في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة621)


من حيث عنوان حدوث الـنجاسـة، لا ما يتقوّم به، و إلاّ فا لـلازم إناطـة الـنجاسـة في كلّ مورد با لـعنوان الـمذكور في دليله.
و دعوى: أنّ ثبوت الـحكم لكلّ عنوان خاصّ من حيث كونه جسماً، ليست بأولى من دعوى كون الـتعبير با لـجسم في الـقضيـة الـعامّـة من حيث عموم ما يحدث فيه الـنجاسـة با لـملاقاة، لا من حيث تقوّم الـنجاسـة با لـجسم.
نعم، الـفرق بين الـمتنجّس و الـنجس: أنّ الـموضوع في الـنجس معلوم الانتفاء في ظاهر الـدليل، و في الـمتنجّس محتمل الـبقاء، لكنّ هذا الـمقدار لا يوجب الـفرق، بعدما تبيّن أن الـعرف هو الـمحكّم في موضوع الاستصحاب.
أرأيت أنّه لو حكم على الـحنطـة أو الـعنب با لـحلّيـة أو الـحرمـة، أو الـنجاسـة أو الـطهارة، هل يتأمّل الـعرف في إجراء تلك الأحكام على الـدقيق و الـزبيب، كما لا يتأمّلون في عدم جريان الاستصحاب في استحا لـة الـخشب دخاناً، أو الـماء الـمتنجّس بولاً لمأكول اللحم؟! خصوصاً إذا اطّلعوا على زوال الـنجاسـة بالاستحا لـة.
كما أنّ الـعلماء لم يفرّقوا أيضاً في الاستحا لـة بين الـنجس و الـمتنجّس، كما لايخفى على الـمتتبّع، بل جعل بعضهم الاستحا لـة مطهّرة للمتنجّس بالأولويـة الـجليـة، حتّى تمسّك بها في الـمقام من لا يقول بحجّيـة مطلق الـظنّ.
أقول: الـظاهر أنّ الـنجاسـة و الـطهاره إنّما هما من عوارض الـجسم بما هو جسم، و الـخصوصيات الـمنوّعـة و الـمصنّفـة لامدخليـة لها في ترتّب شيء من الـحكمين، و إلاّ أمكن أن يقال: بأنّه لا دليل فى الـنجاسـة على الـتعميم.
و ما في موثّقـة عمّار من قوله (عليه السلام): «و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الـماء ...»(1) و إن

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـماء الـمطلق، الـباب 4، الـحديث 1.


(الصفحة622)


كان يستفاد منه الـتعميم; بلحاظ كلمـة «ما» الـموصولـة، إلاّ أنّ موردها الـماء الـذي وجد فيه فأرة، و لايشمل جميع الـنجاسات.
فا لـحكم با لـعموم من كلتا الـجهتين، بعد عدم دلالـة الـدليل عليه، و وضوح كون الإجماع على تقديره فاقداً لوصف الأصا لـة، لا يكاد يجتمع مع عدم تقوّم الـنجاسـة با لـجسم.
و هذا لابمعنى أنّ طبيعـة الـجسم من حيث هي، معروضـة للحكمين الـمذكورين، بل بمعنى أنّ أفراد هذه الـطبيعـة، بلحاظ كونها فرداً لها و مصداقاً لكلّيها، معروضـة لهما، فا لـثوب الـخارجي الـملاقي للنجس، يكون محكوماً با لـنجاسـة بلحاظ كونه من أفراد الـجسم الـملاقي، لا بلحاظ كونه من أفراد الـثوب، و لا بلحاظ الـخصوصيات الـمصنّفـة و الـمشخّصـة، ككونه لزيد مثلاً، أو في مكان خاصّ كذلك. و عليه فا لـجواب الـمذكور عن الـتفصيل ممّا لايتمّ.
و الـعمدة في مقام الـجواب: أنّ الـنجاسـة و إن كانت متقوّمـة با لـجسميـة، إلاّ أنّه إذا تبدّل عنوان الـشيء، و تغيّرت صورته الـنوعيـة الـعرفيـة، لا يصدق عليه ـ ولو بحسب نظر الـعرف ـ أنّه لاقى الـنجس فإذا صار الـخشب الـملاقي له رماداً أو تراباً، لا يصدق على الـرماد أو الـتراب أنّه لاقى الـنّجس فلا يبقى وجه لنجاسته.
و على تقديرها، لايصدق عليها أنّها بقاء الـنجاسـة الـسابقـة لكونه موضوعاً ـ أي فرداً ـ آخر مغايراً للفرد الـسابق.
نعم، لو كان الـتبدّل و الـتغيّر في الـخصوصيات الـمشخّصـة أو الـمصنّفـة فقط، مع بقاء الـصورة الـنوعيـة الـعرفيـة، و شكّ في بقاء الـنجاسـة، أمكن الـرجوع إلى الـدليل أو الاستصحاب، ولكنّه خارج عمّا هو الـمفروض في باب الاستحا لـة; من


(الصفحة623)


ا لـتغيّر في الـصورة الـنوعيـة.
فانقدح: أنّه لافرق في مطهّريـة الاستحا لـة بين الـنجس و الـمتنجّس أصلاً.

