في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة141)

المجتمع تحت الكساء لا غير ، وإنّما يدخل بقيّة الأئمّة(عليهم السلام) في مؤدى الآية عن طريق تأويلها .
وبعبارة أوضح: إنّ آية التطهير تشمل جميع الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) ، ولكن ليس بواسطة لفظة «أهل البيت» الواردة في الآية ، بل للشرح الذي قدّمته الآية الثانية لآية التطهير ، هكذا قضى الله أن يكون للتأويل شأن واعتبار التنزيل ، ويكون لمن اُوّلت الآية بهم شأن ومنزلة من نزلت فيهم .

وجه احتجاج بقيّة الأئمّة(عليهم السلام) بالآية

إذا صحّ أنّ آية التطهير لم تنزل في جميع الأئمّة(عليهم السلام) ، فلماذا كانوا يستدلّون بها في مواقع المخاصمة والاحتجاج على إمامتهم وعصمتهم وأولوية تقديمهم على غيرهم؟

الجواب :

المواقع المشار إليها جاءت في صنفين من الروايات:
الأوّل: ما استدلّ به أمير المؤمنين أو الإمام الحسن أو الحسين(عليهم السلام)إثباتاً لأحقّيتهم وتقدّمهم على غيرهم وفق مدلول آية التطهير ، وهذه

(الصفحة142)

الطائفة من الروايات لا تتعارض مع ما قرّرناه آنفاً ، إذ إنّهم(عليهم السلام) ممّن شملتهم الآية تنزيلاً لا تأويلاً .
الثاني: ما قاله بقيّة الأئمّة(عليهم السلام) في مقام الاستدلال والاحتجاج بالآية الشريفة ، وفي هذه الطائفة نلحظ هاتين الروايتين:
1 ـ عن علي بن الحسين(عليهما السلام) ، حديث طويل يقول فيه لبعض الشاميين: فهل تجد لنا في سورة الأحزاب حقّاً خاصّاً دون المسلمين؟ فقال: لا ، قال علي بن الحسين(عليه السلام): أما قرأت هذه الآية {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرَاً}(1) .
2 ـ رواية الحلبي عن الإمام الصادق(عليه السلام) ، حيث قال في تفسير الآية: «يعني الأئمّة(عليهم السلام) وولايتهم ، من دخل فيها دخل في بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله)»(2) .
إنّ آية التطهير قد أَوّلت الأئمّة(عليهم السلام) عناية خاصّة وجعلتهم ولاة للناس كافّة ، وكلّ من دخل تحت لوائهم يكون من خواصّ بيت النبوّة .
والمتلخّص من كلام الإمام الصادق(عليه السلام) هو أنّ التبعية والاقتداء بهدى «أهل البيت»(عليهم السلام) يورثا الوحدة والاتحاد والانصهار كما جاء في القرآن الكريم في قوله سبحانه: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي . . .}(3) وما ورد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) في حقّ سلمان(رضي الله عنه): «سلمان منّا أهل البيت»(4)

(1) الاحتجاج 2: 33 ـ 34 ، تفسير نور الثقلين 4: 275 .
(2) الكافي 1: 423 ح54 ، تفسير نور الثقلين 4: 273 .
(3) إبراهيم : 36  .
(4) اختيار معرفة الرجال، المعروف برجال الكشي: 15 الرقم 33، المستدرك على الصحيحين 3: 691 ح6539 و 6541، الاحتجاج 1: 387، بحار الأنوار 10: 123 ح2.

(الصفحة143)

علماً أنّ سلمان لم يكن من أهل البيت حقيقة . فعلى هذا يكون الاقتداء وقبول ولاية «أهل البيت»(عليهم السلام)بمثابة المصنع الذي يصهر الجميع في بوتقة واحدة . ولكنّ الروايتين المذكورتين ليسا في مقام بيان أنّ عنوان «أهل البيت» شامل لجميع الأئمّة(عليهم السلام) ، وإنّما هما في مقام بيان أنّ (آية التطهير) تثبت الولاية والتقدّم لباقي الأئمّة(عليهم السلام)أيضاً .
ويمكن إثبات ذلك والبرهنة عليه ـ كما جاء في رواية ابن كثير عن الإمام الصادق(عليه السلام) ـ من خلال الاستناد إلى آية {أُوْلُوا الأَرْحَامِ} ، بل يمكن الجمع من خلال هذا الطريق أيضاً بين هذه الروايات الموسّعة وبين ما ورد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) من الروايات الحاصرة لعنوان «أهل البيت» في الأفراد الخمسة (عليهم السلام) فقط . ويكون هذا الجمع عقلائياً وقابلاً للتصديق .
وإذا أردنا أن نعتمد الأسلوب الصناعي (الفني) نقول: إنّ الرواية التي رواها ابن كثير عن الإمام الصادق(عليه السلام) تعتبر شاهد جمع بين طائفتين من الروايات التي يظهر لأوّل وهلة أنّها متعارضة ، الطائفة الاُولى الروايات الدالّة على الانحصار بالخمسة ، والروايات الموسّعة ، ويمكن القول ـ كما هو مفاد حديث ابن كثير ـ بأنّه من خلال نسبة التأويل إلى التنزيل ومن خلال هذه النسبة والإضافة يدخل سائر الأئمّة تحت عنوان «أهل البيت» الوارد في الآية .
وعلى هذا الأساس: فإنّه ومن خلال النظر إلى ما ورد عن الرسول(صلى الله عليه وآله) من حصر عنوان «أهل البيت» بالخمسة(عليهم السلام) ، ومن ملاحظة ما ورد عن الأئمّة(عليهم السلام) من أنّ الآية نزلت بحقّ المجتمعين في بيت اُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ ، هذا من جهة ، ومن جهة اُخرى الروايات التي

