جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج5 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>


مجمع البيان جلد 5

مجمع البيان ج : 5 ص : 3
( 9 ) سورة التوبة مدنية و آياتها تسع و عشرون و مائة ( 129 )
و هي مدنية كلها و قال بعضهم غير آيتين « لقد جاءكم رسول من أنفسكم » إلى آخر السورة نزلت سنة تسع من الهجرة و فتحت مكة سنة ثمان و حج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) حجة الوداع سنة عشر و قال قتادة و مجاهد و هي آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالمدينة

عدد آيها

هي مائة و تسع و عشرون آية كوفي و ثلاثون في الباقين .

اختلافها

ثلاث آيات « بريء من المشركين » بصري « عذابا أليما » شامي و « عاد و ثمود » حجازي .

أسماؤها عشرة

سورة براءة سميت بذلك لأنها مفتتحة بها و نزلت بإظهار البراءة من الكفار - التوبة - سميت بذلك لكثرة ما فيها من التوبة كقوله « و يتوب الله على من يشاء » « فإن يتوبوا يك خيرا لهم » « ثم تاب عليهم ليتوبوا » - الفاضحة - عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس سورة التوبة فقال تلك الفاضحة ما زال ينزل حتى خشينا أن لا يبقى منهم أحد إلا ذكر و سميت بذلك لأنها فضحت المنافقين بإظهار نفاقهم - المبعثرة - عن ابن عباس أيضا سماها بذلك لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين أي تبحث عنها - المقشقشة - عن ابن عباس سماها بذلك لأنها تبرىء من آمن بها من النفاق و الشرك لما فيها من الدعاء إلى الإخلاص و في الحديث كان يقال لسورتي ( قل يا أيها الكافرون ) و ( قل هو الله أحد ) المقشقشتان سميتا بذلك لأنهما تبرئان من الشرك و النفاق يقال قشقشه إذا برأه و تقشقش المريض من علته إذا أفاق و برأ منها - البحوث - عن أبي أيوب الأنصاري سماها بذلك لأنها تتضمن ذكر المنافقين و البحث عن سرائرهم - المدمدمة - عن سفيان بن عيينة أي المهلكة و منه قوله
مجمع البيان ج : 5 ص : 4
« فدمدم عليهم ربهم » ( الحافرة ) عن الحسن لأنها حفرت عن قلوب المنافقين ما كانوا يسترونه - المثيرة - عن قتادة لأنها أثارت مخازيهم و مقابحهم - سورة العذاب - عن حذيفة بن اليمان لأنها نزلت بعذاب الكفار و روى عاصم عن زر بن حبيش عن حذيفة قال يسمونها سورة التوبة و هي سورة العذاب فهذه عشرة أسماء .

فضلها

أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال من قرأ سورة الأنفال و براءة فأنا شفيع له الخبر بتمامه و قد مضى ذكره مع ما في معناه في أول الأنفال و قد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال الأنفال و البراءة واحد و روي ذلك عن سعيد بن المسيب و روى الثعلبي بإسناده عن عائشة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال ما نزل علي القرآن إلا آية آية و حرفا حرفا خلا سورة البراءة و قل هو الله أحد فإنهما نزلتا علي و معهما سبعون ألف صف من الملائكة كل يقول يا محمد استوص بنسبة الله خيرا
علة ترك التسمية - في أولها قراءة و كتابة
للعلماء و المفسرين فيه أقوال - ( أحدها ) - أنها ضمت إلى الأنفال بالمقاربة فصارتا كسورة واحدة إذ الأولى في ذكر العهود و الثانية في رفع العهود عن أبي بن كعب - ( و ثانيها ) - أنه لم ينزل بسم الله الرحمن الرحيم على رأس سورة براءة لأن بسم الله للأمان و الرحمة و نزلت براءة لرفع الأمان بالسيف عن علي (عليه السلام) و سفيان بن عيينة اختاره أبو العباس المبرد - ( و ثالثها ) - ما روي عن ابن عباس أنه قال قلت لعثمان بن عفان ما حملكم على أن عمدتهم إلى براءة و هي من المئين و إلى الأنفال و هي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال و لم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم فقال كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من يكتب له فيقول له ضع هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا و كانت الأنفال من أول ما نزل من القرآن بالمدينة و كانت براءة من آخر ما نزل من القرآن و كانت قصتها شبيهة بقصتها فظننا أنها منها و قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و لم يبين أنها منها فوضعناهما في السبع الطوال و لم نكتب سطر بسم الله الرحمن الرحيم و كانتا تدعيان القرينتين .


تفسيرها

لما ختم الله سبحانه سورة الأنفال بإيجاب البراءة عن الكفار افتتح هذه السورة بأنه تعالى و رسوله بريئان منهم كما أمر المسلمين بالبراءة منهم فقال .

مجمع البيان ج : 5 ص : 5
سورة التوبة
بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسولِهِ إِلى الَّذِينَ عَهَدتم مِّنَ الْمُشرِكِينَ(1) فَسِيحُوا فى الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشهُر وَ اعْلَمُوا أَنَّكمْ غَيرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَ أَنَّ اللَّهَ مخْزِى الْكَفِرِينَ(2)

اللغة

معنى البراءة انقطاع العصمة يقال برأ يبرأ براءة و تبرء تبرءا و أبرأه إبراء و السيح السير على مهل يقال ساح سيح سيحا و سياحة و سيوحا و سيحانا و الإعجاز إيجاد العجز و العجز ضد القدرة عند من أثبته معنى و الإخزاء الإذلال بما فيه الفضيحة و العار و الخزي النكال الفاضح .

