في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة521)



ا لـفرع الـثاني: تطهير الـمتنجّس بغير الـبول من سائر الـنجاسات إن لم يكن آنيـة

و قد اختار في الـمتن الاجتزاء فيه با لـمرّة، كما هو الـمنسوب إلى الأكثر; لإطلاق الأمر با لـغسل في أكثرها، مثل ما ورد في أبوال ما لا يؤكل لحمه من قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه»(1) .
و ما ورد في الـكلب من قوله (عليه السلام): «إذا مسسته فاغسل يدك»(2) .
و في الـخنزير: قلت: و ما على من قلّب لحم الـخنزير؟
قال: «يغسل يده»(3) .
و في الـكافر من قوله (عليه السلام): «فإن صافحك بيده فاغسل يدك»(4) .
و في الـمنيّ من قوله (عليه السلام): «إن عرفت مكانه فاغسله»(5).
و في الـميتـة من قوله (عليه السلام): «و إن أخذت منه بعد أن يموت فاغسله».
و في الـمسكر من قوله (عليه السلام): «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه»(6).
و غير ذلك من الـروايات الـواردة في هذه الاُمور و غيرها من الـنجاسات، فإنّ

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 8، الـحديث 2.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 12، الـحديث 9.
(3) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 13، الـحديث 4.
(4) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 14، الـحديث 5.
(5) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 16، الـحديث 1.
(6) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 38، الـحديث 3.


(الصفحة522)


الأمر با لـغسل إرشاد إلى الـنجاسـة، و إلى حصول الـطهارة با لـغسل، و مقتضى الإطلاق كفايـة الـغسل مرّة واحدة.
نعم، تمكن الـمناقشـة في بعضها; من جهـة عدم وضوح كونها في مقام الـبيان من هذه الـجهـة، و هو شرط الـتمسّك بالإطلاق. ولكنّ الـظاهر عدم جريان الـمناقشـة في الـجميع.
إنّما الإشكال في نجاسـة لا يكون لدليل الـتطهير منها إطلاق، أو لم يكن في الأدلّـة تعرّض للتطهير منها، بل كان الـتعرّض فيها لمجرّد نجاستها، أو كان دليل نجاستها منحصراً في الإجماع، فإنّه هل يكتفى في أمثال ذلك با لـغسل مرّة واحدة، أو لابدّ فيها من الـتعدّد، كما في الـبول على ما عرفت.

و قد استدلّ على الأوّل بوجوه:

الأوّل: الإجماع الـمركّب، و عدم الـقول با لـفصل بين الـنجاسات في غير بول الآدمي، كما ادّعاه في «ا لـذخيرة» و في محكيّ «ا لـجواهر»: و يساعده الـتتبّع.
ولكن يرد عليه ـ مضافاً إلى منع الـصغرى; لذهاب جماعـة من متأخّري الـمتأخّرين إلى اعتبار الـتعدّد فيما لم يقم دليل على كفايـة الـمرّة فيه ـ منع الـكبرى; لوضوح عدم كونه إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي الـمعصوم، بعد احتمال الاستناد إلى أحد الـوجوه الآتيـة، كما لا يخفى.
ا لـثاني: إطلاق ما دلّ على مطهّريـة الـماء، و الـعمدة فيه الـنبوىّ الـذي رواه الـمؤا لـف و الـمخا لـف كما عن «ا لـسرائر»: «خلق اللّه الـماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه»(1) .
(1) مستدرك الـوسائل، أبواب الـماء الـمطلق، الـباب 3، الـحديث 10.


(الصفحة523)


نظراً إلى إطلاقه بلحاظ الـمطهّر ـ با لـفتح ـ و احتمال عدم وروده في مقام الـبيان، مندفع بالأصل.
و يرد عليه: أنّ الـظاهر كما ذكرنا في أوّل بحث الـمياه، أنّ «ا لـطهور» بمعنى الـطاهر، و ليس فيه معنى الـمطهّريـة أصلاً، حتّى يتمسّك بإطلاقه بلحاظ الـمطهّر ـ با لـفتح ـ و كونه صيغـة مبا لـغـة لا تستلزم اشتما لـه على الـمطهّريـة أيضاً.
و يؤيّده في الـمقام قوله: «لا ينجّسه شيء ...» الـظاهر في أنّ الـمراد شدّة مرتبـة الـطهارة الـحاصلـة له، و الـتفصيل مذكور هناك.
و على تقدير دلالتها على ثبوت الـمطهّريـة، فلا يستفاد منها كيفيـة الـتطهير; و أنّه هل يتحقّق با لـمرّة، أو يتوقّف على الـتعدّد؟ و هذا لاينافي إطلاقه بلحاظ الـمطهّر ـ با لـفتح ـ فتدبّر.
كلّ ذلك مع إمكان الـمناقشـة في سندها; حيث لم تثبت روايتها من طرقنا، فضلاً عن أن يكون نقلها متسا لـماً عليه بين الـمؤا لـف و الـمخا لـف. هذا مع أنّ في دلالتها جهات اُخر قابلـة للتأمّل.

ا لـثا لـث: إطلاقات الأخبار:

منها: صحيحـة زرارة الـمعروفـة الـواردة في الاستصحاب قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من منيّ ... .
إلى أن قال: «تعيد الـصلاة و تغسله ...»(1) .
نظراً إلى أنّ الـظاهر أنّ الـسؤال فيها إنّما هو عن مطلق الـنجاسـة، لا عن الـدم و الـمنىّ فقط، فإنّ قوله: «أو غيره» و إن كان يحتمل في نفسه أن يراد به غير الـدم من

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 41، الـحديث 1.


