في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة601)


هل تكون سبباً مستقلاًّ في الـمطهّريـة; بحيث لا تحتاج إلى شيء آخر، أو أنّ لها شرطاً أيضاً و هو الـماء؟ فأجاب (عليه السلام): بعدم كونها سبباً مستقلاًّ; و أنّه يحتاج إلى الـماء.
غايـة الأمر: أنّ مقتضى الـجمع بينها و بين الـروايات الـمتقدّمـة ـ الـدالّ بعضها با لـصراحـة على عدم الاحتياج إلى الـماء، إذا كانت الأرض الـقذرة رطبـة غير يابسـة ـ أن تحمل هذه الـصحيحـة على الأرض الـيابسـة.
و من هنا يظهر: أنّ الاحتياج إلى الـماء إنّما هو با لـمقدار الـذي به تتحقّق الـرطوبـة للأرض، لا با لـمقدار الـذي يتحقّق به الـغسل; ضرورة عدم الـحاجـة إلى الـشمس بعد الـغسل با لـماء، كما لايخفى.
ثمّ إنّه على تقدير الـتعارض و عدم إمكان الـجمع، لابدّ من طرح الـثانيـة; أي الـصحيحـة، لكونها مخا لـفـة للشهرة الـفتوائيـة أوّلاً، و موافقـة للعامّـة ثانياً. هذا تمام الـكلام في الـمقام الأوّل.

ا لـمقام الـثاني: في أنّ الـشمس هل تكون مطهّرة للأرض بخصوصها، أو أنّها مطهّرة للأعمّ منها؟

و لا مجال لتوهّم الـخلاف في الأرض; فإنّها مذكورة في معاقد الإجماعات.
نعم، عن «ا لـمهذّب»: الاقتصار على الـحصر و الـبواري، مع الـتنصيص على أنّ غيرهما لا يطهّر. لكن في محكيّ «مفتاح الـكرامـة» نسبـة ذكر الأرض إليه معهما.
و كيف كان: فا لـمناقشـة في الأرض في غير محلّها.
و أمّا غيرها، فا لـمشهور على جريان الـحكم في كلّ ما لاينقل حتّى الأوتاد في الـجدار، و الأوراق على الأشجار.


(الصفحة602)


و ذهب بعضهم كـ «ا لـمهذّب» ـ بناءً على ما ذكر ـ إلى جريان الـحكم من غير الأرض في خصوص الـحصر و الـبواري، بل جريانه فيهما مع كونهما منقولين هو الأشهر، بل الـمشهور كما عن «ا لـحدائق». و استدلّ للمشهور بروايـة أبي بكر الـحضرمي الـمتقدّمـة، الـدالّـة على أنّ ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر، فإنّ عمومها أو إطلاقها يشمل الـجميع و لا يقدح عدم إمكان الأخذ بعمومه في الـمنقول بالإجماع و الـضرورة; فإنّهما يوجبان الـحمل على غير الـمنقول، خصوصاً مع قرب احتمال أن يكون الـمراد منه ما من شأنه أن تشرق عليه الـشمس لثباته، فلايشمل مثل الـثوب و الـبدن و غيرهما من الـمنقولات.
نعم، ربّما يناقش في سندها: باشتما لـه على عثمان بن عبدا للّه، و أبي بكر الحضرمي، والأوّل مجهول، وا لـثاني غير ثابت الـوثاقـة; لعدم الـتنصيص على توثيقه.
و اُجيب عنها: بأنّ في روايـة الأساطين لها كا لـمفيد و محمّد بن يحيى و سعد و أحمد بن محمّد ـ الـظاهر أنّه ابن عيسى الأشعري ـ و علي بن الـحكم، نوع اعتماد عليها، و لاسيّما أحمد الـذي أخرج الـبرقي من قم; لأنّه أكثر الـروايـة عن الـضعفاء، و اعتمد الـمراسيل، فكيف يعتمد هو على من لا ينبغي الاعتماد عليه؟! و لذا قيل: «إنّ في روايته عن شخص نوع شهادة بوثاقته» و كذا في روايـة الـشيخ (قدس سره) لها في «ا لـخلاف» و «ا لـتهذيب» مستدلاًّ بها، و اعتماد مشهور الـمتأخّرين عليها، كا لـفاضلين و الـشهيدين و الـمحقّق الـثاني، فلا مجال للتوقّف في سند الـروايـة، و لا في وجوب الـعمل بها.
و يمكن الاستدلال للمشهور بصحيحـة زرارة و موثّقـة عمّار الـمتقدّمتين; باعتبار اشتمال الاُولى على الـمكان و الـثانيـة على الـموضع لأنّهما أعمّ من الأرض فيشملان الألواح و غيرها من الأشياء الـمفروشـة على الأرض كما أنّهما يشملان مثل الـسطح من


(الصفحة603)