ا لـمقام الـرابع: في أنواع الاستحا لـة

فنقول:
منها: الاستحا لـة با لـنار فإن صار بالاستحا لـة رماداً أو دخاناً، فقد حكي الإجماع على مطهّريتها عن الـشيخ في «ا لـخلاف» و «ا لـمبسوط» و عن الـحلّي، و عن الـمحقّق في «ا لـشرائع» و الـعلاّمـة في جملـة من كتبه و «جامع الـمقاصد» و غيرهم.
و يدلّ عليها قبل الإجماع: قاعدة الـطهارة بعد تغيّر الـصورة الـنوعيـة، الـموجب لعدم شمول الـدليل، و عدم جريان الاستصحاب كما عرفت.
و ربّما يستدلّ على الـطهارة في الـدخان، بصحيحـة حسن بن محبوب قال: سأ لـت أباا لـحسن (عليه السلام) عن الـجصّ، يوقد عليه با لـعَذِرة و عظام الـموتى، ثمّ يجصّص به الـمسجد، أيسجد عليه؟
فكتب إليّ بخطّه: «إنّ الـماء و الـنار قد طهّراه».(1)
نظراً إلى ما في «ا لـوسائل» من: أنّ الـمراد تطهير الـنار للنجاسـة; بإحا لـتها رماداً أو دخاناً، و تطهير الـماء ـ أعني ما يحيّل به الـجصّ ـ يراد به حصول الـنظافـة، و زوال الـنفرة.
ولكنّه استشكل الـمحقّق (قدس سره) في محكيّ «ا لـمعتبر»: بأنّ الـماء الـذي يمازج الـجصّ هو ما يحتلّ به، و ذلك لا يطهّر إجماعاً، و الـنار لم تصيّره رماداً.

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الـنجاسات، الـباب 81، الـحديث 1.


(الصفحة624)


هذا، و ربّما يقال: إنّ الـمراد با لـنار حرارة الـشمس، و با لـماء رطوبـة الـجصّ الـحاصلـة بصبّ الـماء عليه; لعدم إمكان الـتجصيص با لـجصّ الـيابس، فمرجع الـروايـة إلى أنّ الـجصّ الـمشتمل على الـرطوبـة و الـمتنجّس با لـعذرة و عظام الـموتى، يطهر بإشراق الـشمس عليه.
و فيه: أنّ حمل الـنار في الـروايـة على حرارة الـشمس ـ مع عدم إشعار فيها بوقوع ذلك في محلّ تراه الـشمس، و يصل إليه نورها ـ بعيد جدّاً، خصوصاً مع ملاحظـة أنّ الـنار و الـشمس عنوانان متغايران عند الـعرف، كما أنّ حمل الـماء على الـرطوبـة الـحاصلـة بصبّ الـماء عليه، أيضاً كذلك.
و قد أفاد بعض الأعلام: أنّ الـماء و الـنار في الـصحيحـة باقيان على معناهما الـحقيقيو و أنّ الـجصّ قد طهّر بهما; لأنّ الـنار توجب طهارة الـعذرة و الـعظام الـنجستين بالاستحا لـة، حيث تقلّبهما رماداً، و الاستحا لـة من الـمطهّرات.
و أمّا الـماء، فلأنّ مجرّد صدق الـغسل يكفي في تطهير مطلق الـمتنجّس، إلاّ ما قام الـدليل على اعتبار الـتعدّد فيه، و خروج الـغسا لـة و انفصا لـها غير معتبر، فإذا صبّ الـماء على الـجصّ الـمتنجّس، أو جعل الـجصّ على الـماء، فلا محا لـة يحكم بطهارته و إن لم تخرج غسا لـته.
فصحّ أن يقال: «إنّ الـماء و الـنار قد طهّراه» كما يصحّ أن يسجد عليه، و لايمنع الـطبخ عنه; لأنّ الـجصّ من الأرض، و لا تخرج الأرض عن كونها أرضاً بطبخها أصلاً.
أقول: لاخفاء في أنّ انقلاب الـعذرة و عظام الـموتى، و استحا لـتهما رماداً بسبب الـنار، إنّما يوجب طهارتهما للاستحا لـة، لا طهارة الـجصّ الـمتنجّس الـذي لم يعرض له الاستحا لـة; ضرورة أنّ الاستحا لـة تطهّر معروضها، لا شيئاً آخر عرض له الـنجاسـة


(الصفحة625)


قبل تحقّقها.
و دعوى: أنّ الـنار قد طهّرت الـعذرة و عظام الـموتى، و الـماءَ قد طهّر الـجصّ الـمتنجّس بهما، مدفوعـة بكونها خلاف ظاهر الـروايـة; فإنّ ظاهرها مدخليـة الأمرين في تطهير الـجصّ الـمتنجّس.
والإنصاف: أنّه لايمكن الـوصول إلى معنى الـروايـة; لا من جهـة الـتعليل الواقع في الـجواب، و لا من جهـة أصل الـسؤال الـظاهر في حصول الـنجاسـة للجصّ.
مع أنّ الـجصّ لا يتّصف با لـنجاسـة في مفروض الـروايـة; سواء كان الإيقاد عليه بنحو كان الـجصّ في ظرف واقع على الـعذرة و عظام الـموتى، أو بنحو كان ملاقياً لهما:
أمّا على الأوّل: فواضح ضرورة أنّ الإيقاد عليه بهذا الـنحو، لايوجب نجاسته.
و أمّا على الـثاني: فلأنّ الـملاقاة الـحاصلـة بين الـجصّ الـيابس و الـعذرة الـيابسـة ـ اذ هي الـتي يمكن أن توقد ـ كيف توجب عروض الـنجاسـة للجصّ و هكذا عظام الـموتى؟! و دعوى كون الـعظام تشمل الـمخّ، و فيه دهن و دسومـة، مدفوعـة بعدم كون الـنظر إلى هذه الـجهـة. و على تقديره فبا لـنسبـة إلى الـعذرة الـتي هي مستقلّـة في عروض الـشبهـة للسائل ـ و لا مجال لإنكار كونها يابسـة، و إلاّ لا تكون صا لـحـة لأن توقد ـ لامجال لهذا الـكلام.
و دعوى: أنّه يستفاد من الـجواب وجود الـماء في الـبين، و لعلّه يتوقّف عليه تبدّل الـحجر الـخاصّ با لـجصّ، بمعنى أنّه مع عدم الـرطوبـة لايؤثّر فيه الإيقاد، و لا يتبدّل إلى الـجصّ، و هذا الـماء صار موجباً لتنجّسه بسبب ملاقاة الـعذره الـيابسـة و عظام الـموتى. مدفوعـة: بظهور الـجواب في كون الـماء مؤثّراً في حصول الـطهارة له، لا موجباً لاتّصافه با لـتنجّس.


