في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>


الصفحة 81

في قبال المدّعي لا يكون بنافذ على ما هو المفروض من الاحتمال ، فلو أنكر بعد ذلك وقال : هذه الدّار لي ، لا يكون من الإنكار بعد الإقرار حتّى لا يسمع ، بل تكون يده أمارة الملكيّة ، ويجوز له التصرّف فيه بما شاء .

وأمّا على الفرض الأوّل فيكون هذا الإنكار إنكاراً بعد إقرار ، ولا مجال لسماعه كما مرّ ، وعليه : تكون يده ساقطة عن الاعتبار ، إلاّ إذا ادّعت الملكية الجديدة وكان حصولها ممكناً ، فحينئذ يمكن أن يقال باعتبار يده بناءً على تقدّم أمارية اليد الفعلية على استصحاب حال اليد السابقة التي هي يد أمانية بمقتضى إقراره النافذ على ما هو المفروض .

وأمّا بناءً على تقدّم الاستصحاب المزبور ، فلا يترتّب على يده الفعلية شيء ، ولا تكون أمارة بوجه ، ويجري مثله فيما إذا كان مستأجراً لدار ، والمستأجر يده يد أمانة ، ثمّ ادّعى انتقالها إليه بناقل شرعي ، فهل يجري حينئذ استصحاب يده الأمانية ، أو تكون يده أمارة الملكية؟ فيه وجهان ، ولا يبعد دعوى تقدّم الاستصحاب في مثل هذه الموارد ، والتحقيق في محلّه .

الأمر الخامس : لو قلنا باختصاص نفوذ الإقرار بما إذا كان في قبال من يدّعي ما أقرّ به ، فلا إشكال في لزوم تسليم ما أقرّ به إلى المدّعي وجواز التصرّف له في ذلك ، بلحاظ أنّ مقتضى ادّعائه العلم بكونه له ، ولا معارض له في هذا الإدّعاء ، بل صاحب اليد يقرّ بكونه له ; أي للمدّعي .

وأمّا لو لم نقل بالاختصاص ، وقلنا بنفوذ الإقرار على النفس مطلقاً ، فهل يجوز لزيد مثلاً ـ الذي أقرّ صاحب اليد بكون ما في يده له ، ولا يكون هو مدّعيا أصلا ، بل يظهر الجهل وعدم العلم ، كما في المثال المتقدّم في الأمر الرابع ـ التصرّف في ذلك الشيء بمقتضى الإقرار وقيام الدليل على نفوذه مطلقاً ولو لم يكن مدّعياً ، أم لا يجوز له ذلك؟

الصفحة 82

يمكن أن يقال بعدم الجواز ; لأنّ مقتضى القاعدة نفوذ الإقرار في خصوص ما يرتبط بضرر النفس ويكون عليها ، وأمّا من الجهة الراجعة إلى نفع الغير ، فلم يدلّ دليل على النفوذ ، ففي المثال يكون مقتضى القاعدة نفوذ الإقرار بالإضافة إلى عدم كون ما في يده ملكاً للمقرّ ومتعلّقاً به ، وأمّا كونه ملكاً لزيد ، فلا اقتضاء للقاعدة بالنسبة إليه ، فلا يجوز لزيد ـ الجاهل بكون ما في يد المِقرّ له ـ التصرّف فيه بصرف الإقرار وبمجرّده .

وبعبارة اُخرى : الإقرار بكون ما في يده لزيد لا يكون إقراراً على النفس إلاّ من جهة المدلول الالتزامي ; وهو عدم كونه له ، ودليل نفوذ الإقرار من جهة هذا المدلول لا يشمل النفوذ من جهة المدلول المطابقي أيضاً ، اللّهمّ إلاّ أن يستند لجواز تصرّف زيد في المثال إلى قاعدة «من ملك شيئاً ملك الإقرار به»، ولابدّ من البحث فيها ليظهر صحّة الاستناد وعدمه .

إن قلت : إنّه مع عدم جواز التصرّف لزيد في المثال ، كيف يعامل مع المال الذي انتزع من يد المقرّ بمقتضى إقراره .

قلت : يبقى أمانة في يد الحاكم أو المأذون من قبله حتّى يظهر المالك ، ومع عدمه يعامل معه معاملة مجهول المالك ، كما في سائر الموارد .

الأمر السادس : قد مرّ(1) أنّ معنى الإقرار ـ لغة وعرفاً ـ هو الإخبار بثبوت شيء وجعله ذا قرار وثبات ، والظاهر اعتبار الجزم في هذا الإخبار ولزوم كونه بتّاً ، فلو أخبر بصورة الاحتمال وقال : إنّي أحتمل أن يكون ما في يدي لزيد لم يكن إقراراً أصلا ; لأنّ الاحتمال لا يجتمع مع الثبات والقرار المأخوذ في مفهوم الإقرار ومعناه ، بل وكذا لو أقرّ بثبوت شيء من العين أو الدين أو الحقّ أو أمر مستتبع


(1) في ص 69 ـ 70 .

