في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة321)


أن نقل قول الـشيخ با لـجواز قال: «و فيما ذكره الـشيخ إشكال، أمّا الإجماع فلا نعلمه كما علمه، و أمّا الـروايـة فضعيفـة من وجهين:
أحدهما: أنّ زرعـة و سماعـة واقفيان.
و الـثاني: أنّ الـمسئول في الـروايـة مجهول.
فإنّ الـتمسّك باشتراط عدم الـماء في جواز الـتيمّم أصل، و لأنّ الـروايـة ليست صريحـة في الـجواز مع وجود الـماء، لكن لو قيل: إذا فاجأته الـجنازة و خشي فوتها مع الـطهارة تيمّم لها، كان حسناً; لأنّ الـطهارة لمّا لم تكن شرطاً، و كان الـتيمّم أحد الـطهورين، فمع خوف الـفوت لا بأس با لـتيمّم، لأنّ حال الـتيمّم أقرب إلى شبه الـمتطهّرين من الـخا لـي عنه».
أقول: لو اُغمض عن قاعدة الـتسامح، و بني على الاقتصار على ما قامت عليه الـحجّـة الـمعتبرة، فا لـلازم الأخذ بما دلّت عليه الـموثّقـة ـ بعد كونها موثّقـة، و الإضمار غير قادح في مثلها ـ من الاقتصار على صورة خوف الـفوت، لانسباق الـسؤال فيها إليها.
و تؤيّده حسنـة الـحلبي أو صحيحته قال: سئل أبوعبدا للّه (عليه السلام) عن الـرجل تدركه الـجنازة و هو على غير وضوء، فإن ذهب يتوضّأ فاتته الـصلاة عليها.
قال: «يتيمّم و يصلّي».(1)
و مع عدم الإغماض فلا يبقى إشكال بعد الاشتهار و نقل الإجماع و دلالـة الـروايـة و إن كانت مرسلـة، ولكن الأولى ـ كما في الـمتن ـ هو الإتيان با لـتيمّم في غير صورة الـخوف برجاء الـمطلوبيـة، لابقصد الـورود و الـمشروعيـة.


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب صلاة الـجنازة، الـباب 21، الـحديث 6.


(الصفحة322)



في الـتيمّم للنوم


ثانيهما: الـنوم، فإنّه يجوز أن يتيمّم له مع إمكان الـوضوء أو الـغسل على الـمشهور أيضاً مطلقاً، بل في «ا لـحدائق»: الـظاهر أنّه لاخلاف في استحباب الـتيمّم للنوم ولو مع وجود الـماء.
و يدلّ عليه: ما رواه الـصدوق و الـشيخ مرسلاً عن الـصادق (عليه السلام) قال: «من تطهّر ثمّ آوى إلى فراشه بات و فراشه كمسجده، فإن ذكر أنّه ليس على وضوء، فتيمّم من آثاره كائناً ما كان، لم يزل في صلاة ما ذكر اللّه».(1)
و رواه الـبرقي في «ا لـمحاسن»، عن حفص بن غياث، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام)قال: «من آوى إلى فراشه، ثمّ ذكر أنّه على غير طهر تيمّم من دثاره و ثيابه، كان في صلاة ما ذكر اللّه».(2)
و الاستدلال بها لايتوقّف على الـبناء على قاعدة الـتسامح لحجّيـة الـروايـة و إن كانت مرسلـة، لمّا مرّ غير مرّة من أنّ إسناد مثل الـصدوق الـروايـة إلى الإمام (عليه السلام) دليل على توثيق الـوسائط، و هو يكفي في اعتبار الـروايـة، و إن كان شخص الـوسط مجهولاً.
و لاينافي ذلك ما دلّ على اختصاص شرعيـة الـتيمّم بغير الـمتمكّن من الـماء، و خصوص ما رواه أبوبصير، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام)، عن آبائه، عن أميرا لـمؤمنين (عليه السلام): «لاينام الـمسلم و هو جنب، و لاينام إلاّ على طهور، فإن لم يجد الـماء فليتيمّم


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـوضوء، الـباب 9، الـحديث 2.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 9، الـحديث 11.


(الصفحة323)


با لـصعيد ...».(1)
لكون الـمرسلـة حاكمـة على مثل هذه الأدلّـة، خصوصاً لو اقتصر في موردها على خصوص صورة الـتذكّر بعد الـدخول في فراشه، فا لـمرسلـة شارحـة لهذه الـروايـة.
كما أنّ الـروايـة تدلّ على تعميم الـحكم، و عدم الاختصاص بخصوص الـمحدث با لـحدث الأصغر.
مع أنّه يمكن أن يدّعى مساعدة الـعرف عليه، بعد الالتفات إلى ابتناء الـحكم على الـتوسعـة و الـتسهيل، بإلغاء مثل هذه الـخصوصيات.
ولكنّ الأولى الإتيان به رجاءً في الـمحدث بالأكبر، و في صورة تعمّد ترك الـوضوء، كما في الـمتن، ثمّ إنّ عدم استباحـة سائر الـغايات بأحد الـتيمّمين واضح، و لايحتاج إلى الـدليل.


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـجنابـة، الـباب 25، الـحديث 3.


