في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة41)

مسألة 10 ـ يجب الاجتناب عن الرّياحين أي كلّ نبات فيه رائحة طيبة إلاّ بعض أقسامها البرّية كالخزامي ـ وهو نبت زهرة من أطيب الأزهار على ماقيل ـ والقيصوم والشيح والاذخر، ويستثنى من الطيب خلوق الكعبة وهو مجهول عندنا فالأحوط الاجتناب من الاجتناب من الطيب المستعمل فيها 1 .


تعالى وصبغ للآكلين وبناء على فتح الصاد يكون المراد به هو الصبغ بمعنى ايجاد اللون وهو يكون مستلزماً لاستشمام رائحته كما ان الاول يكون مستلزماً لأكله. وامّا الاطلاء فهو بمعنى المسح الملازم للشمّ والبخور بمعنى التبخير كذلك.
الجهة الثالثة: في عدم حرمة الزنجبيل والدارصينى امّا بناء على اختصاص الحرمة ببعض انواع الطيب فواضح وامّا بناء على ما ذهب اليه المشهور من الاطلاق فلأجل عدم كونهما من أنواع الطيب بعدما عرفت من مدخلية الاتخاذ للشمّ غالباً في معناه نعم سيأتي من المبسوط كلام يظهر منه انّ جميع هذه الامور يصدق عليه عنوان الطيب وان كان بين أنواعه اختلاف في الحكم فانتظر...
(1) يقع الكلام في المسألة في أمرين:
الامر الاوّل: في الرياحين ولنقدم قبل التعرض لحكمها كلاماً محكيّاً من الشيخ في المبسوط فنقول قال فيه: «الطيب على ضربين: احدهما «ماظ» تجب فيه الكفارة وهي الاجناس الستّة التي ذكرناها: المسك والعنبر والكافور والزعفران والعود والورس. والضرب الآخر على ثلاثة أضرب:
أولهما: ينبت للطيب ويتخذ منه الطيب مثل الورد والياسمين والجبزي (والخبزي خ ل) والكازي والنيلوفر فهذا يكره ولا يتعلق باستعماله كفارة إلاّ ان يتخذ منه الادهان الطيبة فيدهن بها فيتعلق بها كفارة.
وثانيها: لاينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب مثل الفواكه كالتفاح والسفرجل

(الصفحة42)



والنارنج والاترج والدارصيني والمصطكي والزنجبيل والشيح والقيصوم والاذخر وحبق الماء والسعد ونحو ذلك، وكل ذلك لاتتعلق به كفارة ولا هو محرم بلا خلاف وكذلك حكم أنوارها وأورادها وكذلك ما يعتصر منها من الماء والأولى تجنب ذلك للمحرم.
الثالث: ماينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب مثل الريحان الفارسي ولا تتعلق به كفارة ويكره استعماله وفيه خلاف».
ومراده من الكراهة في الموردين هو مجرد الحرمة الخالية عن الكفارة الكراهةِ المصطلحة فانَّ الشيخ كما مَرَّ ييقول فى المبسوط بمقالة المشهور وهي حرمة مطلق الطيب غاية الامر اَنَّه يخصّص الكفّارة بخصوص الاجناس الستة التي ذكرها كما انه يعمّمها للتدهين. وظاهره انّ المَقسَم لجميع هذه الضروب الأربعة هو عنوان الطيب فاللازم ان يقال بعدم كون مراده هو الطيب بالمعنى العرفي الذي قد عرفت تعريفه في كلمات جماعة من الفقهاء ـ فانه لايشمل الجميع كما هو واضح.
اذا عرفت ذلك فاعلم انّ الروايات الواردة في الرياحين على طائفتين:
احداهما: ما تدلّ على الحرمة بنحو الاطلاق وهي ثلاث روايات:
الأولى: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي  (عليه السلام) قال: لاتمسّ ريحاناً وانت محرم، ولا شيئاً فيه زعفران، ولا تطعم طعاماً فيه زعفران(1) . وهذه الرواية كما انّها معتبرة من حيث السنّد ظاهرة من حيث الدلالة على ان مسّ الريحان وشمّه حرام في حال الاحرام وانّ الريحان مغاير للطيب ولايكون من مصاديقه كما ان الظاهر انّ المراد بالريحان هو الريحان العربي الذي هو عبارة عن مطلق النبات الذي يكون فيه رائحة طيبة لا الريحان الفارسي الذي هو نوع خاص مثل النعناع وغيره ولا فرق في الريحان المطلق بين البريّ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح3.

(الصفحة43)