(الصفحة524)


ا لـنجاسات، ليكون ذكر الـمنيّ بعد ذلك من قبيل ذكر الـخاصّ بعد الـعامّ، كما يحتمل أن يراد به دم غير الرعاف، إلاّ أنّ المستفاد من جملات السؤال و الجواب الـواردة في الصحيحة، أنّ السؤال إنّما هو عن طبيعي الـنجاسة، ولا سيّما قوله: «و لاتعيد الصلاة».
قلت: لم ذلك.
قال: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك».
و يرد على الاستدلال بها: أنّ الـسؤال و إن كان إنّما هو عن طبيعي الـنجاسـة، من دون مدخليـة للدّم و الـمنيّ في محطّه أصلاً، إلاّ أنّ الـظاهر عدم جواز الاستدلال بإطلاق وجوب الـغسل للاكتفاء با لـمرّة; لكون الـظاهر من الـصحيحـة أنّ كيفيـة الـتطهير كانت معلومـة عند الـسائل، و إنّما الـسؤال من جهـة نسيانه أو غيرها من الـجهات الاُخر، و ليس في الـروايـة إشعار بعدم معلوميـة كيفيـة الـتطهير لدى الـسائل، لو لم نقل بدلالتها على الـمعلوميـة، و حينئذ كيف يجوز الـتمسّك بالإطلاق مع عدم كونه في مقام الـبيان من هذه الـجهـة أصلاً؟!
و منها: موثّقـة عمّار، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل ليس عليه إلاّ ثوب، و لاتحلّ الـصلاة فيه، و ليس يجد ماءً يغسله، كيف يصنع؟
قال: «يتيمّم و يصلّي، فإذا أصاب ماءً غسله و أعاد الـصّلاة»(1) .
فإنّ قوله: «و ليس يجد ماء يغسله» قرينـة على أنّ الـمراد من عدم حلّيـة الـصلاة فيه، هو عدم الـحلّيـة الـمستند إلى الـنجاسـة، لا إلى كونه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، و عليه فإطلاق قوله (عليه السلام) في الـجواب: «غسله» ظاهر في الاكتفاء بمجرّد الـغسل الـمتحقّق با لـمرّة الـواحدة.

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 45، الـحديث 8.


(الصفحة525)


و يرد على الاستدلال بها: ما عرفت من وضوح عدم كون الـروايـة واردة في مقام الـبيان من هذه الـجهـة، و أنّ كيفيـة الـتطهير كانت معلومـة عند الـسائل، فكيف تصحّ دعوى الإطلاق مع ذلك؟!
و منها: مرسلـة محمّد بن إسماعيل بن بَزيع، عن أبي ا لـحسن (عليه السلام) في طين الـمطر: «أنّه لا بأس به أن يصيب الـثوب ثلاثـة أيّام، إلاّ أن يعلم أنّه قد نجّسه شيء بعد الـمطر، فإن أصابه بعد ثلاثـة أيّام فاغسله، و إن كان الـطريق نظيفاً لم تغسله»(1) .
و يرد على الاستدلال بها ـ مضافاً إلى ضعف سندها بالإرسال ـ أنّه لم يعلم وجه الـتفصيل بين ثلاثـة أيّام و غيرها، فإنّه إن كان الـطريق نجساً غير نظيف، لا فرق بين الـثلاثـة و ما بعدها، كما هو ظاهر الـروايـة، و إن كان نظيفاً فلا فرق بينهما أيضاً، فما وجه الـتفصيل؟!
إلاّ أن يقال: بأنّ الـفرق إنّما هو في صورة الـشكّ; نظراً إلى أنّه في هذه الـصورة لا يجب الـغسل في الـثلاثـة، و يجب فيما بعدها. و الـوجه في الـفرق غلبـة الـتنجيس بعد مضيّ الـثلاثـة نوعاً.
و مع ذلك لا مجال للاستدلال بإطلاق وجوب الـغسل; لكون الـروايـة في مقام بيان الـتفصيل، لا في مقام بيان كيفيـة الـتطهير كما هو ظاهر.
و منها: موثّقـة اُخرى لعمّار، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام): في رجل قصّ أظفاره با لـحديد، أو جزّ من شعره، أو حلق قفاه: «فإنّ عليه أن يمسحه با لـماء قبل أن يصلّي».
سئل: فإن صلّى و لم يمسح من ذلك با لـماء.

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 75، الـحديث 1.


(الصفحة526)


قال: «يعيد الـصلاة; لأنّ الـحديد نجس».
و قال: «لأنّ الـحديد لباس أمل الـنار، و الـذهب لباس أهل الـجنّـة»(1) .
نظراً إلى أنّ حكمه بكفايـة الـمسح با لـماء، معلّلاً بـ «أنّ الـحديد نجس» يعطي أنّ طبيعـة الـنجس تنجّس ملاقياتها با لـرطوبـة، و تزول نجاستها بمجرّد أن أصابها الـماء، و هو معنى كفايـة الـغسل مرّة واحدة.
نعم، تطبيق ذلك على الـحديد لا يخلو من عنايـة; لوضوح عدم كون الـحديد نجساً، و لا أنّه منجّس لما يلاقيه، إلاّ أنّه أمر آخر. و قال الـشيخ (قدس سره): و هذا محمول على الاستحباب دون الإيجاب; لأنّه شاذّ مخا لـف للأخبار الـكثيرة.
و يرد على الاستدلال بها: أنّه مع قطع الـنظر عن ورود الـروايـة في الـحديد، و هو لا يكون نجساً كما عرفت، أنّ غايـة مفادها أنّ كلّ نجاسـة يجب غسلها لأجل الـصلاة، و إذا لم تغسل يوجب ذلك بطلان الـصلاة و لزوم الإعادة، و أمّا أنّ كلّ نجس يكفي في تطهيره الـغسل ـ فضلاً عن الـمسح ـ فلا دلالـة للروايـة عليه بوجه، فكيف يستفاد منها إطلاق وجوب الـغسل مع كلّ نجاسـة كما لا يخفى؟!
و قد انقدح ممّا ذكرنا، عدم تماميـة شيء من الـوجوه الـثلاثـة، و عدم نهوضه لإثبات الاكتفاء با لـغسل مرّة في مطلق الـنجاسات بمعناها الأعمّ من الـمتنجّسات.