(الصفحة324)




(الصفحة325)

ا لـقول فيما يتيمّم به


مسأ لـة 1: يعتبر فيما يتيمّم به أن يكون صعيداً، و هو مطلق وجه الأرض من غير فرق بين الـتراب، و الـرمل، و الـحجر، و الـمدر، و أرض الـجصّ، و الـنورة قبل الاحتراق، و تراب الـقبر، و الـمستعمل في الـتيمّم، و ذي اللون، و غيرها ممّا يندرج تحت اسمها، و إن لم يعلّق منه شيء با لـيد.
لكن الأحوط الـتراب بخلاف ما لايندرج تحته و إن كان منها، كا لـنبات، و الـذهب، و الـفضّـة، و غيرها من الـمعادن الـخارجـة عن اسمها، و كذا الـرماد و إن كان منها1 .



(1) لا إشكال في اشتراط كون ما يتيمّم به أرضاً، و اتّفقت كلمـة أصحابنا في ذلك، و قد ادّعى الإجماع أو ما يرجع إليه جماعـة من أعاظمهم، و قد نسب إلى أبي حنيفـة جواز الـتيمّم با لـثلج، و إلى ما لـك جوازه با لـنبات، لكن يظهر من بعض الـكتب أنّه لم يجوّز أبوحنيفـة ذلك، و الأمر سهل.
و أمّا أصحابنا فقد اختلفوا ـ بعد الاتّفاق على ما ذكر ـ على أقوال:
فقيل: إنّ الـمراد بالأرض هو الـتراب الـخا لـص، و قد حكي ذلك عن الإسكافي و الـسيّد في «شرح الـرسا لـة» و «ا لـناصريات»، و الـمفيد في «ا لـمقنعـة»، و أبي ا لـصلاح، بل عن ظاهر «ا لـناصريات» الإجماع عليه، و قد تنظّر بعض الأعلام في الـحكايـة عنهم.
و قيل: إنّه كلّ ما يقع عليه اسم الأرض، و هو الـمشهور تحصيلاً، كما في «ا لـجواهر».
و اختار غير واحد من الـمتأخّرين ـ تبعاً للمحكيّ عن جماعـة من الـقدماء ـ


(الصفحة326)


ا لـتفصيل بين حا لـتي الاختيار و الـضرورة، فمنع ممّا عدا الـتراب في الاُولى، و جوّزه في الـثانيـة، و ربّما نسب هذا الـتفصيل إلى أكثر الـفقهاء، بل في «حاشيـة الـمحقّق الـبهبهاني» (قدس سره)على «ا لـمدارك» نسبته إلى معظمهم، إلاّ من شذّ منهم، ولكنّه قد نوقش في هذه الـنسبـة، لعدم تماميـة منشأها، و حيث إنّ الـشهرة و الإجماع على فرض ثبوتهما ممّا لا اعتباربها في هذه الـمسأ لـة الاجتهاديـة الـمبتنيـة على الـكتاب و الـسنّـة، فا لـبحث في الـثبوت و الـعدم لايترتّب عليه فائدة، و الـمهمّ ملاحظـة حال الـكتاب و الـسنّـة.
فنقول: أمّا الـكتاب فقد عرفت أنّه نزلت في الـتيمّم آيتان كريمتان:
إحداهما: في سورة الـنساء، و هي تشتمل على قوله تعا لـى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ).
و ثانيتهما: في سورة الـمائدة بعينها مع زيادة لفظـة (منه) بعد (أيديكم)، فالآيتان مشتركتان في لزوم الـتيمّم با لـصعيد، فا لـلازم ملاحظـة معنى الـصعيد.

في معنى الـصعيد


و نقول: قد اختلفت كلمـة اللغويين و أهل الـعربيـة في الـمراد من الـصعيد، فعن «ا لـعين» و «ا لـمحيط» و «الأساس» و «مفردات الـراغب» و جمع آخر، بل الـمشهور بين أهل اللغـة أنّه وجه الأرض، و عن «ا لـمنتهى» و «ا لـنهايـة» نسبته إليهم، و عن الـطبرسي في «مجمع الـبيان» أنّه نقل من الـزجاج أنّه قال: لا أعلم خلافاً بين أهل اللغـة في أنّ الـصعيد مطلق وجه الأرض.
و قال الـمحقّق في «ا لـمعتبر»: «ا لـصعيد هو وجه الأرض با لـنقل عن فضلاء


(الصفحة327)