وبين ما ينبته الآدمي.
الثانية: مرسلة حريز عمّن أخبره عن ابي عبدالله  (عليه السلام) قال: لايمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به ولا يربح طيبة فمن ابتلى بذلك فليتصدّق بقدر ما صنع قدر سعته(1) .
الثالثة: صحيحة حريز عن أبي عبدالله  (عليه السلام) قال: لايمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به فمن ابتلى بشيء من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع شبعه يعني من الطعام...(2)
ولا شبهة في اتّحاد الروايتين وان كلمة «شبعه» تصحيف لـ «سعته» أو بالعكس لِقربهما في الكتابة ولأجل الاتحاد استشكل في اعتبار سند الرواية لأجل ترددها بين كونها مسندة أو مرسلة كما انه بناء على ما اخترناه من عدم حرمة مطلق الطيب لابدّ من حمل النهي فيها على الكراهة بخلاف الصحيحة الأولى الظاهرة في الحرمة لكون الزعفران من الأنواع التي لاشبهة في حرمته.
نعم بناء على مختار المتن من حرمة مطلق الطيب تكون الروايتان ظاهرتين من حيث الدلالة على الحرمة وان كان ربما يقع الاشكال في الدلالة بناء عليه من جهة الكفارة المذكورة فيهما حيث ان كفارة استعمال الطيب كما سيأتي هو دم شاة إلاّ ان يحمل قوله: فمن ابتلى على غير صورة العمد والالتفات ويأتي البحث فيها انشاء الله تعالى وكيف كان ففي الصحيحة الأولى كفاية لما عرفت من خلوها عن المناقشة من حيث السند والدلالة.

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح6.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح11.

(الصفحة44)



ثانيتهما: ما تدلّ على جواز شمّ جملة من الرياحين وهي صحيحة معاوية بن عمّار قال: قال ابو عبدالله  (عليه السلام)  لابأس ان تشمّ الاذخر والقيصوم والخزامي والشيح وأشباهه وأنت محرم(1) . وقد رواها المشايخ الثلاثة عنه.
وهل المراد بقوله: وأشباهه هي أشباه المذكورات من خصوص النباتات البرية التي لها رائحة طيبة فتدلّ على عدم حرمة خصوص تلك النباتات أو ان المراد به مطلق الرياحين أعم من البريّة وغيرها.
فعلى الأوّل يكون مقتضى الجميع بين الطائفتين حمل الطائفة الأولى على النباتات غير البرية كالريحان الفارسي والنعناع وغيرهما والحكم بعدم حرمة خصوص النباتات البريّة التي لها رائحة طيبة وهذا هو الطريق الذي سلكه الماتن  (قدس سره).
وعلى الثاني يكون مقتضى الجمع هو حمل الأولى على الكراهة لأنه بعد دلالة الثانية على نفي البأس عن مطلق الرياحين لابدّ من حمل الأولى على الكراهة والحكم بعدم حرمتها على المحرم زائدة على الطيب ويؤيده قوله  (عليه السلام) في بعض الروايات المتقدمة في الطيب فانه لاينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة وقد اختار هذا الوجه بعض الاعلام  (قدس سرهم).
هذا ولكن الظاهر هو الطريق الأوّل ولو بناء على المختار من اختصاص الحرمة في الطيب ببعض الأنواع وذلك لأنه لو كان المراد من أشباهه مطلق الرياحين لكان التعرض لما ينبتُهُ الآدمي ممّا هو محل الابتلاء نوعاً أولى ولا ملائمة بينه وبين التعرّض للعناوين الخاصة من النباتات البرية وافادة اطلاق الحكم وعمومه بمجرد قوله « واشباهه » مع ان حمل الصحيحة الأولى على الكراهة مع عطف الزعفران على الريحان مسّاً وطعاماً

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والعشرون، ح1.

(الصفحة45)



لامجال له بعد وضوح ثبوت الحرمة في الزعفران.
وامّا ما أفاده البعض المتقدم من انه لايحتمل ان الريحان أشدّ من سائر أفراد الطيب والعطور فيردّ عليه بعد كون مثل هذه الاحكام من الأحكام التعبدية التي لا طريق الى استكشاف ملاكها إلاّ بالظنون غير المعتبرة انّ مثل هذا الايراد يردُ على نفسه ايضاً فان سائر افراد الطيب والعطور ربما يكون أشدّ في الجهة المطلوبة من الطيب من الأنواع الخمسة التي خص الحكم بالحرمة بها.
نعم ما أورده على صاحب الحدائق بعد حكاية اضافة الريحان الى الانواع الخمسة عنه الظاهرة في كون مراده هو الريحان الفارسي من ان الريحان في لغة العرب اسم لكل نبات له رائحة طيبة ويجمع على رياحين فالرواية الأولى ظاهرة في حرمة مطلق الريحان في نفسها صحيح لا مجال للخدشة فيه.
وقد انقدح مما ذكرنا صحة ما افيد في المتن من التفصيل في الرياحين وان قلنا باختصاص حرمة الطيب ببعض الأنواع.
الأمر الثاني في استثناء خلوق الكعبة والمحكى عن المغرب والمعرب انه ضرب من الطيب مايع فيه صفرة، وعن النهاية انه طيب معروف مركب من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة. وعن ابن خبرله في منهاجه: «ان صفته زعفران ثلاثة دراهم، قصب الذريرة خمسة دراهم، اشند درهمان، قرنفل وقرفد من كلّ واحد درهم يدقّ ناعماً وينخل ويعجن بماء ورد ودهن ورد حتى يصير كالرّهشي في قوامه، والرهشي هو السمسم المطحون قبل ان يعصر ويستخرج دهنه».
والظاهر انه كان معروفاً في زمن صدور الروايات وانه كان طيباً مركّباً من أنواع الطيب ومن أجزائه الركنية الزعفران كما ان طلى الكعبة به يرشد الى اشتماله على بعض

(الصفحة46)



