو محمد بن مسلم، و هو من اجلاء الرّوات، و رواياته في مختلف ابواب الفقه من الكثرة بمكان ـ ماذا؟ فنقول: بعد ظهور السؤال في كون المراد: هو الحج عن ابيه بعد موته، و بعد وضوح كون حج التمتع من اقسام الحج و انواعه، امرا مسلما عند الرّاوي، يكون محط السّؤال و الاشكال، هو: انه لما كان امتياز حج التمتع و خصيصته المهمة هو تخلل الاحلال، و حصول الحلية بعد تمامية العمرة و قبل الشروع في الحج، و لذا سمي تمتعا، و هذا الامتياز لا يكاد يتحقق في الميت لفرض موته، و عدم استفادته من اثار الحياة بوجه، فعليه، ربما ينقدح في النفس انه لا يجوز النيابة عنه في حج التمتع، فلذا وقع السؤال عنه، و لا يبعد ان يكون النظر الى خصوص الحجّ المستحب، الذي لا يتعين فيه التمتع. و الجواب دالّ على: ان المتعة و الالتذاذ و ترتب اثار الخروج من الاحرام، انّما تكون مرتبطة بالنائب، و امّا اصل العمل و الحج فيرتبط بالمنوب عنه. و عليه، فلا دلالة في الرواية على التفكيك بين العمرة و الحج بوجه.
و بالجملة: لو كان مورد السؤال هو التفكيك، و جعل التمتع ـ اي عمرته ـ لنفسه و الحج عن ابيه، لكان اللازم جعل كلا الامرين في مورد السؤال، الذي يقع بعد همزة الاستفهام، كما ان اللازم تقييد التمتع بقوله: لنفسه. في مقابل الحج، الذي يوقعه عن ابيه، بل المناسب اعتبار امر ثالث، و هو ذكر التمتع قبل الحج، لكونه متقدما عليه في التمتع، فالتعبير الصحيح و المناسب ان يقول: ايتمتع عن نفسه

(الصفحة351)



و يحج عن ابيه؟ لا جعل التمتع المذكور مؤخرا، من دون التقييد بقوله: لنفسه.
عقيب همزة الاستفهام. و عليه، فالسؤال في نفسه يأبى عن التفكيك، و لا محيص الاّ عن الحمل على ما ذكرنا.
و قد فسّر الرواية بذلك المجلسي الاوّل ـ من دون ان يحتمل شيئا اخر ـ في روضة المتقين، الذي هو شرح لكتاب من لا يحضره الفقيه، حيث قال: «روى جعفر بن بشير عن العلاء في الصحيح، عن محمد بن مسلم الى قوله: ايتمتع؟ مع انه لا فائدة للأب في التمتع، لانه لا يمكن له التمتع بالنساء و الثياب و الطيب، الذي هو فائدة حج التمتع. قال (عليه السلام): نعم، المتعة و التمتع بالاشياء المذكورة له و الحج عن ابيه».
و قد جعل الصدوق عنوان الباب: «المتمتع عن ابيه» و اورد فيه هذه الرواية فقط، فيظهر منه ان المستفاد من الرواية جعل مجموع التمتع من الحج و العمرة عن ابيه، كما لا يخفى.
نعم، يجري في الرواية احتمال اخر، لكنه ضعيف، و هو: انه بعد كون المرادمن السؤال ما ذكرنا، يكون المراد من الجواب: انّ فضيلة حج التمتع، الذي هو افضل اقسام الحج و انواعه، فيما لم يكن متعينا، كما في الحج المندوب و النذر المطلق، تقع للنائب، و اصل العمل للمنوب عنه، كما انه هنا احتمال رابع، استظهره الماتن (قدس سره) في التعليقة على العروة، حيث قال: «و الظاهر ان صحيحة محمد بن مسلم، انّما هي في المستحب، ممّا ورد فيه جواز التشريك. بين الاثنين و الجماعة، و سوق السؤال يشهد بذلك، فان الظاهر انه سأل عمن يحج عن ابيه، أ يحجّ متمتعااو لا؟ فاجاب بافضلية التمتع، و امكان جعل حجه لابيه و عمرته لنفسه، و هو في المستحبات، و الاّ ففي المفروض لا بد من الاتيان حسب ما فات منه».
و يرد عليه: انه ان كان المراد: ان مورد الصحيحة هو المستحب دون المفروض.