ا للغـة، ذكر ذلك الـخليل، و ثعلب، عن ابن الأعرابي، و يدلّ عليه قوله تعا لـى: (فَتُصْبِحُ صَعِيداً زَلَقاً)أي أرضاً ملسـة مزلقـة، و مثله قوله (عليه السلام): «يحشر الـناس يوم الـقيامـة عراة حفاة على صعيد واحد» أي أرض واحدة».
و عن «ا لـوسيلـة»: قد فسرّ كثير من علماء اللغـة الـصعيد بوجه الأرض.
و عن «ا لـبحار»: أنّ الـصعيد يتناول الـحجر، كما صرّح به أئمّـة اللغـة و الـتفسير.
و عن جمع من أهل اللغـة: أنّه الـتراب، أو بضميمـة وصف الـخلوص، كـ «ا لـصحاح»، و الأصمعي، و أبي عبيدة، و عن ظاهر جمع آخر، بل عن الـسيّد في «ناصرياته» أنّ الـصعيد هو الـتراب با لـنقل من أهل اللغـة، حكاه ابنوريد، عن أبي عبيدة.
و يظهر من بعضهم الاشتراك اللفظي بين الـتراب الـخا لـص و مطلق وجه الأرض، بل و بينهما و بين الـطريق لانبات فيها.
قال في «مجمع الـبحرين»: «و الـصعيد الـتراب الـخا لـص الـذي لايخا لـطه سبخ و لارمل، نقلاً عن «ا لـجمهرة»، و الـصعيد أيضاً وجه الأرض تراباً كان أو غيره و هو قول الـزجاج» إلى أن قال: «و الـصعيد أيضاً الـطريق لانبات فيها».
ولكن الاشتراك اللفظي في غايـة الـبعد، خصوصاً مع ملاحظـة الـنكتـة في ثبوت الاشتراك اللفظي الـتي مرجعها إلى ضمّ الـطوائف بعضها ببعض و اختلاط اللغات، كما لايخفى، فيبقى الاحتمالان الاُوليان.
و الـظاهر أنّه لامجال في مقام الـترجيح للاتّكال على قول أهل اللغـة، بعد ما عرفت من الاختلاف الـفاحش بينهم، فلابدّ له من الاستفادة من طريق آخر مثل موارد استعما لـه.


(الصفحة328)


و نقول: قد استعمل في الـكتاب الـعزيز في موضعين اُخريين أيضاً:
إحداهما: ما نقله «ا لـمعتبر» في عبارته الـمتقدّمـة من قوله تعا لـى: (فَتُصْبِحُ صَعِيداً زَلَقاً).(1)
و ثانيتهما: قوله تعا لـى: (وَ إِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً).(2)
و الـظاهر أنّ الـمراد من الأوّل هو نفس الأرض، كما في الـنبوي الـمحكيّ في «ا لـمعتبر» أيضاً، و من الـثاني هو الـتراب الـموصوف بكونه جرزاً، أي مستوياً بالأرض، أو خا لـياً من الـنبات.
لكن ربّما يقال: إنّ الاستعمال لا دلالـة له على الـحقيقـة، لكونه أعمّ منها، و أصا لـة الـحقيقـة إنّما تكون مرجعاً في مقام تشخيص الـمراد، لا في كيفيـة الاستعمال.
و الـذي يناسب مع مادّة (ص ع د) الـتي هي بمعنى الارتفاع و الـعلوّ هو الـمعنى الـعامّ; لأنّ جميع ما على الأرض يصدق عليه أنّه في الـسطح الـعا لـي منها، الـذي يعبّر عنه بوجه الأرض، أو ظهرها، و لا اختصاص لذلك با لـتراب.
و يؤيّد الـتعميم ما اُفيد من أنّ الـمتبادر من قوله تعا لـى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)إرادة الـقصد إلى صعيد طيّب با لـمضيّ إلى نحوه، لامجرّد الـعزم على استعما لـه بأن يكون الـمراد من قصده قصد استعما لـه، و هذا الـمعنى لايناسب إرادة الـتراب الـذي هو في حدّ ذاته من الـمنقولات كا لـماء، بخلاف ما لو اُريد به أرضاً نظيفاً بإرادة معناه الـوصفي.
لكن قد يقال: إنّه لامحيص من حمل الـكريمـة الـواردة في سورة الـمائدة على


(1) ا لـكهف / 40.
(2) ا لـكهف / 8.


(الصفحة329)


ا لـتراب بلحاظ اشتما لـها على كلمـة «منه»; لأنّ الـمتبادر من هذه الـكلمـة إرادة الـمسح ببعض ذلك الـصعيد، و هذا لايستقيم إلاّ بإرادة الـتراب دون الـحجر، لأنّ الـحجر لايعلّق با لـيد حتّى يصدق الـمسح منه، فتصير الآيـة قرينـة على الـمراد من الـكريمـة الـواردة في سورة الـنساء الـخا لـيـة من هذه الـكلمـة.
فا لـمراد با لـصعيد في الـموضعين هي نفس الـتراب، و لافرق في ذلك بين كونه هو تمام الـموضوع له، أو أنّ الـموضوع له معنى عامّ و اُريد منه الـخصوصيـة، كما أنّه لافرق على الـثاني بين أن تكون إرادة الـخصوصيـة بنحو توجب صيرورة الاستعمال مجازياً، أو بنوع لاتوجب ذلك، فإنّ الـمقصود الـوصول إلى مراد اللّه تبارك و تعا لـى من الـصعيد في الآيتين، لاكون إرادته بنحو الـحقيقـة أو الـمجاز.
و اُورد عليه: بما حاصله أنّه يحتمل في هذه الآيـة وجوه:
أحدها: أن يكون الـضمير في لفظـة «منه» راجعاً إلى الـصعيد، و تكون «من» ابتدائيـة، و يكون معنى الآيـة: اقصدوا صعيداً، فإذا انتهيتم إليه فارجعوا منه إلى مسح الـوجوه و الأيدي، فيكون الـصعيد منتهى الـمقصود أوّلاً، و بعد الانتهاء إليه يصير مبدأ الـرجوع إلى عمل الـمسح، فيستفاد منها عدم جواز مسح الـوجه و الـيد على الأرض، و عدم جواز الـتمرّغ و الـتمعّك كما فعل عمّار رضي ا للّه عنه، فكأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حين قال: «هكذا يصنع الـحمار، أما قال اللّه عزّوجلّ: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)»، أراد تفهيم أنّ الـمستفاد من الآيـة خلاف ما فعله، فإنّ الـمستفاد منها كون الـيد آلـة الـمسح، لأنّه بعد الأمر با لـمسح بعد الانتهاء إلى الـمقصد، و الـرجوع إلى عمل الـمسح، يعلم أنّ الـمسح با لـيد لأنّها الآلـة الـمتعارفـة.
و ربّما يؤيّد هذا الـوجه ما حكي عن الـسيّد في طيّ كلام له من الـتصريح بأنّ