الأدهان والمناسب كونه دهن الورد كما عن المنهاج.
هذا ولكن أفاد الماتن  (قدس سره) ان خلوق الكعبة مجهول عنده بمعنى انه لايعلم كونه من أي قسم من أقسام الطيب وانه مركب من أزيد من قسم واحد أو غير مركّب بعد كون استثنائه مقتضى النص والفتوى بل في المنتهى ومحكىّ الخلاف الاجماع عليه وظاهر المتن انه مع الجهالة يكون مقتضى القاعدة لزوم الاحتياط عن الطيب المستعمل في الكعبة حيث انه فرّع الاحتياط عليها ويرد عليه انه على هذا التقدير يكون مقتضى القاعدة عدم لزوم الاحتياط وذلك لأنّ أدلّة استثناء الخلوق بمنزلة المقيد للأدلة الدالة على حرمة الطيب بقول مطلق بناء على مختاره أو خصوص الأنواع الخمسة بناء على ما اخترناه واذا كان الدليل المقيد مجملاً بحسب المفهوم وكان دائراً بين المتبائنين ـ مثلاً ـ دون الأقل والأكثر لا مجال للرجوع الى اصالة الاطلاق أو اصالة العموم في شيء منهما بل تجري اصالة البراءة فاذا قال المولى اكرم العلماء ثم قال بدليل منفصل لايجب اكرام زيد العالم وكان زيد العالم مردداً بين زيد بن عمرو وزيد بن بكر لكون كليهما عالمين تجري اصالة البرائة عن وجوب اكرام كل منهما لمعارضة اصالة العموم في كل واحد مع اصالة العموم في الآخر وليس هنا علم اجمالي بثبوت التكليف في البين ولا ما يقوم مقامه مثل البنية بل ليس في البين إلاّ أصالة العموم وهي في كل واحد منهما معارضة مع الاُخرى ولازم التعارض التساقط والرجوع الى اصالة البرائة والمقام من هذا القبيل.
وكيف كان فالروايات الواردة في هذا الباب متعددة مثل:
صحيحة عبدالله بن سنان قال سألت أبا عبدالله  (عليه السلام) عن خلوق الكعبة يصيب

(الصفحة47)



ثوب المحرم قال: لابأس ولا يغسله فانه طهور(1) . والمراد بالطهور بعد كون مقتضى صيغته هو الطاهر بنفسه المطهر لغيره وبعد وضوح عدم كون المراد هنا التطهير من النجاسة الخبيثة التي يجب الاجتناب عنها في الصلاة وغيرها هو ما يوجب زوال الأوساخ والقذارات العرفية الملتصقة بالكعبة لأجل كثرة استلامها ومسّها من الطوائف المختلفة من المسلمين مع اختلافهم في رعاية النظافة وعدمها فالخلوق يوجب زوال تلك الأوساخ وعدم التلطّح بها بعد الزوال سريعاً لأنه ليس مثل الماء بل أمر باق يمنع عن التلطّح كذلك وعليه فمرجع التعليل الى انه ليس المراد من طلي الكعبة بالخلوق هو حصول الريح الطيبة لها بل الغرض كونه مطهّراً لها عن الأوساخ العرفيّة ولأجله لابأس بان يصيب ثوب المحرم ولا يجب عليه غسله وفي هذه الأزمنة يستعمل ماء الورد فى هذه الجهة وتستعمل كلمة «شست شو» بالفارسية التي هي عبارة عن المطهرية عن الاوساخ.
وصحيحة يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبدالله  (عليه السلام): المحرم يصيب ثيابه الزعفران من الكعبة قال: لايضرّه ولا يغسله(2). ويستفاد من هذه الرواية كون الزعفران من الأجزاء الركنية للخلوق والظاهر ان الوجه فيه اشتمال الزعفران على خصوصيتين الرائحة واللون الجالب، واحتمال كون الزعفران في الرواية أمراً آخر غير مرتبط بالخلوق في غاية البعد.
وصحيحة حمّاد بن عثمان قال: سألت أبا عبدالله  (عليه السلام) عن خلوق الكعبة وخلوق

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والعشرون، ح1.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والعشرون، ح2.

(الصفحة48)



القبر يكون في ثوب الاحرام فقال: لابأس بهما، هما طهوران(1) . وقد أفتى باستثناء خلوق القبر أيضاً ابن سعيد استناداً الى هذه الرواية والظاهر بمقتضى ما ذكرنا ان المراد هي القبور التي كانت مزاراً لجماعة من المسلمين وكانت الزيادة لانتقال بعض الأوساخ اليها لارتفاعها عن سطح الأرض، كما كانت متعارفة في تلك الأزمنة وفي بلادنا في هذه الأزمنة أيضاً.
وموثقة سماعة انه سأل أبا عبدالله  (عليه السلام) عن الرجل يصيب ثوبه زعفران الكعبة وهو محرم فقال لابأس به وهو طهور فلا تتقّه ان تصيبك(2).
ومرسلة ابن ابي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله  (عليه السلام) قال سئل عن خلوق الكعبة للمحرم أيغسل منه الثوب قال لا هو طهور ثم قال ان بثوبي منه لطخاً(3).
انه بملاحظة هذه الروايات لايبقى مجال للاشكال في أصل الحكم ومورد الجميع وان كان هي اصابة الخلوق أو الزعفران الذي فيه ثوب المحرم وانه لابأس بهما ولا يجب غسل ما أصاب منه اليه إلاّ انّه يستفاد منها انه لا مانع من شمّ الطيب الذي في الخلوق لأنّه وان اُريد به الطهورية بالمعنى الذي ذكرنا إلاّ انه لايخلو من الرائحة الطيبة لا محالة فاستلام الكعبة ومسّها يلازم الشمّ عادة ولا مجال لاحتمال كون مفاد الروايات مجرد نفي البأس عن اصابة الثوب ولا دلالة لها على جواز الشم ايضاً فان المتفاهم العرفي منها كون الخلوق مستثنى بجميع الأفعال المحرّمة المتعلقة بالطيب لا خصوص اصابة الثوب وإلاّ يلزم ان تكون اصابة البدن ايضاً محرّمة لخروجها عن مورد الروايات