(الصفحة352)



فلا تنبغي المناقشة فيه، كما نفينا البعد عنه انفا، و لكنه لا يستلزم كون المراد منها ما افاده، و لا ينافي ما استظهره صاحب العروة منها، و ان كان المراد: ان ما ورد في المستحب من التشريك المذكور يشمل المقام. فالظاهر العدم، لان مرجع التشريك الى التشريك في المجموع على سبيل الاشاعة لا التبعيض في اجزاء العمل، كما هو مفاد الرّواية. فالانصاف: ان مدلول الصحيحة ما ذكرنا، و هو لا يرتبط بالتفكيك اصلا.
نعم، ذكر في شرح الفقيه المذكور بعد تفسير الرواية، بما عرفت: «و يجوز الحجو العمرة لاثنين في عام واحد، اذ لا منافاة بينهما، كما رواه الشيخ في الصحيح عن الحرث بن المغيرة، عن ابي عبد الله (عليه السلام) في رجل تمتع عن امّه و اهلّ بحجّه عن ابيه، قال: ان ذبح فهو خير له، و ان لم يذبح فليس عليه شيء، لانه انما تمتع عن امّه، و اهل بحجّه عن ابيه».(1) و دلالة الرواية على جواز التفكيك ظاهرة، لكنه ربما يناقش في سندها من جهة صالح بن عقبة، الذي ضعفه ابن الغضائري و تبعه العلامة، و لكن الظاهر ان تضعيف ابن الغضائري مع كثرته و عدم ثبوت نسبة الكتاب اليه لا اعتبار به، خصوصا مع التوثيق الخاص عن المجلسي في العبارة المذكورة، و التوثيق العام الواقع بالنسبة الى جميع رواة اسناد كامل الزيارات و تفسير علي بن ابراهيم، فلا عبرة بهذه المناقشة، و تضعيف العلامة انما كان بتبعه.
نعم، يقع الكلام بعد ذلك، في: ان اعراض المشهور عن الفتوى على طبقها، هل يوجب سقوطها، او انه لم يثبت الاعراض او لم يثبت قادحيته؟ و على التقديرالثاني: هل يؤخذ بالرواية بالاضافة الى خصوص موردها، لكونها على خلاف

1 ـ وسائل ابواب الذبح الباب الاول ح ـ 5.

(الصفحة353)

مسألة 2 ـ الاحوط ان لا يخرج من مكّة بعد الاحلال عن عمرة التمتع بلا حاجة و لو عرضته حاجة فالاحوط ان يحرم للحج من مكّة و يخرج لحاجته و يرجع محرما لاعمال الحج، لكن لو خرج من غير حاجة و من غير احرام ثم رجع و احرم و حج صحّ حجّه1 .


القاعدة، فيقتصر على خصوص المورد، او انه و ان كانت النسبة بينها و بين ادلة ارتباط عمرة التمتع بحجّه و بالعكس هو العموم مطلقا، الاّ انه حيث كان العام من القوة بمكان فلا يتقدم الخاص عليه حينئذ، بعد كون التقديم امرا مرتبطابالعقلاء في عالم التقنين لا بالعقل و لا بالعقلاء في غير ذلك العالم، فتدبّر.
1 - قال في الشرايع: «و لا يجوز للمتمتع الخروج من مكّة حتى يأتي بالحج، لانه صار مرتبطا به، الاّ على وجه لا يفتقر الى تجديد عمرة» و قد فسّر المستثنى في الجواهر تبعا للمدارك: بان يخرج محرما بالحج باقيا على احرامه حتى يحصل الحج منه، او يعود للحج قبل مضي شهر، كما انه نسب في المدارك مجموع ما ذكره في الشرايع الى المشهور بين الاصحاب.
لكن عن الوسيلة و المهذب و الاصباح و موضع من النهاية و المبسوط: اطلاق المنع. نعم، حكى عن خصوص الوسيلة: استثناء صورة الاضطرار، كما انه حكى عن السرائر و النافع و المنتهى و التذكرة و موضع من التحرير، و ظاهر التهذيب و موضع اخر من النهاية و المبسوط: الكراهة.
و ذكر السيّد (قدس سره) في العروة: انه يمكن دعوى عدم الكراهة ـ ايضا ـ مع علمه بعدم فوات الحج منه إذا خرج، قال: نعم، لا يجوز الخروج لا بنية العود، او مع العلم بفوات الحج منه إذا خرج.
و احتاط وجوبا في المتن في ترك اصل الخروج بلا حاجة، و في الاحرام للحج من مكّة إذا خرج لحاجة، و قد تبع في ذلك كاشف اللثام، غير انه ذكر الضرورة مكان الحاجة، و استثنى صورة التضرر بالبقاء على الاحرام لطول الزمان.
و منشأ الاختلاف فيما ذكر، اختلاف ما ورد من الروايات في المقام:

(الصفحة354)



فطائفة منها تدل بظاهرها على حرمة الخروج مطلقا، مثل: صحيحة زرارة، عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: كيف اتمتّع؟ قال: تأتي الوقت فتلبيّ، الى ان قال: و ليس لك ان تخرج من مكّة حتى تحجّ.(1) و صحيحته الاخرى، عن ابي جعفر (عليه السلام)قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): كيف اتمتع؟ فقال: تأتي الوقت فتلبيّ بالحجّ، فاذا اتى مكّة طاف و سعى و احلّ من كل شيء، و هو محتبس ليس له ان يخرج من مكّة حتى يحج.(2) و الظاهر اتحادها مع الاولى بمعنى كونهما رواية واحدة، و ان جعلهما في الوسائل متعددة، و تبعها الكتب الفقهيّة.
و صحيحة معاوية بن عمّار، عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث، قال: تمتّع فهو و الله افضل، ثم قال: ان اهل مكّة يقولون: ان عمرته عراقيّة و حجته مكيّة، كذبوا، او ليس هو مرتبطا بالحج، لا يخرج حتى يقضيه.(3) و طائفة تدل على انه محتبس او مرتهن بالحج، و على جواز الخروج لدى الحاجة، مثل: مرسل موسى بن القاسم عن بعض اصحابنا، انه سأل ابا جعفر (عليه السلام)في عشر من شوّال، فقال: انّي اريد ان افرد عمرة هذا الشهر؟ فقال.
انت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: ان المدينة منزلي و مكّة منزلي و لي بينهما اهلو بينهما اموال، فقال له: انت مرتهن بالحجّ، فقال له الرجل: فان لي ضياعا حول مكّة، و احتاج الى الخروج اليها؟ فقال: تخرج حلالا و ترجع حلالا الى الحج.(4).

1 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الثاني و العشرون ح ـ 1.
2 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الثاني والعشرون ح ـ 5.
3 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الثاني و العشرون ح ـ 2.
4 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الثاني و العشرون ح ـ 3.

(الصفحة355)



بناء على كون المراد من السؤال جعل عمرة التمتع ـ التي اتى بها ـ عمرة مفردة، كما لا تبعد دعوى ظهور السؤال فيه في نفسه، لثبوت الفرق بين التعبير بارادة الاتيان بالعمرة المفردة و بين التعبير بارادة جعل العمرة مفردة، مضافا الى دلالة الجواب عليه. و عليه، فالذيل انّما يرتبط بعمرة التمتع ايضا، فيدل على جواز الخروج عند الحاجة اليه، و قد حملها الشيخ (قدس سره) في محكي التهذيبين على ذلك.
و امّا ما افاده بعض الاعلام، من كون الرواية اجنبية عن المقام، لان موردهاالعمرة المفردة، و الجواب محمول على ان الحج كان واجبا عليه، و انه كان حج الافراد، ففي غاية البعد، لعدم الشاهد على وجوب الحج عليه، مع كون المفروض هو الاتيان بالعمرة المفردة.
لكن الاشكال في سند الرواية من جهة الارسال، و يمكن دفعه باتحاد هذه الرّواية مع ذيل الرواية المفصلة المتقدمة في مسألة من كان من اهل مكة و خرج الى بعض الامصار، المشتملة على رواية موسى بن القاسم، التي ظاهرها كونهارواية مستقلة، و التعبير فيها بقوله: و رأيت من سأل ابا جعفر (عليه السلام)، و قد عرفت استظهار المجلسي: ان المراد بابي جعفر هو ابو جعفر الثاني، الجواد (عليه السلام)، و في ذيلها قال: فسأله بعد ذلك رجل من اصحابنا، فقال: اني اريد ان افرد عمرة هذا الشهر، يعني شوال، فقال له: انت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: ان اهلي و منزلي بالمدينة، و لي بمكة اهل و منزل، و بينهما اهل و منازل، فقال له: انت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: فان لي ضياعا حول مكّة، و اريد ان اخرج حلالا، فاذاكان ابّان الحج حججت.(1) فان ظاهرها حضور موسى بن القاسم حال السؤال الاخير، و سماعه السؤال و الجواب بنفسه، و من الواضح عدم كونها قضية اخرى،