الصفحة 83

لشيء من ذلك معلّقاً على أمر ; فإنّ الإقرار لا يجتمع مع التعليق ; فإنّ مرجع الإقرار إلى جعله ذا ثبات ، ومرجع التعليق إلى التزلزل والابتناء على المعلّق عليه ، وهذان لا يجتمعان ، من دون فرق بين ما إذا كان المعلّق عليه محتمل الوقوع والتحقّق ، كقدوم زيد من السفر ، وبين أن يكون محقّق الوجود فيما سيأتي ، كطلوع الشمس غداً وإن كان التنافي في الصورة الاُولى أظهر منه في الصورة الثانية .

ثمّ إنّ في مسألة الإقرار فروعاً كثيرة وقع الاختلاف في بعضها من جهة شمول القاعدة وعدمه ، كما أنْ فيها مسائل اُخرى غير مرتبطة بالقاعدة ،بل بالألفاظ المستعملة في مقام الإقرار ، أو بجهات اُخرى كلّها مذكورة في كتاب الإقرار ، الذي هو من الكتب الفقهية المشتملة على أبحاث كثيرة ، ولا مجال للبحث عنها في هذا المقام الذي يكون محطّ البحث فيه نفس القاعدة المستفادة من السنّة فقط ، ومن أحبّ تفصيل مسائل الإقرار ، فليراجع كتابه في الفقه .

هذا تمام الكلام في قاعدة إقرار العقلاء.

الصفحة 87

قاعدة ضمان اليد

وهي أيضاً من القواعد الفقهيّة المشهورة المستفادة من قوله (صلى الله عليه وآله)  : على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي(1) ، وقبل الخوض في مباحثها لابدّ من التنبيه على أمر ; وهو الفرق بين هذه القاعدة ، وبين قاعدة اليد التي يراد بها أمارية اليد على الملكية وشبهها ، فنقول :

أمّا الفرق من جهة الحكم فواضح ; ضرورة أنّ المبحوث عنه هنا هو الضمان الذي هو حكم وضعيّ ثابت ـ على تقديره ـ بضرر صاحب اليد وعقوبة له ، فهو حكم ضرريّ عليه ، والمبحوث عنه هناك هي الأمارية التي نتيجتها ثبوت الملكيّة لصاحب اليد ، كالبيّنة التي تثبت الملكية ، أو السوق التي هي أمارة عليها ، وقد تكون نتيجتها شيئاً آخر بنفع ذي اليد ، كما إذا كانت امرأة تحت يده واستيلائه ; فإنّه يحكم بكونها زوجة له ، وكما إذا كانت العين الموقوفة تحت يده ; فإنّه يحكم بكونه متولّياً عليها مثلا ، فاختلاف القاعدتين من جهة الحكم واضح .


(1) تقدّم في ص 28 .

الصفحة 88

وأمّا من جهة الموضوع ، فالموضوع هنا هي اليد التي تكون معلومة من جهة كونها يد غير المالك وغير المأذون من قبله أو من قبل الشارع ، فيعلم بكونها يد الغاصب مثلا ، وأمّا الموضوع هناك فهي اليد المشكوكة التي لا يعلم كونها يد المالك ، أو يد غيره وغير المأذون من قبله أو من قبل الشارع ، كما سيأتي(1) البحث فيه إن شاء الله تعالى ، فالاختلاف بين القاعدتين من جهة الموضوع أيضاً ثابت .

إذا عرفت ذلك ، فالكلام في القاعدة يقع من جهات :

الجهة الاُولى : في مدرك القاعدة :

فنقول : مدركها هو الحديث النبويّ المعروف الذي رواه الفريقان واشتهر بين علماء الإسلام نقلا واستناداً ، بحيث صار الاشتهار موجباً للوثوق بصدوره إن لم يبلغ مرتبة القطع بالصّدور ، وبالجملة : بلغ مرتبة لا مجال معها للمناقشة فيه من حيث السند أو الحكم بضعفه ، وهو قوله (صلى الله عليه وآله)  : على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي ، أو تؤدّيه ، رواه ابن ماجة والترمذي وأبو داود السجستاني عن قتادة ، عن الحسن البصري ، عن سمرة بن جندب ، عنه (صلى الله عليه وآله) (2) .

هذا ، وقد استشكل سيّدنا العلاّمة الاُستاذ الخميني ـ دام ظلّه العالي ـ في كتابه في البيع في انجبار سند الرّواية بعمل قدماء الأصحاب ، قال ما ملخّصه : الظاهر من السيّد علم الهدى وشيخ الطائفة والسيّد ابن زهرة هو إيراده رواية واحتجاجاً على العامّة ، لا استناداً إليه للحكم .

قال السيّد في الانتصار في مسألة ضمان الصنّاع : وممّا يمكن أن يعارضوا به ـ لأنّه موجود في رواياتهم وكتبهم ـ ما يروونه عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قوله : على اليد ما


(1) في ص 111 ـ 113 .
(2) تقدم في ص 28 .

الصفحة 89

جنت حتى تؤدّيه(1) .