(الصفحة144)

وردت عنهم(عليهم السلام) والتي اعتمدوا فيها على «آية التطهير» لإثبات الولاية لهم(عليهم السلام) وتأويلهم لآية {أُوْلُوا الأَرْحَامِ} من جهة اُخرى ، من خلال ذلك كلّه لابدّ من الإذعان بأنّ عنوان «أهل البيت» مثل عنوان «آل العباء» و«أصحاب الكساء» عنوان منحصر ، ولكنّ الآية لم تهمل سائر الأئمّة(عليهم السلام) ، وإنّما شملتهم بالعناية والقداسة والطهارة .
ولو قلنا: إنّ كلمة «أهل البيت» هذا العنوان الذي ظلّ طول التاريخ مشيراً إلى المجتمعين في دار اُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ أنّه يشمل سائر الأئمّة(عليهم السلام) اعتماداً على ما روي عنهم ، وتأويل الآية لم يكن ادّعاؤنا جُزافاً وبدون دليل ، بل هناك روايات تدعم ما ندّعيه ، حيث نرى أنّ الرواة من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) كانوا يخاطبونهم(عليهم السلام) بهذا العنوان «أهل البيت» .
بل يمكن القول: إنّه ينبغي النظر إلى عنوان «أهل البيت» من بُعدين:
الأوّل: مناسبة وشأن نزول الآية ، ومن هذا البعد فإنّ أهل البيت هم أصحاب الكساء(عليهم السلام) فقط .
الثاني: النظر إلى الآية بلحاظ الحكم الذي تثبته ، أي الطهارة والقداسة وإذهاب الرجس ، ولما كان سائر أئمّة الهدى(عليهم السلام) متساوين مع الخمسة أصحاب الكساء في مفاد آية التطهير ، فإنّ العنوان منطبق عليهم ويجب القول إنّهم من أهل البيت أيضاً .
وبعبارة اُخرى : إنّ عنوان «أهل البيت» لا يحمل في حدّ ذاته أيّ اعتبار خاصّ أو قيمة متميّزة لآل الرسول(عليهم السلام) ، بل القيمة والاعتبار هي للكمالات والصفات التي خلعتها آية التطهير على من نزلت في

(الصفحة145)

شأنهم ، ومن شملتهم ـ كما ثبت في محلّه ـ من أئمّة الهدى(عليهم السلام) ، ولمّا كانت كلمة «أهل البيت» عنواناً للتفوّق والكمال ، و اسماً حاكياً عن الطهر والقداسة والفضيلة ، فإنّ كلّ من يتحلّى ويتّصل بهذا العالم فإنّه ينسب إلى أهل البيت ، ولعلّ هذا هو الوجه في قول النبيّ(صلى الله عليه وآله)ـ المتقدّم ـ : «سلمان منّا أهل البيت»(1) ، مع أنّ البون بين سلمان والمقام الأرفع للإمام الصادق(عليه السلام)شاسع جدّاً .

جولة في النصوص

قلنا: إنّ عبارة «أهل البيت» إنّما عُرفت بعد نزول آية التطهير ، وأنّه لم يجر تداولها واستعمالها في أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين(عليه السلام)قبل ذلك ـ على قدر ما توصّلنا إليه من البحث والاستقصاء ـ  .
نعم ، كانت عبارة «أهل بيتي» كثيراً ما تتكرّر على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، ولكن تعبير «أهل البيت» لم يجر على لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلاّ في أواخر عمره الشريف ـ ووفقاً لاستنباطنا السابق فإنّ نزول الآية كان في أواخر حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ـ وهذا ممّا يدلّ على أنّ هذا التعبير العظيم شاع بعد نزول الآية ، حيث سرى شيئاً فشيئاً حتّى صار في إطلاقات واستعمالات بقيّة أئمّة الهدى(عليهم السلام)  .
استعمل أمير المؤمنين(عليه السلام)عبارة «أهل البيت» وفقاً لما جاء في «نهج البلاغة» في أربعة مواضع:
1 ـ في الخطبة الثالثة والتسعين ، في معرض بيانه لفتنة تولّي بني

(1) تقدّم في ص142 .

(الصفحة146)

اُميّة زعامتهم المشؤومة ، قال من جملة ما قال: «نحن أهل البيت منها بمنجاة ، ولسنا فيها بدُعاة» .
2 ـ في الخطبة المائة والعشرين: «وعندنا أهل البيت أبواب الحكم وضياء الأمر» .
3 ـ في الخطبة الرابعة والعشرين بعد المائتين: «أصِلة أم زكاة أم صدقة ، فذلك محرّم علينا أهل البيت» .
4 ـ وفي الحكمة الثانية عشرة بعد المائة يقول(عليه السلام): «من أحبّنا أهل البيت فليستعد للفقر جلباباً» .
وخطب الحسن السبط(عليه السلام) عندما ولي الخلافة ، وكان من جملة كلامه: «وأنّا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس . . .»(1) ، وفي خطبة للحسين(عليه السلام) في مكّة ، قال: «رضا الله رضانا أهلَ البيت»(2) .


(1) تأويل الآيات الظاهرة: 450 .
(2) اللهوف على قتلى الطفوف للسيّد ابن طاووس : 126 .