(الصفحة626)


و بعبارة اُخرى: الـماء قد لاقاه قبل عروض الـتنجّس، لا بعده حتّى يتّصف بكونه مطهّراً و الـمفروض في الـجواب خلافه.
و الإنصاف: أنّ الـوصول إلى معنى الـروايـة و فقه الـحديث، غير ممكن.
ولكنّه لاحاجـة إلى الاستدلال بها في الـمقام; بعد ما عرفت من كون الـرماد بل الـدخان، له حقيقـة نوعيـة مغايرة للحقيقـة الـنوعيـة الـمستحال منها. هذا كلّه إذا صار بسبب الـنار رماداً، أو دخاناً.
و أمّا إذا صار بسببه بخاراً، فا لـمعروف فيه الـطهارة، بل ظاهر بعض أنّه لا كلام فيه.
و يدلّ عليه ـ مضافاً إلى ما عرفت من تحقّق الاستحا لـة فيه; لاختلاف الـصورتين الـنوعيتين عرفاً، و كون الاستحا لـة مطهّرة: إمّا ظاهراً لقاعدة الـطهارة، و إمّا واقعاً لتحقّق موضوع الـدليل الـذي حكم فيه عليه با لـطهارة ـ جريان الـسيرة الـمتشرّعـة على عدم الاجتناب عن بخار الـنجس و الـمتنجّس، كما في بخار الـبول في فصل الـشتاء، و كما في بخار الـحمّامات و غيرهما من الـموارد.
و منها: الاستحا لـة بغير الـنار إلى شيء من الاُمور الـمذكورة; و هي الـرماد، و الـدخان، و الـبخار، و الـظاهر حصول الـطهارة فيها أيضاً; لعدم الـفرق في مطهّريـة الاستحا لـة بين أسبابها; لأنّ الـملاك نفس تغيّر الـعنوان و الـصورة الـنوعيـة الـعرفيـة، و الأسباب الـمؤثّرة في الـتغيّر لا فرق بينها من هذه الـجهـة أصلاً.
و منها: الـتغيّر با لـفحم أو الـخزف أو الآجر أو الـجصّ أو الـنورة، و قد ذكر في الـمتن: أنّه لايتحقّق الاستحا لـة الـمطهّرة في شيء من هذه الاُمور، بل هي باقيـة على الـنجاسـة.
و أقول: أمّا الـفحم، فقد اختلفت الـفتوى فيه; فعن ظاهر «جامع الـمقاصد»


(الصفحة627)


ا لـطهارة، و عن صريح «ا لـمسا لـك» الـنجاسـة كما في الـمتن، و كلام الأكثر خال عن الـتعرّض له.
و الـظاهر هو الـطهارة; لأنّ الـتبدّل إلى الـفحم ليس من قبيل تبدّل الـصورة الـنوعيـة، بل من قبيل الـتبدّل في الأوصاف و الـخصوصيات كا للون، و تماسك الأجزاء و تفرّقها، و ليس بينه و بين الـخشب ـ بنظر الـعرف ـ مغايرة في الـنوع. و الاختلاف في الاسم لايكون كاشفاً عن الاختلاف في الـصورة الـنوعيـة; و ذلك كما في مثل اللحم و الـكباب، فإنّه مع وجود اختلاف في الاسم، لايكون بينهما مغايرة كذلك. و لأجله لامانع من الـقول: بجواز السجود عليه بعد عدم الخروج عن حقيقـة الـخشبيـة.
و أمّا الـخزف و الآجر، فعن جملـة من الـكتب الـقول با لـطهارة، بل نسب إلى الأكثر، و عن الـشيخ (قدس سره) دعوى الإجماع عليه.
و عن «ا لـمسا لـك» و «ا لـروضـة» و «ا لـروض» و «الإيضاح» الـقول با لـنجاسـة. و عن بعض الـتوقّف.
و الـظاهر أنّ الـحكم فيهما هو الـحكم في الـفحم; من عدم حصول الـتغيّر و الـتبدّل في الـصورة الـنوعيـة بنظر الـعرف، و أنّ طبخ الـطين لا يوجب الـتغيّر فيه، و لا يستلزم الـخروج عن عنوان الأرض و الـتراب و لأجله لامانع من الـسجود عليهما و الـتيمّم بهما، و إن كان الاحتياط في خلافه.
و أمّا الـجصّ و الـنورة، فربّما يقال فيهما با لـطهارة أيضاً و يستدلّ لها بصحيحـة ابن محبوب الـمتقدّمـة الـواردة في الـجصّ.
ولكن عرفت: أنّ الـوصول إلى معنى الـروايـة غير ممكن، و لا مجال للاستدلال بها بعد عدم وضوح الـمراد منها.