(الصفحة330)


كلمـة «من» للابتداء، و أنّ جميع الـنحويين من الـبصريين منعوا ورود «من» لغير الابتـداء.
أقول: لم يظهر لي أن يكون عدم جواز مسح الـوجه و الـيد على الأرض مستفاداً من كلمـة «من» الابتدائيـة، بل الـظاهر أنّ منشأ استفادة ذلك هو كلمـة «ا لـباء» في (بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ)، أو ظهور الآيـة في مسح الـصعيد بهما، لامسحهما با لـصعيد، و لم يعلم استشهاد الـنبيّ في قصّـة عمّار بالآيـة الـمشتملـة على كلمـة «منه»، الـظاهرة فيما ذكر باعتقاد الـمورد.
ثانيها: أن يكون الـضمير كذلك، و تكون «من» تبعيضيـة، فيكون الـمعنى و امسحوا بوجوهكم و أيديكم بعض الـصعيد، و عليه فلايستفاد من الآيـة أنّ آلـة الـمسح الـيد، لإمكان أن تكون الآلـة نفس بعضه، بأن يرفع حجراً أو مدراً و يمسح به، أو يضع وجهه على الـصعيد و يمسحه به، بل لمّا كان بعض الـصعيد هو الـصعيد لصدق الـجنس على الـقليل و الـكثير بنحو واحد، فكأنّه قال: امسحوا بوجوهكم و أيديكم الـصعيد، فيكون الـصعيد آلـة الـمسح، أو الـممسوح، و الـماسح الـوجه، فيكون مناسباً لما صنع عمّار.
قال الـمورد: و هذا الاحتمال مع بعده; لأنّ لازمه اعتبار زائد في معنى الـصعيد حتّى يخرجه عن الـمعنى الـجنسي الـشامل للقليل و الـكثير بنحو واحد، و هو لحاظه مجموعاً ذا أبعاض، و هو خلاف الـظاهر، و لأنّ الأصل في «من» الابتدائيـة على ما قا لـوا، و لأنّ ذكر الـمسح ببعضه غير محتاج إليه بعد عدم إمكانه، بل و مع فرض الإمكان أيضاً; لأنّ طبيعـة الـمسح توجد بأوّل مصداقه عرفاً، و الـفرض أنّ الـصعيد اسم جنس صادق على الـكلّ، و بعضه لا يثبت مدّعاهم:


(الصفحة331)


أمّا أوّلاً: فلما عرفت من عدم دلالـة ظاهر الآيـة حينئذ على أنّ الـماسح هو الـكفّ، بل يمكن أن يكون نفس الـصعيد برفع بعضه إلى الـوجه، و هو يشعر بخلاف مطلوبهم، و أن يكون الـمراد مسح الـوجه على الأرض نظير ما صنع عمّار.
و أمّا ثانياً: فلأنّ وجه الأرض لاينحصر با لـتراب و الـحجر حتّى يثبت مطلوبهم، بل كثير من الأراضي يكون لها علوق مع عدم كونها تراباً، كا لـجصّ، و الـنورة، و الـرمل.
ثا لـثها: أن تكون «من» للتأكيد، كقوله تعا لـى: (ما جَعَلَ اللّهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)، فيكون الـمعنى: فامسحوا بوجوهكم و أيديكم الـصعيد.
و ما قيل: من أنّ مجيء الـحرف للتأكيد خلاف الـظاهر غير مسلّم، إذا كان سائر الـمعاني خلاف ما وضع له.
نعم، لو ثبت اشتراكها بين الـمعاني الـمذكورة لها، يكون الـتأكيد خلاف الأصل، لكنّه غير معلوم.
رابعها: أن تكون بدليـة مع رجوع الـضمير إلى الـماء. قال: و هذا الاحتمال لايقصر من احتمال كونها تبعيضيّـة.
و هنا احتمالات اُخر بعضها أقرب من الـحمل على الـتبعيض أو مساو له، كأن تكون ابتدائيـة و الـضمير راجعاً إلى الـتيمّم، و أن تكون سببيـة و الـضمير راجعاً إلى الـحدث الـمستفاد من سوق الآيـة، أو يكون مساقها مساق قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبوال ما لايؤكل لحمه» إلى غير ذلك من الاحتمالات.
أقول: من الـبعيد جدّاً أن تكون الآيـة الـمشتملـة على كلمـة «من» مفيدة لخصوصيـة مغايرة للآيـة الـخا لـيـة عنها، كما أفاده الـمورد، حيث إنّ مقتضى بيانه أنّ الآيـة الـواجدة دالّـة على لزوم أن تكون الآلـة هي الكفّ، و لايجوز رفع الصعيد إلى