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والعشرون، ح3.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والعشرون، ح4.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والعشرون، ح5.

(الصفحة49)

مسألة 11 ـ لايجب الاجتناب عن الفواكه الطيبة كالتُّفاح والاترج أكلاً واستشماماً، وان كان الأحوط ترك استشمامه 1 .


مع ان وضوح خلافه لا شبهة فيه.
ثمّ انّ قوله  (عليه السلام) فانه طهور في صحيحة عبدالله بن سنان الظاهر في كونه علّة للحكم بعدم وجوب الاجتناب يدلّ على عدم اختصاص الحكم بالخلوق لدوران الحكم سعة وضيقاً مدار العلّة كذلك فكل طيب يكون متّصفاً بالطهورية لايلزم الاجتناب عنه وعليه فماء الورد المستعمل في تطهير الكعبة في هذه الأزمنة يكون مستثنى من الطيب المحرَّم بناء على مقالة المشهور لوجود العلّة فيه وهذا بخلاف التجمير الذي يحمل على الخلوق ويكون زائداً عنه فان هذه الروايات لا دلالة لها على جواز شمّه لعدم كونه طهوراً بالمعنى الذي ذكرناه.
وعليه فيشكل حكمه بل المحكى عن المسالك انه حرّم غير الخلوق اذا طيبت به الكعبة بالتجمير أو غيره اقتصاراً على المنصوص.
قال: لكن لايحرم عليه الجلوس فيها وعندها ـ ح ـ وانّما يحرم الشمّ ولا كذلك الجلوس في سوق العطّارين وعند المتطيّب فانّه يحرم.
هذا ولكن يردّ عليه مضافاً الى انّ التجنب عن شمّه عسر ومناف لاحترام الكعبة لاستلزامه الامساك بالأنف والقبض عليه بل يستفاد من الأدلة الدالة على جواز الجلوس عندها بل استحبابها عدم لزوم القبض على الأنف خصوصاً مع عدم اشعار شيء منها بذلك.
انّ الرواية الواردة في جواز شمّ المحرم الطيب من ريح العطارين بين الصفا والمروة ربما يستفاد منها جواز شمّ طيب الكعبة بالأولوية أو بالغاء الخصوصية وهي صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله  (عليه السلام) قال: سمعته يقول لابأس بالريح الطيبة

(الصفحة50)



فيما بين الصفا والمروة من ريح العطارين ولا يسمك على أنفه(1) .
ودعوى انه لامجال للتعدي عن موردها في غاية الاستبعاد نعم الظاهر اختصاص الحكم بالجواز في الموردين بما اذا لم يكن غرضه من الذهاب الى المسعى أو الجلوس عند الكعبة هو الاستشمام والالتذاذ من الريح الطيبة الموجودة فيهما بل كان الغرض الجلوس عند الكعبة الذي هو أمر مستحب بل جائز، ولو فرض عدم استحبابه بل ربما يحتمل اختصاص مورد الرواية بما اذا كان في حال السعي أو في اثنائه ولو كان جالساً لأجل التعب، وامّا لو لم يكن كذلك بل كان غرضه العبور من بين الصفا والمروة مع عدم ارادة السعي فلايجوز بل يجب الامساك على الأنف ـ ح ـ هذا ولكن دعوى ثبوت الاطلاق في الرواية من هذه الجهة غير بعيدة ومقتضى الاحتياط الوجوبي الترك.
وكيف كان فالظاهر عدم حرمة شمّ طيب الكعبة وان لم يكن حلوقاً ولا طهوراً.
(1) يقع الكلام في هذه المسألة في أمرين:
الامر الاوّل: في جواز أكل الفواكه الطيبة الريح ويدلّ عليه رواية عمّار بن موسى عن أبي عبدالله  (عليه السلام) قال سألته عن المرحم يأكل الاترج قال: نعم، قلت له رايحة طيبة قال: الاترج طعام ليس هو من الطيب(2): ومورد السؤال وان كان هو أكل الاترج إلاّ ان الجواب الثاني يدلّ على ضابطة كليّة وهي ان ما كان الغرض المهمّ منه هو الأكل ويعدّ من الأطعمة لابأس بأكله وان كان له رائحة طيبة فتدلّ على جواز أكل جميع الفواكه المتّصفة بهذا الوصف وعلى جواز أكل الرياحين التي تقدم وجوب الاجتناب عنها وان حرمة الأكل تختص بما كان طيّباً كالزعفران الذي وقع التصريح بثبوت الكفارة على

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب العشرون، ح1.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والعشرون، ح2.