(الصفحة147)


نظرة في عطاء آية التطهير

إلى هنا جرى البحث مُسهباً وفق متطلّبات التحقيق في آية التطهير كلمة بكلمة ، وما تناولناه من نكات تاريخية دقيقة ، وهكذا المسيرة التي طواها عنوان «أهل البيت» على مدى تاريخ الإسلام ، وكانت الخلاصة الموجزة:
إنّ الآية تختصّ بأهل البيت(عليهم السلام) ، وأهل البيت هم أصحاب الكساء ، بمعنى أنّ شأن نزول الآية هم النبيّ الأكرم وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) ، وأنّ بقيّة الأئمّة الأطهار مشمولون بخصائص هذه الآية عن طريق آخر .
وإنّ الإرادة التكوينية للبارئ عزّوجلّ قضت أن يكون هناك فاصل أبدي بين الأرجاس وأهل بيت النبوّة(عليهم السلام)  .
وإنّ هذا اللطف والتوفيق الإلهي الكبير جاء استجابة لطاعتهم وإخلاصهم واستحقاقهم .
ويبلغ البحث هنا موقع دراسة مفاد مجموع الآية لنحدّد عطاءها لأهل البيت وسائر أئمّة الهدى(عليهم السلام) ، الذين هم بالنتيجة من أهل البيت(عليهم السلام) ، ماذا تريد الآية أن تهبهم وتخلع عليهم؟
إنّ الإرادة الأزلية للبارئ تعالى التي قضت الفصل بين الأئمّة الأطهار وجميع الذنوب والأرجاس ، وحكمت لهم بالمزيد من الطهارة

(الصفحة148)

والنزاهة ، جعلت ذلك للنبيّ الأعظم وابنته العزيزة والأئمّة الاثنى عشر ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ دون سائر الخلق ، ولمّا كان المراد لايتخلّف عن الإرادة الإلهية فهو متحقّق لا محالة ، فمن المؤكّد أنّك ستجد هذه الصوفة الطاهرة تتمتّع بروح عالية ونفس منيعة وصدر رحب يتّسع للهموم والمشكلات ، وقلب متّقد وضّاء مفعم بالعلم ، خال من موانع وحواجز إدراك الحقائق وفهم القرآن .
إنّهم بعيدو المدى ، مطّلعون على خفايا الحوادث ، واقفون على أسرار الدين ورموز القرآن وإشاراته ، لا يقربون الفواحش ولا يدنون الأرجاس من حقد وبخل وحسد وجهل وشكّ وخرافة ، لا يعتريهم شك ولا يأخذهم ضعف ولا وهن ، إذ يتمتّعون بروح عالية وعظمة تنأى بهم عن القبائح والذنوب ، بل تأبى مجرّد توهّم ذلك وقصده! إنّها قلوب طاهرة مطمئنّة لا تخفق إلاّ بحبّ الله ولا يخترق سماءها ذرّة من الهوى وحبّ الشهوات ، إنّ الأئمّة (عليهم السلام) يمثِّلون القمّة في التسليم لله والغاية في الإخلاص له ، وفي رحاب النبيّ والأئمّة(عليهم السلام)لا تجد للحقد والبخل والحسد محلاًّ ، بل ما هي إلاّ الرحمة والرأفة بالناس ، وكرم وعطاء لا يقف عند حدود ، يهب البشرية الخير وهو يرسم لها طريق السعادة ، ويحدّد لها ما يُنجيها ، ويحقّق لها الخلاص بما عرفوه ووقفوا عليه من علوم القرآن وأسراره ، وما استلهموه من مدرسة الوحي والتنزيل ، فهم المعدّون لهداية الناس وإرشادهم وتوجيههم وقيادتهم لسعادة الدارين .
إنّ الرسول الأكرم وآله الأطهار(عليهم السلام) يمتلكون روحيات تحلّق فوق القداسة والطهر ، وهكذا عيّنات ونماذج طاهرة مطهّرة هي التي يمكنها أن تأخذ بيد المجتمع وتقوده نحو الطهارة والسعادة . إنّهم من الطهارة

(الصفحة149)

بمكان لا يدنوه ذنب ولا يقربه رجس ، فلا تعلّق بأذيالهم ذرّة غبار من معصية ، ولا تؤثر على أرواحهم النزيهة ، ولا شكّ في أنّ أمثال هؤلاء الرجال يسيرون بالاُمّة إلى الطهارة الفكرية والعملية .
إنّها مشيئة الربّ وإرادته جلّ وعلا ، التي قضت أن لا يعتلي عرش الفضيلة إلاّ «أهل البيت»(عليهم السلام) ، ولا يتربّع على قمّة المجد والطهارة غيرهم ، فيتمتّعون بالقلوب السليمة ، التي تولّى الله رياضتها والأنفس العالية التي تنعكس فيها الحقائق الربانية ، ولا يعتريها شكّ ولا يؤثر فيها حدث مهما كبر وعظم .
إنّهم العالمون بجميع شرائع وأحكام الدين ، الواقفون على رموز التكوين ، والمكنون من أسرار القرآن العظيم ، لا لبس في حياتهم ولا إبهام ولا جهل ، ولم يفسحوا الطريق لأدنى شكّ أو ريبة لتحول بينهم وبين دوام إخلاصهم وتوجّههم لباريهم الحيّ القيّوم .
وهؤلاء هم «أهل البيت»(عليهم السلام) فقط ، الذين شاء الله أن يفصل بينهم وبين الذنوب والمعاصي والرذائل و وساوس الشيطان بمساحة شاسعة لا تقطعها ملايين الفراسخ ، وهذا الفاصل هو الذي أمّن حصانتهم وحصّل لهم العصمة من الخطأ والزلل ، فهم لا يزلّون كيلا يزلّ المجتمع ، ولا يتزلزلون أمام الدنيا وزخرفها كيلا تتزلزل أمّة بكاملها .
هذا هو مفاد آية التطهير الكريمة ، الذي جاءت به إرادة الحصر ، وإطلاق كلمة «الرجس» ، ومعنى تعلّق إرادة الحقّ تعالى بإذهاب الرجس عنهم ، وتأكيد الطهارة ، على صورة جملة {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرَاً} .
من هنا يتّضح السرّ وتظهر الحكمة الإلهية جليّة في هذه الإفاضات الخاصّة ، التي جعلت هذه الثلّة المباركة تسبح فوق قمم الفضيلة