(الصفحة332)


الوجه أو وضع الوجه عليه، و الآيـة الـخا لـيـة دالّـة على جواز أحد الأمرين، خصوصاً مع ملاحظـة ما عرفت من أنّ استشهاد الـنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قصّـة عمّار لم يكن بخصوص الـواجدة، بل بالأعمّ منها، فيظهر منه أنّه لاخصوصيـة لها أصلاً.
و عليه فكلتا الآيتين مشتركتان في لزوم وساطـة الـكفّ و آليّتها، مع أنّه من الـبعيد في نفسه إلغاء هذه الـخصوصيـة الـمهمّـة في الآيـة الـخا لـيـة، خصوصاً بعد اشتراكهما في ورودهما في مقام الـبيان، و خلوّ إحداهما عن الـتعليل لايضرّ بما هو الأساس، و هو بيان الـحكم و الـكيفيـة.
فالإنصاف: أنّ الـتفكيك في غير محلّه. هذا كلّه مع قطع الـنظر عن الـروايـة الـواردة في تفسير الآيـة.
و أمّا مع ملاحظتها ـ و هي صحيحـة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: ألا تخبرني من أين علمت و قلت إنّ الـمسح ببعض الـرأس و بعض الـرجلين». إلى أن قال أبوجعفر (عليه السلام): «ثمّ قال: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) فلما أن وضع الـوضوء عمّن لم يجد الـماء أثبت بعض الـغسل مسحاً، لأنّه قال: «بوجوهكم» ثمّ وصل بها: «و أيديكم منه» أي من ذلك الـتيمّم; لأنّه علم أنّ ذلك أجمع لم يجر على الـوجه; لأنّه يعلق من ذلك الـصعيد ببعض الـكفّ، و لايعلق ببعضها».(1)
فربّما يقال: إنّه لايبقى إشكال في كون «من» للتبعيض; لأنّ الـمراد من الـتيمّم هو ما يتيمّم به، لبعد الـرجوع إلى ذات الـتيمّم الـمستفاد من قوله: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً)، فيناسب الـتعليل مع كون «من» كذلك، فكأنّه قال: الـتيمّم من بعض الـصعيد لعدم إجراء


(1) أورد صدره في وسائل الـشيعـة، في أبواب الـوضوء، الـباب 23، الـحديث 1; و ذيله في أبواب الـتيمّم، الـباب 13، الـحديث 1.


(الصفحة333)


جميعه على الـوجه، لعلوقه ببعض الـيد لا تمامها، فحينئذ يتمّ الـمطلوب، و هو كون الـمراد من الـصعيد الـتراب.
و اُورد على هذا الـقول ـ مضافاً إلى عدم اختصاص الـعلوق با لـتراب، و غايـة مفاد الـصحيحـة و الآيـة لزوم كون الـتيمّم بما يصلح أن يعلق منه في الـجملـة على الـيد بضربها عليه، كالأمثلـة الـمتقدّمـة ـ بمنع كون الـمراد من الـتيمّم ما يتيمّم به، لوضوح كون عنايـة الإمام (عليه السلام) برجوع الـضمير إلى الـتيمّم، و عدم رجوعه إلى الـصعيد، و إلاّ يصير الـكلام الـمعجز كا للغز; لأنّ عدم رجوعه إلى الـصعيد الـمذكور في الـكلام، و الـرجوع إلى الـتيمّم غير الـمذكور، و إرادة ما يتيمّم به من الـتيمّم، ثمّ إرادة الـصعيد ممّا يتيمّم به أشبه بالأحجّيـة، فلا محيص عن كون الـمراد من الـروايـة هو الـرجوع إلى نفس الـتيمّم.
و لعلّ الـنكتـة فيه إفادة أنّ الـمسح با لـوجه و الأيدي لابدّ و أن يكون من ذلك الـتيمّم الـذي هو كنايـة عن ضرب الأرض، بمعنى عدم الـتأخير، أو تحقّق أمر رافع للارتباط، كغسل الـيدين بعد ضربهما على الأرض.
و أمّا الـتعليل، فا لـظاهر أن يكون لعدم رجوع الـضمير إلى الـصعيد حتّى يتوهّم منه لزوم الـمسح به مع عدم إمكانه، فكأنّه قال: إنّما قلنا من ذلك الـتيمّم، لا من الـصعيد، لعدم إمكان الـمسح منه، لعدم إجرائه على الـوجه; لأنّه يعلق منه ببعض الـكفّ، و لايعلق ببعض.
كما أنّه اُورد عليه في «ا لـمصباح»: بأنّه و إن كان الـظاهر أنّ الـمراد من الـتيمّم ما يتيمّم به، إلاّ أنّ الـمتعيّن ـ مع ذلك ـ أيضاً حمل كلمـة «من» على الابتداء دون الـتبعيض; لأنّ الـمقصود بقوله (عليه السلام): «أنّ ذلك أجمع ...» إنّما هو بيان حكمـة أنّ اللّه


(الصفحة334)