الإعراب

براءة ترتفع على أنها خبر مبتدإ محذوف و تقديره هذه الآيات براءة و يحتمل أن يكون مبتدأ و خبره في الظرف و هو قوله « إلى الذين » و جاز أن يكون المبتدأ نكرة لأنها موصوفة و الأول أجود لأنه يدل على حضور المدرك كما تقول لمن تراه حاضرا حسن و الله أي هذا حسن .

المعنى

« براءة من الله » أي هذه براءة من الله « و رسوله » أي انقطاع للعصمة و رفع للأمان و خروج من العهود « إلى الذين عاهدتم من المشركين » الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و للمسلمين و المعنى تبرؤا ممن كان بينكم و بينهم عهد من المشركين فإن الله و رسوله بريئان منهم قال الزجاج معناه قد برىء الله و رسوله من إعطائهم العهود و الوفاء لهم بهما إذ نكثوا و إذا قيل كيف يجوز أن ينقض النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) العهد فالقول فيه أنه يجوز أن ينقض ذلك على أحد ثلاثة أوجه إما أن يكون العهد مشروطا بأن يبقى إلى أن يرفعه الله تعالى بوحي و إما أن يكون قد ظهر من المشركين خيانة و نقض فأمر الله سبحانه بأن ينبذ إليهم عهدهم و إما أن يكون مؤجلا إلى مدة فتنقضي المدة و ينتقض العهد و قد وردت الرواية بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) شرط عليهم ما ذكرناه و روي أيضا أن المشركين كانوا قد نقضوا العهد أو هموا بذلك فأمره الله سبحانه أن ينقض عهودهم ثم خاطب الله سبحانه المشركين فقال « فسيحوا في الأرض » أي سيروا في الأرض على وجه المهل و تصرفوا في حوائجكم آمنين من السيف « أربعة أشهر » فإذا انقضت هذه المدة و لم تسلموا انقطعت العصمة عن دمائكم و أموالكم « و اعلموا أنكم غير معجزي الله » أي غير فائتين عن الله كما يفوت ما يعجز عنه لأنكم حيث كنتم في سلطان الله و ملكه « و أن الله مخزي الكافرين » أي مذلهم و مهينهم و اختلف في هذه الأشهر الأربعة فقيل كان ابتداؤها يوم النحر إلى العاشر من شهر ربيع الآخر عن مجاهد و محمد بن كعب القرظي و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل إنما ابتداء أجلهم الأشهر الأربعة من أول شوال إلى آخر المحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال عن ابن عباس و الزهري قال الفراء كانت المدة إلى آخر المحرم لأنه كان فيهم
مجمع البيان ج : 5 ص : 6
من كانت مدته خمسين ليلة و هو من لم يكن له عهد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فجعل الله له ذلك و قيل إن من كان له عهد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أكثر من أربعة أشهر حط إلى أربعة أشهر و من كان له عهد أقل منها رفع إليها عن الحسن و ابن إسحاق قيل كان ابتداء الأشهر الأربعة يوم النحر لعشرين من ذي القعدة إلى عشرين من شهر ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة و فيها حجة الوداع و كان سبب ذلك النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية على ما سيأتي بيانه إن شاء تعالى عن الجبائي .

[ القصة ]