وذكر الشيخ (قدس سره) في غصب الخلاف بعد عنوانها وذكر خلاف أبي حنيفة : دليلنا أنّه ثبت أنّ هذا الشيء قبل التغيير كان ملكه ، فمن ادّعى أنّه زال ملكه بعد التغيير فعليه الدلالة ، وروى قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال : «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه»(2)  ، ولو كان استناده إلى قوله (صلى الله عليه وآله) لما كان وقع للاستدلال بعدم الدليل على زوال ملكه ، فإيراد الرواية لمحض الاحتجاج على أبي حنيفة (3) .

وأورد في اوّل غصب المبسوط عدّة روايات من طرقهم ، منها هذه الرواية(4) . والظاهر من نقل خصوص رواياتهم هو الاحتجاج عليهم لا الاستناد إليها .

وفي غصب الغنية : «ويحتج على المخالف بقوله (صلى الله عليه وآله)  : على اليد ما قبضت حتّى تؤدّي(5) ، وهو ظاهر في عدم الاعتماد عليه ، ولم يقع الاستدلال به في نكت النهاية للمحقّق ، بل الظاهر عدم وجوده في المقنع والهداية والمراسم والوسيلة وجواهر الفقه ، وقد استشكل الأردبيلي في سنده(6) .

نعم ، إنّ ابن إدريس تمسّك به في السرائر في موارد(7) ، ونسبه جزماً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)  ، مع عدم عمله بالخبر الواحد ، ثمّ شاع الاستدلال به بين المتأخّرين عن زمن العلاّمة(8) ، وكأنّه اختلفت حالاته من عصر قدماء أصحابنا إلى عصرنا ; ففي


(1) كذا في الانتصار ضمن الجوامع الفقهية : 192 ، ولكن لم نجد بهذا اللفظ في كتب الحديث على ما تتبّعنا ، وفي الطبعة الحديثة : 468 «على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه» .
(2) الخلاف : 3 / 407 ـ 408 مسألة 20 .
(3) الفتاوى الهنديّة : 5 / 121 .
(4) المبسوط : 3 / 59 .
(5) غنية النزوع : 280 .
(6) مجمع الفائدة والبرهان : 8 / 192 و ج 10 / 499 .
(7) السرائر : 2 / 87 ، 425 ، 437 ، 463 و 484 .
(8) تذكرة الفقهاء : 2 / 383 ، طبع الحجري ، الدروس الشرعية : 3 / 109 ، جامع المقاصد : 6 / 215 ، الروضة البهيّة : 7 / 25 ، مسالك الأفهام : 12 / 174 ـ 175 .

الصفحة 90

عصر السيّد والشيخ كان خبراً مرويّاً عنهم على سبيل الاحتجاج عليهم ، ثمّ صار مورد التمسّك في العصر المتأخر ، ثمّ صار من المشهورات في عصر آخر ، ومن المشهورات المقبولات في هذه الاعصار ، حتى يقال : لا ينبغي التكلّم في سنده(1) ، فالبناء على الاعتماد عليه مشكل .

ثمّ قال ـ دام ظلّه ـ ما ملخّصه أيضاً : وترك العمل به ـ مع جزم ابن إدريس بصدوره عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع طريقته في العمل بالأخبار ، وإن أمكن أن يكون ذلك باجتهاد منه ، وقيام قرائن عنده ربّما لا تفيدنا علماً ولا عملا ، واختلاف عبارات الحديث بحيث ربما يكشف عن تكرّره وتظافره ، واعتماد محقّقي أصحابنا من بعد ابن إدريس إلى عصرنا ، مع تورّعهم والتفاتهم إلى ضعفه ، ولابدّ من الجبر في مثله ، وهو لا يمكن إلاّ باعتماد قدماء الأصحاب عليه ، ولعلّه شهادة منهم على اتّكال الأصحاب عليه ـ مشكل آخر .

ولعلّ من مجموع ذلك ، ومن اشتهاره بين العامّة قديماً ، ومن إتقان متنه وفصاحته ربّما يحصل الوثوق بصدوره ، ولعلّ بناء العقلاء على مثله مع تلك الشواهد لا يقصر عن العمل بخبر الثقة .

ثمّ قال ـ دام ظلّه ـ بعد ذلك ما خلاصته أيضاً : في النفس تردّد ; لأنّ ابن إدريس مع ما عرفت منه ، تمسّك في كتاب الغصب من السرائر في المسألة بالأصل وعدم الدليل ، ثمّ قال : ويحتجّ على المخالف بقوله (صلى الله عليه وآله)  : «على اليد . . .»(2) وهذا يوجب حصول الاحتمال بأنّ سائر الموارد من قبيل الاحتجاج عليهم لا التمسّك به ، ولم أرَ إلى الآن فيما عندي من كتب العلاّمة تمسّكه به لإثبات حكم ، وإنّما نقل عن


(1) اُنظر عوائد الأيّام : 315 ، وغاية الآمال في حاشية المكاسب : 5 / 54 ، والقواعد الفقهية للمحقّق البجنوردي : 2 / 107 و ج 4 / 54 ـ 55 .
(2) السرائر : 2 / 481 .