(الصفحة628)


و الـظاهر عدم تحقّق الاستحا لـة فيهما; لأنّ الـتبدّل إليهما من قبيل الـتبدّل في الأوصاف و الـخصوصيات، و الـمطبوخيـة لا تستلزم الـخروج عن الـعنوان الأوّلي، و الـصورةِ الـنوعيـة الـسابقـة، فا لـحكم فيهما أيضاً هي الـنجاسـة.
و منها: ا لـحيوان الـذي يكون من نجس أو متنجّس، كدود الـميتـة و الـعذرة، فإنّ تحقّق الاستحا لـة الـراجعـة إلى تبدّل الـصورة الـنوعيـة عرفاً فيه واضح; ضرورة مغايرة الـدود الـذي هو حيوان حيّ، للميتـة و الـعذرة، فلا يبقى فيه حكم الـنجاسـة الـثابت فيهما، كما هو ظاهر.
و منها: الـخلّ الـذي انقلب من الـخمر و تبدّل منها إليه بنفسه، أو بعلاج، و قد حكم فيه في الـمتن با لـطهارة، معمّماً لصورة الـعلاج ـ بطرح جسم فيه ـ لما إذا استهلك الـجسم فيه أم لا. و ظاهره أنّه من مصاديق الاستحا لـة الـمطهّرة، مع أنّه في جملـة من الـكلمات قد جعل مثالاً للانقلاب، بعد جعله مطهّراً مستقلاًّ في مقابل الاستحا لـة.
و لابدّ أوّلاً من ملاحظـة معنى الانقلاب، و ثانياً من ملاحظه الـدليل على مطهّريته، فنقول:
أمّا الأوّل: فقد ذكروا أنّ الانقلاب غير الاستحا لـة; لأنّه لايتبدّل فيه الـحقيقـة الـنوعيـة، بخلاف الاستحا لـة، و لذا لاتطهر الـمتنجّسات به، و تطهر بها، بل ربّما يقال: بأنّه لاتطهر الـنجاسات به أيضاً سوى الـخمر.
و من ذلك يعرف: أنّ إضافـة هذا الأمر إلى الـمطهّرات; إنّما هو لإفادة حصول الـطهارة للخمر بعد انقلابها خلاًّ.
مع أنّ الانقلاب الـمذكور من مصاديق الاستحا لـة و صغرياتها، بعد ما عرفت في معناها: من أنّ الـمراد هو الـتبدّل في الـصورة الـنوعيـة بنظر الـعرف، سواء كان بنظر


(الصفحة629)


ا لـعقل و با لـدقّـة الـعقليـة تغيّراً، أم لا، و من الـمعلوم أنّ الانقلاب الـمذكور موجب للتغيّر عرفاً; ضرورة تغاير الـحقيقتين، و اختلاف الـصورتين الـنوعيتين عند الـعرف، فإنّ الـخمر شيء، و الـخلّ شيء آخر مغاير لها، و الـحكم با لـنجاسـة في لسان الأدلّـة إنّما هو ثابت على الـعنوان الأوّل كا لـحكم با لـحرمـة و مع الـتبدّل إلى عنوان الـخلّ يتحقّق الـموضوع للحكم با لـطهارة و با لـحلّيـة، فا لـمورد الـمنحصر للانقلاب إنّما هو من صغريات الاستحا لـة.
ولكن الـذي صار موجباً لإفراد الانقلاب با لـذكر ـ على ما أفاده بعض الأعلام ـ أمران:
الأوّل: أنّ الاستحا لـة و إن كانت من أقسام الـمطهّرات، إلاّ أنّها في مثل تبدّل الـخمر خلاًّ ـ من الـمايعات الـمحتاجـة إلى الإناء ـ لا تقتضي الـحكم با لـطهارة; لأنّ الاستحا لـة إنّما هي في الـخمر دون الإناء، و بعد ارتفاع نجاسـة الـخمر بالاستحا لـة، يعرض لها نجاسـة من قبل الإناء الـمتنجّس با لـخمر الـذي لم يعرض له الـطهارة; لعدم تحقّق الاستحا لـة فيه، فا لـنجاسـة الـذاتيـة ترتفع، و تنوبها الـنجاسـة الـعرضيـة، فالاستحا لـة في مثل الـخمر غير نافعـة بوجه، مع أنّ الـمقصود زوال الـنجاسـة، و عدم عروضها، و صيرورة الإناء طاهراً أيضاً.
ا لـثاني: أنّه لافرق في الاستحا لـة كما عرفت، من حيث أسبابها، فإذا تحقّقت في مورد ـ سواء كانت بنفسها أو با لـعلاج ـ يوجب حصول الـطهارة للمستحال إليها، مع أ نّه في مثل الـخمر من الـمايعات أيضاً إذا كانت استحا لـتها با لـعلاج كطرح جسم فيها غير مستهلك، تكون الاستحا لـة موجبـة لزوال الـنجاسـة الـذاتيـة، ولكن الـجسم الـمطروح فيها غير الـمستهلك صار متنجّساً با لـطرح فيها، و تنجّسه يوجب تنجّس


(الصفحة630)


ا لـخمر الـتي هو فيها بسبب الـملاقاة معه، فتنوب الـنجاسـة الـعرضيـة مناب الـنجاسـة الـذاتيـة الـزائلـة، فتصير الاستحا لـة فيها غير نافعـة من هذه الـجهـة، مع أنّ الـمقصود نفعها منها أيضاً. و لأجل هذين الأمرين اُفرد الانقلاب با لـذكر، و إلاّ لم تكن حاجـة إليه بعد كون الاستحا لـة مطهّرة.
و أمّا الـثاني: فا لـدليل الـوحيد ـ بعد عدم كون الانقلاب با لـتفسير الـمذكور له، موجباً لحصول الـطهارة بوجه ـ هو الأخبار الـواردة في طهارة الـخمر مع انقلابها خلاًّ، و هي على طوائف ثلاث:
الاُولى: الأخبار الـدالّـة على طهارة الخلّ الذي انقلب من الخمر إليه، و مقتضى إطلاقها عدم الـفرق بين كون ذلك بنفسه أو بعلاج:
مثل صحيحـة علي بن جعفر، عن أخيه قال: سأ لـته عن الـخمر يكون أوّله خمراً، ثم يصير خلاًّ.
قال: «إذا ذهب سكره فلا بأس».(1) هذا ما رواه في «قرب الإسناد».
و في محكي «كتاب علي بن جعفر» مثله، إلاّ أنّه زاد فيه: أيؤكل؟
قال: «نعم».(2)
و روايـة سفيان بن الـسمط، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) قال: «عليك بخلّ الـخمر فاغتمس فيه; فإنّه لايبقى في جوفك دابّـة إلاّ قتلها»(3) و غيرهما من الـروايات الـدالّـة على ذلك.