الأبنيـة. لكن عمومهما بحيث يشمل جميع ما هو مذكور في الـمتن، محلّ تأمّل، إلاّ أن يستدلّ عليه بعدم الـقول با لـفصل.
و قد وقع الـخلاف في الـثمار; فعن جماعـة كونها كالأبنيـة، و عن الـعلاّمـة في «ا لـنهايـة» الـمنع فيها، و عن بعض الـتفصيل بين أوان قطعها فا لـثاني، و غيره فالأوّل.
و لاتبعدد دعوى: أنّه يستفاد و لو بمناسبـة الـحكم و الـموضوع، أنّ مطهّريـة الـشمس في مثل الأراضي و الأبنيـة، إنّما هي لأجل كونهما ممّا لا ينقل، فيجري الـحكم في الـجميع، و إن كان الـجمود على اللفظ يأباه، و لأجله يسري الـحكم في الأواني الـمثبتـة أيضاً و إن كانت قبل الإثبات لا تطهّر با لـشمس.
و أمّا الـسفينـة، فقد صرّح غير واحد بكون مثلها ممّا يجري في الـماء، و لا يتحوّل من مكان إلى مكان في خارجه بحكم الأرض. و لا يخلو عن قوّة.
نعم، في مثل الـطرّادة و الـعربـة و نحوهما من الـمراكب الـمتداولـة في هذه الأزمنـة، الـمتحوّلـة من مكان إلى مكان في الأرض، يشكل الـحكم باعتبار تحقّق الـنقل فيها، و إن كان يمكن أن يقال: بأنّ الـنقل فيها ـ بعد تحريكها بنفسها أو بحيوان و نحوه ـ لاينافي كونها ممّا لاينقل; لعدم إمكان نقلها من حيث هي إذا لم تكن متحرّكـة. ولكن ذلك لا يوجب شمول الـدليل لها، فالأحوط الـترك، كما في الـمتن.
و أمّا الـحصر و الـبواري، فقد استدلّ لطهارتها با لـشمس بصحيحـة علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سأ لـته عن الـبواري يصيبها الـبول، هل تصلح الـصلاة عليها إذا جفّت من غير أن تغسل؟
قال: «نعم، لا بأس»(1).

1ـ وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 29، الـحديث 3.


(الصفحة604)


و بصحيحـة الاُخرى، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سأ لـته عن الـبواري يبلّ قصبها بماء قذر، أيصلّى عليه؟
قال: «إذا يبست فلا بأس»(1).
نظراً إلى اشتراط طهارة موضع الـسجود في جواز الـصلاة عليها، فلابدّ من تنزيل إطلاق الـروايـة على ما لو حصل الـجفاف با لـشمس.
و اُورد على الاستدلال بهما في «ا لـمصباح»: بأنّ كون الـروايـة بظاهرها مخا لـفـة للإجماع أو غيره من الأدلّـة، لا يعيّن إرادة الـجفاف با لـشمس; حتّى تنهض دليلاً لإثبات مطهّريـة الـشمس، و قد ورد نفي الـبأس عن الـصلاة في الـموضع الـنجس في صحيحـة اُخرى له أيضاً، عن أخيه موسى (عليه السلام): سأ لـه عن الـبيت و الـدار لا تصيبهما الـشمس، و يصيبهما الـبول، و يغتسل فيهما من الـجنابـة، أيصلّى فيهما إذا جفّا؟
قال: «نعم»(2).
فكلّما يقال في توجيه هذه الـصحيحـة، يقال في توجيه الاُوليين.
أقول: و أنت خبير بوضوح الـفرق بينها و بينهما; فإنّ الـتعبير فيها إنّما هو بكلمـة «في» الـظاهرة في الـظرفيـة بلحاظ جميع أجزاء الـصلاة، و أمّا الـتعبير فيهما فإنّما هو بكلمـة «على» الـظاهرة في الـسجود على الـمكان، و من الـمعلوم أنّ اعتبار الـطهارة إنّما هو في موضع الـسجود، لا في مطلق مكان الـمصلّى، فا لـفرق ظاهر.
و أمّا ما ربّما يقال ـ كما قيل ـ : بأنّ الـصلاة على الـشيء و إن كان مشعراً بإرادة الـسجود عليه، إلاّ أنّه لا يبلغ مرتبـة الـظهور; لتعارف الـتعبير بذلك في اتّخاذ الـشيء

1ـ وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 30، الـحديث 2.
2ـ وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 30، الـحديث 1.


(الصفحة605)


مكاناً للصّلاة، حيث إنّ لفظـة «على» للاستعلاء، و هو متحقّق عند اتّخاذ شيء مكاناً للصلاة; لاستعلاء الـمصلّي على الـمكان.
و يشهد على ذلك صحيحـة زرارة قال: سأ لـته عن الـشاذ كونه يكون عليها الـجنابـة، أيصلّي عليها في الـمحمل؟
قال: «لا بأس» أو «لا بأس با لـصلاة عليها»(1).
فيدفعه ـ مضافاً إلى أنّ مقتضى ذلك رفع الـيد عن أكثر أدلّـة الـمطهّريـة; لأنّ الاستدلال به إنّما كان مبتنياً على استعمال كلمـة «على» كما عرفت، فنفي الـظهور عن هذا الـتعبير هدم لذلك ـ أنّ إنكار الـظهور في نفسه لا مجال له; بعد وضوح اختلاف الـتعبيرين. و ظهور كلمـة «على» في الـسجدة، و استعما لـها في غير هذا الـمعنى في مورد مثلاً، لايقدح في الظهور ولزوم الحمل عليه مع عدم قيام الـقرينـة على الخلاف.
مضافاً إلى احتمال أن يكون استعما لـها في مثل مورد الـروايـة بلحاظ وقوع الـصلاة على الـمحمل; و كون الـشاذ كونـة فيه.
و يؤيّده الاستعمال أيضاً في الـروايات الـواردة في الـصلاة على الـمحمل; بلحاظ شرطيـة الـقبلـة و كيفيـة رعايتها.
فالإنصاف: أنّه لا مجال لإنكار دلالـة الـروايتين على الـمقام.
و يدلّ عليه أيضاً: روايـة أبي بكر الـحضرمي الـمتقدّمـة; فإنّ الـقدر الـمتيقّن في الـخروج عن عمومها أو إطلاقها، ما عدا الـحصر و الـبواري من الـمنقولات; لما عرفت من عدم ثبوت الإجماع فيها، بل تحقّق الـشهرة على الـخلاف.
إلاّ أن يناقش في الاستدلال بها بما ذكرنا: من قرب احتمال أن يكون الـمراد منها ما

1ـ وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 30، الـحديث 3.