الصفحة 91

ابن جنيد وابن إدريس التمسّك به(1) ، وحدوث الاشتهار بعده لا يفيد شيئاً(2) .

ويمكن الإيراد عليه بظهور عبارة السيّد في الانتصار في أنّه في مقام الاحتجاج عليهم بما هو مقبول عنده وعندهم ، لا بما هو مورد لقبولهم فقط ، حتى يكون من باب الجدل ، وأظهر منها عبارة الشيخ في الخلاف ; حيث إنّه في مقام الاستدلال لما هو المختار عند الإماميّة ، والجمع بين الاستدلال بالرواية والاستدلال بالأصل إنّما هو كالجمع في مقام الاستدلال في كثير من المسائل الخلافيّة بين الفريقين بإجماع الفرقة وأخبارهم ، مع أنّه مع وجود الرواية في المسألة ، واحتمال استناد المجمعين إليها ، لا يبقى للإجماع أصالة ، بل الدليل هي الرواية الموجودة فيها ، ولعلّ الوجه فيه عدم كون مرتبة الأصل في مقابل الأمارة منقحة بالكيفيّة المقرّرة في هذه الأزمنة التي بلغت التحقيقات الأصولية فيها كمالها بحيث ربّما يوصف علم الاُصول فيه بالتورّم ونحوه ، خصوصاً بالإضافة إلى الأمارة الموافقة للأصل ، كما في هذا المقام .

وبالجملة : حمل استدلال الشيخ في الخلاف في المسألة المذكورة على كونها في مقام الاحتجاج عليهم دون الاستناد والاستدلال ، لا مجال لأن يصار إليه بوجه ، وأظهر من الجميع عبارة الغنية ; حيث تسند الرواية إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) وقوله ، من دون أن تسند إلى الرواية وأن تعبر بمثل روى ، أو يروونه كما في كلام السيّد في الانتصار ; فإنّ التعبير عنها بقوله (صلى الله عليه وآله) لا يكاد يجتمع مع عدم ثبوته وعدم حجيّة روايته ، وقد ذكر سيّدنا العلاّمة الاُستاذ ـ دام ظلّه ـ في مباحثه الفقهية مكرّراً أنّ الإرسال إذا كان بنحو الإسناد إلى المعصوم دون الرواية لكان حجّة قابلا للاعتماد ، وعبارة الغنية من هذا القبيل .


(1) مختلف الشيعة : 6 / 32 مسألة 5 و ص 39 ـ 40 مسألة 18 .
(2) كتاب البيع للإمام الخميني (قدس سره)  : 1 / 372 ـ 376 .

الصفحة 92

ولعلّ جميع ما ذكر صار منشأً لجزم ابن إدريس ، مع عدم قوله بحجّية خبر الواحد ولو بلغ في الوثاقة والعدالة المرتبة العليا(1) ; فإنّه من المستبعد غاية الاستبعاد أن يكون عنده قرائن خارجية لم تكن عند السابقين ، مع تقدّم زمانهم وشدّة ارتباطهم بالأحاديث ، واختلاطهم بفقهاء العامّة ومحدّثيهم وقرب عصرهم ، وما ذكرنا ـ مضافاً إلى الشواهد المذكورة في كلامه دام ظلّه ، وإلى الجواب عمّا أوجب التردّد له ، بما ذكرنا عن عبارة الغنية ـ يوجب الوثوق الكامل بصدور الرّواية ، بحيث لا يبقى مجال للمناقشة في اعتبارها وحجيّتها .

وأمّا عدم تعرّض جمع من كتب القدماء والمتوسطين له ، فلعلّه لأجل أنّه لا يكون مفاد الرواية مخالفاً للقاعدة الثابتة عند العقلاء ; لأنّ بناءهم أيضاً على ضمان يد الغاصب والرجوع إليه لأخذ العين أو المثل أو القيمة كما لا يخفى ، ولأجل عدم المخالفة ربما لا يرى احتياج إلى إيرادها والتمسّك بها ، خصوصاً مع وجود الروايات الخاصّة نوعاً في بعض مواردها ، مثل صحيحة أبي ولاّد المعروفة الآتية(2) إن شاء الله تعالى ، فتدبّر ، فالإنصاف أنّ الرواية معتبرة قابلة للاستناد .

وأمّا مفادها ودلالتها التي هي عمدة البحث في الحديث ، فنقول :

لا خفاء في أنّ مفاد الحديث لا يكون هو الإخبار بحيث تكون الجملة خبريّة حاكية ، وإن لم يذكر في شيء من كتب الأحاديث المشتملة على هذه الرواية مورد وشأن نزول لهذا القول ، بخلاف حديث «لا ضرر»(3) حيث كان مورده قصّة سمرة ابن جندب المعروفة في مورد النخلة التي كانت له ، ولكنّه مع ذلك لا مجال لاحتمال الإخبار في المقام ; لأنّه ـ مضافاً إلى أنّ نفس النقل والضبط في كتب الأحاديث


(1) السرائر : 1 / 47 (مقدّمة المؤلف) .
(2) في ص 133 .
(3) وسائل الشيعة : 25 / 428 ـ 429 ، كتاب إحياء الموات ب 12 ح 3 ـ 5 .