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الأشربـة الـمحرّمـة، الـباب 31، الـحديث 9.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الأشربـة الـمحرّمـة، الـباب 31، الـحديث 10.
(3) وسائل الـشيعـة، أبواب الأطعمـة الـمباحـة، الـباب 45، الـحديث 3.


(الصفحة631)


ا لـثانيـة: الأخبار الـدالّـة على الطهارة الواردة في خصوص الانقلاب با لـعلاج، كصحيحـة زرارة أو حسنته، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) قال: سأ لـته عن الـخمر الـعتيقـة تجعل خلاًّ؟
قال: «لا بأس».(1)
فإنّ جعل الـخمر خلاًّ ظاهر في الـجعل با لـعلاج، كما لايخفى.
و روايـة عبيد بن زرارة قال: سأ لـت أباعبدا للّه (عليه السلام) عن الـرجل يأخذ الـخمر فيجعلها خلاًّ.
قال: «لا بأس».(2)
و ما رواه ابن إدريس عن «جامع الـبزنطي» عن أبي بصير، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام): أنّه سأل عن الـخمر تعا لـج با لـملح و غيره; لتحوّل خلاًّ.
قال: «لا بأس بمعا لـجتها».
قلت: فإنّي عا لـجتها، و طيّنت رأسها، ثمّ كشفت عنها فنظرت إليها قبل الـوقت، فوجدتها خمراً، أيحلّ لي إمساكها؟
قال: «لا بأس بذلك; إنّما إرادتك أن يتحوّل الـخمر خلاًّ، و ليس إرادتك الـفساد».(3)
و روايـة عبدا لـعزيز بن الـمهتدي قال: كتبت إلى الـرضا (عليه السلام): جعلت فداك، الـعصير يصير خمراً فيصبّ عليه الـخلّ و شيء يغيّره حتّى يصير خلاًّ.

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الأشربـة الـمحرّمـة، الـباب 31، الـحديث 1.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الأشربـة الـمحرّمـة، الـباب 31، الـحديث 3.
(3) وسائل الـشيعـة، أبواب الأشربـة الـمحرّمـة، الـباب 31، الـحديث 11.


(الصفحة632)


قال: «لا بأس به».(1) و غير ذلك من الـروايات الـواردة في هذا الـمورد.
ا لـثا لـثـة: الـروايات الـظاهرة في أنّ الانقلاب با لـعلاج لايجدي:
مثل موثّقـة أبي بصير، عن أبي عبدا للّه (عليه السلام) قال: سئل عن الـخمر يجعل فيها الـخلّ.
فقال: «لا، إلاّ ما جاء من قبل نفسه».(2)
و موثّقته الاُخرى قال: سأ لـت أباعبدا للّه (عليه السلام) عن الـخمر، يصنع فيها الـشيء حتّى تحمض.
قال: «إن كان الـذي صنع فيها هو الـغا لـب على ما صنع، فلا بأس به».(3)
و حيث إنّ هذه الـطائفـة ظاهرة في عدم ارتفاع الـنجاسـة با لـعلاج، و الـطائفـة الـسابقـة صريحـة في الارتفاع، فا لـلازم الـتصرّف في ظهور هذه الـطائفـة بحملها على الـكراهـة.
و قد حمل الـشيخ (قدس سره) الـروايـة الاُولى على استحباب الـترك، حتّى تصير خلاًّ من غير أن يطرح فيها ملح أو غيره، و ذكر: أنّ الـروايـة الـثانيـة خبر شاذّ متروك; لأنّ الـخمر نجس ينجّس ما حصل فيها.
و لعلّه لم يستفد من قول الـسائل: «حتّى تحمض» صيرورتها خلاًّ، مع أنّه ظاهر فيه، فلا تكون الـروايـة متروكـة، بل محمولـة على الـكراهـة، كما عرفت.
ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الأخبار الـدالّـة على طهارة الخلّ المنقلب إليه من الخمر، أنّه

(1) وسائل الـشيعـة، أبواب الأشربـة الـمحرّمـة، الـباب 31، الـحديث 8.
(2) وسائل الـشيعـة، أبواب الأشربـة الـمحرّمـة، الـباب 31، الـحديث 7.
(3) وسائل الـشيعـة، أبواب الأشربـة الـمحرّمـة، الـباب 31، الـحديث 2.