(الصفحة150)

والطهارة ، وما هي إلاّ خطّة وضعت لتحقيق نتائج غاية في الأهمّية جعلت أهل البيت يبدون على هذا القدر من الجمال والكمال ، إنّها مسألة زعامة المسلمين وقضية قيادة الاُمّة الإسلامية . فما خلعه البارئ عزّوجلّ على «أهل البيت»(عليهم السلام) من الطهارة والعصمة ، وما سلّحهم به من سعة الصدر وسلامة النفس وعظمة الروح ، وزوّدهم به من علم بالواقع وبصيرة ثاقبة سيعود بالنفع على الاُمّة أوّلاً وآخراً ، وهو من أتمّ مظاهر لطف الله بهذه الأمّة المرحومة ، إذ منَّ الله بهم علينا فجعلهم {فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُه}(1) ، فيغترف المسلمون من معين علومهم الزلال ، وينهلون من فيض عدالتهم وكرمهم وطهارتهم ، فيسري شعاعهم ويعمّ الأمّة فترقى في طريق الطهارة والتقى ، وتسلك درب السعادة الأبدية وتحقّق لنفسها النجاة في الدارين . فتربية «أهل البيت»(عليهم السلام) تربية للأمّة وعطاء الله سبحانه وتعالى الذي اختصّهم به هو عطاء سيشمل الأمّة ويعمّها خيره إن هي أحسنت وامتثلت أمر باريها باتباع سبيلهم ، وبقيت مسؤولية الأمّة في الاتباع واستثمار هذا اللطف والعناية الإلهية التي وضعت هذه الخطّة لقيادة الأمّة وتحقيق خلاصها .

إثبات ولاية أهل البيت(عليهم السلام) بالآية

أنّ آية التطهير تثبت ولاية «أهل البيت»(عليهم السلام) وتقرّر زعامتهم ، بل

(1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 275 قطعة من ح1 ، بحار الأنوار 102 : 130 ح4 ، والآية في سورة النور آية 36 .

(الصفحة151)

هي بصدد طرح قضية الإمامة والزعامة ولفت الأنظار إليها ، وإلاّ لما كان لإرادة البارئ عزّوجلّ أن تصبّ كلّ هذا الاهتمام وتولّي كلّ هذه العناية ، ولتوضيح هذا المطلب الجوهري نشير إلى أمرين:
الأوّل: رأينا كيف أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) استند إلى آية التطهير في إثبات إمامته وحقّه وصلاحيته في خلافة رسول الله(صلى الله عليه وآله) في قصّة السقيفة والشورى . وأنّ الإمام الحسن(عليه السلام) طرح الآية ولفت الأنظار إليها في أوّل مؤتمر عام عقد لإعلان خلافته ، أمّا الإمام الصادق(عليه السلام)فقد قال بشأن آية التطهير: «نزلت هذه الآية في النبيّ وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام) ، فلمّا قبضَ الله عزّوجلّ نبيّه(صلى الله عليه وآله) كان أمير المؤمنين ثم الحسن ثم الحسين(عليهم السلام)  . . . فطاعتهم طاعة الله عزّوجلّ ومعصيتهم معصية الله»(1) . وقد قرأنا في رواية الحلبي عن الإمام الصادق(عليه السلام)(2) أنّه تكلّم في تفسير الآية فتطرّق إلى الإمامة والولاية .
ويستفاد من مجموع كلام الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الصادق(عليهم السلام) أنّ آية التطهير إنّما كانت في معرض بيان حكم الإمامة والولاية ، وأنّها تثبته لأهل هذا البيت .
الثاني: لقد أوضحنا فيما مضى من البحث أنّ مجموع الآيات التي تحدّثت عن نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله) رسمت المنهج الذي يجب عليهنّ أن يعملن

(1) علل الشرائع: 205 ب 156 ح2 ، تفسير نور الثقلين 4 : 273 رواية عبد الرحمن بن كثير .
(2) تقدّمت في ص142 .

(الصفحة152)

به ، وأنّ آية التطهير التي تخلّلت تلك الآيات في مقام التدوين وضّحت موقع «أهل البيت»(عليهم السلام) ، وهذه الصيغة الصريحة في البلاغ تعكس أهمّية الموقف وخطورته ، فمستقبل الإسلام يفرض أن تعلم زوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله)بتكاليفهنّ ويعملن ويتقيّدن بها ، وفي المقابل أن يعلم عموم المسلمين موقع «أهل البيت»(عليهم السلام) وخصوصيّتهم والدور المناط بهم .
إذن هذه الآيات كانت تلحظ وتضع الخطة لمستقبل الإسلام ، وهي تحسم أمر عائلة الرسول(صلى الله عليه وآله) ككلّ في موقع واحد ، فقسم عليه أن يبقى في الخدر وراء الحجاب ، بعيداً عن شؤون السياسة والدولة ، وثلّة خاصّة اُنيط بها حفظ الإسلام وقيادته وهداية المسلمين وإمامتهم ، وقد أولاهم البارئ المدبِّر عزّوجلّ المنزلة الرفيعة وبلغ بهم حدّاً محيّراً وعجيباً من الطهارة والعصمة في سبيل أن يبقى الدين منزّهاً عن الزلل والخطأ ، بعيداً عن التلوّث والانحراف ، الذي قد يلحقه به أدعياء الإمامة ومغتصبو الخلافة من عبدة الشهوات .
وقد زوّدهم سبحانه وتعالى بصدور رحبة وهمم عالية وقلوب منيعة ، ليتمكّنوا من الاستقامة والصمود أمام ما ينتظرهم من حوادث مرعبة ، ومقاومة الأحداث القاهرة التي ستأتي على الإسلام والمسلمين ، فلا ينثنوا عن مسؤوليّتهم ولا يستسلموا . لقد حباهم الله علماً جمّاً وبصيرة نافذة ليمكِّنهم من الدفاع عن حياض دينه والنهوض باحتجاجات ومخاصمات الأعداء ويردّوهم على أعقابهم خائبين مفحَمين ، وبما يمكِّنهم من وضع منهج ديني متوافق مع مبادئ القرآن الكريم ، وبوقوفهم على أسرار الوحي يمكنهم أن يحيلوا كلّ عسير من مشاكل الاُمّة سهلاً يسيراً ، ويخرجوا الناس من متاهات الحيرة