و أمّا ما استدلّ به على لزوم الـتعدّد، فوجوه أيضاً:

منها: صحيحـة محمّد بن مسلم، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) قال: ذكر الـمنيّ و شدّده و جعله أشدّ من الـبول.
ثمّ قال: «إن رأيت الـمنيّ قبل أو بعد ما تدخل في الـصلاة، فعليك إعادة الـصّلاة،

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 83، الـحديث 6.


(الصفحة527)


و إن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه، ثمّ صلّيت فيه، ثمّ رأيته بعد، فلا إعادة عليك و كذلك الـبول»(1) .
فإنّ مقتضى الأشدّيـة عدم الاكتفاء في الـمنيّ با لـمرّة، و إن كان لازمها عدم الاكتفاء با لـمرّتين أيضاً، و إلاّ لا تحقّق الأشدّيـة، إلاّ أنّ الـظاهر الاتّفاق على عدم لزوم الـزائد عليهما.
و فيه ـ مضافاً إلى أنّ مقتضى هذا الـوجه لزوم الـتعدّد في الـمنيّ، لا في مطلق الـنجاسات كما هو الـمدّعى ـ أنّ الاستدلال به يبتني على أن يكون الـمراد من الأشدّيـة هي الأنجسيـة، مع أنّه غير معلوم; لأنّه يحتمل في الأشدّيـة وجوه متعدّدة، أظهرها أنّ الـمراد منها سعـة دائرة نجاسـة الـمنيّ; حيث إنّه نجس من كلّ حيوان ذي نفس سائلـة، محرّماً كان، أم محلّلاً، بخلاف الـبول، فإنّه تختصّ نجاسته بخصوص الـمحرّم. و قد فصّلنا الـقول في ذلك في مبحث نجاسـة الـمنيّ، فليراجع.
و منها: ما في روايتي الـحسين و الـبزنطي الـمتقدّمتين في الـفرع الأوّل; من تعليل وجوب صبّ الـماء على الـبول مرّتين بقوله (عليه السلام): «فإنّما هو ماء».
نظراً إلى أنّ الـبول الـذي يكون ماءً إذا اقتضى الـتعدّد، فا لـثخانـة و الـقوام أولى بالاقتضاء.
و يدفعه: أنّه يتمّ لو كان الـتعليل لوجوب الـتعدّد، مع أنّ الـظاهر كونه تعليلاً لكفايـة الـصبّ في مقابل الـغسل، فلا ارتباط له با لـمقام.
و منها: الاستصحاب، فإنّه مع الاكتفاء با لـمرّة يشكّ في زوال الـنجاسـة الـمتحقّقـة، و مقتضى الاستصحاب بقائها إلى أن يحصل الـتعدّد.

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 16، الـحديث 2.


(الصفحة528)


و قد اُورد عليه بوجوه:
الأوّل: عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الـكلّيـة الإلهيّـة، و منها ما نحن فيه.
و الـجواب: أنّه قد حقّق في محلّه جريانه فيها أيضاً.
ا لـثاني: أنّ الـنجاسـة لا تكون من الأحكام الـمجعولـة الـشرعيـة، بل إنّما هي حكم وضعي منتزع من الـحكم الـتكليفي با لـغسل مرّة أو مرّتين، فا لـشكّ في بقائها يرجع إلى الـشكّ في وجوب الـغسل مرّة أو أكثر، و من الـمعلوم أنّ الـمرجع في مثله هي أصا لـة الـبرائـة عن الـزائد; لكونه شكّاً في الـتكليف الـزائد.
و الـجواب: ما حقّقناه سابقاً من أنّ الـظاهر كون الـنجاسـة أمراً وجودياً متحقّقاً في الـنجس، غايـة الأمر أنّ لها في الـشريعـة مصداقين:
أحدهما: حقيقي، و هو الـذي يستقذره الـعرف و الـعقلاء، فإنّه في مثله لم يجعل الـشارع له الـقذارة، و لم يكن له اصطلاح خاصّ في الـقذر وا لـنجس، بل جعل الـشيء الـنجس ـ الـذي كان فيه خصوصيـة وجوديـة موجبـة لاستكراه الـعقلاء و استقذارهم ـ موضوعاً للأحكام الـمتعدّدة.
و ثانيهما: اعتباري جعلي، و هو الـنجاسات الـشرعيـة الـتي لا يكون الـعرف مستقذراً لها، و في مثله جعل الـشارع له الـنجاسـة، و اعتبرها له، ثمّ رتّب أحكاماً بعد جعل الـنجاسـة و الإلحاق الـموضوعيّ، غايـة الأمر اختلاف الـملاك باختلاف أنواع هذا الـقسم من الـنجس.
و كيف كان: فا لـنجاسـة في نفسها، إمّا أن تكون متحقّقـة عند الـعرف، و إمّا أن تكون معتبرة عند الـشارع و مجعولـة من ناحيـة الـشرع، فلا وجه لدعوى انتزاعها من الـحكم الـتكليفي أصلاً.