1 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب السابع ح ـ 1.

(الصفحة356)



و على تقديرها فيمكن التمسك بنفس هذا الذيل مكان المرسلة، كما ان دلالتها على الجواز بصورة التقرير ظاهرة ايضا، لانه على تقدير عدم الجواز كان عليه المنع و النهي.
و صحيحة حفص بن البختري، عن ابي عبد الله (عليه السلام) في رجل قضى متعته و عرضت له حاجة اراد ان يمضي اليها، قال: فقال: فليغتسل للاحرام و ليهلّ بالحج، و ليمض في حاجته، فان لم يقدر على الرجوع الى مكّة مضى الى عرفات.(1) و صحيحة حمّاد بن عيسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: من دخل مكّة متمتعا في اشهر الحج لم يكن له ان يخرج حتى يقضي الحج، فان عرضت له حاجة الى عسفان اوالى الطائف اوالى ذات عرق، خرج محرما و دخل ملبيّا بالحج، فلا يزال على احرامه، فان رجع الى مكّة رجع محرما و لم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس الى منى على احرامه، و ان شاء وجهه ذلك الى منىّ... (الحديث).(2) و هنا طائفة ثالثة جعلها السيد (قدس سره) في العروة قرينة لحمل الاخبار الناهية على الكراهة:
منها: صحيحة الحلبي، قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتمتع بالعمرة الى الحج يريد الخروج الى الطّائف، قال: يهلّ بالحج من مكّة، و ما احبّ ان يخرج منها الاّ محرما. و لا يتجاوز الطائف، انّها قريبة من مكّة.(3) نظرا الى ان قوله (عليه السلام): ما احبّ. ظاهر في عدم الحرمة، و لو مع عدم الحاجة، و لا مجال للحمل على صورة الحاجة.
و لكن يرد عليه: ان قوله (عليه السلام): ما احبّ. و ان لم يكن ظاهرا بنفسه في الحرمة،

1 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الثاني و العشرون ح ـ 4.
2 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الثاني و العشرون ح ـ 6.
3 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الثاني و العشرون ح ـ 1.

(الصفحة357)