(الصفحة153)

والأوهام إلى نور الحقّ والصواب ، ويقدّرهم الله سبحانه بما أطلعهم عليه من غيبه من معالجة الحوادث والقضايا برؤية عميقة وبصيرة نافذة تحيط بالحيثيّات الظاهرة والخفيّة; ليأمن الناس ويسكنوا إلى قيادة واعية تحقّق لهم الأمن والاستقلال عن السقوط في مهاوي الغرباء والأجانب ، والسلامة والحفظ من ويلات الجهل وعواقب الانحراف ، وينهلوا من العطاء المتجدّد الذي يتجلّى في كلّ عصر وفق مقتضيات الزمان بما لا يمسّ أصالة الدين ونقاء الإسلام المبين . لقد نزّههم الله وطهّرهم من جميع الآفات النفسية والأغراض والأهواء ، وحصّنهم من جميع الأمراض الروحية والأخلاقية حتّى لا يسري شيء من هذه الأخطار إلى الأمّة ويجرّها إلى الفساد فيضمحلّ الإسلام وتزول الشريعة ، وحتّى لا يتحوّل قادة المسلمين وزعماء الدين إلى طغاة متعطشين للحكم والتسلّط على الرقاب ، تحدوهم الشهوات وتدفعهم الملذّات لنيل السلطة بالبطش وملئ الزنزانات بالمظلومين .
نعم ، لم يردها الله دكتاتورية منمّقة بأسماء رنّانة واستبداداً يستمدّ ظلمه وطغيانه من عناوين مزخرفة ، فتنصب المشانق وتفتح السجون ويُسلب الناس الحرية الفكرية التي هي من أوّليات الحياة الكريمة . فمنح القادة الحقيقيّين العصمة وطهّر قلوبهم من الغلّ والحسد والحرص ومن جميع بواعث الظلم ودوافع الاستبداد .

ملاحظة

يجب أن نُعيد إلى الأذهان أن ما تناولناه بالبحث حول دور النساء إنّما يتعلّق بزوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله) على الخصوص ، وذلك في الآيات المعيّنة

(الصفحة154)

التي صدّرنا بها البحث ، فقلنا: إنّها ناظرة إلى دور نساء النبيّ(صلى الله عليه وآله)والمنهج الذي عليهنّ اتّباعه من لزوم الخدر والحجاب ، والبقاء في البيت بعيداً عن القضايا السياسية والاجتماعية ، وهكذا عرضنا لخصوصيّتهن بلحاظ الأجر المضاعف الذي ينتظر المحسنة منهنّ ، والعذاب والعقوبة المضاعفة التي اُعدّت للمسيئة منهنّ ممّا صرّحت به الآية: {لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ}(1) .
من هنا فإنّ البحث تعلّق بزوجات النبيّ(صلى الله عليه وآله) دون غيرهنّ من النساء ، أمّا بخصوص دور المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية الإسلامية فهذا ما لم نتعرّض له ، وهو بحث مستقلّ خارج عن نطاق الكتاب ولا تتحمّله هذه العجالة .

ماذا عن الزهراء(عليها السلام) ، ودورها وموقعها ؟

وهنا نختم البحث بسؤال يطرح نفسه: إنّ آية التطهير تحدّثت عن خمسة أشخاص من أولياء الله ، اتّخذهم الله وأعدّهم وهيّأهم بالعلم والعصمة والتطهير ورشّحهم لمقام قيادة المسلمين وإمامتهم ، وإنّ موضوع بحث الآية هم «أهل البيت»(عليهم السلام) ، وهم خمسة أشخاص ، والسيّدة الزهراء صلوات الله عليها وحيدة أبيها وعزيزته هي من هؤلاء الخمسة ، فهل كان لها أن تشارك في أعمال الدولة الإسلامية وشؤون إمامة المسلمين وأن تتولّى زعامتهم؟


(1) الأحزاب : 32  .