(الصفحة51)



أكله في بعض الروايات المتقدمة في الطيب.
ثم ان صاحب الوسائل أورد في هذا الباب مضافاً الى رواية عمّار روايتين اخرتين مع ان الأولى منهما لاتكون رواية بل هي نقل فتوى ابن ابي عمير والثانية رواية مرسلة رواها ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن أبي عبدالله  (عليه السلام) قال سألته عن التفاح والاترج والنبق وما طاب ريحه فقال: يمسك على شمّه ويأكله(1) . واتحاد هذه الرواية مع فتواه يكشف عن كون الفتوى ايضاً انما هي بعينها الرواية المرسلة وقد مرّ غير مرّة ان مراسيل ابن ابي عمير كساير المراسيل ولا تكون حجّة.
والنبق هي ثمرة السّدر يشبه العنّاب قبل ان تشتد حمرته والمراد من قوله: وما طاب ريحه، هو ما طاب ريحه من الفواكه التي هي أطعمة معدّة للأكل لا مطلق ما طاب ريحه، والمراد من قوله: يمسك على شمه، يحتمل ان يكون المراد هو الامساك في حال الأكل ويحتمل ان يكون المراد هو الامساك على شمّه مستقلاً بحيث كان الغرض منه هي حرمة الاستشمام ولو لم يكن مقروناً بالأكل كما اذا أخذ تفّاحاً لأجل شمّه دون أكله ولكن حيث ان الرواية غير معتبرة لاتصلح لإفادة حكم الزامي وكيف كان لاشبهة في جواز أكل الفواكه المذكورة ولو لم يكن في المقام إلاّ هذه الرواية لكان المستفاد منها جواز الاستشمام الملازم للأكل لقرب عضويهما فاللازم ملاحظة الأمر الثاني.
الامر الثاني: في جواز استشمام الفواكه الطيبة الريح وعدمه وقد عرفت ان الاستشمام تارة يكون مقروناً بالأكل وملازماً معه واُخرى يكون مستقّلاً خالياً عن الأكل كما في المثال المتقدم.
والظاهر انه لو قلنا بانحصار دائرة حرمة الطيب بخصوص الأنواع الخمسة

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والعشرون، ح3.

(الصفحة52)



المتقدمة لا مجال للحكم بحرمة استشمام الفواكه المذكورة لأنّه وان كان قد ورد في روايتين الأمر بالامساك من الريح الطيبة إلاّ انه لابدّ بناء على هذا القول من الحمل على الاستحباب والروايتان هما صحيحة معاوية بن عمار المفصلة المتقدمة في الطيب التي ذكرنا ان ذيلها قرينة على كون النهي عن مسّ مطلق الطيب اما يراد به خصوص الأنواع المذكورة في ذيلها أو محمول على الكراهة وعلى كون الأمر بالامساك كذلك ويؤيد الاحتمال الثاني التعليل بقوله  (عليه السلام): فانه لاينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة.
وصحيحة الحلبي ومحمد بن مسلم جميعاً عن أبي عبدالله  (عليه السلام) قال المحرم يمسك على أنفه من الريح الطيبة ولا يمسك على أنفسه من الريح الخبيثة(1) . وعلى ما ذكرنا تصير الصحيحة الأولى قرينة على حمل هذه الصحيحة ايضاً على الاستحباب وقد انقدح انه بناء على هذا القول الذي اخترناه يكون الامساك المزبور مستحباً لما عرفت.
وامّا بناء على عموم دائرة حرمة الطيب كما اختاره المتن تبعاً للمشهور فالظاهر انه لا محيص عن الحكم بوجوب الامساك ورواية عمار بن موسى لاتكون بازاء مادلّ على الوجوب لأن محط النظر فيها سؤالاً وجواباً هو مجرد الأكل ولا ملازمة بين جوازه وبين جواز الاستشمام وان قلنا بان المتفاهم العرفي منها هو جواز الاستشمام ايضاً إلاّ ان هذه الدلالة انما هي مع عدم وجود الدليل على وجوب الامساك والمفروض وجوده ثم انه على تقدير الدلالة، فغايتها الدلالة على جواز الاستشمام الملازم مع الأكل وامّا الاستشمام مستقّلاً فلا دلالة لهما على جوازه بوجه ومما ذكرنا ينقدح الاشكال على المتن حيث انه جمع بين الحكم بحرمة مطلق الطيب وبين جعل الاحتياط في ترك الاستشمام استحبابيّاً فتدبّر.

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والعشرون، ح1.

(الصفحة53)

مسألة 12 ـ يستثنى ما يستشم من العطر في سوق العطارين بين الصفا والمروة فيجوز ذلك 1 .

مسألة 13 ـ لو اضطر الى لبس ما فيه الطيب أو أكله أو شربه يجب امساك أنفسه، ولا يجوز امساك انفه من الرائحة الخبثية نعم يجوز الفرار منها والتسخي عنها 2 .