كما انه لا يكون ظاهرا في عدمها ايضا، الاّ انّه مع وجود الاخبار الناهية المتقدمة، تصير تلك الاخبار مفسرة للمراد من هذا القول، و تبين ان المقصود هو النّهي، و لا مجال لدعوى العكس، و السّر فيه: مضافا الى فهم العرف و حكمه بذلك، ظهور تلك الاخبار في النهي و الحرمة، و عدم ظهوره في الخلاف، بل جريان الاحتمالين فيه. و على تقدير ظهوره في عدم الحرمة، ليس هذا الظهور في مرتبة ظهور النّهي. فالانصاف: عدم كون هذا التعبير قرينة على خلاف الظاهر في تلك الاخبار.
نعم، تعليله (عليه السلام) النهي عن التجاوز عن الطائف: بانّها قريبة من مكّة، ربمايؤيد عدم كون النهي مولويّا، بل ارشاديا، كما يأتي البحث فيه ان شاء الله تعالى.
و منها: ما رواه الكليني عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد، عمن ذكره عن ابان بن عثمان، عمّن اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: المتمتع محتبس، لا يخرج من مكّة حتى يخرج الى الحج، الاّ ان يأبق غلامه او تضلّ راحلته، فيخرج محرما، و لا يجاوز الاّ على قدر ما لا تفوته عرفة.(1) و قد ذكر السيد (قدس سره) في العروة. ان قوله (عليه السلام): و لا يجاوز.... و ان كان بعد قوله: فيخرج محرما، الاّ انه يمكن ان يستفاد منه: ان المدار فوت الحج و عدمه.
و لكنه اجاب عنه سيد المستمسك: بان هذه الاستفادة بعيدة جدّا، نظرا الى انه لو كان المقصود ذلك لم تكن حاجة الى الجمل المتتابعة السّابقة، المتضمنة للمنع عن الخروج الاّ للضرورة، و انه على تقدير الضرورة الى الخروج فلا يخرج محلا، و كان اللازم الاقتصار على قوله: المتمتع محتبس، لا يجوز له تفويت الحجّ. هذا، و لكن في الرواية ارسالا من جهتين، و لا مجال للاعتماد عليها بوجه.

1 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الثاني و العشرون ح ـ 9.

(الصفحة358)



و منها: مرسلة الصدوق، قال: قال الصادق (عليه السلام): إذا اراد المتمتع الخروج من مكّة الى بعض المواضع فليس له ذلك، لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه، الاّ ان يعلم انه لا يفوته الحج، و ان علم و خرج، و عاد في الشهر الذي خرج دخل مكّة محلا، و ان دخلتها (دخلها) في غير ذلك الشهر دخلتها (دخلها) محرما.(1) و دلالتها على جواز الخروج مع العلم بعدم فوات الحج، و كون خروجه من دون احرام، واضحة لا ارتياب فيها، لكنه ربما يشكل فيها من جهة السند بالارسال، لوضوح وجود الوسائط بينه و بين الامام (عليه السلام). لكن الظاهر كماذكرنا مرارا: حجيّة هذا النحو من المرسلات، الذي ينسب فيه الكلام الى الامام (عليه السلام)، كأنه قد سمع منه دون ان ينسب الى الرواية و قول الرّاوي، و احتمال كون المنشأ لذلك هو بنائه على اصالة العدالة غير المعتبرة عندنا. ينفيه: انه لو كان ذلك لبنائه عليها مع تعدد الروايات الواردة بهذا النحو من الصدوق، لكان اللازم الاشارة اليه و لو في مورد واحد، خصوصا مع التفاته الى عدم كون هذا الاصل معتبرا عند الجميع، كما ان احتمال كون الخبر مستندا الى مقدمات حدسية اجتهادية، لا يجتمع مع شأن المحدّث و الراوي، خصوصا إذا كان الراوي متّصفا بانه رئيس المحدثين.
و بالجملة: لا مجال لطرح الرواية من جهة الارسال في هذا النوع من المرسلات.
و مثلها: ما عن فقه الرضا.(2) و لكنه لم تثبت حجّيته و اعتباره.
ثم انه ذكر السيد (قدس سره) في العروة: انه يمكن ان يقال: ان المنساق من جميع

1 ـ وسائل ابواب اقسام الحج الباب الثاني و العشرون ح ـ 9.
2 ـ مستدرك الوسائل ابواب اقسام الحج الباب الثامن عشر ح ـ 1.