(الصفحة606)


من شأنه أن تشرق عليه الـشمس; لثباته، مقابل ما من شأنه أن يوضع فيها تارة، و ينحّى عنها اُخرى.
ولكن هذا الاحتمال إذا بلغ مرتبـة مانعـة عن الـظهور ـ نظراً إلى إيجابه الانصراف ـ يمكن الاعتناء به، وفي غير هذه الصورة لايقدح في العمل با لظهور بوجه، كما لايخفى.
ثمّ إنّه ربّما يتمسّك أيضاً بالاستصحاب; نظراً إلى أنّ الـحصر و الـبواري كانتا قبل قطعهما و فصلهما بحيث لو أشرقت عليهما الـشمس طهرتا; لكونهما من الـنبات، و هو ممّا لا ينقل، فلو شككنا بعد فصلهما و صيرورتهما حصراً و بواري في بقائهما على حا لـتهما الـسابقـة ـ كما هو الـمفروض ـ يبنى على الـحا لـة الـسابقـة; للاستصحاب، و مقتضاه الـحكم بكون الـشمس مطهّرة للحصر و الـبواري.
أقول: قد مرّ نظيره في مطهّريـة الأرض في مسأ لـة الأرض الـمفروشـة با لـحجر، و الـفرق بين الـفرضين أنّه ذكرنا هناك: أنّ الاستصحاب الـجاري في الـمطهِّر «با لـكسر» ليس من الاستصحاب الـتعليقي، و أمّا هنا فالاستصحاب الـجاري في «ا لـمطهِّر» تعليقي; لعدم كون الـمطهَّريـة «با لـفتح» حكماً تنجيزياً ثابتاً له، فلا محا لـة يكون تعليقياً، و حيث أنّ الـتعليق في مثله أمر انتزاعي غير مأخوذ في لسان الـدليل الـشرعي، فلا مجال لجريانه، كما حقّق في محله.
و يمكن أن يقال: بعدم كون الاستصحاب تعليقياً أيضاً و لو على تقدير تسليم الـتعليق الانتزاعي; فإنّ الـحصر و الـبواري تكونان مسبوقتين با لـفصل و الـقطع، و في هذه الـحا لـة لا يجري عليهما حكم الـنبات; لعدم كونهما منقولتين.
نعم، حكي عن الـفخر: أنّه عمّم الـحكم لما لا ينقل و إن عرضه الـنقل، كا لـخشب و الآلات الـمتّخذة من الـنباتات، ولكنّه لا دليل عليه.


(الصفحة607)


فا لـحا لـة الـسابقـة الـمتيقّنـة قد ارتفعت، و لا مجال لاستصحابها و لو على نحو الـتعليق.
ولكن عرفت: أنّه لا حاجـة إلى الاستصحاب، و لا تصل الـنوبـة إليه; لدلالـة روايتي علي بن جعفر (عليهما السلام) على عموم الـحكم للحصر و الـبواري، كما مرّ.

ا لـمقام الـثا لـث: في أنّ الـشمس هل تكون مطهّرة من خصوص نجاسـة الـبول؟

أو أنّه لا فرق في مطهّريتها بين الـبول و غيره من الـنجاسات و الـمتنجّسات؟ و الـثاني هو الـمشهور.
و في «ا لـجواهر»: لا أعرف خلافاً إلاّ من «ا لـمنتهى» نعم في جملـة من الـكتب الاقتصار على الـبول، و لعلّه كان مذكوراً على سبيل الـمثال.
و يدلّ على الـتعميم موثّقـة عمّار الـمتقدّمـة، حيث وقع الـسؤال فيها عن الـموضع الـقذر ... و من الـمعلوم شموله لغير الـبول أيضاً. بل قد صرّح فيها با لـتعميم في قوله (عليه السلام): «إذا كان الـموضع قذراً من الـبول أو غير ذلك، فأصابته الـشمس ...» و ليس الـمراد من «غير ذلك» ما يشبه الـبول من الـنجاسات الـتي لا عين لها، بل هو مطلق شامل للجميع و الإشكال في الـسند ـ كما عن الـعلاّمـة في «ا لـمنتهي» حيث ضعّفه ـ ممّا لا يتمّ; لكونه موثّقاً، و الـموثّق حجّـة، كما قرّر في محلّه.
و يدلّ على الـتعميم أيضاً صحيحـة إسماعيل بن بزيع الـمتقدّمـة; بلحاظ قوله في الـسؤال: «يصيبه الـبول و ما أشبهه» فإنّ «ما أشبهه» ظاهر في الـمشابهـة من حيث الـنجاسـة، لا من حيث كونه مايعاً لا عين له.

(الصفحة608)


و يعتبر في طهارة الـمذكورات و نحوها با لـشمس بعد زوال عين الـنجاسـة عنها، أن تكون رطبـة، رطوبـة تعلق با لـيد، ثمّ تجفّفها الـشمس تجفيفاً يستند إلى إشراقها بدون واسطـة، بل لا يبعد اعتبار الـيبس على الـنحو الـمزبور1 .