تعا لـى أوجب أن يكون الـمسح من الـصعيد، لا به بنفسه، حيث علم أنّه بنفسه لايتعلّق با لـكفّ على وجه يمكن إجرائه با لـكيفيـة الـمعتبرة في الـتيمّم على الـوجه و الـيدين، فأوجب اللّه تعا لـى أن يكون الـمسح ناشياً منه لا به.
و ليس الـمراد بما يعلق ببعض الـكفّ من الـصعيد، الـعلوق الـذي اعتبره الـقائلون به، ضرورة أنّ ذلك الـعلوق ـ بعد تسليم صحّـة إطلاق كونه بعض الـصعيد ـ يعلق غا لـباً بجميع الـكفّ، بل ربّما يعلق بظاهر الـيد أيضاً، فا لـمقصود به على الـظاهر ليس إلاّ أنّ ذلك الـصعيد بنفسه لايعلق حقيقـة إلاّ ببعض الـكفّ، فلايمكن أن يكلّف الـناس بإجرائه على الـوجه و الـيدين با لـنحو الـمعتبر فيهما، و لذا لم يأمرهم بذلك، و إنّما اُوجب عليهم الـمسح منه بنحو من الاعتبار.
أقول: لامجال لإنكار كون الـمراد من الـتيمّم في الـروايـة هو الـتيمّم الـذي معناه الـضرب على الـصعيد، و لا وجه لحمله على كون الـمراد به هو الـصعيد، للزوم الأحجّيـة كما عرفت.
إلاّ أنّ الـتأمّل في الـروايـة و الـخصوصيات الـمذكورة فيها يقضي بأنّ الـمراد منها أنّ كلمـة «منه» متعلّقـة بخصوص أيديكم، و الـمراد منه أنّ مسح الأيدي إنّما هو من الـضرب الـذي مسح الـوجه به، من دون أن يكون هنا تيمّم آخر، أي ضرب آخر، و هذا الـمعنى يناسب مع الـتعليل الـواقع فيها أيضاً; لأنّ مرجعه إلى أنّ الـصعيد لم يتعلّق بجميع الـكفّ حتّى يكون إجرائه على الـوجه مانعاً عن الإجراء على الأيدي، بل إنّما تعلّق ببعضهما، و هو يدلّ على عدم لزوم اشتمال الـكفّ على الـصعيد، فلا وجه للزوم تيمّم آخر، أي ضرب آخر; لأنّ منشأ توهّم اللزوم خلوّ الـكفّ عن الـصعيد، مع أنّه لايلزم اشتما لـها عليه، فا لـصحيحـة تدلّ على رجوع الـضمير إلى الـتيمّم، و عليه


(الصفحة335)


تكون كلمـة «من» ابتدائيـة، و لا وجه للتبعيض، غايـة الأمر اختصاصها بخصوص الأيدي، كما لايخفى.
ثمّ إنّ الـصحيحـة مع إرجاعها الـضمير إلى الـتيمّم أفاد كون الآلـة في الـمسح هي الـكفّ، و هو يدلّ على أنّ دلالـة الآيـة على لزوم آليّـة الـكفّ لاتتوقّف على ثبوت كلمـة «منه»، بل الآيـة الـخا لـيـة عن هذه الـكلمـة أيضاً تدلّ على ذلك، فمن ذلك يستكشف صحّـة ما ذكرنا من عدم الـفرق في هذه الـجهـة بين الآيتين، و أنّ لزوم وساطـة الـكفّ لايتوقّف على ثبوت هذه الـكلمـة، كما أصرّ عليه الـماتن دام ظلّه في «ا لـرسا لـة» فتدبّر.
و قد انقدح من جميع ما ذكرنا: عدم دلالـة الـكتاب على اعتبار خصوص الـتراب لو لم نقل بدلالته على الـعدم، بلحاظ مادّة كلمـة «ا لـصعيد» على ما عرفت.
و أمّا الـسنّـة: ففيها طوائف من الـروايات الـمشتملـة على الـصحيحـة و الـموثّقة، تدلّ على أنّ الـمراد با لصعيد ما عليه الـمشهور من كونه مطلق وجه الأرض:
الاُولى: الـنبوي الـمعروف: «جعلت لي الأرض مسجداً و طهوراً»(1) و هي روايـة مشهورة مستفيضـة، بل متواترة، و قد نسبها الـصدوق إلى الـنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على سبيل الـجزم، و قد رواها الـكليني، و «محاسن» الـبرقي، و الـصدوق في «ا لـفقيه»، و في «ا لـخصال» بسندين، و جماعـة كثيرة اُخرى.
نعم، عن «ا لـعلل» روايتها بذكر «و ترابها طهوراً» مسندة إلى جابر بن عبدا للّه، عن الـنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسند جلّ رواتها من الـعامّـة، فلاينبغي الـتعويل عليها.
و عن الـمرتضى أنّه استدلّ لكون الـمراد با لـصعيد هو الـتراب بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمم، الـباب 7، الـحديث 2.