الصفحة 93

قرينة على كون مفادها حكماً إلهيّاً وضعيّاً أو تكليفيّاً ، وليس مفادها الإخبار كسائر إخبارات النبيّ (صلى الله عليه وآله) المتعارفة ـ لا وجه للحمل على الإخبار ; لأنّه على هذا التقدير لابدّ وأن يقال بكونه إخباراً عن أمر كلّي ; لظهور أنّ اللاّم في «اليد» لا تكون إشارة إلى العهد الذكري أو الذهني ، بل هو للجنس ، ومفاده الطّبيعة .

وعليه : فيصير المعنى بناءً على الإخبار : أنّ ما وقع في اليد يبقى فيها حتّى تؤدّيه إلى صاحبه ، وهذا المعنى ـ مضافاً إلى كونه توضيحاً للواضح ; لوضوح ثبوت البقاء إلى أن يتحقّق الأداء ـ يكون مخالفاً للواقع في بعض الموارد ; لأنّه ربما لا يكون السبب لزوال البقاء هو الأداء ، بل الإيقاع في البحر أو إحراقه أو أمثال ذلك ، فهذا الاحتمال في غاية السقوط ، إذا عرفت ذلك فنقول :

لا خفاء في أنّ كلمة «على اليد» خبر مقدّم ومبتدأه الموصول في قوله : «ما أخذت» ، ومعناه : أنّ المال المأخوذ يكون على اليد وعلى عهدتها ، وبما أنّه ليس في الحديث فعل أو شبه فعل يكون قابلا لأن يتعلّق به الظرف ، فلابدّ من تقديره ، والمقدّر إن كان من أفعال العموم ; أي الأفعال التي تنطبق على كلّ فعل وحدث صدر عن الفاعل ، كاستقرّ أو ثبت أو حصل ، فالظرف ظرف مستقرّ ، وإن كان من أفعال الخصوص ، أي الأفعال الخاصّة التي لا ينطبق بعضها على بعض ، للتقابل أو التخالف المتحقّق بينهما ، فالظرف ظرف لغو .

إذا عرفت ذلك ، يقع الكلام في أنّ الظرف في الحديث الشريف ـ بعد خلوّه عن الفعل وشبهه ـ هل يكون ظرفاً مستقرّاً متعلّقاً بمقدّر هو من أفعال العموم ، أو ظرفاً لغواً متعلّقاً بمقدّر هو من أفعال الخصوص؟ لا خفاء في أ نّ تقدير فعل من أفعال الخصوص مع فرض خصوصيته وعدم انطباقه على غيره لأجل التقابل أو التخالف ، لا يكاد يصار إليه إلاّ مع ضرورة مقتضية لتقديره ، ومع فرض عدم الضرورة واستقامة الكلام بدونه لا مجال لتقديره ، وهذا بخلاف تقدير فعل من

الصفحة 94

أفعال العموم ; فإنّ تقديره مع فرض انطباقه على جميع الأفعال والأحداث ولزوم تعلّق الظرف به ، لا يحتاج إلى مؤونة زائدة ، فعند دوران الأمر بين التقديرين يكون الترجيح للتقدير الثاني ، أي : تقدير فعل من أفعال العموم لما عرفت .

وحينئذ نقول في المقام : إنّ جعل الظرف متعلّقاً بمثل «استقرّ» مع كون المبتدأ نفس المال الذي أخذته اليد في كمال الاستقامة والملاءَمة ; لأنّ معناه أنّ المال المأخوذ ثابت ومستقرّ على اليد حتى تتحقّق الغاية ، وهي أداء المال المأخوذ وردّه إلى صاحبه .

وبالجملة : لا يرى فرق بين المقام ، وبين ما إذا قيل : زيد على السّطح ، فكما أنّه لا مجال لدعوى الإجمال فيه بلحاظ احتمال كون المتعلّق هو «كائن» أو «مستقرّ» أو أشباههما من أفعال العموم ، واحتمال كون المتعلّق هو «قائم» أو «ضارب» أو أشباههما من أفعال الخصوص ; لتحقّق ملاك الحمل في القضية الحملية ، وهو الاتّحاد والهوهوية في كلا الأمرين ; لاتحاد زيد مع الكائن على السطح ، كاتّحاده مع القائم عليه أو الضارب عليه .

والوجه في بطلان دعوى الإجمال الرجوع إلى العرف والعقلاء في محاوراتهم ; فإنّهم لا يرون للقول المزبور إجمالا أصلا ، ولا يعاملون معه معاملة المجمل ; نظراً إلى الاحتمالين ، كذلك لا مجال لدعوى الإجمال في المقام ; لعدم الفرق بينه وبين القول المزبور إلاّ فيما لا يكون فارقاً بوجه ، كما ستأتي الإشارة إليه .