أجمع المفسرون و نقلة الأخبار أنه لما نزلت براءة دفعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى أبي بكر ثم أخذها منه و دفعها إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) و اختلفوا في تفصيل ذلك فقيل أنه بعثه و أمره أن يقرأ عشر آيات من أول هذه السورة و أن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده ثم بعث عليا خلفه ليأخذها و يقرأها على الناس فخرج على ناقة رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فأخذها منه و قيل أن أبا بكر رجع فقال هل نزل في شيء فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) لا إلا خيرا و لكن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني و قيل أنه قرأ علي براءة على الناس و كان أبو بكر أميرا على الموسم عن الحسن و قتادة و قيل أنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أخذها من أبي بكر قبل الخروج و دفعها إلى علي (عليه السلام) و قال لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني عن عروة بن الزبير و أبي سعيد الخدري و أبي هريرة و روى أصحابنا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ولاه أيضا الموسم و أنه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أبو بكر و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن سماك بن حرب عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة فلما بلغ ذا الحليفة بعث إليه فرده و قال لا يذهب بهذا إلا رجل من أهل بيتي فبعث عليا (عليه السلام) و روى الشعبي عن محرز بن أبي هريرة عن أبي هريرة قال كنت أنادي مع علي حين أذن المشركين فكان إذا صحل صوته فيما ينادي دعوت مكانه قال فقلت يا أبت أي شيء كنتم تقولون قال كنا نقول لا يحج بعد عامنا هذا مشرك و لا يطوفن بالبيت عريان و لا يدخل البيت إلا مؤمن و من كانت بينه و بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) مدة فإن أجله إلى أربعة أشهر فإذا انقضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين و رسوله و روى عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال خطب علي (عليه السلام) الناس و اخترط
مجمع البيان ج : 5 ص : 7
سيفه فقال لا يطوفن بالبيت عريان و لا يحجن البيت مشرك و من كانت له مدة فهو إلى مدته و من لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر و كان خطب يوم النحر و كانت عشرون من ذي الحجة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأول و عشر من شهر ربيع الآخر و قال يوم النحر يوم الحج الأكبر و ذكر أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن زيد بن نفيع قال سألنا عليا (عليه السلام) بأي شيء بعثت في ذي الحجة قال بعثت بأربعة لا يدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة و لا يطوف بالبيت عريان و لا يجتمع مؤمن و كافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا و من كان بينه و بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عهد فعهده إلى مدته و من لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر و روي أنه (عليه السلام) قام عند جمرة العقبة و قال يا أيها الناس إني رسول الله إليكم بأن لا يدخل البيت كافر و لا يحج البيت مشرك و لا يطوف بالبيت عريان و من كان له عهد عند رسول الله فله عهده إلى أربعة أشهر و من لا عهد له فله مدة بقية الأشهر الحرم و قرأ عليهم سورة براءة و قيل قرأ عليهم ثلاث عشرة آية من أول براءة و روي أنه (عليه السلام) لما نادى فيهم أن الله بريء من المشركين أي من كل مشرك قال المشركون نحن نتبرأ من عهدك و عهد ابن عمك ثم لما كانت السنة المقبلة و هي سنة عشر حج النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) حجة الوداع و قفل إلى المدينة و مكث بقية ذي الحجة الحرام و المحرم و صفر و ليالي من شهر ربيع الأول حتى لحق بالله عز و جل .
وَ أَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسولِهِ إِلى النَّاسِ يَوْمَ الحَْجّ الأَكبرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىءٌ مِّنَ الْمُشرِكِينَ وَ رَسولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيرٌ لَّكمْ وَ إِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَ بَشرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَاب أَلِيم(3) إِلا الَّذِينَ عَهَدتُّم مِّنَ الْمُشرِكِينَ ثمَّ لَمْ يَنقُصوكُمْ شيْئاً وَ لَمْ يُظهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتهِمْ إِنَّ اللَّهَ يحِب الْمُتَّقِينَ(4)

القراءة

قرأ يعقوب برواية روح و زيد و رسوله بالنصب و هي قراءة الحسن و ابن أبي
مجمع البيان ج : 5 ص : 8
إسحاق و عيسى بن عمرو و قرأ سائر القراء « و رسوله » بالرفع و في الشواذ قراءة عكرمة و عطا لم ينقضوكم بالضاد المعجمة

الحجة

من قرأ « و رسوله » بالرفع فإنه على الابتداء و خبره محذوف و يدل عليه ما تقدمه و تقديره و رسوله أيضا بريء منهم و يجوز أن يكون معطوفا على المضمر في بريء و حسن العطف عليه و إن كان غير مؤكد لأن قوله « من المشركين » قام مقام التوكيد و ذكر سيبويه وجها ثالثا و هو أن يكون معطوفا على موضع أن و هذا وهم منه لأن أن المفتوحة مع ما بعدها في تأويل المصدر فقد تغيرت عن حكم المبتدأ و صارت في حكم ليت و لعل و كان في إحداثها معنى يفارق المبتدأ فكما لا يجوز العطف على مواضعهن فكذا لا يجوز العطف على موضع أن و إنما يجوز العطف على موضع إن المكسورة كما قال الشاعر :
فمن يك أمسى بالمدينة رحله
فإني و قيار بها لغريب و لعل سيبويه توهم أنها مكسورة فحمل على موضعها فقد قرأ في الشواذ إن الله بريء بالكسر فلعله تأول على هذه القراءة و من نصب عطفه على اسم الله تعالى و على هذا فيكون خبره محذوفا أيضا و من قرأ لم ينقضوكم فمعناه لم ينقضوا أموركم و عهودكم .

اللغة

الأذان الإعلام يقال أذنته بكذا فأذن أي أعلمته فعلم و قيل إن أصله من النداء الذي يسمع بالأذن و معناه أوقعه في أذنه و تأذن بمعنى آذن كما يقال تيقن و أيقن و المدة و الزمان و الحين نظائر و أصله من مددت الشيء مدا فكأنه زمان طويل الفسحة و المدة عند المتكلمين اسم للمعدود من حركات الفلك و هو محدث .

الإعراب

و أذان عطف على براءة عن الزجاج و قيل إن تقديره عليكم أذان لأن فيه معنى الأمر فيكون مبتدأ و خبره محذوف عن علي بن عيسى و يجوز أن يكون مبتدأ و الخبر قوله « أن الله بريء » على حذف الباء كأنه قال بأن الله و على الوجهين الأولين يكون موضع أن نصبا على أنه مفعول له و قوله « الذين عاهدتم » في موضع نصب على الاستثناء و بشر معطوف على معنى الأذان أي أذن و بشر عن أبي مسلم .