(الصفحة529)


ا لـثا لـث: أنّ استصحاب الـنجاسـة من قبيل استصحاب الـفرد الـمردّد بين طويل الـعمر و قصيره، و هو ليس بحجّـة.
و الـجواب أوّلاً: أنّه ليس هنا فرد مردّد بين الـطويل و الـقصير، بل الـمتيقّن فرد معيّن غير مردّد، غايـة الأمر أنّه يشكّ في أنّه هل يزول با لـغسل مرّة، أو أنّه يتوقّف زوا لـه على الـمتعدّد من الـغسل؟ فا لـشكّ في ارتفاع الـفرد الـمعيّن و عدمه.
و ثانياً: أنّه على تقدير تسليمه نقول: إنّه لو اُريد بهذا الاستصحاب إثبات الـفرد الـطويل، و ترتيب الآثار الـمترتّبـة على خصوصه، فلا مجال له; لكونه من الاُصول الـمثبتـة.
وإن اُريد به إثبات بقاء الـكلّي، وترتيب الآثار الـمترتّبة عليه، فلامانع من جريانه أصلاً، و مثل عدم جواز الـصلاة من الآثار الـتي تترتّب على كلّي الـنجاسـة و طبيعيّها، فا لـلازم تكرار الـغسل لتجوّز الـصلاة فيه. و قد انقدح من ذلك تماميـة الاستصحاب.
ولكن الـرجوع إليه إنّما هو فيما إذا لم يكن في مقابله دليل مفاده جواز الاكتفاء با لـمرّة في مقام الـتطهير، و قد عرفت قيامه في جلّ الـنجاسات الـعينيـة، بل الـظاهر وجوده في كلّها ما عدا الـبول، فقد ورد في عرق الإبل الـجلاّلـة في صحيحـة حفص أو حسنته قوله (عليه السلام): «و إن أصابك شيء من عرقه فاغسله»(1) .
و أمّا عرق الـجنب من الـحرام، فقد عرفت أنّ الأظهر عدم نجاسته، بل عدم مانعيته عن الـصلاة أيضاً.
و قد ورد في الـدم قوله (عليه السلام): «إن اجتمع قدر حمّصـة فاغسله، و إلاّ فلا»(2) .
(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 15، الـحديث 2.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 20، الـحديث 5.


(الصفحة530)


أي لايجب غسله لأجل الـصلاة، لا أنّه ليس بنجس، كما ذهب إليه الـصدوق.
و أمّا الـغائط، فلا يجب غسله أصلاً، بل يجوز الـتمسّح بالأحجار و نحوها كما مرّ، في أحكام الـتخلّي.
و با لـجملـة: فا لـدليل على الاكتفاء با لـمرّة في الـمتنجّس بالأعيان الـنجسـة الـمعهودة ما عدا الـبول قائم، و مع قيامه لا يبقى مجال للاستصحاب، و إذا كان الـمتنجّس بها من دون واسطـة يكفي فيه الـمرّة، فا لـمتنجّس بها مع الـواسطـة تكفي فيه الـمرّة بطريق أولى بالأولويـة الـقطعيـة.

ا لـكلام في الـمتنجّس با لـبول مع الـواسطـة

نعم، يبقى الـكلام في الـمتنجّس با لـبول مع الـواسطـة، و أنّه هل يعتبر فيه الـتعدّد كا لـمتنجّس من دون واسطـة، أو يكتفي فيه با لـمرّة؟
ربّما يقال: با لـثاني نظراً إلى روايـة الـعيص بن الـقاسم قال: سأ لـته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء.
فقال: «إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه»(1) .
فإنّ مقتضى إطلاقها الاكتفاء با لـغسلـة الـواحدة في الـمتنجّس با لـماء الـمتنجّس با لـبول أو بغيره من الـنجاسات و الأقذار.
ولكنّه ربّما يناقش في الاستدلال با لـروايـة تارة: من جهـة الإضمار، و اُخرى: من جهـة الإرسال.
ولكن يدفعها: أنّ جلالـة شأن الـعيص و علوّ مقامه، مانع عن احتمال رجوعه في

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـماء الـمضاف، الـباب 9، الـحديث 14.


(الصفحة531)


أخذ الـحكم الـشرعيّ إلى غير الإمام (عليه السلام) و حيث إنّ الـشهيد في «ا لـذكرى» و الـمحقّق في «ا لـمعتبر» رويا الـروايـة عن الـعيص من دون واسطـة، فيدلّ ذلك على أنّهما وجداها في كتاب قطعي الانتساب إليه، و من الـواضح اعتبار نقلهما بعد علوّ مقامهما، و وضوح عدا لـتهما و وثاقتهما، فالإشكال من جهـة الإرسال ممّا ليس له مجال أيضاً.
و قد انقدح من جميع ما ذكرنا: جواز الاكتفاء با لـمرّة في تطهير عموم الـنجاسات و الـمتنجّسات ما عدا الـمتنجّس با لـبول من دون واسطـة. هذا في غير الإناء، و أمّا الإناء فسيأتى حكمه.
نعم، لا ينبغي الإشكال في أنّ الأحوط الـتعدّد، و هو الـذي قوّاه جماعـة إمّا مطلقاً، أو في خصوص ما له ثخن و قوام.
بقي في هذا الـفرع أمران:
في الـغسلـة الـمزيلـة و الـمطهّرة