(الصفحة155)

الجواب :

يبدو أنّ السؤال ما كان ليُثار لو أنّ التدقيق التامّ كان قد اُعمل في البحوث السابقة ، إنّ الدراسة لم تطرح ولم تدّع وجود دلالة مطابقية(1) بين آية التطهير ولزوم القيادة والزعامة لهذه الثلّة المباركة(عليهم السلام) ، بل أنّنا فهمنا من معاني تعابير: الإرادة ، الرجس ، التطهير ، التي وردت في الآية ، أنّ هناك مشيئة ربّانية في انبعاث وظهور نماذج بشرية خاصّة تتمتّع بمواصفات وخصائص متميّزة ، كالعصمة والطهارة وسعة الصدر والعلم ، فصّل الله بينهم وبين الأرجاس والرذائل ، ثم حلّلنا القضيّة على أنّ إرادة البارئ لا تتعلّق بمثل هذا الأمر جزافاً ، فلابدّ من حكمة ومصلحة عُليا ، ورأينا أنّ ذلك لحفظ الإسلام من التحريف والتزييف وصَون تعاليمه وأحكامه عن التشويه واللبس ، وأنّ ذلك لا يكون إلاّ عن طريق اُناس يتمتّعون بصفات ومواهب خاصّة ، يجب أن يكون لهم مقام الصدارة وتُسلّم إليهم مقاليد الزعامة لتأدية هذا الدور .
ولم نقل على أيّ نحو: إنّ آية التطهير من أدلّة إمامة «أهل البيت»(عليهم السلام) بالمفهوم المطابقي حتّى يكون كلّ فرد ممّن ذُكر في الآية مُرشحاً للإمامة ومندوباً للزعامة في مستقبل الإسلام ، بل كانت الدعوى أنّ مفاد الآية الكريمة يتناسب ومنصب الزعامة والإمامة ، من

(1) الدلالة المطابقية أو التطابقية: أن يدلّ اللفظ أو العنوان على تمام معناه الموضوع له ويطابقه، كدلالة لفظ الكتاب على تمام معناه، فيدخل فيه جميع أوراقه وما فيه من نقوش وغلاف. وليس الفرض في البحث أنّ آية التطهير لها دلالة على نحو المطابقة مع موضوع الإمامة... .

(الصفحة156)

باب أنّ تحلّي تلك الثلّة بكلّ هذه الكمالات لا يصحّ أن يخلو من حكمة وعلّة ترتبط بالإسلام ومسيرته ومستقبله ، ودون أن تنعكس هذه الهبات والعطايا الإلهية الجزيلة لـ «أهل البيت»(عليهم السلام) على عموم المسلمين وعلى المجتمع الإسلامي ككلّ ، فكان ممّا استفدناه أنّ مسألة الإمامة والقيادة أحد معطيات هذه الآية الكريمة .
ولكن هل يفترض في عائلة كاملة طهّرت ومُلئت علماً وفضيلةً في سبيل خدمة الدين وحفظ الإسلام ، أن يكون جميع أفراد هذه الاُسرة زعماء وقادة ، أم أنّ الفرض الصحيح في هكذا حالة أن تكون الاُسرة ككلّ مشتركة في حفظ الدين ومصير الإسلام ، مع انفراد كلّ عضو بواجب مستقلّ يتناسب ويُلائم وضعه وحاله؟
إذن علينا أن نتبيّن الدور والمسؤولية الملقاة على عاتق كلّ من هؤلاء الخمسة(عليهم السلام)  .
إذا كان البارئ تعالى يريد لكلّ فرد من هذه الاُسرة العظيمة المكوّنة من زوجين وابنين ـ أمّا النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقد كان يقضي الأيّام الأخيرة لعهده وزعامته ، إذ نزلت آية التطهير في أواخر حياته الشريفة(صلى الله عليه وآله) ـ دوراً معيّناً وألقى على عاتقهم مسؤولية خاصّة لحفظ الدين ، ووهبهم تلك الصفات والخصائص في سبيل تنفيذها وتمكينهم من حسن أدائها ، فإنّ دور الأب والابنين تحدّد واتّضح: القيادة والإمامة ، كلّ في عصره وزمانه ، وقد ذكروا هذا الأمر وأشاروا إليه بأنفسهم في أحاديثهم استدلالاً بالآية الشريفة ، وبقيت مهمّة هذه المرأة العظيمة والدور الملقى على عاتقها .
إنّ دور الزهراء(عليها السلام) قد أفرزته وصنّفته الآية الكريمة أيضاً ، فتوزيع

(الصفحة157)

الأدوار وتقسيم المسؤوليات الذي يجعل من الزوج والأبناء أئمّة وقادة للدين يفرض على الزوجة والاُمّ دوراً متناسباً مع هذا الوضع ، فالأسرة التي يجب أن يكون ربّها زعيماً والأولاد كذلك كلّ في عهده ، يجب أن تتّحدّد مسؤولية سيّدة تلك الاُسرة وربّة ذلك البيت ـ التي تتمتّع بنفس الفضائل والكمالات ـ بإعداد أبنائها للدور المنتظر ، والوقوف خلف الزوج والتعاون معه وتوفير الأجواء الروحية والنفسية التي يتطلّبها النهوض بذلك الدور .
فاطمة هي اُمّ أئمّة الهدى الذين هم الآيات الربانية العظمى التي تتحلّى بأعلى الكمالات البشرية وتتمتّع بقمّة المعنويات الإلهية ، والمفترض أن يحافظوا على هذه المراتب إلى الأبد ، فلابدّ من درع واقية تحافظ عليهم وتشكّل الحماية الطبيعية لهم ، فكانت اُمّهم الزهراء صلوات الله عليها .
فاطمة(عليها السلام) هي زوج عليّ(عليه السلام) ، زعيم الإسلام وإمام المسلمين الأوّل ، ولابدّ من سنخيّة وتقارب في الرتبة المعنوية والروحية بين الزوجين; لتكون الاسرة ناجحة وتتمكّن من العيش السليم وأداء الدور الربّاني والمسؤولية الرسالية على أكمل وجه ، من هنا كانت الطهارة والعصمة وما خلع الله على الزهراء(عليها السلام) من كمال ، ضرورة طبيعية لنصرة الدين وتحقيق أهداف الخلافة الإلهية الممتدّة في ذراريها(1) .