المعنى

ثم بين سبحانه أنه يجب إعلام المشركين ببراءة منهم لئلا ينسبوا المسلمين إلى الغدر قال « و أذان من الله و رسوله إلى الناس » معناه و إعلام و فيه معنى الأمر أي أذنوا
مجمع البيان ج : 5 ص : 9
الناس يعني أهل العهد و قيل المراد بالناس المؤمن و المشرك لأن الكل داخلون في هذا الإعلام و قوله « إلى الناس » أي للناس يقال هذا إعلام لك و إليك « يوم الحج الأكبر » فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنه يوم عرفة عن عمر و سعيد بن المسيب و عطا و طاووس و مجاهد و روي ذلك عن علي (عليه السلام) و رواه المسور بن مخزمة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال عطا الحج الأكبر الذي فيه الوقوف و الحج الأصغر الذي ليس فيه وقوف و هو العمرة ( و ثانيها ) أنه يوم النحر عن علي و ابن عباس و سعيد بن جبير و ابن زيد و النخعي و مجاهد و الشعبي و السدي و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و رواه ابن أبي أوفى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال الحسن و سمي الحج الأكبر لأنه حج فيه المشركون و المسلمون و لم يحج بعدها مشرك ( و ثالثها ) أنه جميع أيام الحج عن مجاهد أيضا و سفيان فمعناه أيام الحج كلها كما يقال يوم الجمل و يوم صفين و يوم بعاث يراد به الحين و الزمان لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياما « أن الله بريء من المشركين » أي من عهد المشركين فحذف المضاف « و رسوله » معناه و رسوله أيضا بريء منه و قيل إن البراءة الأولى لنقض العهد و البراءة الثانية لقطع الموالاة و الإحسان فليس بتكرار « فإن تبتم فهو خير لكم » معناه فإن تبتم في هذه المدة أيها المشركون و رجعتم عن الشرك إلى توحيد الله فهو خير لكم من الإقامة على الشرك لأنكم تنجون به من خزي الدنيا و عذاب الآخرة « و إن توليتم » عن الإيمان و صبرتم على الكفر « فاعلموا أنكم غير معجزي الله » أي لا تعجزونه عن تعذيبكم و لا تفوتون بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه في الدنيا و في هذا إعلام بأن الإمهال ليس بعجز و إنما هو لإظهار الحجة و المصلحة ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال « و بشر الذين كفروا بعذاب أليم » أي أخبرهم مكان البشارة بعذاب موجع و هو عذاب النار في الآخرة « إلا الذين عاهدتم من المشركين » قال الفراء استثنى الله تعالى من براءته و براءة رسوله من المشركين قوما من بني كنانة و بني ضمرة كان قد بقي من أجلهم تسعة أشهر أمر بإتمامها لهم لأنهم لم يظاهروا على المؤمنين و لم ينقضوا عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و قال ابن عباس عنى به كل من كان بينه و بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عهد قبل براءة و ينبغي أن يكون ابن عباس أراد بذلك من كان بينه و بينه عقد هدنة و لم يتعرض له بعداوة و لا ظاهر عليه عدوا لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) صالح أهل هجر و أهل البحرين و إيلة و دومة الجندل
مجمع البيان ج : 5 ص : 10
و له عهود بالصلح و الجزية و لم ينبذ إليهم بنقض عهد و لا حاربهم بعد و كانوا أهل ذمة إلى أن مضى لسبيله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و وفى لهم بذلك من بعده « ثم لم ينقصوكم شيئا » معناه لم ينقصوكم من شروط الهدنة شيئا و قيل معناه لم يضروكم شيئا « و لم يظاهروا عليكم أحدا » أي لم يعاونوا عليكم أيها المؤمنون أحدا من أعدائكم « فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم » أي إلي انقضاء مدتهم التي وقعت المعاهدة بينكم إليها « إن الله يحب المتقين » لنقض العهود .
فَإِذَا انسلَخَ الأَشهُرُ الحُْرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشرِكِينَ حَيْث وَجَدتُّمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كلَّ مَرْصد فَإِن تَابُوا وَ أَقَامُوا الصلَوةَ وَ ءَاتَوُا الزَّكوةَ فَخَلُّوا سبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(5) وَ إِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشرِكِينَ استَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتى يَسمَعَ كلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِك بِأَنهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ(6)

اللغة

الانسلاخ خروج الشيء مما لابسه و أصله من سلخ الشاة و هو نزع الجلد عنها و سلخنا شهر كذا نسلخه سلخا و سلوخا و الحصر المنع من الخروج عن محيط و الحصر و الحبس و الأسر نظائر و المرصد الطريق و مثله المرقب و المربا و رصده يرصده رصدا .