(1) الدليل على جواز ما مرّت الاشارة اليه في بحث استثناء خلوق الكعبة من صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله  (عليه السلام) قال سمعته يقول لابأس بالريح الطيبة فيما بين الصفا والمروة من ريح العطارين ولا يسمك على أنفسه(1) . وقد رواها المشايخ الثلاثة وأفتى الاصحاب على طبقها وقد مرّ ان القدر المتيقن من موردها بل لعلّه المتفاهم عند العرف منها مااذا كان في حال السعي الشاملة للجلوس للاستراحة عند التعب لإدامة السعي أيضاً وامّا المرور من السوق في غير تلك الحال فشمول الرواية له مشكل والاحتياط الوجوبي يقتضي الترك كما انه لو كان غرضه من الذهاب الى السوق المزبور مجرد الاستشمام لا تشمله الرواية ومورد الجواز هو استشمام الريح المنتشرة في فضاء السوق المذكور فلو أخذ قارورة من أحد الدكاكين واستشمها لايجوز قطعاً.
ثم انه على تقدير الاطلاق وعدم الاختصاص بحال السعي لايبعد ان يقال بعدم اختصاص الحكم بالسوق الواقع بين الصفا والمروة الذي كان في الأزمنة السالفة ولايكون منه أثر في هذه الأزمنة بل يشمل سائر اسواق العطارين الواقعة في طريق الحجاج والمحرمين نوعاً.
(2) لا خفاء في انه لو اضطر الى الاستفادة من الطيب بالاضافة الى بعض استعمالاته كالأكل أو الشرب لايكون سائر الاستعمالات غير المضطر اليها جائزاً بسبب الاضطرار المذكور لأن محدودة رفع الحكم التحريمي انّما هي ما اضطر اليه من فعله

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب العشرون، ح1.

(الصفحة54)



ولا مجال لتوهم ان يكون الاضطرار موجباً لتوسعة الرفع بالنسبة الى الخارج عن دائرته، وعليه فالاضطرار الى الأكل. لايسوّغ الاستشمام ايضاً بل يجب عليه امساك أنفه تحرّزاً عن الشم غير المضطر اليه وهذا من الوضوح بمكان فان الاضطرار الى أكل الميتة لأجل حفظ النفس لايجوز إلاّ الأكل بالمقدار الذي يتوقف حفظ النفس عليه ولا يسوغ به أزيد من ذلك المقدار ولذا نرى في جملة من الروايات الإرجاع في مقام العلاج والمداواة الى الأدهان غير المشتملة على الريح الطيبة ففي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله  (عليه السلام) قال اذا خرج بالمحرم الخراج أو الدّمَل فليبطه وليداوه بسمن أو زيت(1) .
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما  (عليهما السلام) قال سألته عن محرم تشققت يداه قال فقال يدهنها بزيت أو بسمن أو اهالة(2). والمراد بالأخير هو الشحم المذاب.
ونرى في بعض الروايات تجويز الاستعاط بالطيب في خصوص صورة الضرورة وهي رواية اسماعيل بن جابر التي رواها الشيخ بطريقين والصدوق باسناده عنه وقد جعله في الوسائل ثلاث روايات مع انه من الواضح كونها واحدة وان كان بينها اختلاف من حيث العبارة وهي على نقل الصدوق قد وقع التصريح في موردها بالاضطرار حيث انه سئل ابا عبدالله  (عليه السلام) عن المحرم اذا اضطر الى سعوط فيه مسك من ريح تعرض له في وجهه وعلّة تصيبه فقال استعط به(3).
هذا وامّا عدم جواز امساك الأنف من الرائحة الخبيثة فقد دلّ عليه من الروايات

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والثلاثون، ح1.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والثلاثون، ح2.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع عشر، ح3.

(الصفحة55)

مسألة 14 ـ لابأس ببيع الطيب وشرائه والنظر اليه لكن يجب الاحتراز عن استشمامه 1 .


المتقدمة صحيحة معاوية بن عمّار التي فصلنا الكلام فيها في البحث الذي كان مورداً للاختلاف بين المشهور وغيره وهو ان الحرام هل هو مطلق الطيب أو خصوص بعض أنواعه وكذا صحيحة الحلبي ومحمد بن مسلم المتقدمة ايضاً وقد وقع في كلتيهما الجمع بين لزوم الامساك على الأنف من الريح الطيبة وحرمة الامساك على الأنف من الريح الخبيثة فان قلنا بان المحرَّم في باب الطيب هو مطلقة فالأمر والنهي في الجملتين باقيان على ظاهرهما من الوجوب والحرمة وان لم نقل بذلك بل باختصاص الحرمة ببعض أنواع الطيب فاللازم كما ذكرنا حمل الأمر على الاستحباب خصوصاً مع التعليل في الصحيحة الأولى بانه لاينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة وعليه فهل مقتضى وحدة السياق حمل النهي أيضاً على الكراهة أو ان اشتمال كل من الجملتين على حكم خاص يمنع عن التصرف في الظهور الذي لم ينهض دليل على التصرف فيه والظاهر هو الثاني خصوصاً لو قلنا بمثله في جملة واحدة كما في قوله اغتسل للجمعة والجنابة فان قيام الدليل على استحباب الأوّل لايوجب ثبوت الاستحباب للثاني أيضاً فتدبّر.
(1) قد مرّ البحث في ذلك فيما تقدم في تنقيح متعلق الحرمة في الأفعال المضافة الى الطيب وذكرنا ان مثل هذه الأفعال خارج عن دائرة المتعلق ويدلّ على جواز النظر خصوص صحيحة محمد بن اسماعيل يعني ابن بزيع قال رأيت أبا الحسن  (عليه السلام)كشف بين يديه طيب لينظر اليه وهو محرم فأمسك بيده على أنفه بثوبه من رائحته (ريحهخل)(1) . فانّها ظاهرة في الاقتصار على الامساك على الأنف من دون اضافة غمض العين وعدم النظر خصوصاً مع كون الغرض من الكشف هو النظر اليه فتدلّ على

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح1.