الأمر الأوّل: أنّه هل تكفي الـغسلـة الـمزيلـة في حصول الـطهارة، أو أنّه لابدّ من أن تكون الـغسلـة الـمطهّرة بعد غسلـة الإزا لـة، كما عن جماعـة؟
منهم الـمحقّق في «ا لـمعتبر» قال فيه: و هل يراعى الـعدد في غير الـبول؟ فيه تردّد، و أشبههه يكفي الـمرّة بعد إزا لـة الـعين; لقوله (عليه السلام) في دم الـحيض: «حتّيه ثمّ اغسليه ...».
و اُجيب عنه: بأنّه يمتنع حمل الأمر على الـوجوب; للقطع بعدم وجوب الـحتّ، فالأمر به لابدّ أن يكون محمولاً على الاستحباب كما عن جماعـة، بل في «ا لـمنتهى»


(الصفحة532)


نسبته إلى علمائنا و أكثر أهل الـعلم، أو على الإرشاد إلى أمر عرفيّ; لأنّ الـحتّ قبل صبّ الـماء أرفق في الـتطهير، فإطلاق الأمر با لـغسل و غيره الـصادق على الـغسلـة الـمزيلـة ـ كما اعترف به جماعـة منهم الـسيّد ـ محكّم، و دعوى الانصراف إلى غيرها و لو ببقاء الـصبّ مستمرّاً بعد زوا لـها، غير ظاهرة.
و يؤيّده: أنّ الـظاهر أنّ الـغسل الـمأمور به لحصول الـطهارة و ارتفاع الـنجاسـة، ليس إلاّ مثل الـغسل الـمتداول في إزا لـة الأوساخ و الـقذارات الـعرفيـة، فكما أنّه يكفي في تحقّق زوال الـوسخ و الـقذارة مجرّد الـغسل الـمزيل، فكذلك في الـشرعيّات، و ما تقدّم من ارتكاز ثبوت غسلتين ـ الاُولى: للإزا لـة، و الـثانيـة: للإنقاء ـ فانّما هو لأجل نفي ثبوت الـغسلتين بعد الإزا لـة بحيث يصير الـمجموع ثلاث غسلات، و إلاّ ففي الـحقيقـة لا مغايرة بين غسلـة الإزا لـة و غسلـة الإنقاء; فإنّ زوال الـعين مرجعه إلى حصول الـطهارة لها; لأنّها ـ كما مرّ سابقاً ـ عبارة عن أمر عدميّ; و هو عدم ثبوت الـنجاسـة الـتي هي خصوصيـة وجوديـة في الـشيء الـنجس، فالإزا لـة و الإنقاء غير متغايرين.
و قد ظهر ممّا ذكرنا: أنّ مقتضى الـقاعدة هو الاكتفاء با لـغسلـة الـمزيلـة، و عدم الـحاجـة إلى غسلـة اُخرى زائدة.
نعم، يبقى الـكلام في وجه الـفرق بين الـبول و غيره، حيث إنّه احتاط في الـمتن في الأوّل بكون الـغسلتين غير غسلـة الإزا لـة، وظاهره في الـثاني الـفتوى با لـمغايرة; و لزوم كون الـغسلـة بعد زوال الـعين.
و الـظاهر أنّ الـوجه أنّ دليل الـغسلتين، يجري فيه الارتكاز الـذي ذكرنا; و هو كون الاُولى للإزا لـة و الـثانيـة للإنقاء، خصوصاً مع ملاحظـة تفسير الـمحقّق (قدس سره)


(الصفحة533)


للروايـة على ما عرفت، و أمّا دليل الـغسل فلا مجال لهذا الاحتمال فيه، فعلى تقدير تفسيره بغسلـة الـتطهير ـ كما هو مبنى هذا الـقول ـ لا محيص عن الالتزام بتحقّق الـزوال قبله; إمّا با لـغسل أو بغيره كما لا يخفى.
نعم، يكفي استمرار إجراء الـماء و صبّه بعد الـزوال و لاحاجـة إلى عنوان الـتعدّد أصلاً.

في اعتبار انفصال الـغسا لـة و اعتبار الـعصر

الأمر الـثاني: أنّه يعتبر في الـتطهير ـ أي تطهير غير الإناء با لـماء الـقليل ـ انفصال الـغسا لـة، سواء كان مثل الـبدن و نحوه ممّا لا ينفذ فيه الـماء، أم كان مثل الـثياب وا لـفرش ممّا ينفذ فيه الـماء و يقبل الـعصر، غايـة الأمر أنّه يكفي في الأوّل مجرّد انفصال الـماء; أي معظمه، و يعتبر في الـثاني الـعصر أو ما يقوم مقامه; لعدم تحقّق الانفصال فيه بدون الـعصر، فهو مقدّمـة لانفصال الـغسا لـة عن الـمغسول.
و الـوجه في اعتبار الانفصال ما قيل: من أنّ عنوان الـغسل يتوقّف صدقه على انفصال الـغسا لـة عن الـمغسول; لوضوح أنّه لو أخذ كفّه و صبّ الـماء عليه ـ بحيث لم تنفصل عنها الـغسا لـة ـ لم يصدق أنّه غسل يده.
و يرد عليه: ما مرّ سابقاً من عدم مدخليـة الانفصال في صدق الـغسل فهل يتوقّف تحقّق الـغسل الـمأمور به في آيـة الـوضوء، على انفصال مائه عن الـوجه و الـيدين; بحيث لا يتحقّق الـمأمور به قبل الانفصال؟! و من الـمعلوم بطلانه، فالانفصال غير داخل في مفهوم الـغسل.
نعم، ربّما يقال كما في «ا لـمستمسك»: بأنّ الانفصال منصرف أدلّـة الـتطهير، ولو


(الصفحة534)