الإعراب

قال أبو الحسن الأخفش قوله « كل مرصد » المعنى على كل مرصد فحذفت على و أنشد :
نغالي اللحم للأضياف نيا
و نرخصه إذا نضج القدور المعنى نغالي باللحم فحذفت الباء قال الزجاج « كل مرصد » ظرف كقولك ذهبت مذهبا و ذهبت طريقا و ذهبت كل طريق قال أبو علي لا يحتاج في هذا إلى تقدير على إذا كان المرصد اسما للمكان كما إنك إذا قلت ذهبت مذهبا و دخلت مدخلا إذا جعلت المذهب و المدخل اسمين للمكان لم يحتج إلى على و لا إلى تقدير حرف جر إلا أن أبا الحسن ذهب
مجمع البيان ج : 5 ص : 11
إلى أن المرصد اسم للطريق و إذا كان اسما للطريق كان مخصوصا و إذا كان مخصوصا وجب أن لا يصل الفعل الذي لا يتعدى إليه إلا بحرف جر نحو قعدت على الطريق إلا أن يجيء في ذلك اتساع نحو ما حكاه سيبويه من قولهم ذهبت الشام و دخلت البيت و قد غلط أبو إسحاق الزجاج في قوله « كل مرصد » ظرف كقولك ذهبت مذهبا و ذهبت طريقا في أن جعل الطريق ظرفا كالمذهب و ليس الطريق بظرف لأنه مكان مخصوص و قد نص سيبويه على اختصاصه أ لا ترى أنه حمل قول ساعدة :
لدن بهز الكف يعسل متنه
فيه كما عسل الطريق الثعلب على أنه قد حذف منه الحرف اتساعا كما حذف من ذهبت الشام و إذا أثبت ذلك فالمرصد مثله أيضا في الاختصاص و أن لا يكون ظرفا إذا كان اسما للطريق و قوله « أحد » فإعرابه أنه مرفوع بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره ، المعنى و أن استجارك أحد قال الزجاج و من زعم أنه يرفع أحدا بالابتداء فقد أخطأ لأن إن الجزاء لا يتخطى ما يرفع بالابتداء و يعمل فيما بعده فلو أظهرت المستقبل لقلت أن أحد يقم أكرمه و لا يجوز أن أحد يقم زيد يقم لا يجوز أن يرفع زيد بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره و يجزم و إنما جاز في أن لأن أن يلزمها الفعل و جواب الجزاء يكون بالفعل و غيره و لا يجوز أن تضمر و تجزم بعد المبتدأ لأنك تقول هاهنا إن تأتني فزيد يقوم فالموضع موضع ابتداء قال أبو علي اعلم أن جواب الشرط و إن كان بغير الفعل فالأصل فيه الفعل و الفاء و إذا واقعان موقع الفعل بدلالة أن قوله و يذرهم على قراءة من قرأ بالجزم فمحمول على الموضع من قوله فلا هادي له و أما قول أبي إسحاق لا يجوز أن تضمر و تجزم بعد المبتدأ و لعمري أنه لا يجوز أن يضمر الفعل فيرفع الاسم الذي يرتفع بالابتداء بالفعل المضمر في نحو قولك إن تأتني فزيد يقوم لأن الجزم لا يقع بعد المبتدأ و لكن لا يمتنع أن يقع الجزم بعد الفاعل في الجزاء كما يقع في الشرط لأن الجزاء موضع فعل كما أن الشرط موضع فعل فالمسألة التي منع أبو إسحاق إجازتها جائزة لا إشكال في جوازها و هي قوله إن يقم أحد زيد يقم و قد نص سيبويه على إجازة ذلك قال الزجاج و إنما يجوز الفصل في باب إن لأن إن أم الجزاء و لا يزول عنه إلى غيره فأما أخواتها فلا يجوز ذلك فيها إلا في الشعر قال :
مجمع البيان ج : 5 ص : 12

فمتى واغل ينبهم يحيوه
و تعطف عليه كأس الساقي .

المعنى

ثم بين سبحانه الحكم في المشركين بعد انقضاء المدة فقال « فإذا انسلخ الأشهر الحرم » قيل هي الأشهر الحرم المعروفة ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب ثلاثة سرد و واحد فرد عن جماعة و قيل هي الأشهر الأربعة التي حرم القتال فيها و جعل الله للمشركين أن يسيحوا في الأرض آمنين على ما ذكرناه من اختلاف المفسرين فيها و على هذا فمنهم من قال معناه فإذا انسلخ الأشهر بانسلاخ المحرم لأن المشركين من كان منهم لهم عهد أمهلوا أربعة أشهر من حين نزلت براءة و نزلت في شوال و من لا عهد لهم فأجلهم من يوم نزول النداء و هو يوم عرفة أو يوم النحر إلى تمام الأشهر الحرم و هي بقية ذي الحجة و المحرم كله فيكون ذلك خمسين يوما فإذا انقضت هذه الخمسون يوما انقضى الأجلان و حل قتالهم سواء كان لهم عهد خاص أو عام و منهم من قال معناه إذا انسلخ الأشهر الأربعة التي هي عشرون من ذي الحجة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأول و عشر من شهر ربيع الآخر إذ حرمنا فيها دماء المشركين و جعلنا لهم أن يسيحوا فيها آمنين « فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم » أي فضعوا السيف فيهم حيث كانوا في الأشهر الحرم و غيرها في الحل أو في الحرم و هذا ناسخ لكل آية وردت في الصلح و الإعراض عنهم « و خذوهم » قيل فيه تقديم و تأخير و تقديره فخذوا المشركين حيث وجدتموهم و اقتلوهم و قيل ليس فيه تقديم و تأخير و تقديره فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أو خذوهم و احصروهم على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين و قوله « و احصروهم » معناه و احبسوهم و استرقوهم أو فادوهم بمال و قيل و امنعوهم دخول مكة و التصرف في بلاد الإسلام « و اقعدوا لهم كل مرصد » أي بكل طريق و بكل مكان تظنون أنهم يمرون فيه و ضيقوا المسالك عليهم لتمكنوا من أخذهم و قوله « لهم » معناه لقتلهم و أسرهم « فإن تابوا » أي رجعوا من الكفر و انقادوا للشرع « و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة » أي قبلوا إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة لأن عصمة الدم لا تقف على إقامة الصلاة و أداء الزكاة فثبت أن المراد به القبول « فخلوا سبيلهم » أي دعوهم يتصرفون في بلاد الإسلام لهم ما للمسلمين و عليهم ما عليهم و قيل معناه فخلوا سبيلهم إلى البيت أي دعوهم يحجوا معكم « إن الله غفور رحيم » و استدلوا بهذه الآية على أن من ترك الصلاة متعمدا يجب قتله لأن الله تعالى أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرط أن يتوبوا و يقيموا
مجمع البيان ج : 5 ص : 13
الصلاة فإذا لم يقيموها وجب قتلهم « و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله » معناه و إن طلب أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم منك الأمان من القتل بعد الأشهر الأربعة ليسمع دعوتك و احتجاجك عليه بالقرآن ف آمنه و بين له ما يريد و أمهله حتى يسمع كلام الله و يتدبره و إنما خص كلام الله لأن معظم الأدلة فيه « ثم أبلغه مأمنه » معناه فإن دخل في الإسلام نال خير الدارين و إن لم يدخل في الإسلام فلا تقتله فتكون قد غدرت به و لكن أوصله إلى ديار قومه التي يأمن فيها على نفسه و ماله « ذلك بأنهم قوم لا يعلمون » أي ذلك الأمان لهم بأنهم قوم لا يعلمون الإيمان و الدلائل ف آمنهم حتى يسمعوا و يتدبروا و يعلموا و في هذا دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورية و في الآية دلالة على أن المتلو و المسموع كلام الله لأن الشرع و العرب جعلا الحكاية كعين المحكي يقال هذا كلام سيبويه و شعر امرىء القيس و من ظن أن الحكاية تفارق المحكي لأجل هذا الظاهر فقد غلط لأن المراد ما ذكرناه .
كيْف يَكُونُ لِلْمُشرِكينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَ عِندَ رَسولِهِ إِلا الَّذِينَ عَهَدتُّمْ عِندَ الْمَسجِدِ الحَْرَامِ فَمَا استَقَمُوا لَكُمْ فَاستَقِيمُوا لهَُمْ إِنَّ اللَّهَ يحِب الْمُتَّقِينَ(7) كيْف وَ إِن يَظهَرُوا عَلَيْكمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَ لا ذِمَّةً يُرْضونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَ تَأْبى قُلُوبُهُمْ وَ أَكثرُهُمْ فَسِقُونَ(8)