(الصفحة336)


«جعلت لي الأرض مسجداً و ترابها طهوراً» قائلاً: بأنّه لو جاز الـتيمّم بمطلق الأرض لكان لفظ «ترابها» لغواً.
و قال الـمحقّق في «ا لـمعتبر» في مقام الـجواب عن الـمرتضى: إنّ الـتمسّك به تمسّك بدلالـة الـخطاب، و هي متروكـة في معرض الـنصّ إجماعاً.
و يظهر منه وجود هذه الـروايـة و اعتبارها، نعم في محكيّ «مجا لـس» ابن ا لـشيخ في حديث: «جعلت لي الأرض مسجداً و طهوراً أينما كنت، أتيمّم من تربتها و اُصلّي عليها». ولكنّه لايخا لـف الـروايات الـمتقدّمـة; لأنّ عمله (صلى الله عليه وآله وسلم) يمكن أن يكون لأجل أفضليـة الـتراب، لالتعيّنه، فلاينافي صدرها، و لايصلح لتقييد إطلاقه، فضلاً عن سائر الـمطلقات.
و الـظاهر أنّه بعد عدم إمكان الـمناقشـة في الـروايـة با لـنقل الـمعروف، و كون صدورها بغير ذلك الـنقل أيضاً، بأن صدر من الـنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّتين: مرّة مع وجود لفظ «ترابها»، و اُخرى بدون هذا اللفظ، بعيداً جدّاً، لظهور كون الـصادر منه نحواً واحداً، ينقدح في الـذهن وقوع اشتباه في الـنقل الـثاني، خصوصاً مع كون رواة الـسند جلّهم من الـعامّـة، و لم ينقله الـمرتضى (قدس سره) إلاّ مرسلاً، و إن كانت كيفيـة إرسا لـه بنحو يمكن دعوى اعتبار الـمرسلـة معها، لكنّه لايقاوم مع الـنقل الـمستفيض، بل الـمتواتر با لـنحو الـمعروف.
و كيف كان: فلا يبقى اعتماد على هذا الـنقل، و لايكون واجداً لشرائط الـحجيّـة حتّى يعامل معه، و مع الـنقل الآخر معاملـة الـخبرين الـمعتبرين، فيجمع بينهما، أو يرجع إلى قواعد الـتعارض، فا لـلازم الأخذ با لـروايـة بهذه الـكيفيـة الـظاهرة في أنّ الـطهور إنّما هو نفس الأرض، لاخصوص ترابها.


(الصفحة337)


نعم، ربّما يناقش في دلالتها، لاحتمال كون الـمراد هي الـطهوريـة من الـخبث الـثابتـة للأرض في الـجملـة، ولكنّها مندفعـة بأ نّه إن كان الـمراد هو الاختصاص بها، فهو مقطوع الـبطلان بعد معروفيـة الـتيمّم، و كونه أحد الـطهورين، و إن كان الـمراد هو الـشمول لها أيضاً، فلايمنع من الـدلالـة على ما عليه الـمشهور.
ا لـثانيـة: ما وردت في قضيـة عمّار، ففي موثّقـة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «أتى عمّار بن ياسر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه، إنّي أجنبت الليلـة، فلم يكن معي ماء.
قال: كيف صنعت؟
قال: طرحت ثيابي و قمت على الـصعيد فتمعّكت فيه.
فقال: هكذا يصنع الـحمار، إنّما قال اللّه عزّوجلّ: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) فضرب بيديه على الأرض، ثمّ ضرب إحداهما على الاُخرى، ثمّ مسح بجبينه، ثمّ مسح كفّيه كلّ واحدة على الاُخرى، فمسح الـيسرى على الـيمنى، و الـيمنى على الـيسرى».
(1)
و في صحيحـة زرارة قال: قال أبوجعفر (عليه السلام): «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم لعمّار في سفر له: ياعمّار، بلغنا أنّك أجنبت فكيف صنعت؟
قال: تمرّغت يا رسول اللّه في الـتراب».
قال: «فقال له: كذلك يتمرّغ الـحمار، أفلا صنعت كذا، ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض. فوضعهما على الـصعيد، ثمّ مسح جبينه (جبينيه) بأصابعه و كفّيه إحداهما بالاُخرى، ثمّ لم يعد ذلك».
(2)


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 11، الـحديث 9.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 11، الـحديث 8.


(الصفحة338)


و قد تتوهّم دلالـة الـصحيحـة أو إشعارها بمخا لـفـة الـصعيد للأرض، حيث قال الإمام (عليه السلام) فيها في مقام الـحكايـة: «ثمّ أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الـصعيد» ولو كان الـصعيد بمعنى مطلق وجه الأرض، لكان الـمناسب أن يقول: فوضعهما عليها.
ولكن الـتوهّم مندفع: بأنّه من الـمحتمل أن يكون ذلك لأجل إفادة تفسير الآيـة، و بيان أنّ الـمراد با لـصعيد الـواقع فيها هو الأرض.
ثمّ إنّه يمكن أن يقال: بأنّ هذه الـطائفـة ـ مضافاً إلى دلالتها بنفسها على الـمذهب الـمشهور ـ يمكن الاستشهاد بها على كون الـصعيد في الآيـة هو الأرض، لا الـتراب خاصّـة، ضرورة أنّ قصّـة عمّار لم تكن إلاّ قضيـة واحدة، و قد نقلها الأئمّـة (عليهم السلام)بتعبيرات مختلفـة، مع وضوح كون الـغرض من الـنقل بيان الـحكم و إفادة كيفيـة الـتيمّم، ففي أكثرها وقع الـتعبير بالأرض، و في روايـة: «وضع يده على الـمسح»، و في ثا لـثـة ما عرفت في صحيحـة زرارة من الـجمع بين الأرض و الـصعيد.
فيظهر من جميع ذلك: أنّ الأرض و الـصعيد واحد، و أنّ الـمراد با لـثاني هو الأوّل; إذ لامجال لتوهّم كون دائرة الـتيمّم أوسع من الـصعيد، خصوصاً مع وقوع الاستشهاد بالآيـة في بعضها.
ثمّ الـظاهر أنّ اعتراض الـرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على عمّار، و الاستشهاد بالآيـة إنّما هو لأجل دلالـة الآيـة على وجوب الـمسح با لـوجوه و الأيدي بدلاً عن الـوضوء و الـغسل معاً، لاشتمال صدر الآيـة على بيان الأمرين، و دلالـة ذيلها على الانتقال إلى الـتيمّم با لـكيفيـة الـمذكورة فيها في كلا الـموردين، فلم يكن وجه لعمل الـعمّار و ما صنعه.