و الإشكال فيها من جهـة الإضمار، واضح الـدفع بعد كون الـمضمر مثل ابن بزيع من الاجلاّء.
كما أنّ الـتأمّل في ثبوت الإطلاق لها، لا مجال له بعد ظهور الـروايـة في مفروغيـة مطهّريـة الـشمس في الأرض و الـسطح الـذي أصابه الـبول و ما أشبهه، و بعد تقرير الإمام (عليه السلام) لابن بزيع على ثبوت هذا الأمر، و لو كان الـحكم مختصّاً ببعض ما أشبهه، كان عليه (عليه السلام) الـبيان، و لم يجز الـتقرير بوجه.
فانقدح: أنّ الـحقّ ما عليه الـمشهور من عدم الاختصاص با لـبول، بل يمكن أن يقال بأنّ الـروايات الـواردة في مورد الـبول لا يستفاد منها عرفاً الاختصاص، بل الـمتفاهم منها أنّ ذكره إنّما هو على سبيل الـمثال، أو لكونه مورداً لابتلاء الـسائل من دون توهّم الاختصاص أصلاً، كما لا يخفى.
(1) يشترط في مطهّريـة الـشمس بعد زوال عين الـنجاسـة عن الـمحلّ، أمران:

في اشتراط الـرطوبـة في مطهّريـة الـشمس

الأوّل: أن تكون الـمذكورات و نحوها رطبـة رطوبـة تعلق با لـيد حتّى تجفّفها الـشمس. و بعبارة اُخرى: أن تكون الـرطوبـة مسريـة; أي ساريـة.
و الـوجه في اعتبار هذا الأمر، هو أخذ عنوان الـجفاف في موضوع الـحكم با لـطهارة في صحيحـة زرارة الـمتقدّمـة. ولكنّه أفاد في «ا لـمستمسك»: نعم، مقتضى


(الصفحة609)


الاكتفاء با لـيبس في الـموثّق، كفايـة مجرّد الـنداوة و إن لم تكن مسريـة; لصدق الـيبس على ذهابها، و حيث إنّ بين الـتجفيف و الـيبس عرفاً عموماً من وجه بحسب الـمورد ـ لتوقّف الأوّل على الـرطوبـة الـمسريـة، و صدقه على ذهابها و لو مع بقاء الـنداوة في الـجملـة، و يكفي في الـثاني مجرّد الـنداوة في الـجملـة، و لا يصدق إلاّ مع ذهاب جميعها ـ كان مقتضى الـجمع بين الـصحيح و الـموثّق الاكتفاء بأحد الأمرين; فإن كان في الـموضع رطوبـة مسريـة فذهبت با لـشمس، طهر و لو مع بقاء الـنداوة، و إن كانت غير مسريـة طهر بذهابها; لصدق الـجفاف في الأوّل، وا لـيبس في الـثاني.
ولو بني على حمل الـجفاف في الـصحيح على الـيبس ـ إمّا لترادفهما، كما قد يظهر من كلام بعض أهل اللغـة، أو لوجوب حمله في الـمقام عليه; لامتناع طهارة الـمكان مع بقاء نداوة الـبول الـتي هي عين نجاسته ـ كان الـمدار في الـتطهير على الـيبس، و حيث لا يعتبر في صدقه الـرطوبـة الـمسريـة، فلا دليل على اعتبارها.
نعم، لو كان اعتبار الـيبوسـة بنحو الـتقييد لدليل الـجفاف، كان دليل الـجفاف دليلاً على اعتبار الـرطوبـة الـمسريـة، ولكنّه غير ظاهر.
أقول: الـظاهر كما يظهر لمن راجع اللغـة و الـكتب الـموضوعـة لها، أنّ الـجفاف و الـيبس مترادفان، لا فرق بينهما بحسب الـمعنى و الـمورد أصلاً، كما أنّ الـظاهر عدم الاختلاف بينهما بحسب الـعرف أيضاً، و عليه فملاحظـة معناهما لغـة و عرفاً ـ بضميمـة وضوح عدم حصول الـطهارة للمحلّ مع بقاء نداوة الـبول الـتي هي عين نجاسته، و بضميمـة استبعاد أن تكون الـنداوة الـمتنجّسـة غير قابلـة للتطهير با لـشمس ـ يقتضي أن يكون الـمعتبر في مطهّريـة الـشمس، هو وجود الـنداوة و إن لم تكن فيها سرايـة. كما أنّ الـمعتبر هو ذهاب الـنداوة با لـكلّيـة; حتّى يصدق الـجفاف و الـيبوسـة.


(الصفحة610)