(الصفحة633)


لافرق في الـحكم با لـطهارة بين استهلاك الـجسم الـمطروح الـمعا لـج به، و بين بقائه و عدم استهلاكه، و قد صرّح بذلك جماعـة، بل نسب إلى الـمشهور.
ولكنّه قد يتأمّل في الـطهارة في الـثاني، بل في بعض الـكتب الـنسبـة إلى الـقيل، و لعلّ الـوجه فيه أنّ الأخبار الـمتقدّمـة، ناظرة إلى حصول الـطهارة للخمر بعد انقلابها خلاًّ، و لا دلالـة لها على حصول الـطهارة لذلك الـجسم بعد بقائه و عدم تحقّق الانقلاب بالإضافـة إليه.
و اُجيب عنه تارة: بأنّ مفاد هذه الأخبار حصول الـطهارة الـفعليـة للخمر الـمذكورة، و الـطهارة الـفعليـة لا تجتمع مع بقاء ذلك الـجسم على الـنجاسـة، لأنّ تنجّسه يوجب تنجّس الـخلّ، و لا يمكن معه الـحكم بطهارته، فحصول الـطهارة الـفعليـة يدلّ با لـدلالـة الالتزاميـة على طهارة الـجسم الـمطروح الـمعا لـج به الـباقي أيضاً.
و اُورد على هذا الـجواب: بأنّ الأدلّـة لا تدلّ على الـطهارة الـفعليـة مطلقاً، و إنّما تدلّ على الـطهاره الـفعليـة من حيث نجاسـة الـخمر، فلا تصلح للدلالـة على طهارة غيرها بالالتزام.
و يدفع الإيراد: بأنّ الأدلّـة و إن لم تكن ناظرة إلى نجاسـة غير الـخمر، لكن الـنجاسـة في هذا الـفرض على تقديرها إنّما هي ناشئـة من قبل الـخمر; ضرورة أنّ تنجّس الـجسم إنّما كان لأجل ملاقاة الـخمر، لا لشيء آخر، فكما أنّه يستفاد من الأدلّـة طهارة الإناء الـواقع فيه الـخمر; لأنّ نجاسته كانت مستندة إليه، فكذلك يستفاد منها طهارة الـجسم الـمعا لـج به من دون فرق بينهما أصلاً.
إلاّ أن يقال: بأنّ الـطهارة الـفعليـة الـتي هي مدلول الأخبار، كما يلائم مع طهارة


(الصفحة634)


ا لـجسم كذلك، يمكن اجتماعها مع فرض تنجّسه أيضاً، غايـة الأمر عدم تأثيره في تنجّس الـخلّ الـملاقي معه.
و بعبارة اُخرى: هذه الأخبار كما يمكن أن تكون متصرّفـة في دليل بقاء الـجسم على الـنجاسـة، كذلك يمكن أن تتصرّف في دليل تأثير الـملاقاة في تنجّس الـملاقي; بأن يكون الـمورد خارجاً منه، فا لـجسم ـ حينئذ ـ باق على الـنجاسـة، ولكنّ الـخلّ صار طاهراً. و هذا الاحتمال يجري في الإناء أيضاً. لكنّه خلاف ما هو الـمتفاهم عند الـعرف من الأدلّـة فتدبّر.
و اُخرى: بأنّ اختصاص الـنظر بذلك، لا يمنع من الـحكم بطهارته بما فيه تبعاً; لأنّ إطلاقها اللفظي إذا كان شاملاً لصورة عدم الاستهلاك، كان إطلاقها الـمقاميّ دالاًّ على طهارة ما لم يستهلك; فإنّ مقتضى إهمال الـنصوص للتعرّض لبقاء الأجسام الـملاقيـة للخمر على الـنجاسـة ـ مع وجودها غا لـباً فيها ـ طهارتها تبعاً كما لا يخفى.

فرع: لو لاقت الـخمر نجاسـة خارجيـة، ثمّ انقلبت خلاًّ

ففي الـمتن: «لم تطهر على الأحوط» و لعلّ منشأ الـحكم بعدم الـطهارة دعوى أنّ الأخبار الـمتقدّمة، ناظرة بأجمعها إلى الـنجاسة الـخمرية فحسب، و مدلولها ارتفاعها بالانقلاب، و لا دلالـة لها على غيرها من الـنجاسات، فلا موجب لارتفاعها، و مقتضى الأصل بقائها.
ولكنّه ربّما يقال: إنّ الـخمر من الـنجاسات الـعينيـة، و هي غير قابلـة لأن تتنجّس ثانياً بملاقاة الأعيان الـنجسـة، أو الـمتنجّسات، كما أنّ نجاستها غير قابلـة للاشتداد با لـملاقاة، و عليه فا لـخمر مادام كونها كذلك نجاستها هي الـنجاسـة


(الصفحة635)


ا لـخمريـة، و لا تزيد با لـبول أو غيره أصلاً.
بل لو قلنا: بتنجّس الـخمر با لـملاقاة، يكون مقتضى إطلاق الأخبار الـطهارة في هذا الـفرع أيضاً; لأنّ ما دلّ على جواز أخذ الـخمر لتخليلها، غير مقيّد بما إذا اُخذت من يد الـمسلم، بل يشمل الـمأخوذة من الـكافر أيضاً، و من الـواضح أنّ الـكافر لا يتحفّظ على الـخمر من سائر الـنجاسات، بل تصيبها الـنجاسـة عنده ولو من جهـة الأواني، أو يده الـنجسـة أو الـمتنجّسـة.
نعم، هذا فيما إذا لم تصب الـنجاسـة الـثانيـة للإناء، و إلاّ فالإناء الـمتنجّس يكفي في تنجّس الـخلّ به بعد انقلابه من الـخمر، و الأخبار إنّما تدلّ على طهارة الإناء فيما إذا كانت نجاسته مستندة إلى الـخمر، لا إلى نجاسـة اُخرى غيرها.
أقول: أمّا على تقدير عدم قابليـة الـخمر للتنجّس ثانياً، فا لـنجاسـة الـواصلـة من الـخارج و إن لم تؤثّر في الـخمر بوجه إلاّ أنّها توجب خروج الـمورد عن منصرف الأخبار; فإنّ الـظاهر انصرافها عن هذا الـمورد.
نعم، بناءً على ما ذكرنا: من جريان الاستحا لـة الـمطهّرة في الـمتنجّسات أيضاً، يكون لازمه طهارة الـخمر في هذا الـفرض بعد انقلابها خلاًّ; لانقلاب حقيقته الـنوعيـة الـعرفيـة و الـملاقاة كانت متحققةً; في زمن الـخمرية فيصدق: «أنّ الـخلّ لم يلاقِ نجساً، و لا متنجّساً» إلاّ أنّ هذا الـمعنى لا يجدي في اتّصاف الإناء با لـطهارة أيضاً، بعد خروجه عن مورد الأخبار، و الاستحا لـة لا توجب تحقّق الـطهارة بالإضافـة إلى غير موردها أصلاً، فعلى هذا الـتقدير لا دليل على الـطهارة.
كما أنّه على الـتقدير الآخر يكون كذلك بنحو أولى; لعدم ثبوت الإطلاق للأخبار من هذه الـجهـة بوجه، و غلبـة عدم الـتحفّظ فيما إذا اُخذت من الـكافر، لاتوجب