بواسطـة ورودها مورد الـتطهير و إزا لـة الـنفرة و الـقذارة; فإنّ ذلك لا يحصل عرفاً إلاّ بانفصال ماء الـغسا لـة; فإنّه مادام موجوداً لا ترتفع الـنفرة و الـقذارة، و لأجل ذلك لا مجال للأخذ بإطلاق ما اشتمل منها على الـصبّ الـصادق قطعاً على مجرّد ملاقاة الـمحلّ; فإنّ قرينـة ورودها مورد الـتطهير الـمنزّل على الـمرتكز الـعرفيّ، مانعـة عن الأخذ بالإطلاق الـمذكور.
و يشير إلى ذلك مقابلـة الـصبّ با لـغسل في بعض الـنصوص، فإنّ الـظاهر منه أنّ الـتعبير با لـصبّ للتنبيه على تحقّق الانفصال في مورده ـ كا لـجسد ـ بمجرّد الـصبّ; لترتّبه عليه غا لـباً بلاحاجـة فيه إلى عنايـة اُخرى.
و يشهد بذلك الأمر با لـغسل في كثير من الـموارد الـتي لا يمكن فيها الـعصر; إذ احتمال الـفرق بين الـموارد ـ بأن يكتفى با لـصبّ في بعض الـموارد، و لا يكتفى به في الـمورد الآخر، بل لابدّ من الـغسل ـ ممّا لا مجال له قطعاً، فلابدّ من حمل الأمر با لـصبّ على الأمر با لـغسل جمعاً، فيكون الـمراد من الـصبّ، الـصبّ على نحو الـغسل و الـتطهير الـمعتبر فيه الانفصال.
و يرد عليه ما أفاده في ذيل كلامه: من ابتناء تماميـة هذا الـوجه على نجاسـة ماء الـغسا لـة; لأنّ الـوجه في اعتبار الانفصال عرفاً بنائهم على سرايـة الـقذارة من الـمحلّ إلى الـماء الـمغسول به، و مع عدم انفصا لـه عنه يكون الـمحلّ عندهم كأن لم يغسل، و أمّا إذا فرض طهارته، و حكم الـشارع باعتصام الـماء، كان ذلك ردعاً لهم، فلا مانع من الأخذ بالإطلاق، و لذا لا يكون الانفصال معتبراً في الـتطهير با لـكثير، كما هو الـمشهور.
و قد ذكر الـمحقّق الـهمداني (قدس سره) في «ا لـمصباح» في وجه اعتبار الانفصال كلاماً،


(الصفحة535)


محصّله: أنّا و إن أنكرنا كون الانفصال معتبراً في مفهوم الـغسل لكن ليس لنا إنكار كون الـغسل ـ لغـة و عرفاً ـ أخصّ من مطلق استيلاء الـماء على الـمحلّ; ضرورة أنّ غسل الـثوب عبارة عن تنظيفه و إزا لـة وسخه، فلا يتحقّق غسل الـثوب الـوسخ بمجرّد إلقائه في الـماء و إجراء الـماء عليه.
و كون الـقذارة الـشرعيـة الـحكميـة أمراً غير محسوس لنا، لا يستلزم أن يتحقّق غسلها بمجرّد استيلاء الـماء على الـمتنجّس; لجواز أن يتوقّف إزا لـتها على ما يتوقّف عليه إزا لـة الـقذارات الـحسّيـة; من الـفرك و الـدلك و نحوهما.
فحا لـنا با لـنسبـة إلى الـقذارات الـحكميـة، حال الأعمى الـمأمور بغسل الـثوب الـملطّخ با لـدم; في أنّه يجب عليه الاحتياط حتّى يقطع بنظافته.
نعم، لو لم يكن مفهوم الإزا لـة مأخوذاً في ماهيـة الـغسل و كان الـغسل اسماً لمطلق إيصال الـماء إلى الـشيء و إجرائه عليه، لم يجب عليه إلاّ إيجاد مسمّاه، لكنّه ليس كذلك، فلو أمر الـمولى عبده بغسل ثوب نظيف، يتنفّر طبعه عن لبسه بواسطـة بعض الأشياء الـمقتضيـة له ـ ككونه ثوب ميّت و نحوه ـ ليس للعبد الاجتزاء في امتثا لـه بمجرّد طرحه في الـماء و إخراجه; لانصراف الأمر با لـغسل عن مثل هذا الـفعل قطعاً، بل عدم كونه مصداقاً للغسل عرفاً.
و أنت خبير: باضطراب هذا الـوجه; فإنّه إن كان الـمراد من أخصّيـة مفهوم الـغسل من مطلق استيلاء الـماء على الـمحلّ هي الأضيقيـة مفهوماً، مع قطع الـنظر عن ملاحظـة متعلّقه، بل كان الـغسل بما هو غسل كذلك، فيرد عليه ما ذكرنا سابقاً: من منع الأضيقيـة; لورود الـغسل مأموراً به في مثل آيـة الـوضوء، و من الـواضح عدم اعتبار الـزائد على استيلاء الـماء على الـوجه أو الـيدين في باب الـوضوء و مثله.