(1) من الواضح أن الكاتب ليس في معرض بيان مقامات أهل البيت(عليهم السلام) والبحث في مراتبهم ، وأنّه يتناول الأمر على طريقة الاُصوليين في القول بحجّية أقوال المعصومين(عليهم السلام) ، وقد دخله مدخل الكلاميين في ضرورة العصمة للحجّة ، وعموماً ،

(الصفحة158)


فهو يسعى لطرح يوفر معالجة عقلية للقضية ، أمّا ما يتعلّق بمقامات هذه الأنوار وحقيقة مراتبهم فتجدها في روايات «أهل البيت»(عليهم السلام) التي تخلو من إشارة للتعليل المذكور هنا ، أو تعليق حصول الزهراء(عليها السلام) ، وهكذا بقيّة الأئمّة(عليهم السلام)على المقامات المعنوية لرسالة سينهضون بها ، أو دور سيُناط بهم ، بل هي من متعلّقات ذواتهم وضرورات وجودهم .
وللتبرّك بكلامهم وللمزيد من النورانية في معرفتهم نذكر بعض الأحاديث الشريفة ، من ذلك ما روي مرفوعاً إلى سلمان الفارسي ، قال: كنت جالساً عند النبيّ(صلى الله عليه وآله)في المسجد ، إذ دخل العبّاس بن عبد المطّلب فسلّم فردّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)السلام ورحّب به ، فقال: يارسول الله بِمَ فضّل الله علينا عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)والمعادن واحدة؟
فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله): إذن اُخبرك ياعمّ: إنّ الله خلقني وخلق عليّاً ولا سماء ولا أرض ، ولا جنّة ولا نار ، ولا لوح ولا قلم ، فلمّا أراد الله عزّوجلّ بدو خلقنا تكلّم بكلمة فكانت نوراً ، ثمّ تكلّم بكلمة ثانية فكانت روحاً ، فمزج فيما بينهما واعتدلا فخلقني وعليّاً منهما ، ثم فتق من نوري نورَ العرش ، فأنا أجلّ من العرش ، ثم فتق من نور علي(عليه السلام) نورَ السماوات ، فعليّ أجلّ من السماوات ، ثم فتق من نور الحسن(عليه السلام) نورَ الشمس ومن نور الحسين(عليه السلام)نورَ القمر ، فهما أجلّ من الشمس والقمر ، وكانت الملائكة تسبِّح الله تعالى وتقدّسه وتقول في تسبيحها: سبّوحٌ قدّوس من أنوار ما أكرمها على الله تعالى .
فلمّا أراد الله أن يبلو الملائكة أرسل عليهم سحاباً من ظلمة ، وكانت الملائكة لا تنظر أوّلها من آخرها ولا آخرها من أوّلها ، فقالت الملائكة: إلهنا وسيّدنا منذ خلقتنا ما رأينا مثل ما نحن فيه ، فنسألك بحقّ هذه الأنوار إلاّ ما كشفت عنّا .
فقال الله عزّوجلّ: وعزّتي وجلالي لأفعلنّ ، فخلق نور فاطمة(عليها السلام) يومئذ كالقنديل ، وعلّقه في قرط العرش ، فزهرت السماوات السبع والأرضون السبع ، من أجل ذلك سُمّيت فاطمة الزهراء . وكانت الملائكة تسبِّح الله وتقدّسه ، فقال الله عزّوجلّ: وعزّتي وجلالي لأجعلنّ ثواب تسبيحكم وتقديسكم إلى يوم القيامة لمحبّي هذه المرأة وأبيها وبعلها وبنيها .


(الصفحة159)


قال سلمان: فخرج العبّاس فلقيه عليّ(عليه السلام) ، فضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه ، وقال: بأبي عترة المصطفى من أهل بيت ما أكرمكم على الله تعالى . (إرشاد القلوب للديلمي 2: 403 ، البحار للمجلسي 43: 17 ح16) .
وعن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: لمّا خلق الله تعالى آدم أبو البشر ونفخ فيه من روحه التفت آدم إلى يمنة العرش ، فإذا في النور خمسة أشباح سجّداً وركّعاً ، قال آدم: ياربّ هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال: لا يا آدم ، قال: فمَنْ هؤلاء الخمسة الأشباح الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟ قال: هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك ، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي ، لولاهم ما خلقت الجنّة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ، ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجنّ ، فأنا المحمود وهذا محمّد ، وأنا العالي وهذا عليّ ، وأنا الفاطر وهذه فاطمة ، وأنا الإحسان وهذا الحسن ، وأنا المحسن وهذا الحسين ، آليت بعزّتي أنّه لا يأتيني أحد بمثقال ذرّة من خردل من بغض أحدهم إلاّ أدخلته ناري ولا اُبالي . يا آدم ، هؤلاء صفوتي من خلقي ، بهم اُنجيهم وبهم أهلكهم ، فإذا كان لك إليّ حاجة فبهؤلاء توسّل .
فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله): نحن سفينة النجاة ، من تعلّق بها نجا ومن حادَ عنها هلك ، فمن كان له إلى الله حاجة فليسأل بنا أهل البيت . (فرائد السمطين 1: 36 ، فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى; الرحماني الهمداني: 39) .
وهذا قول للإمام الخميني قدّس الله نفسه الزكية ، أورده بمناسبة ميلاد الزهراء(عليها السلام)يذكر فيه: «لم تكن الزهراء امرأة عادية ، بل كانت امرأة روحانية ، امرأة ملكوتية ، إنساناً بكلّ ما للإنسان من معنى ، إنّها موجود ملكوتي ظهر في عالمنا على صورة إنسان ، بل موجود إلهي جبروتي ظهر بصورة امرأة ، لقد تجسّدت كلّ الهويات الكمالية التي يمكن تصوّرها في الإنسان في هذه المرأة .
غداً تحلّ ذكرى ميلاد امرأة تحوي جميع خصائص الأنبياء وخصوصيّاتهم ، امرأة لو كانت رجلاً لكانت نبيّاً ، ولكانت في مقام رسول الله(صلى الله عليه وآله)!
إنّها تحمل وتجمع جميع المعنويات والتجلّيات الملكوتية والإلهية