(الصفحة56)

مسألة 15 ـ كفارة استعمال الطيب شاة على الأحوط، ولو تكرّر منه الاستعمال فان تخلّل بين الاستعمالين الكفارة تكرّرت وإلاّ فان تكرّر في أوقات مختلفة فالأحوط الكفارة، وان تكرّر في وقت واحد لايبعد كفاية الكفارة الواحدة 1 .


عدم حرمته بوجه.
(1) في هذه المسألة جهات من الكلام:
الجهة الأولى:
في اصل ثبوت الكفارة في استعمال الطيب في الجملة ولا شبهة فيه نصّاً وفتوى وستأتي النصوص الدالة عليه انشاء الله تعالى.
الجهة الثانية:
ظاهر المتن تبعاً لأكثر الأصحاب ثبوت الكفارة في جميع أنواع استعمال الطيب من الشمّ والأكل وغيرهما بعنوان واحد وقد صرّح بذلك المحقق في الشرايع حيث قال: «فمن تطيّب كان عليه دم سواء استعمله صبغاً أو اطلاءً، ابتداءً أو استدامة أو بخوراً أو في الطعام» وذكر صاحب الجواهر  (قدس سره) بعده: بلا خلاف أجده فيه بل عن المنتهى الاجماع عليه بل حكى عن التذكرة والتحرير زيادة عناوين اُخر حتى انه قال في الأولى لو داس بنعله طيباً فعلق بنعله وجبت الفدية وكيف كان فاللازم في هذه الجهة ملاحظة الروايات فنقول انّها في بادئ النظر على طوائف أربع:
الطائفة الأولى ما ظاهره ثبوت كفارة الدم أو دم شاة في مورد الأكل وفي هذه الطائفة روايتان:
احداهما صحيحة زرارة عن أبي جعفر  (عليه السلام) قال: من أكل زعفراناً متعمداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم، فان كان ناسياً فلا شيء عليه ويستغفر الله ويتوب اليه(1) . ولايبعد

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح1.

(الصفحة57)



دعوى الغاء الخصوصية من عنوان «الأكل» في هذه الرواية لو لم يكن في البين ما يدلّ على الخلاف ولذا استفيد منها أصل الحرمة بالاضافة الى مثل الشمّ أيضاً.
ثانيتهما صحيحة اُخرى له قال سمعت أبا جعفر  (عليه السلام) يقول: من نتف ابطه أو قلّم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لاينبغي له لبسه أو أكل طعاماً لاينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء ومن فعله متعمداً فعليه دم شاة(1) . فان قوله: أكل طعاماً... مطلق شامل لأكل الطعام الذي فيه الزعفران أو غيره من أنواع الطيب المحرَّم ولا مجال لدعوى اختصاصه بخصوص أكل الصيد لكن لايجري فيه الدعوى المذكورة في الصحيحة المتقدمة فتدبّر.
الطائفة الثانية ما يتوهم فيه المعارضة للطائفة الأولى وان كفارة الدم لاتكون ثابتة في مورد الأكل وهي موثقة الحسن ابن هارون عن أبي عبدالله  (عليه السلام) قال قلت له أكلت خبيصاً فيه زعفران حتى شبعت «وانا محرم» قال: اذا فرغت من مناسكك وأردت الخروج من مكّة فاشتر بدرهم تمراً ثم تصدق به يكون كفارة لما أكلت، ولما دخل لعيك في احرامك ممّا لاتعلم(2). ولكن ذيل الرواية لو لم نقل بظهور السؤال في نفسه في عدم كون أكل الخبص المشتمل على الزعفران مع التعمد والالتفات الى حرمته ويؤيده قوله: حتى شبعت، ظاهر بل صريح في ان ما دخل عليه في احرامه كان ناشياً عن الجهل وعدم العلم وانّه لو كان عالماً بذلك لم يقع منه الأكل المذكور فلا تعارض الطائفة المتقدمة بوجه بل يحمل الأمر بالتصدق بالتمر الذي اشتراه بدرهم على الاستحباب لعدم تحقق مخالفة التكليف الفعلي ويمكن توجيهه بما وجهنا به الأمر بالاستغفار

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح1.
(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثالث، ح1.

(الصفحة58)