القراءة

في الشواذ قراءة عكرمة إيلا بياء بعد الهمزة .

الحجة

يمكن أن يكون أراد « إلا » كقراءة الجماعة إلا أنه أبدل اللام الأولى ياء لثقل الإدغام و لكسر الهمزة كما قالوا دينار و قيراط و الأصل دنار و قراط لقولهم دنانير و قراريط و قد جاء مع التضعيف وحده قال :
يا ليتما أمنا شالت نعامتها
أيما إلى جنة أيما إلى نار .

مجمع البيان ج : 5 ص : 14

اللغة

الظهور العلو بالغلبة و أصله خروج الشيء إلى حيث يصح أن يدرك الرقبة و الانتظار و المراقبة و المراعاة و المحافظة نظائر و الرقيب الحافظ و الإل العهد مأخوذ من الأليل و هو البريق يقال أل يؤول ألا إذا لمع و الآلة الحربة للمعانها و أذن مؤللة مشبهة للحربة في تحديدها قال الشاعر :
وجدناهم كاذبا إلهم
و ذو الإل و العهد لا يكذب و الإل القرابة قال حسان :
لعمرك إن إلك من قريش
كإل السقب من رأل النعام .

المعنى

لما أمر سبحانه بنبذ العهد إلى المشركين بين أن العلة في ذلك ما ظهر منهم من الغدر و أمر بإتمام العهد لمن استقام على الأمر فقال « كيف يكون للمشركين عهد عند الله و عند رسوله » أي كيف يكون لهؤلاء عهد صحيح مع إضمارهم الغدر و النكث و هذا يكون على التعجب أو على الجحد و يدل عليه ما روي أن في قراءة عبد الله كيف يكون عهد عند الله « و لا ذمة » فأدخل الكلام لا لأن معنى الأول جحد أي لا يكون لهم عهد و قيل معناه كيف يأمر الله و رسوله بالكف عن دماء المشركين ثم استثنى سبحانه فقال « إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام » أي فإن لهم عهدا عند الله لأنهم لهم يضمروا الغدر بك و الخيانة لك و اختلف في هؤلاء من هم فقيل هم قريش عن ابن عباس و قيل هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله يوم الحديبية فلم يستقيموا و نقضوا العهد بأن أعانوا بني بكر على خزاعة فضرب لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعد الفتح أربعة أشهر يختارون أمرهم إما أن يسلموا و إما أن يلحقوا بأي بلاد شاءوا فأسلموا قبل الأربعة الأشهر عن قتادة و ابن زيد و قيل هم من قبائل بكر بنو خزيمة و بنو مدلج و بنو ضمرة و بنو الدئل و هم الذين كانوا قد دخلوا عهد قريش يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و بين قريش فلم يكن نقضها إلا قريش و بنو الدئل من بكر فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن له نقض إلى مدته و هذا القول أقرب إلى الصواب لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد و بعد فتح مكة « فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم » معناه فما استقاموا لكم على العهد أي ما داموا باقين معكم على الطريقة المستقيمة فكونوا معهم كذلك « إن الله يحب المتقين » للنكث و الغدر « كيف و إن يظهروا
مجمع البيان ج : 5 ص : 15
عليكم » هاهنا حذف و تقديره كيف يكون لهم عهد و كيف لا تقتلونهم و إنما حذفه لأن ما قبله من قوله كيف يكون للمشركين عهد يدل على ذلك و مثله قول الشاعر يرثي أخا له قد مات :
و خبرتماني أنما الموت بالقرى
فكيف و هاتا هضبة و قليب أي فكيف مات و ليس بقرية و مثله قول الحطيئة :
فكيف و لم أعلمهم حدلوكم
على معظم و لا أديمكم قدوا أي و كيف تلومونني على مدح قوم و تذمونهم فاستغنى عن ذكر ذلك لأنه جرى في القصيدة ما يدل على ما أضمره و معناه كيف يكون لهؤلاء عهد عند الله و عند رسوله و هم بحال إن يظهروا عليكم و يظفروا بكم و يغلبوكم « لا يرقبوا فيكم إلا و لا ذمة » أي لا يحفظوا و لا يراعوا فيكم قرابة و لا عهدا و الإل القرابة عن ابن عباس و الضحاك و العهد عن مجاهد و السدي و الجوار عن الحسن و الحلف عن قتادة و اليمين عن أبي عبيدة و قيل أن الإل اسم الله تعالى عن مجاهد و روي أن أبا بكر قرىء عليه كلام مسيلمة فقال لم يخرج هذا من إل فأين يذهب بكم و من قال إن الإل هو العهد قال جمع بينه و بين الذمة و إن كان بمعناه لاختلاف معنى اللفظين كما قال :