(الصفحة636)


ثبوت الإطلاق، فالأحوط ـ لو لم يكن أقوى ـ هو عدم الـطهارة.

في الـشكّ في الاستحا لـة

ذكر الـسيّد (قدس سره) في «ا لـعروة»: أنّه مع الـشكّ في الاستحا لـة، لا يحكم با لـطهارة.
و الـكلام في ذلك يقع في مقامين:

ا لـمقام الأوّل: الـشكّ في الاستحا لـة في الأعيان الـنجسـة

و الـشبهـة قد تكون موضوعيـة، و قد تكون مفهوميـة:
و الأوّل: كما إذا وقع كلب في الـمملحـة، و شككنا بعد يوم في أنّه هل استحال ملحاً أم لا.
و الـثاني: كما إذا صارت الـعذرة فحماً، و شككنا بذلك في استحا لـتها; نظراً إلى الـشكّ في أنّ لفظـة الـعذرة هل وضعت للعذرة غير الـمحروقـة; فالإحراق موجب للخروج عن كونها عذرة، أو أنّها وضعت للأعمّ، فلا يكون الإحراق سبباً لاستحا لـتها.
أمّا الـشبهـة الـموضوعيـة، فربّما يقال فيها: بأنّه لامانع من الـتمسّك فيها باستصحاب نفس الـعنوان الـسابق; و كون الـعين الـنجسـة باقيـة بعنوانها; ككونها كلباً في الـمثال، أو غيره من الأعيان الـنجسـة، و يترتّب عليه جميع الآثار الـمترتّبـة على الـعنوان الـسابق الـنجس.
و اُورد عليه: بعدم جريان الاستصحاب مع الـشكّ في بقاء الـموضوع; لأنّ الـشكّ في الاستحا لـة الـتي مرجعها إلى تبدّل الـموضوع و تغيّر الـعنوان، مرجعه إلى الـشكّ في بقاء الـموضوع، و معه لامجال لجريان الاستصحاب; لأنّه يشترط في جريانه بقاء الـموضوع، كما حقّق في محلّه.


(الصفحة637)


و منه يظهر: أنّه لامجال لجريان استصحاب الـنجاسـة أيضاً بعد عدم إحراز بقاء موضوعها، فتصل الـنوبـة إلى قاعدة الـطهارة.
و الـجواب عن هذا الإيراد: أنّ منشأ اعتبار بقاء الـموضوع في جريان الاستصحاب، ظهور دليل «لا تنقض ...» في كون الـشكّ متعلّقاً بعين ما تعلّق به الـيقين، بضميمـة وضوح كون متعلّق الـشكّ و الـيقين هي الـقضيـة الـمركّبـة من الـموضوع و الـمحمول; لعدم إمكان تعلّق أحد الـوصفين بالأمر الـتصوّري، فا لـلازم في جريانه هو اتّحاد الـقضيتين، و عدم الاختلاف بينهما في الـموضوع و الـمحمول.
نعم، اختلاف الـوصفين مع اتّحاد الـقضيتين، إنّما هو لأجل اختلاف الـزمانين فقط، من دون مغايرة بينهما من غير هذه الـجهـة.
و في الـمقام نقول: إنّ الـموضوع الـذي يعتبر بقائه في جريان الاستصحاب، ليس هو عنوان الـكلب ضرورة أنّ الـقضيـة الـمتيقّنـة عبارة عن كون هذا الـموجود كلباً فا لـموضوع هو الـمشار إليه بكلمـة هذا و الـمحمول هو كونه كلباً و من الـمعلوم كون هذه الـقضيـة متيقّنـة قبل الـيوم، و في الـيوم تكون مشكوكـة، فلا مانع من جريان الاستصحاب أصلاً.
نعم، لامجال لإجراء استصحاب الـنجاسـة; لأنّ موضوعها هو الـكلب و هو مشكوك الـبقاء.
و دعوى: أنّ موضوعها أيضاً الـموجود الـخارجي الـمشار إليه بهذا و هو باق، مدفوعـة بوضوح أنّ حيثيـة الـكلبيـة من الـحيثيات الـتقييديـة الـتي لها دخل في الـموضوعيـة، فهذا نجس بعنوان أنّه كلب لا بما أنّه موجود خارجي، فاستصحاب الـنجاسـة لامجال له بوجه.