وكما أنّه لا مجال للتشكيك في كون المتعلّق في القول المزبور هو الفعل الّذي هو من أفعال العموم ; لأنّه المتفاهم عند العرف ، فإنّ تقدير مثل القيام والضرب يحتاج إلى مؤونة زائدة ، وليس كذلك تقدير شيء من أفعال العموم ،كذلك لا ينبغي التشكيك في المقام في أنّ المتعلّق المحذوف أيضاً شيء من أفعال العموم ; لعدم الفرق بين المقامين إلاّ في كون القول المزبور جملة خبرية حاكية ، والمقام بصدد إفادة

الصفحة 95

الحكم وفي مقام الإنشاء ، ومرجعه إلى كون الاستعلاء الذي هو مفاد كلمة «على» في القول المزبور استعلاءً خارجيّاً مشاهداً ، وفي المقام استعلاءً اعتباريّاً مقبولا عند العقلاء أيضاً ; فإنّهم يعبّرون في باب الدين بأنّ لزيد على عمرو كذا وكذا ، ومرجعه إلى أنّ الدّين ثقل على العهدة ومستعل عليه كاستعلاء زيد على السّطح ، على ما في المثال .

نعم ، الفرق بين المقام ، وبين مثال الدين ، إنّما هو في كون الثابت على الذمّة والمستقرّ على العهدة في باب الدّين هو الأمر الكلّي ، وفي المقام يكون الثابت والمستقرّ هو نفس المال المأخوذ الذي هو عين من الأعيان الخارجية لا محالة ، بلحاظ تعلّق الأخذ بها ، وهذا لا يكون موجباً للإفتراق من جهة ما هو المقصود في المقام ، من إثبات حكم وضعيّ بمقتضى حديث «على اليد» ; لما سيأتي(1) من تصوير كون العين الخارجيّة على العهدة وثبوتها على الذّمة ، وكيف كان ، لا ينبغي الإشكال في أنّ الظرف في المقام ظرف مستقرّ ، والمحذوف هو فعل من أفعال العموم .

وأمّا جعل الظرف لغواً متعلّقاً بمقدّر من أفعال الخصوص ، مثل : «يجب» ، فيدفعه ـ مضافاً إلى ما عرفت من أنّ تقدير فعل من أفعال الخصوص خلاف الأصل ، ولا يصار إليه إلاّ مع انحصار الطريق به ، وهذا بخلاف تقدير فعل من أفعال العموم ، ومضافاً إلى أنّه لا معنى لتقدير مثل «يجب» في المقام ; بعد أنّه لا معنى لتعلّق الحكم التكليفي بذات المال المأخوذ ، بل لابدّ من تعلّقه بفعل من أفعال المكلّفين متعلّق بالمال المأخوذ ـ أنّ فاعل «يجب»في المقام هل هو ردّ المال المأخوذ إلى صاحبه ، أو حفظه من الضياع والتلف حتّى يتحقّق الردّ والأداء؟

فعلى الأوّل : يصير معنى الرواية ومفاد الحديث أنّه يجب أداء مال الغير


(1) في ص 100 ـ 109 .

الصفحة 96

المأخوذ منه ، وهذا الوجوب يستمرّ إلى أن يتحقّق الأداء ، وهذا ركيك في الغاية ; لأنّه مثل قوله : تجب الصلاة حتّى يصلّي .

وعلى الثاني : يصير معنى الرواية أنّه يجب حفظ مال الغير المأخوذ منه حتّى يتحقّق الردّ والأداء ، وهذا المعنى ـ الذي استظهره صاحب العوائد(1)ـ وإن كان خالياً عن الركاكة ، إلاّ أنّ الظاهر كونه مخالفاً لما تكون الرواية في مقام بيانه وإفادته ; لأنّ المتفاهم العرفي من الحديث كونه في مقام بيان أمر أشدّ وأصعب من مجرّد وجوب الحفظ ، وبعبارة اُخرى : وجوب حفظ مال الغير ـ بعد كون المفروض أنّ الأخذ منه وقع بالقهر والقوّة وبدون إذنه ورضاه ـ كأنّه لا يحتاج إلى البيان بمثل هذا التعبير ، ضرورة أنّ الأخذ الكذائي لا يستلزم جواز المعاملة معه معاملة مال نفسه ، فالعبارة إنّما هي في مقام بيان أمر كأنّه عقوبة على الآخذ قهراً ، وهو اشتغال الذمّة وكون المال على عهدته ،وضمانه له بنحو الحكم الوضعي ، خصوصاً مع ملاحظة وقوع مثل هذه العبارة في مقام افادة اشتغال الذمة ، فيقال : لزيد على عهدتي كذا وكذا .