في اشتراط عدم الـحجاب بين الـشمس و الـمتنجّس

ا لـثاني: أن يستند الـجفاف إلى إشراق الـشمس على الـمتنجّس من دون حجاب، و بلا واسطـة، كما هو الـمصرّح به في روايـة أبي بكر الـحضرمي الـدالّـة على أنّ كلّ ما أشرقت عليه الـشمس فهو طاهر، حيث علّق الـحكم با لـطهارة على إشراق الـشمس. بل هو الـظاهر من «إصابـة الـشمس» الـواردة في موثّقـة عمّار; فإنّ إصابتها ظاهرة في إصابـة نفسها; أي إشراقها، فلا تصدق مع وجود الـحجاب على الـشمس كا لـغيم، أو على الـمتنجّس، كا لـحصير الـملقى على وجه الأرض و نحوه.
بل يمكن أن يقال: باستفادة ذلك من صحيحـة زرارة أيضاً; فإنّ استناد الـجفاف إلى الـشمس و توصيفها بكونها مجفّفـة، ظاهر في تجفيف نفسها الـمتحقّق بإشراقها; للفرق بين كون الـمجفّف هي الـشمس، أو الـحرارة الـتي هي أثرها، كما لا يخفى.
فدعوى كونها مطلقـة شاملـة للجفاف با لـمجاورة، غايـة الأمر لزوم الـتقييد فيها، مدفوعـة بعدم كونها كذلك، بل هي أيضاً ظاهرة في ذلك. و على تقدير تسليم منع الـظهور، فلا مجال لإنكار الانصراف.
كما أنّ إسناد الـمطهّريـة إلى الـشمس في صحيحـة ابن بزيع، ظاهر أيضاً في أنّها بنفسها ـ أي بنورها و إشراقها ـ مطهّرة، فلا يبقى إشكال في اعتبار هذا الأمر.
كما أنّه لا إشكال في حصول الـطهارة فيما إذا أثّر الـهواء و الـريح الـمتعارف في الـجفاف أيضاً; لعدم الـخلوّ عنهما نوعاً.
إنّما الإشكال فيما إذا كان الـجفاف بمعونـة الـريح; بحيث كان تأثير الإشراق في الـنصف أو أقلّ، و تأثير الـريح في الـنصف أو أكثر، كما إذا كانت الـريح زائدة على


(الصفحة611)


ا لـمقدار الـمتعارف، فا لـمحكيّ عن جماعـة الـحكم با لـطهارة; لأنّ الـمعتبر ـ حسبما يستفاد من الأخبار ـ كون الـجفاف مستنداً إلى إشراق الـشمس، و أمّا استقلالها في الاستناد إليه فلم يظهر من الأخبار.
و ربّما يؤيّد ذلك بموثّقـة عمّار; لاشتما لـها على قوله: «فأصابته الـشمس، ثمّ يبس الـموضع» نظراً إلى إطلاق الـيبوسـة و عدم تقييدها بكونها مستندة إلى الـشمس فحسب، فمع الاشتراك يصدق أنّ الأرض أصابتها الـشمس، ثمّ يبست.
و يرد على هذا الـدليل: أنّ الـظاهر من قوله (عليه السلام) في صحيحـة زرارة: «إذا جفّفته الـشمس ...» هو استقلالها في الـتجفيف، خصوصاً مع ملاحظـة أنّ الـجفاف أمر واحد لا يعقل فيه الـتعدّد و الـتكثّر; فإنّ إسناد مثله إلى شيء ظاهر في الاستقلال بلا إشكال، و هذا كما في الـقتل، بل الأكل و نحوه.
و هذا بخلاف مثل الـمجيء الـذي لا دلالـة لإسناده إلى شيء على استقلاله فيه، و انحصاره به، و عدم مجيء غيره.
و أمّا الـموثّقـة فهي أيضاً لها ظهور عرفي في كون الـيبس عقيب إصابـة الـشمس مستنداً إليها، لا إلى شيء آخر، و إلاّ للزم كفايـة الاستناد إلى الـغير فقط، و لا يلتزم به أحد فتدبّر.

(الصفحة612)


و يطهر باطن الـشيء الـواحد إذا أشرقت على ظاهره، و جفّ باطنه بسبب إشراقها على الـظاهر، و يكون باطنه الـمتنجّس متّصلاً بظاهره الـمتنجّس على الأحوط، فلو كان الـباطن فقط نجساً، أو كان بين الـظاهر و الـباطن فصلاً با لـجزء الـطاهر، بقي الـباطن على نجاسته على الأحوط، بل لا يخلو من قوّة.
و أمّا الأشياء الـمتعدّدة الـمتلاصقـة فلا تطهر إذا أشرقت على بعضها، و جفّت الـبقيـة به، و إنّما يطهر ما أشرقت عليه بلا وسط1 .



(1) قد وقع الـتعرّض في هذه الـقطعـة لحكم صور:

في تطهير الـشمس للشيء الـواحد الـمتنجّس ظاهره و باطنه

الاُولى: إذا كان الـشيء الـواحد باطنه و ظاهره نجساً، و كان الـباطن متّصلاً با لـظاهر، و أشرقت الـشمس على الـظاهر، و جفّ الـباطن أيضاً بسبب الإشراق على الـظاهر، فإنّ الـظاهر طهارة الـباطن كا لـظاهر، و لا يقدح عدم تحقّق الإشراق بالإضافـة إلى الـباطن; و ذلك لصدق جفاف الـشيء ـ بعد فرض وحدته ـ بإشراق الـشمس عليه، فلابدّ من الـحكم بطهارته با لـنسبـة إلى جميع أجزائه.
ولكنّه ربّما يقال: بعدم طهارة الـباطن بإشراق الـشمس على الـظاهر; لأنّ مطهّريـة الـشمس، إنّما استفيدت من الـحكم بجواز الـصّلاة على الأرض الـمتنجّسـة بعد جفافها با لـشمس، و من الـمعلوم أنّه يكفي في جواز الـصلاة على الأرض الـمتنجّسـة، طهارة الـظاهر فقط، و لا يعتبر طهارة الـباطن إلاّ فيما إذا كانت الـصلاة على أرض مستتبعـة لتبدّل الأجزاء، و صيرورة الـباطن ظاهراً، و با لـعكس، فإنّه يعتبر في مثله طهارة الـباطن بمقدار يتبدّل و يصير ظاهراً، و في غير هذا الـفرض لا تعتبر طهارة الـباطن أصلاً.