(الصفحة638)


و أمّا الـشبهـة الـحكميـة، فلا مجال لجريان الاستصحاب فيها مطلقاً، لا في ذات الـموضوع، و لا في الـموضوع بوصف كونه موضوعاً، و لا في الـحكم:
أمّا ذات الـموضوع; فلعدم تعلّق الـشكّ به بوجه، لأنّه كانت غير محروقـة قبل الـيوم يقيناً، و محروقـة الـيوم كذلك، فا لـشكّ لم يتعلّق به حتّى يجري الاستصحاب.
و أمّا الـموضوع بوصف كونه موضوعاً; فلأنّ مرجعه إلى استصحاب الـحكم، لأنّ الـموضوع بهذا الـوصف، لامعنى له غير ترتّب الـحكم عليه و ثبوته.
و استصحاب الـحكم لايجري; لعدم إحراز بقاء موضوعه، فإنّ الـموضوع هو عنوان الـعَذِرة و بقائها مشكوك على ما هو الـمفروض، فلا مجال لاستصحابه، و بعده لامانع من جريان قاعدة الـطهارة.

ا لـمقام الـثاني: الـشكّ في الاستحا لـة في الـمتنجّسات

كما إذا شكّ في استحا لـة الـخشب الـمتنجّس رماداً و عدمها. و الـظاهر أنّه يجري فيه استصحاب الـعنوان الـسابق بعين ما تقدّم في الـمقام الأوّل، فيقال: هذا الـموجود الـخارجي كان خشباً، و الآن يشكّ في بقائه على هذا الـعنوان، فيستصحب و يحكم بكونه خشباً الآن كما كان، و يترتّب عليه الـمتنجّس; لفرض الـملاقاة الـموجبـة له.
نعم، الـفرق بين الـمقامين هو أنّه لاتعقل الـشبهـة الـمفهوميـة هنا; للفرق بين الـنجس و الـمتنجّس في أنّ الـعناوين الـمحكومـة با لـنجاسـة في الأعيان الـنجسـة، لها دخل في الـموضوعيـة لترتّب الـحكم عليها، فعنوان الـعذرة مثلاً، دخيل في الـموضوعيـة، فا لـشّك في سعته و ضيقه أمر متصوّر كما عرفت.
و أمّا الـعناوين في الـمتنجّسات، فغير دخيلـة في الـحكم با لـتنجّس، فا لـخشب


(الصفحة639)


إذ لاقى نجساً مع رطوبـة أحدهما، يصير متنجّساً بما أنّه جسم لاقى نجساً، لا بما أنّه خشب كذلك، و عليه فا لـشك في سعـة دائره مفهوم الـخشب و ضيقها، لايرتبط بهذا الـمقام.
و لاينافي هذا ما ذكرنا في وجه مطهّريـة الاستحا لـة، و ذلك لعدم الـمنافاة بين عدم تقوّم الـتنجّس بعنوان الـخشب و بين الاتّصاف با لـطهارة بعد استحا لـته رماداً يقيناً، لأنّ الاستحا لـة الـمبتنى ـ على ما عرفت ـ تصير موجبـة لإخراج الـمستحال إليها عن كونه ملاقياً للنجس، فلا يصدق أنّه شيء لاقى نجساً فلا مانع من الالتزام بعدم مدخليـة الـعناوين في الـمتنجّسات، و بين كون الاستحا لـة في الـمتنجّسات أيضاً، موجبـة لحصول الـطهارة لها، فتدبّر.



(الصفحة640)

خامسها: ذهاب الـثلثين في الـعصير با لـنار أو با لـشمس إذا غلى بأحدهما، فإنّه مطهّر للثلث الـباقي بناءً على الـنجاسـة، و قد مرّ أنّ الأقوى طهارته، فلا يؤثّر الـتثليث إلاّ في حلّيته.
و أمّا إذا غلى بنفسه، فإن اُحرز أنّه يصير مسكراً بذلك، فهو نجس، و لا يطهر با لـتثليث، بل لابدّ من انقلابه خلاًّ، و مع الـشكّ محكوم با لـطهارة1 .



ا لـخامس: في مطهّريـة ذهاب الـثلثين

(1) قد مرّ في مبحث الـنجاسات: أنّ الأقوال في مسأ لـة نجاسـة الـعصير مختلفـة، و الآراء متشتّتـة، و أنّ دعوى الإجماع أو الـشهرة ممّا لا وجه لها، و أنّ مقتضى الـتحقيق هو الـقول با لـعدم.
نعم، لا مجال لإنكار اتّصافه با لـحرمـة با لـنشيش، أو با لـغليان الـذي قد يتحقّق بعده على الاختلاف، و عليه فا لـتثليث إنّما يؤثّر في رفع الـحرمـة، كما أنّه يوجب رفع الإشكال من جهـة الـنجاسـة لمن أراد الاحتياط.
و تقدّم أيضاً: أنّ الـعصير الـمغلّي بنفسه دون الـنار أو الـشمس إن اُحرز أنّه يصير مسكراً بذلك فهو نجس من جهـة إسكاره.
و مرّ أيضاً: أنّه قد فصّل ابن حمزة في «ا لـوسيلـة» بين الـعصير الـعنبي الـذي غلى بنفسه، فحكم بحرمته و نجاسته إلى أن يصير خلاًّ، و بين ما إذا غلى با لـنار، فاختار حرمته قبل ذهاب الـثلثين، و عدم نجاسته.
و قد زعم شيخ الـشريعـة الإصبهاني (قدس سره) أنّ هذا الـتفصيل لايكون تفصيلاً في الـحكم الـشرعي، بل يكون لأجل مسكريـة ما غلى بنفسه، فحكمه با لـنجاسـة إنّما هو لأجل الإسكار، لا للتفصيل في الـعصير، و طعن على من زعم أنّ ابن حمزة متفرّد في هذا

<<التالي الفهرس السابق>>