و ألفى قولها كذبا و مينا و قال :
متى أدن منه ينأ عني و يبعد « يرضونكم بأفواههم و تأبى قلوبهم » معناه يتكلمون بكلام الموالين لكم لترضوا عنهم و تأبى قلوبهم إلا العداوة و الغدر و نقض العهد « و أكثرهم فاسقون » أي متمردون في الكفر و الشرك عن ابن الإخشيد و قال الجبائي أراد كلهم فاسقون لكنه وضع الخصوص موضع العموم و قال القاضي معناه أكثرهم خارجون عن طريق الوفاء بالعهد و أراد بذلك رؤساءهم .

مجمع البيان ج : 5 ص : 16
اشترَوْا بِئَايَتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصدُّوا عَن سبِيلِهِ إِنهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ(9) لا يَرْقُبُونَ فى مُؤْمِن إِلاًّ وَ لا ذِمَّةً وَ أُولَئك هُمُ الْمُعْتَدُونَ(10) فَإِن تَابُوا وَ أَقَامُوا الصلَوةَ وَ ءَاتَوُا الزَّكوةَ فَإِخْوَنُكُمْ فى الدِّينِ وَ نُفَصلُ الاَيَتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ(11) وَ إِن نَّكَثُوا أَيْمَنَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طعَنُوا فى دِينِكمْ فَقَتِلُوا أَئمَّةَ الْكفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ(12) أَ لا تُقَتِلُونَ قَوْماً نَّكثُوا أَيْمَنَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْرَاج الرَّسولِ وَ هُم بَدَءُوكمْ أَوَّلَ مَرَّة أَ تخْشوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تخْشوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(13)

القراءة

قرأ أهل الكوفة و الشام « أئمة الكفر » بهمزتين و قرأ الباقون أيمة بهمزة واحدة و ياء بعدها و قرأ ابن عامر لا إيمان بكسر الهمزة و رواه ابن عقدة بإسناده عن عريف بن الوضاح الجعفي عن جعفر بن محمد (عليهماالسلام) و الباقون بفتحها .

الحجة

قال أبو علي أئمة أصله أفعلة واحدها إمام فإذا جمعته على أفعلة ففيه همزة هي فاء الفعل و يزيد عليها همزة أفعلة الزائدة فيجتمع همزتان و اجتماع الهمزتين في كلمة لا يستعمل بحقيقتهما قال الزجاج أصله أئمة و لكن الميمين لما اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية و ألقيت حركتها على الهمزة فصارت أئمة فأبدل النحويون من الهمزة المكسورة الياء قال و من قال هذا أوم من هذا كان أصله أأم فجعلها واوا مفتوحة كما قالوا في جمع آدم أوادم قال أبو علي و من جمع بين الهمزتين في أئمة فحجته أن سيبويه قال زعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين في أناس معه و قد يتكلم ببعضه العرب و هو رديء و وجهه من القياس أن تقول أن الهمزة حرف من حروف الحلق كالعين و غيره و قد جمع بينهما في نحو كعاعة وكع يكع فكما جاز اجتماع العينين جاز اجتماع الهمزتين قال علي بن عيسى إنما جاز اجتماع الهمزتين هنا لئلا يجتمع على الكلمة تغيران الإدغام و القلب مع خفة التحقيق لأجل ما بعده من السكون و على هذا تقول هذا أءم من هذا بهمزتين قال و إنما قلبت الهمزة من أئمة دون حركة ما قبلها لأن الحركة إنما نقلت من الميم إلى الهمزة لبيان زنة الكلمة فلو ذهبت بقلبها على ما قبلها لكنت مناقضا للغرض فيها و أما قوله « لا أيمان لهم » فمن فتح الهمزة قال هو أشبه بالموضع فقد قال نكثوا أيمانهم و من كسرها جعله مصدر آمنته إيمانا
مجمع البيان ج : 5 ص : 17
خلاف خوفته و لا يريد مصدرا من الذي هو صدق فيكون تكرارا لدلالة ما تقدم من قوله فقاتلوا أئمة الكفر على أن أهل الكفر لا أيمان لهم .