(الصفحة613)


و يردّه ما عرفت: من ظهور الـروايـة في حصول الـطهارة للشيء بعد فرض وحدته، و لازمه كونه طاهراً بجميع أجزائه الـشاملـة للباطن أيضاً، فا لـملاك تحقّق الـجفاف بسبب إشراق الـشمس من دون حجاب، لا ثبوت الإشراق بالإضافـة إلى كلّ جزء، فتدبّر.

في تطهير الـشمس للشيء الـواحد الـمتنجّس باطنه فقط

ا لـثانيـة: ما إذا كان الـباطن فقط نجساً، أو كان بين الـظاهر و الـباطن فصلاً با لـجزء الـطاهر. و قد حكم في الـمتن ببقاء الـباطن على الـنجاسـة في هذه الـصورة على الأحوط، بل نفي خلوّه عن قوّة.
و الـوجه فيه في الـفرض الأوّل من هذه الـصورة واضح; لأنّه لم يتحقّق إشراق الـشمس بالإضافـة إلى الـباطن أصلاً، مع أنّه لا خفاء في اعتبار كون الإشراق متحقّقاً بالإضافـة إلى الـمتنجّس و لو في الـجملـة.
و بهذا يندفع ما يمكن أن يتوهّم: من ثبوت الـطهارة في هذا الـفرض بطريق أولى، بالإضافـة إلى الـصورة الاُولى; نظراً إلى أنّه فيما إذا كان الـظاهر أيضاً متنجّساً، إذا كان إشراق الـشمس على الـظاهر فقط، كافياً في حصول الـطهارة للباطن بسبب الإشراق على الـظاهر، الـموجب لجفاف الـباطن أيضاً، ففيما إذا لم يكن الـظاهر متنجّساً، يكون الـحكم بطهارة الـباطن با لـجفاف، الـمستند إلى الإشراق على الـظاهر، بطريق أولى; لعدم تنجّس الـظاهر أصلاً.
وجه الاندفاع ما عرفت: من ثبوت الـفرق بإشراق الـشمس على الـمتنجّس في الـصورة الاُولى، و عدمه في هذا الـفرض، و كون الـشيء واحداً، لا يقتضي تحقّق


(الصفحة614)


الإشراق با لـنسبـة إلى الـباطن، و هذا كما إذا جفّ بعض الـظاهر الـمتنجّس بالإشراق، و الـبعض الآخر با لـمجاورة، فإنّه لا يكفي في حصول الـطهارة لجميع أجزاء الـظاهر، كما لا يخفى.
و دعوى: أنّ ذلك يوجب رفع الـيد عن طهارة الـباطن في الـصورة الاُولى أيضاً; لعدم تحقّق الإشراق بالإضافـة إليه، مدفوعـة بأنّه يصدق عرفاً هناك تحقّق الـجفاف بالإشراق على الـمتنجّس و لايصدق هنا، فتدبّر.
و أمّا الـفرض الـثاني من هذه الـصورة، فا لـوجه فيه أنّ الـفصل بين الـظاهر و الـباطن با لـجزء الـطاهر، يوجب الـتعدّد و صيرورتهما شيئين; لفقد الاتّصال الـمساوق مع الـوحدة، فلا مجال لصيرورة الـباطن طاهراً بالإشراق على الـظاهر.

في تطهير الـشمس للأشياء الـمتعدّدة الـمتلاصقـة

ا لـثا لـثـة: ما إذا كانت هناك أشياء متعدّدة متنجّسـة متلاصقـة، و قد أشرق الـشمس على بعضها، فإنّه لا يوجب طهارة الـبقيّـة و لو حصل الـجفاف للجميع بالإشراق على الـبعض; لما عرفت من لزوم استناد الـجفاف إلى الإشراق من دون واسطـة و حجاب، و فرض الـتعدّد يمنع عن الـحكم بكفايـة الإشراق على الـبعض، كا لـظاهر في الـصورة الاُولى، و الـتلاصق غير مانع من بقاء الـتعدّد، و عدم تحقّق الـوحدة، كما هو الـمفروض.

(الصفحة615)


مسأ لـة 9: لو كانت الأرض أو نحوها جافّـة، و اُريد تطهيرها با لـشمس، يصبّ عليها الـماء الـطاهر أو الـنجس ممّا يورث الـرطوبـة فيها، حتّى تجفّفها و تطهر1 .

مسأ لـة 10: الـحصى و الـتراب و الـطين و الأحجار ما دامت واقعـة على الأرض، و تعدّ جزء منها عرفاً، تكون بحكمها، و إن اُخذت منها أو خرجت عن الـجزئيـة، اُلحقت با لـمنقولات.
و كذا الآلات الـداخلـة في الـبناء كالأخشاب و الأوتاد، يلحقها حكمها، و إذا قلعت زال الـحكم، و لو اُعيدت عاد، و هكذا كلّ ما يشبه ذلك. (2)



في تطهير الـجافّ

(1) الـوجه في لزوم صبّ الـماء على الأرض الـمتنجّسـة الـجافّـة و نحوها، ما عرفت في اعتبار الأمر الأوّل من الأمرين الـمعتبرين في الـتطهير با لـشمس: و هو أخذ عنوان الـجفاف و نحوه في موضوع الأخبار الـواردة في هذا الـباب، و قد عرفت أيضاً: أنّه لا يعتبر أن تكون الـرطوبـة على نحو تعلق با لـيد، بل يكفي بمقدار الـنداوة الـتي هي مورد الـجفاف أيضاً، فصبّ الـماء على هذا الـنحو يكفي في مقام الـتطهير.