(الصفحة536)


و إن كان الـمراد هي الأخصّيـة مع ملاحظـة تعلّقه با لـشيء الـنجس كا لـثوب و نحوه، فمرجعه إلى ما أفاده في «ا لـمستمسك» و قد عرفت ابتنائه على نجاسـة ماء الـغسا لـة مع أنّ مراد الـمستدلّ ـ كما صرّح به في كلامه ـ إثبات دعويه مطلقا و لو مع الـقول بطهارة ماء الـغسا لـة.
وإن كان المراد صورة الـشكّ، كما يدلّ عليه التشبيه بالأعمى في المثال المذكور، و يصرّح به في ذيل كلامه حيث يقول: لابدّ من الـقطع بحصوله ـ أي الـغسل ـ في رفع الـيد عن استصحاب الـنجاسـة، فمضافاً إلى عدم كون الـدليل مسوقاً لإفادة حكم الـشكّ، نقول: إنّه يتمّ على تقدير الـشكّ، و أمّا في غير هذا الـتقدير فلا مجال له أصلاً.
و قد ظهر ممّا ذكرنا: أنّه لم يقم دليل على اعتبار الانفصال، بناء على طهارة ماء الـغسا لـة، أو على الـقول باختصاص نجاسته بما إذا انفصل عنه، و أمّا إذا كان باقياً في الـمحلّ ـ كما هو الـمفروض في الـمقام ـ فلا يكون نجساً، و قد مرّ تحقيقه في بحث الـغسا لـة فراجع.
ثمّ إنّك عرفت: أنّ الـعصر على تقدير اعتباره، فإنّما هو لأجل كونه مقدّمـة لانفصال الـغسا لـة، فإذا قام مقامه شيء آخر في هذا الـغرض ـ و هو الانفصال ـ فلا يجب الـعصر بوجه، كما إذا داسه برجله، أو غمزه بكفّه أو نحو ذلك.
هذا، ولكن نسب إلى ظاهر الـمشهور وجوب الـعصر تعبّداً، بل عن «ا لـحدائق» نفي خلاف يعرف، و عن «ا لـمعتبر» نسبته إلى علمائنا.
و عمدة ما يمكن الاستدلال له به أمران:
أحدهما: الـمقابلـة بين «ا لـصبّ» و «ا لـغسل» في بعض الـنصوص الـمتقدّمـة، فإنّها ظاهرة في الـمغايرة، و مع اشتراكهما في انفصال الـغسا لـة لا مغايرة، فا لـلازم


(الصفحة537)


الالتزام باعتبار خصوص الـعصر في تحقّق عنوان الـغسل بخلاف الـصبّ.
ثانيهما: ذيل روايـة الـحسين بن أبي ا لـعلاء الـمتقدّمـة، الـواردة في بول الـرضيع حيث قال (عليه السلام): «تصبّ عليه الـماء قليلاً ثمّ تعصره»(1) .
و يدفع الأوّل: بما مرّت الإشارة إليه; من أنّ الـمقابلـة إنّما هي لأجل كون مورد الـصبّ ـ و هو الـجسد ـ ينفصل عنه الـغسا لـة غا لـباً بنفسه، من دون حاجـة إلى عنايـة اُخرى، و مورد الـغسل ـ و هو الـثوب ـ يتوقّف الانفصال نوعاً على عنايـة، و أمّا لزوم كون تلك الـعنايـة هو الـعصر متعيّناً، فلا دليل عليه.
و يدفع الـثاني: مضافاً إلى وروده في خصوص بول الـرضيع، بما ذكرنا: من كون الأمر با لـعصر في الـروايـة محمولاً على الاستحباب، و لا يكون بواجب كما تقدّم.
ثمّ إنّه لم يبقَ في هذا الـفرع إلاّ بيان كيفيـة تطهير مثل الـصابون و الـحبوب ممّا ينفذ فيه رطوبـة الـنجاسـة، و قد ظهر ممّا ذكرنا في كيفيـة تطهيره با لـكرّ و الـجاري، أنّ الـتطهير با لـقليل مع فرض عدم نفوذ الـماء إلى باطنه، يوجب طهارة ظاهره فقط، و لاسبيل لتطهير الـباطن، و لا دليل على الـتبعيـة في هذه الـموارد.
هذا، ولكنّه ربّما يقال:
تارة ـ كما هو الـمنسوب إلى شهرة الـمتأخّرين ـ بعدم طهارة ظاهره أيضاً.
و اُخرى: بطهارة الـباطن أيضاً مع رسوب الـماء الـقليل فيه.
أمّا الأوّل: فمستنده أنّه يشترط في الـتطهير با لـماء الـقليل، انفصال الـغسا لـة عن الـمغسول، و هذا لا يكون بمتحقّق في مثل الـصابون و الـحبوب من الأجسام غير الـقابلـة للعصر، فيما إذا نفذ الـماء في جوفها; لأنّه لا ينفصل عنه سوى الـمقدار غير

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 3، الـحديث 1.


(الصفحة538)


ا لـراسب في جوفها، و مع عدم الانفصال يبقى الـمتنجّس على نجاسته; لأنّ الـماء الـكائن في جوفها ماء قليل لاقاه الـمتنجّس و نجّسه، و هو يوحب نجاسـة الـمغسول لا محا لـة.
و اُجيب عنه: بأنّ الـمعتبر من انفصال الـغسا لـة على تقديره، إنّما هو انفصا لـها عن الـموضع الـمتنجّس الـمغسول، لا عن تمام الـجسم، فلو انفصلت عن محلّ الـغسل، و اجتمعت في مكان آخر من الـجسم، يكفي في طهارة خصوص الـموضع الـذي انفصلت عنه، فإذا غسل الـموضع الـمتنجّس من يده مثلاً، و انفصلت الـغسا لـة عنه، و اجتمعت في كفّه، حكم بطهارة ذلك الـموضع لا محا لـة، و عليه يكفي في الـمقام في الـحكم بطهارة الـظاهر، انفصالُ الـغسا لـة عنه و إن صارت مجتمعـة في جوفه.
و أمّا الـثاني: فقد استدلّ له بأمرين:
أحدهما: ما أفاده بعض الأعلام في «شرح الـعروة»: من أنّ غسل كلّ شيء إنّما هو بحسبه، فربّ شيء يكتفى في غسله بصبّ الـماء عليه و انفصال الـغسا لـة عنه، كما في الـبدن و نحوه، وشيء يعتبر فيه عصره، و لايكفي صبّ الـماء عليه، كما في الـثوب مثلاً، و في بواطن الأجسام الـمذكورة يكفي صبّ الـماء على ظواهرها إلى أن يصل الـماء الـطاهر إلى جوفها; لأنّه غسلها.
و يكشف عن ذلك، ملاحظـة عمل الـعرف في تطهيرهم لهذه الأجسام من الـقذارات الـتي يتنفّرون عنها، فإنّهم يكتفون في إزا لـتها و غسلها بصبّ الـماء الـطاهر على ظاهره إلى أن ينفذ في أعماقه، و ليس الـغسل الـمأمور به في الـشرع إلاّ الـغسل الـذي يكون غسلاً عند الـعرف.
و ثانيهما: ما في محكيّ «ا لـمدارك»: من لزوم الـحرج و الـضرر; فإنّ بقائها على