(الصفحة160)

إنّ الإرادة الربّانية في طهارة الأئمّة(عليهم السلام) لابدّ لها من أسباب ، وإحدى أهمّ أسباب تفوّق الإنسان هو طيب مولده وطهارة الحجر الذي ينشأ فيه . أراد الله لهم(عليهم السلام) الطهارة ، ولكنّه أراد أيضاً أن يكون منطلقهم في هذا الطريق هو حجر الاُمّ الطاهرة ، فطهّرها وعصمها .
من هذا البيان ندرك مكانة الاُمّ ، ونرى كيف أنّ وجود الاُمّ مؤثّر حتّى في أولئك الذين يريد الله لهم الطهارة والعصمة ، فكان حتماً أن ينشأوا في الأرحام الطاهرة والحجور المطهّرة ، وأن يحظوا برعاية واُمومة قمّة في الشرف والعفّة والعلم والمعرفة ، وأن يطووا مراحل الرقي

والجبروتية والملكية والناسوتية ، إنّ هذه النشئة والخلقة الصورية الطبيعية هي أدنى مراتب الإنسان ، الرجل والمرأة ، ولكن الحركة نحو الكمال تبدأ من هذه المرتبة النازلة ، فالإنسان موجود متحرّك من مرتبة الطبيعة إلى مرتبة الغيب ، ومنها إلى الفناء في الألوهية ، هذه المعاني كانت متحقّقة في الصدِّيقة الطاهرة ، انطلقت من مرتبة الطبيعة وبلغت مرتبة قصر وعجز عنها الجميع» (صحيفة النور 6 : 185) .
ومن ذلك ما ذكره العلاّمة المقرّم في عصمة الزهراء(عليها السلام) : «ولو أعرضنا عن البرهنة العلمية فإنّا لا ننسى مهما ننسى شيئاً ، أنّها صلوات الله عليها مشتقّة من نور النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، المنتجب من الشعاع الإلهي ، فهي شظيّة من الحقيقة المحمّديّة ، المصوغة من عنصر القداسة ، فمن المستحيل ـ والحالة هذه ـ أن يتطرّق الإثم إلى أفعالها ، أو أن توصم بشيء من شية العار ، فلا يهولنّك ما يقرع سمعك من الطنين أخذاً من الميول والأهواء المردية ، بأنّ العصمة الثابتة لمن شاركها في الكساء لأجل تحمّلهم الحجّية من رسالة أو إمامة ، وقد تخلّت الحوراء عنهما ، فلا تجب عصمتها ، فإنّا لم نقل بتحقّق العصمة فيهم(عليهم السلام) لأجل تبليغ الأحكام ، وإنّما تمسّكنا لعصمتهم بعد نصّ الكتاب العزيز باقتضاء الطبيعة المتكوّنة من النور الإلهي المستحيل فيمن اشتق منه مقارفة إثم ، أو تلوّث بما لا يلائم ذلك النور الأرفع حتّى في مثل ترك الأولى» (وفاة الصدّيقة الزهراء(عليها السلام): 54) .

(الصفحة161)

ويتمكّنوا من الانتصار في السير على الصراط المستقيم ببركة تلك الاُمّ الفاضلة .
وهكذا نستنتج أنّ العناية الربانية التي شملت الزهراء(عليها السلام) في آية التطهير كانت أكثر من تلك التي هبطت على بقية المجتمعين تحت الكساء! ولعلّ في الروايات ما يرمز إلى هذا المعنى ، إذ إنّ أكثر الأخبار تشير إلى أنّ فاطمة(عليها السلام) كانت أوّل الحضور تحت الكساء ، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)طلب منها استدعاء زوجها وابنيها(عليهم السلام)  .
نعم ، إنّ آية التطهير سجّلت الإفاضة الربانية على أهل الكساء ، وهذا ممّا ترتّب عليه واجبات ومسؤوليات تجاه الله والدين والناس ، ونعلم أنّ هذه الواجبات الملقاة على عاتق «أهل البيت»(عليهم السلام) تختلف وتتفاوت من فرد إلى آخر ، ممّا يعني تنوّع الأدوار وإن اتّحدت المسؤولية والتقى الهدف ، إذن دور فاطمة(عليها السلام) الذي تؤدّي من خلاله رسالتها في حفظ الدين والدفاع عن حياضه هو أن تكون زوجة صالحة لزوجها العظيم ، وأن تؤمِّن له الأجواء المعنوية وتقف خلفه ليتمكّن من أداء دوره على أحسن وجه . وأن تكون اُمّاً حنوناً ، تفيض عطفاً على أولادها ، وليكونوا وهم في حجرها ، في المكان المناسب والصحيح لتلقوا الفيض الإلهي من التربية الصالحة التي تمكِّنهم من بلوغ الغاية في الفضيلة والقمّة في الأخلاق ويحقّقوا ما يريده الله لهم .
«والسلام على اُمّ الأئمّة النقباء النجباء فاطمة الزهراء وعلى أبيها وبعلها وبنيها» .
<<التالي الفهرس السابق>>