في تطهير ما وقع على الأرض أو في الـبناء

(2) قد عرفت: أنّ الـمدار في حصول الـطهارة للمتنجّس بسبب إشراق الـشمس، هو صدق عنوان الـسطح أو الـمكان أو الـموضع كما هو الـمذكور في روايات الـباب، و عليه فمثل الـحصى و الـتراب و سائر ما ذكر في الـمتن، ما دامت واقعـة على الأرض، و تعدّ بحسب الـعرف من أجزائها، تكون بحكمها; لصدق بعض الـعناوين عليه.


(الصفحة616)


نعم، قد لا تعدّ جزء منها و إن كانت موضوعـة عليها، كا لـقطعـة من الـطين الـواقعـة في الأرض الـمفروشـة بالآجر و نحوه، فا لـمناط عدّها جزء.
و بذلك يظهر: أنّه يمكن اختلاف الـحكم باختلاف الـحالات، فما دام كونها متّصفـة بوصف الـجزئيـة و الـتبعيـة، يجري عليها حكم الأرض; من صلاحيـة حصول الـطهارة لها با لـشمس، و إذا خرجت عن هذا الـعنوان ـ إمّا بالأخذ منها، أو بغيره ممّا يوجب الـخروج عن الـجزئيـة ـ ينقطع هذا الـحكم، و لا ينافي جريانه عليها ثانياً بعد صيرورتها جزءً كذلك، و هذا كما في سائر الـعناوين الـمتبدّلـة الـموجبـة لتغيّر الـحكم; لدورانه مدار الـعنوان الـمأخوذ في موضوعه أو متعلّقه.
و هكذا الـكلام في الآلات الـداخلـة في الـبناء كالأخشاب و الأوتاد، بناءً على جريان الـحكم في نفس الـبناء، كما عرفت أنّه الـمشهور، فإنّها ما دامت تعدّ جزء من الـبناء يجري عليها حكمه، و إذا خرجت عن الـجزئيـة يرتفع الـحكم، و لاينافي عوده ثانياً بعد صيرورته جزء كذلك، كما عرفت.

(الصفحة617)

رابعها: الاستحا لـة إلى جسم آخر، فيطهر ما أحا لـته الـنار رماداً، أو دخاناً، أو بخاراً، سواء كان نجساً، أو متنجّساً، و كذا الـمستحيل بغيرها بخاراً، أو دخاناً، أو رماداً. أمّا ما أحا لـته فحماً أو خزفاً أو آجراً أو جصّاً أو نورة، فهو باق على الـنجاسـة.
و يطهر كلّ حيوان تكوّن من نجس أو متنجّس، كدود الـميتـة و الـعَذِرة.
و يطهر الـخمر بانقلابها خلاًّ بنفسها أو بعلاج، كطرح جسم فيه، سواء استهلك الـجسم أم لا.
نعم، لو لاقت الخمر نجاسـة خارجية، ثمّ انقلبت خلاًّ، لم تطهر على الأحوط.



ا لـرابع: في مطهّريـة الاستحا لـة

(1) يقع الـكلام في مطهّريـة الاستحا لـة في مقامات:

ا لـمقام الأوّل: في معنى الاستحا لـة و حقيقتها

فنقول: قد نسب الـشهيد (قدس سره) في محكي حواشيه على «ا لـقواعد» إلى الاُصوليين: تفسيرَها بأنّها تبدّل حقيقـة الـشيء و صورته الـنوعيـة إلى صورة اُخرى.
و في محكيّ «قواعده» نسب إلى الـفقهاء تعريفها: بتغيّر الأجزاء، و انقلابها من حال إلى حال.
و ربّما تفسّر بتبدّل الـحقيقـة الـنجسـة إلى حقيقـة اُخرى ليست من الـنجاسات.
و حيث إنّ الـظاهر أنّ الـمراد من الـحقيقـة هي الـحقيقـة الـنوعيـة الـعرفيـة، لا الـعقليـة الـمركّبـة من الـجنس و الـفصل الـتي يكون الـوقوف عليها متعسّراً، بل متعذّراً إذا اُريد بهما الـجنس و الـفصل الـواقعيان، لا الـمشهوريان الـمنطقيان، و


(الصفحة618)


ا لـمرادَ بتغيّر الأجزاء في الـتعريف الـمنسوب إلى الـفقهاء هو تغيّرها في الأوصاف الـراجعـة إلى الـنوع، لا الأوصاف الـشخصيـة أو الـصنفيـة، فا لـتعاريف ترجع إلى أمر واحد من دون أن يكون بينها اختلاف، بعد وضوح كون الـمراد من «ا لـصورة الاُخرى» في الـتعريف هي الـحقيقـة الـتي لاتكون من الـنجاسات.
فالاستحا لـة في الـحقيقـة معناها عبارة عن تغيّر الـشيء في صورته الـنوعيـة الـعرفيـة، سواء كان الـتغاير بين الـصورتين ثابتاً بنظر الـعقل أيضاً، كما في تبدّل الـجماد أو الـنبات حيواناً، أو با لـعكس، أو لم يكن كذلك، كا لـخمر إذا استحا لـت خلاًّ.
و أمّا الـتغيّر و الـتبدّل في الأوصاف الـشخصيـة أو الـصنفيّـة، مع بقاء الـحقيقـة الـنوعيـة بحا لـها، كتبدّل الـقطن ثوباً أو با لـعكس، و تبدّل الـحنطـة دقيقاً أو خبزاً، فلا يوجب تحقّق الاستحا لـة بوجه.
ولكنّ الـذي يسهّل الـخطب: عدم وقوع هذا الـعنوان موضوعاً للحكم في الأدلّـة الـشرعيـة. نعم وقع الـتعبير به في بعض معاقد الإجماع لابنحو الـكلّيـة، بل مقيّداً بمثل استحا لـة الـعَذِرة رماداً، أو دخاناً، أو تراباً، أو نحو ذلك، و الـظاهر عدم كون الإجماع ـ ولو بهذا الـنحو ـ له أصا لـة بل مستنده ما يأتي.