وهذه الاستفادة ليست لأجل مجرّد استعمال كلمة «على» التي هي موضوعة للنسبة الاستعلائية بين الشيء وبين مدخول هذه الكلمة ـ ضرورة أنّ استعمالها في الأحكام التكليفيّة في غاية الكثرة ، فيقال : يجب على زيد الصلاة والصيام والحج وأشباهها . وقد ورد في آية الحج قوله تعالى : {وَللهِِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا}(2) فأفادت الآية الإلزام بذكر كلمة «على» خاليةً عن ذكر الوجوب ونحوه ـ بل لأجل كون المبتدأ هو المال المأخوذ ، فملاحظة المبتدأ تقتضي استظهار كون المراد هو الثبوت الوضعي ، وكون المال ثابتاً ومستقراً على العهدة


(1) عوائد الأيّام : 318 .
(2) سورة آل عمران 3 : 97 .

الصفحة 97

حتّى يتحقّق أداؤه ، وهذا أمر اعتباري لا يكون مورداً لإنكار العقلاء أيضاً .

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا أنّ الظرف في الحديث ظرف مستقرّ ، ومرجعه إلى استقرار وثبوت نفس المال المأخوذ على عهدة ذي اليد حتى تؤدّيه ، وهذا مع أنّه لا يحتاج إلى إضمار ما هو خلاف الأصل ـ كما عرفت ـ معنى في غاية اللطافة والاستقامة والملاءَمة ، ولا محيص من حمل الرواية عليه .

ثمّ إنّه من الواضح أنّه ليس المراد من اليد هي الجارحة المخصوصة ; لأنّه ربما لا يكون للغاصب تلك الجارحة المخصوصة ، كما أنّ الشيء المأخوذ ربما لا يكون قابلا لأن يؤخذ باليد كالدار مثلا ، فاللازم أن يقال بأنّ المراد منه هو الاستيلاء والتسلّط على شيء ; سواء كان في عالم الخارج والتكوين ،أو في عالم الاعتبار .

واستعمال اليد بهذا المعنى شائع في المحاورات العرفية ، بل في الكتاب والسنّة ، فيقال : الأمر بيدي أفعل ما أشاء ، كناية عن ثبوت القدرة والاستيلاء على ذلك ، وفي الكتاب حكى الله ـ تعالى ـ عن اليهود قولهم : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}(1) والنكتة في العدول عن تعبير اليهود باليد بنحو المفرد بقوله : {بَلْ يَدَاهُ} بصورة التثنية هي الإشارة إلى أنّه كما أنّ مجموع القدرة في مثل الإنسان متحقّق في مجموع اليدين ; لأنّ اليد الواحدة لها بعض الاقتدار وسهم من القدرة ، كذلك قدرة الله ـ تبارك وتعالى ـ على الإنفاق إنّما هي بنحو الكمال لا في خصوص مرتبة منه ، فالمراد ثبوت الاستيلاء الكامل والقدرة المطلقة له ـ تعالى ـ على الإنفاق ، غاية الأمر أنّ ثبوته وتحقّق الإنفاق توسعة وتضييقاً إنّما يرتبط بمشيئة الله وإرادته حسب المصالح التي يراها .

فانقدح أنّ المراد باليد في الحديث الشريف هو الاستيلاء ، وهل المراد منه


(1) سورة المائدة 5 : 64 .

الصفحة 98

نفس الاستيلاء الذي هو معنى الإسم المصدري ، أو أنّ المراد به هو المستولى المتصف بصفة الاستيلاء؟ الظاهر والمتفاهم عرفاً من تعبير الحديث هو الثاني ; من جهة الحكم بثبوت المال المأخوذ واستقراره عليه ، ومن الواضح أنّ الحكم الشرعي إنّما يكون ثابتاً على المكلّف ، من دون فرق بين الحكم التكليفي وبين الحكم الوضعي . نعم ، بعض الأحكام الوضعية يكون موضوعه الأعيان الخارجية ، كالنجاسة الثابتة للدّم ، والطهارة الثابتة للماء ، ولكنّ المقام لا يشبه ذلك .

ومن جهة إسناد الأخذ إلى نفس ما يكون المال على عهدته ، ومن الواضح أنّ الآخذ هو المستولي ، ولا معنى لأخذ الاستيلاء ، وحتّى لو كان المراد باليد هي الجارحة المخصوصة لكان الآخذ حقيقة هو الإنسان ، واليد آلة للأخذ ووسيلة له ، وإسناد الأخذ اليها لعلّه لا يكون بنحو الحقيقة .

هذا كلّه لو كانت اليد كنايةً عن الاستيلاء والسّلطة ، وكان الاستعمال استعمالا كنائيّاً ، مثل استعمال كثير الرّماد وإرادة الجود والسّخاء والكرامة .

ويمكن أن يكون المراد من اليد في الحديث هو «ذا اليد» ، نظير استعمال العين في الربيئة الذي يكون استعمالا استعاريّاً مرجعه إلى أنّ الربيئة بلحاظ وصفه كأنّه يكون بجميع أعضائه وجوارحه عيناً باصرة ناظرة ، وقد حققنا في الاُصول(1) أنّ المجازات بأجمعها ـ من دون فرق بين الاستعارة وغيرها ـ لا يكون الاستعمال فيها استعمالا للّفظ في غير ما وضع له ، خلافاً لما هو المشهور بين أهل الأدب ; لعدم تحقّق اللّطافة والظّرافة في استبدال لفظ مكان لفظ ، من دون التصرف في دائرة المعنى ، وثبوت نحو ادّعاء في البين ، فالمجازات بأجمعها شبيه ما يقول السكّاكي في باب الاستعارة من أنّ إطلاق لفظ الأسد وإرادة الرجل الشجاع لا يرجع إلى


(1) اُصول فقه الشيعة : 1 / 413 ـ 427 .