(الصفحة539)


نجاستها، و عدمَ إمكان تطهيرها، ضرر على ما لـكها; لأنّ الـنجاسـة مانعـة عن الأكل أو الاستعمال فيما يشترط فيه الـطهارة.
و الـجواب عن الأوّل: أنّ عمل الـعرف الـمذكور، إنّما هو في خصوص ما إذا لم تنفذ الـقذارة في أعماق الأجسام الـمذكورة، و أمّا مع نفوذها فيها، فلا خفاء في عدم اكتفائهم بمجرّد غسل الـظاهر و لو مع الـعلم بنفوذ الـماء الـطاهر في الأعماق، فإذا كانت الـفاكهـة مثلاً في الـبا لـوعـة أيّاماً متعدّدة; بحيث نفذت الـقذارة في عمقها، فهل يكتفي الـعرف في تطهيرها بما أفاده؟! من الـواضح خلافه، إذاً فا لـظاهر عدم إمكان تحقّق الـغسل با لـنسبـة إلى الـباطن.
و اُجيب عن الـثاني: بأنّ حديث نفي الـضرر إنّما ينفي الأحكام الـتكليفيـة الـضرريـة، و لا دلالـة على نفي الأحكام الـوضعيـة، الـتي منها الـطهارة و الـنجاسـة.
ولكنّ الـصحيح في الـجواب ـ بعد وضوح عدم اختصاص الـحديث برفع خصوص الأحكام الـتكليفيـة الـضرريـة، و لذا يستدلّون به في إثبات خيار الـغبن الـذي مرجعه إلى نفي اللزوم الـذي هو من الأحكام الـوضعيـة و إن أمكن إرجاعه إلى نفي وجوب الـوفاء با لـعقد الـذي هو مفاد آيـة: (أَوْفُوْا بِالْعُقُودِ) و الـتحقيق في محلّه ـ أنّ الـحديث لا يرتبط بهذه الاُمور، بل إنّما هو حكم صادر من ناحيـة الـرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بما أنّه حاكم، لا بما أنّه رسول و واسطـة في تبليغ الأحكام الإلهيّـة و بيان الـوظائف الـعمليّـة. هذا با لـنسبـة إلى الـضّرر.
و أمّا بالإضافـة إلى الـحرج، فا لـحكم يدور مداره كما في سائر الـموارد.
و قد ظهر ممّا ذكرنا، تماميـة ما اُفيد في الـمتن من الـتفصيل بين الـظاهر و الـباطن في الأجسام الـمذكورة.


(الصفحة540)

و أمّا الآنيـة، فإن تنجّست بولوغ الـكلب فيما فيها من ماء أو غيره ممّا يتحقّق معه اسم «ا لـولوغ» غسلت ثلاثاً، اُولاهنّ با لـتراب; أي الـتعفير به، و الأحوط اعتبار الـطهارة فيه، و لا يقوم غيره مقامه و لو عند الاضطرار.
و الأحوط في الـغسل با لـتراب، مسحه با لـتراب الـخا لـص أوّلاً، ثمّ غسله بوضع ماء عليه; بحيث لا يخرجه عن اسم الـتراب.
و لايترك الاحتياط بإلحاق مطلق مباشرته با لـفم، كا للطع و نحوه و الـشرب بلاولوغ، و مباشرة لعابه بلا ولوغ به، و لا يلحق به مباشرته بسائر أعضائه على الأقوى، و الاحتياط حسن1 .



تطهير الآنيـة با لـماء الـقليل
في الآنيـة الـمتنجّسـة بولوغ الـكلب

(1) الـكلام في الآنيـة الـمتنجّسـة بولوغ الـكلب يقع في مقامين:

ا لـمقام الأوّل: في حكمها من جهـة الـتطهير و كيفيته
و قد حكي الإجماع على الـتثليث عن «الانتصار» و «ا لـخلاف» و غيرهما، و عن «ا لـمنتهى»: قال علمائنا أجمع إلاّ ابن ا لـجنيد: إنّه يجب غسله ثلاث مرّات، إحداهنّ با لـتراب.
و عن ابن ا لـجنيد: أنّه يغسل سبع مرّات، اُولاهنّ با لـتراب.
و الـمشهور أنّ غسلـة الـتراب اُولاهنّ.
و عن الـمفيد (قدس سره) في «ا لـمقنعـة»: أنّ الإناء يغسل من الـولوغ ثلاثاً، وسطاهنّ با لـتراب، ثمّ يجفّف.

<<التالي الفهرس السابق>>