ا لـمقام الـثاني: في وجه مطهّريـة الاستحا لـة و الـدليل عليها

فنقول: قد استدلّ لها بوجوه:
الأوّل و الـثاني: الإجماع الـقولي و الـسيرة الـعمليـة.
و فيهما ـ مضافاً إلى ما عرفت في الأوّل; من كون معقد الإجماع غير كلّي، بل مقيّد بمثل استحا لـة الـعذرة رماداً و نحوه، و إلى ما في الـثاني من عدم الـعلم بثبوتها على


(الصفحة619)


نحو الإطلاق ـ أنّ الـظاهر استنادهما إلى أمر ثا لـث، و لا أصا لـة لهما بوجه.
ا لـثا لـث: أنّك عرفت في تعريف الاستحا لـة، أنّ الـمراد بها هو تبدّل الـصورة الـنوعيـة الـعرفيـة إلى صورة اُخرى كذلك ليست نجسـة، فا لـملاك فيها تغيّر الـعنوان، و مغايرة الـعنوان الـمستحال منه مع الـعنوان الـمستحال إليه عند الـعرف، و بعد ملاحظـة أنّ الأحكام الـشرعيـة منوطـة با لـعناوين الـعرفيـة، و غير مبتنيـة على الأنظار الـعقليـة الـدقّيـة، يستكشف أنّ طروّ عنوان جديد، يوجب دخول الـمورد في موضوع حكم ذلك الـعنوان; لفرض تحقّق موضوعه و زوال الـموضوع للحكم با لـنجاسـة، كما في سائر الـعناوين الـموضوعـة للأحكام، كا لـحاضر، و الـمسافر، و غيرهما.
فإن كان الـحكم الـثابت للعنوان الـجديد عبارة عن الـنجاسـة أيضاً، يترتّب عليه هذا الـحكم. و ربّما يختلف مع الـنجاسـة الـسابقـة في بعض الآثار، كا لـغسل مرّة، أو مرّتين.
و إن كان الـحكم الـثابت للعنوان الـجديد عبارة عن الـطهارة، يترتّب عليه هذا الـحكم; لفرض زوال موضوع الـنجاسـة، و طروّ موضوع الـطهارة، و بهذا الـمعنى يطلق عنوان الـمطهّر على الاستحا لـة، و إلاّ فهي ليست بمطهّرة; بمعنى إيجابها الـطهارة مع بقاء الـموضوع.
و إن لم يكن الـحكم الـثابت للعنوان الـجديد من جهـة الـطهارة و الـنجاسـة، معلوماً با لـنظر إلى الـدليل، بل كان مشكوكاً من هذه الـجهـة، فا لـمرجع هي قاعدة الـطهارة بعد عدم جريان استصحاب الـنجاسـة الـسابقـة; لفرض تبدّل الـموضوع، و تغايره عرفاً.


(الصفحة620)



ا لـمقام الـثا لـث: في أنّه لافرق في مطهّريـة الاستحا لـة بين الـنجس وا لـمتنجّس

خلافاً لبعض الـمتأخّرين، على ما حكاه شيخنا الـعلاّمـة الأنصاري (قدس سره) في مبحث الاستصحاب من «ا لـرسائل» حيث فرّق بينهما; فحكم بطهارة الأوّل; لزوال الـموضوع، دون الـثاني; لأنّ موضوع الـنجاسـة فيه ليس عنوان الـخشب مثلاً، و إنّما هو الـجسم، و لم يزل بالاستحا لـة.
و قد أفاد (قدس سره) في مقام الـجواب: أنّ دقيق الـنظر يقتضي خلافه; إذ لم يعلم أنّ الـنجاسـة في الـمتنجّسات، محمولـة على الـصورة الـجنسيـة و هي الـجسم و إن اشتهر في الـفتاوى و معاقد الإجماعات: أنّ كلّ جسم لاقى نجساً مع رطوبـة أحدهما فهو نجس، إلاّ أنّه لايخفى على الـمتأمّل، أنّ الـتعبير با لـجسم لأداء عموم الـحكم لجميع الأجسام من حيث سببيـة الـملاقاة.
و بتقرير آخر: الـحكم ثابت لأشخاص الـجسم، فلا ينافي ثبوته لكلّ واحد منها من حيث نوعه أو صنفه الـمتقوّم به عند الـملاقاة، فقولهم: كلّ جسم لاقى نجساً فهو نجس، لبيان حدوث الـنجاسـة في الـجسم بسبب الـملاقاة، من غير تعرّض للمحلّ الـذي يتقوّم به كما إذا قال الـقائل: إنّ كلّ جسم له خاصّيـة و تأثير، مع كون الـخواصّ و الـتأثيرات من عوارض الأنواع.
و إن أبيت إلاّ عن ظهور معقد الإجماع في تقوّم الـنجاسـة با لـجسم، فنقول: لا شكّ أنّ مستند هذا الـعموم هي الأدلّـة الـخاصّـة الـواردة في الأشخاص الـخاصّـة، مثل الـثوب و الـبدن و الـماء و غير ذلك فاستنباط الـقضيـة الـكلّيـة الـمذكورة منها إلاّ

<<التالي الفهرس السابق>>