(الصفحة359)



الاخبار المانعة، ان ذلك للتحفظ عن عدم ادراك الحج و فوته، لكون الخروج في معرض ذلك. و على هذا، فيمكن دعوى عدم الكراهة ايضا، مع علمه بعدم فوات الحج منه. و الظّاهر ان مراده عدم ثبوت حكم مولوي في المقام تحريما او تنزيها، متعلقا بالخروج من مكة بعنوانه، بحيث كان نفس هذا العنوان محكوما بحكم تعبّدي غير مرتبط بالحج، فان استثناء صورة العلم بانه لا يفوته الحج في رواية الصدوق ـ التي عرفت اعتبارها ـ يدلّ على عدم كون الخروج موضوعا للحكم بعنوانه، كما ان تعليل النهي عن التجاوز عن الطائف، الظاهر في جواز الخروج اليه، بانّها قريبة من مكّة، يشعر بل يدل ـ كما افاده الماتن (قدس سره) في التعليقة على العروة ـ على انّ الحكم ارشادي، و الغرض التحفظ على درك الوقوفين و سائر مناسك الحج، و يؤيده الاستثناء في مرسلة ابان، المشتملة على قوله (عليه السلام): و لا يجاوزالا على قدر ما لا تفوته عرفة، كما انّك عرفت ظهور رواية موسى بن القاسم في جواز الخروج حلالا و الرجوع كذلك، و عرفت ايضا ان الرواية معتبرة لا مناقشة فيها من جهة الارسال.
كما ان الحكم في بعض الروايات بالاحرام للحج في صورة الخروج، انّمايكون المنساق منه هو التحفظ على رعاية لزوم كون احرام الحج من مكة، نظرا الى انه في فرض عدم امكان الرجوع او عدم ارادته، قد تحقق منه ذلك، فيمضي من ذلك المكان الى عرفات من دون لزوم الرجوع الى مكّة، لفرض تحقق الاحرام منها.
كلّ ذلك يدل على: انه لا يكون في البين حكم تعبدي مولوي متعلق بالخروج تحريما او تنزيها، و لو في صورة عدم الحاجة، و كذا بالاحرام عند ارادة الخروج، بل الغرض درك مناسك الحج و تحقق احرامه من مكة، و جعل الخروج متعلّقا للحكم انما هو باعتبار كونه في معرض عدم ادراك المناسك خصوصا في تلك

(الصفحة360)



الازمنة، التي كانت الوسائل النقلية عبارة عن الحيوانات. و مما ذكرنا يظهر الاشكال فيما اجاب به المستمسك عن السيد (قدس سره) في عبارته المتقدمة، فان موضوع الحكم، و ان كان هو تفويت الحج الاّ انه لا مانع من النهي عن الخروج، ارشادا الى كونه في معرض التفويت نوعا. و عليه، فلا مانع من الخروج من دون احرام، و لو مع عدم الحاجة، إذا علم بعدم التفويت و امكان الرجوع الى مكة و الاحرام منها للحج، و لكن لا ينبغي ترك الاحتياط بعدم الخروج من دون حاجة، و بالاحرام مع الخروج معها، بل حيث ان الشهرة على المنع ـ كما يظهر مما تقدم عن المدارك ـ لا يترك الاحتياط، فتدبّر.
ثم انه لا شبهة في انه على تقدير ثبوت المنع و الحرمة، إذا خرج من دون حاجة و من دون احرام، ثم رجع الى مكّة و احرم منها للحج، لا يقدح ذلك في صحة حجّه اصلا، لان الحكم على تقدير ثبوته حكم تكليفي، لا يرتبط بصحة العمرة و الحج، بل تكون مخالفته مجرد مخالفة حكم تكليفي محض.
و هاهنا فرعلم يقع التعرض له في المتن، و لكنه تعرض له السيّد (قدس سره) في العروة ـ تبعالصاحب الجواهر ـ هنا، و في خاتمة بحث الاحرام في حكم دخول مكّة، و هو انه لو خرج من قضى عمرة التمتع من مكّة محلا، امّا لجوازه رأسا او للضرورة او جهلا او عمدا و مع الالتفات، فهل يجب عليه فيما إذا كان رجوعه بعد شهر الاحرام للدخول الى مكة او لا يجب؟ قال السيد ـ، ما هذه عبارته: «ثم الظاهر ان الامر بالاحرام إذا كان رجوعه بعد شهر انما هو من جهة ان لكل شهر عمرة، لا ان يكون ذلك تعبّدا او لفساد عمرته السّابقة او لاجل وجوب الاحرام على من دخل مكّة، بل هو صريح خبر اسحق بن عمّار، قال: سألت ابا الحسن (عليه السلام)

<<التالي الفهرس السابق>>