(الصفحة339)


نعم، الـوجه فيه هو تخيّل أنّ الـتيمّم با لـنحو الـمذكور في الآيـة، حيث لايتجاوز عن الـوجوه و الأيدي اللتين قد أمر بغسلهما في الـوضوء، يكون منحصراً بما هو بدل عن الـوضوء، و أمّا الـبدل عن الـغسل فيكون با لـنحو الـذي صنع، فمنشأ الاعتراض ما ذكر، لا أنّ الآيـة تدلّ على أنّ الـمسح من الـصعيد، لامسح الـجسد على الأرض، ضرورة أنّه لو كان يمسح الـصعيد على جميع أجزاء بدنه لكان الاعتراض عليه باقياً بحا لـه أيضاً، كما هو ظاهر.
ا لـثا لـثـة: عدّة روايات اُخر، كصحيحـة الـحلبي قال: سمعت أباعبدا للّه (عليه السلام)يقول: «إذا لم يجد الـرجل طهوراً و كان جنباً فليتمسّح من الأرض، و ليصلّ، و إذا وجد ماءً فليغتسل، و قد أجزأته صلاته الـتي صلّى».(1)
و قد نوقش فيها باحتمال كونها بصدد بيان أجزاء الـصلاة الـتي صلّى مع الـتيمّم، لا في مقام بيان ما يتيمّم به، كما أنّه يحتمل أن تكون بصدد بيان أنّه مع عدم وجدان الـماء يصحّ الـتيمّم ولو في سعـة الـوقت، و لايجب الـصبر إلى آخره.
ولكنّ الـمناقشـة مندفعـة بظهور كون الـروايـة في مقام بيان حكمين:
الأوّل: الانتقال إلى الـتيمّم مع عدم وجدان الـماء.
ا لـثاني: أجزاء الـصلاة الـتي صلاّها معه.
و قد اقتصر في بيان الـحكم الأوّل على ذكر الأرض، فيظهر منها أنّه هو ما يتيمّم به لا أمر أخصّ منه. و نظيرها صحيحـة ابن سنان.(2)
و صحيحـة ليث الـمرادي، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) في الـتيمّم قال: «تضرب بكفّيك


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 14، الـحديث 4.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 14، الـحديث 7.

(الصفحة340)


على الأرض مرّتين، ثمّ تنفضهما و تمسح بهما وجهك و ذراعيك».(1)
و روايـة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في الـتيمّم قال: «تضرب بكفّيك الأرض، ثمّ تنفضهما و تمسح بهما وجهك و يديك».(2)
و توهّم: أنّ لزوم الـنفض أو رجحانه الـمدلول عليه با لـروايتين دليل على كون الـتيمّم با لـتراب لا مطلق الأرض، مدفوع بأنّ الـباقي بعد الـنفض على فرض الـتيمّم با لـتراب هو أثر الـتراب لانفسه، و على تقديره فغايـة مفادهما لزوم كون الأرض صا لـحاً للعلوق، و هو لايختصّ با لـتراب لوجوده في الـموارد الـمتقدّمـة.
و روايـة محمّد بن مسلم قال: سأ لـت أباعبدا للّه (عليه السلام) عن الـتيمّم، فضرب بكفّيه الأرض ثمّ مسح بهما وجهه ...(3)
و روايـة زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: قلت: رجل دخل الأجمـة، ليس فيها ماء، و فيها طين، ما يصنع؟
قال: «يتيمّم، فإنّه الـصعيد ...».(4)
فإنّ الـظاهر منها أنّ الـطين صعيد، مع أنّه ليس بتراب، لكن في مرسلـة علي بن مطر، عن بعض أصحابنا قال: سأ لـت الـرضا (عليه السلام) عن الـرجل لايصيب الـماء و لا الـتراب أيتيمّم با لـطين؟
قال: «نعم، صعيد طيّب و ماء طهور».(5)


(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 12، الـحديث 2.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 11، الـحديث 6.
(3) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 12، الـحديث 5.
(4) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 9، الـحديث 5.
(5) وسائل الـشيعـة، أبواب الـتيمّم، الـباب 9، الـحديث 6.

<<التالي الفهرس السابق>>