الصفحة 99

استبدال لفظ الرجل الشجاع بلفظ الأسد ، فإنّ قيام لفظ مكان آخر ـ مع قطع النظر عن المعنى ـ يكون خالياً عن الحسن ، ففي قول الشاعر :

قامت تظلّلني ومن عجب *** شمس تظلّلني من الشمس(1)

يكون التعجّب من أن تكون الشمس بمعناها مظلّلة من الشمس ، وإلاّ فالشمس التي يراد منها من أراده الشاعر من محبوبه ومعشوقه ، لا عجب في كونها مظلّلة ، فتحقّق التعجّب لا محالة لا يكاد أن يحصل بدون التصرّف في المعنى ، من جعل المشبّه فرداً ادّعائياً لماهية المشبّه به وحقيقته ، أو أمراً شبيه ذلك ، كما حقّقنا في محلّه من ثبوت الفرق بين ما نقول به ، وبين ما ذهب إليه السكّاكي وإن كان الفرق غير مهمّ .

وبالجملة : كما أنّ استعمال العين في الربيئة يكون استعمالا استعاريّاً ، والمراد بها هو الشخص الكذائي ، يمكن أن يكون استعمال اليد في المقام بهذا النحو ، بأن يكون المراد بها هو ذا اليد ، بادّعاء كونه بأجمعه يداً .

وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى تقدير ذي اليد ; لكون المراد منها هو ذا اليد ، بخلاف الاستعمال الكنائي على ما عرفت .

وبالجملة : فمعنى الحديث الشريف : أنّ المال الذي استولى عليه إنسان يكون على عهدة المستولي وثابتاً ومستقرّاً عليه ، وهذا يستمرّ إلى أن يتحقّق أداؤه ولا يرتفع إلاّ به ، وهذه عبارة اُخرى عن ضمان المستولي للمال ; إذ ليس معنى الضمان عرفاً إلاّ استقرار الشيء وثبوته في عهدة الضامن في عالم الاعتبار الشرعي أو العقلائي .

إن قلت : ظاهر الحديث ـ على ما ذكرت ـ أنّ المال الذي يتعلّق به الأخذ هو


(1) مفتاح العلوم : 369 ـ 372 .

الصفحة 100

الثابت على عهدة ذي اليد ، ففي الحقيقة تعلّق بالمال الخارجي على ما هو المفروض أمران : الأوّل : الأخذ ، والثاني : الثبوت في العهدة والاستقرار في الذمّة ، مع أنّ الموجود الخارجي الذي تعلّق الأخذ به لا يمكن أن يكون في الذمّة والعهدة ; لانّ الموجود الخارجي وعاء وجوده عالم الخارج لا عالم الاعتبار ; إذ ليس عالم الاعتبار إلاّ عبارة عن الموجودات الاعتبارية التي لا وجود لها إلاّ في عالم الاعتبار ، فلا يمكن أن يكون الموجود الخارجي موجوداً في عالم الاعتبار ، وإلاّ يلزم انقلاب الخارج اعتباراً ; وذلك كما أنّ الموجود الخارجي لا يمكن أن يكون موجوداً في الذهن ، وإلاّ يلزم انقلاب الخارج ذهناً وهو محال .

قلت : لابدّ أوّلا في مقام الجواب من التعرّض لبيان ماهية الضّمان وحقيقته .

فنقول : الأقوال في تعريف الضمان وبيان معناه ثلاثة :

الأوّل : ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري(1) في قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» من أنّ الضمان عبارة عن كون درك الشيء وخسارته عليه ، فإذا تلف يقع نقصان في ماله الأصلي للزوم تداركه منه .

ويستفاد من كلامه (قدس سره) بلحاظ عنوان الدرك والخسارة ، وبلحاظ تفريع التلف : أنّ الضمان أمر تعليقي مرجعه إلى اشتغال الذمّة بالمثل أو القيمة عند تحقّق التلف ، وعليه ، فلا يتعلّق الضمان بالعين بصورة التنجيز قبل عروض التلف ، وما دامت العين باقية موجودة ، وسيأتي أنّه غير تامّ .

الثاني : ما حكاه الشيخ(2) (قدس سره) وزيّفه ، من أنّ الضمان عبارة عن أن يتلف المال مملوكاً له ، ومرجعه إلى أنّه في مثل الغصب تعتبر ملكية الغاصب قبل التلف قهراً عليه وعلى المالك ، وملكية المالك للمثل أو القيمة ، ثمّ يتحقّق تلف العين المغصوبة في ملك الغاصب .


(1 ، 2) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) : 3 / 183 .
<<التالي الفهرس السابق>>