والتوبة في صحيحة زرارة الأولى ممّا تقدم وكيف كان فهذه الطائفة لاتعارض الطائفة الأولى بوجه.
الطائفة الثالثة ما يتوهّم صحة الاستدلال به لثبوت كفارة الدم في غير مورد أكل الطيب ايضاً وهي روايتان:
احداهما صحيحة معاوية بن عمّار في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج قال: ان كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين، وان كان تعمّد فعليه دم شاة يهريقه...(1)
ويرد على الاستدلال بها مضافاً الى ان الظاهر عدم كونها رواية عن المعصوم   (عليه السلام)  ولو بنحو الاضمار بل كونها فتوى معاوية بن عمار، والفتوى لاتصلح للاستناد اليها، ان الاظهر عدم كون دهن بنفسج من الطيب اصلاً وان الحرمة التي تكشف عنها الكفارة إنّما يكون متعلقها الأدهان الذي هو عنوان مستقل من محرّمات الاحرام وسيأتي البحث عنه انشاء الله تعالى ولأجله يرد على صاحب الوسائل عدم انطباق عنوان الباب وهو ثبوت الكفارة في انواع استعمال الطيب على هذه الرواية.
ويدلّ على عدم كون دهن البنفسج من أنواع الطيب رواية أبي الحسن الاحمسي قال سَأَل ابا عبدالله  (عليه السلام) سعيد بن يسار عن المحرم تكون به القرحة أو البثرة أو الدمل فقال: اجعل عليه بنفسج واشباهه ممّا ليس فيه الريح الطيبة(2).
ثانيتهما مارواه في قرب الاسناد عن عبدالله بن الحسن عن جدّه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر  (عليهما السلام)  قال لكلّ شيء خرجت من حجّك فعليه «فعليك خ ل» فيه

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح5.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والثلاثون، ح3.

(الصفحة59)



دم يهريقه «تهريقه خ ل» حيث شئت(1) . وحكى عن الكتاب المذكور مكان «خرجت»: «فيه خرجت».
هذا والظاهر ان الرواية مضافاً الى ضعف سندها لما عرفت مراراً من عدم توثيق عبدالله بن الحسن لا مجال للاستدلال بها لأنه على تقدير كون النسخة «خرجت» وكون المراد بالخروج من الحج هو اكمال الحج والفراغ عنه يكون مفاد الرواية ان كل شيء صار ارتكابه موجباً لثبوت الدم ولزوم اهراقه يجوز لك ان تهريقه أيّ مكان شئت ولا خصوصية لمكّة ومنى لأنّه على هذا التقدير يكون قوله: فعليه فيه دمّ تتمة للموضوع وله دخل في ثبوته ولا مجال لتوهم التمامية بمجرد قوله لكل شيء خرجت من حجّك.
نعم على تقدير كون النسخة «جرحت» التي يكون معناها عروض الجرح والنقص في الحج ولو بارتكاب بعض ما لايجوز ارتكابه فيه أو كون المراد بالخروج هو الخروج عن الطريق التي يجب عليه طيّها والمشي عليها حيث انه يطلق على العاصي انه الخارج من اطاعة أو أمر الله ونواهيه يمكن ان يقال بكون الرواية مسوّقة لإفادة ثبوت الدم بسبب الجرح أو الخروج بالمعنى المذكور لتمامية الموضوع بمجرد قوله جرحت من حجّك أو خرجت منه بهذا المعنى ولا ينافيه الدلالة على ثبوت حكم ثان وهو جواز اراقة الدم حيث شاء وايّ مكان أراد.
كما انه على هذا التقدير ايضاً يمكن ان يكون تتمة للموضوع وناظراً الى موارد ثبوت الدم فتكون الرواية مسوّقة لإفادة حكم واحد ولا دلالة لها على ان الدم في أي مورد ثابت بل لابد من نهوض الدليل عليه.
وكيف كان فالرواية مخدوشة سنداً ودلالة ولا تصلح لإفادة ثبوت الدم بنحو

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح5.

(الصفحة60)



الضابطة في جميع موارد التخلف وارتكاب شيء من محرّمات الاحرام حتى يكون المقام من مصاديقه لفرض عدم اختصاص الحرمة بأكل الطيب كما عرفت.
الطائفة الرابعة ما يتوهم دلالتها على ان كفارة الطيب مطلقاً أكلاً واستشماماً وغيرهما من الاستعمالات، هو التصدق دون الدم وهي روايات متعددة.
الأولى صحيحة معاوية بن عمار المفصلة المتقدمة المشتملة على قوله  (عليه السلام)فمن ابتلى بشيء من ذلك فعليه غسله وليتصدق بصدقة بقدر ما صنع وانما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء الخ(1) .
ولكن الظاهر عدم دلالتها على كون الكفارة هو التصدق امّا على ما اخترناه من اختصاص الحرمة في الطيب ببعض الأنواع فلما مرّ سابقاً من لزوم حمل الأمر بالتصدّق في استعمال مطلق الطيب الذي وقع النهي عنه قبل ذلك في الرواية على الاستحباب خصوصاً مع انه لا مناسبة بين الأمر بالتصدق اوّلاً ثم الحكم بالحرمة وبيانها كما في الرواية فلا محيص على هذا القول عن الحمل على الاستحباب.
واما على ما اختاره المتن تبعاً للمشهور من عموم حرمة الطيب بجميع أنواعه فالظاهر ان قوله: فمن ابتلى بشيء من ذلك يكون المتفاهم منه عرفاً صورة الجهل أو النسيان ولا يشمل صورة العمد كما في مثل حديث لاتعاد المعروف في باب الصلاة فان التعبير بالإعادة وعدمها انما يكون مورده المصلّي الذي يريد الامتثال والاتيان بالصلاة مع الاجزاء والشرائط وسائر الخصوصيات غاية الأمر انه منعه عن ذلك الجهل والنسيان وصار موجباً للاخلال ببعض ما يكون معتبراً فيها والمقام من هذا القبيل وان لم يكن بذلك الوضوح.

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح8.

<<التالي الفهرس السابق>>