اللغة

الأيمان جمع يمين و هو القسم و الطعن الاعتماد بالعيب و أصله الطعن بالرمح و الإمام هو المتقدم للاتباع فالإمام في الخير مهتد هاد و في الشر ضال مضل و الهم مقارنة الفعل بالعزم من غير إيقاع له و قد ذموا بهذا الهم ففيه دليل على العزم و قد يستعمل الهم على مقارنة العزم و البدء فعل الشيء من قبل غيره و هو فعل الشيء أولا و المرة فعل لم يتكرر و هي الفعلة من المر و المرة و الدفعة و الكرة نظائر .

المعنى


ثم بين سبحانه خصال القوم فقال « اشتروا ب آيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله » و معناه أعرضوا عن دين الله و صدوا الناس عنه بشيء يسير نالوه من الدنيا و أصل الاشتراء استبدال ما كان من المتاع بالثمن و نقيضه البيع و هو العقد على تسليم المتاع بالثمن و معنى الفاء هنا أن اشتراءهم هذا أداهم إلى الصد عن الإسلام و هذا ورد في قوم من العرب جمعهم أبو سفيان على طعامه ليستميلهم على عداوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن مجاهد و قيل ورد في اليهود الذين كانوا يأخذون الرشا من العوام على الحكم بالباطل عن الجبائي « إنهم ساء ما كانوا يعملون » أي بئس العمل عملهم « لا يرقبون في مؤمن إلا و لا ذمة » سبق معناه و الفائدة في الإعادة أن الأول في صفة الناقضين للعهد و الثاني في صفة الذين اشتروا ب آيات الله ثمنا قليلا و قيل إنما كرر تأكيدا « و أولئك هم المعتدون » أي المجاوزون الحد في الكفر و الطغيان « فإن تابوا » أي ندموا على ما كان منهم من الشرك و عزموا على ترك العود إليه و قبلوا الإسلام « و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة » أي قبلوهما و أدوهما عند لزومهما « فإخوانكم في الدين » أي فهم إخوانكم في الدين فعاملوهم معاملة إخوانكم من المؤمنين « و نفصل الآيات » أي نبينها و نميزها بخاصة لكل واحدة منها تتميز بها من غيرها حتى يظهر مدلولها على أتم ما يكون من الظهور فيها « لقوم يعلمون » ذلك و يتبينونه دون الجهال الذين لا يتفكرون « و إن نكثوا » أي نقضوا « أيمانهم » أي عهودهم و ما حلفوا عليه « من بعد عهدهم » أي من بعد أن عقدوه « و طعنوا في دينكم » أي عابوه و قدحوا فيه « فقاتلوا أئمة الكفر » أي رؤساء الكفر و الضلالة و خصهم بالأمر بقتالهم لأنهم يضلون أتباعهم قال الحسن و أراد به جماعة الكفار و كل كافر إمام لنفسه في الكفر و لغيره في الدعاء إليه و قال ابن عباس و قتادة أراد به رؤساء قريش مثل الحرث بن هشام و أبي سفيان بن حرب و عكرمة بن أبي جهل و سائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد و كان حذيفة بن اليمان يقول لم يأت أهل
مجمع البيان ج : 5 ص : 18
هذه الآية بعد و قال مجاهد هم أهل فارس و الروم و قرأ علي (عليه السلام) هذه الآية يوم البصرة ثم قال أما و الله لقد عهد إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و قال لي يا علي لتقاتلن الفئة الناكثة و الفئة الباغية و الفئة المارقة « إنهم لا أيمان لهم » من قرأ بفتح الهمزة فمعناه أنهم لا يحفظون العهد و اليمين كما يقال فلان لا عهد له أي لا وفاء له بالعهد و من قرأ بالكسر فمعناه لا تؤمنوهم بعد نكثهم العهد و يحتمل أن يكون معناه أنهم إذا آمنوا إنسانا لا يفون به و يحتمل أن يكون معناه أنهم كفروا فلا إيمان لهم « لعلهم ينتهون » معناه قاتلوهم لينتهوا عن الكفر فإنهم لا ينتهون عنه بدون القتال و قيل معناه ليكن قصدكم في قتالكم انتهاؤهم عن الشرك فإن قيل كيف نفى بقوله « لا أيمان لهم » ما أثبته بقوله و إن نكثوا أيمانهم قيل له إن الإيمان التي أثبتها هي ما حلفوا بها و عقدوا عليها و إنما نفاها من بعد لأنهم لم يفوا بها و لم يتمسكوا بموجبها « أ لا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم و هموا بإخراج الرسول » الألف للاستفهام و المراد به التحضيض و الإيجاب و معناه هلا تقاتلونهم و قد نقضوا عهودهم التي عقدوها و اختلف في هؤلاء فقيل هم اليهود الذين نقضوا العهد و خرجوا مع الأحزاب و هموا بإخراج الرسول من المدينة كما أخرجه المشركون من مكة عن الجبائي و القاضي و قيل هم مشركو قريش و أهل مكة « و هم بدءوكم أول مرة » أي بدءوكم بنقض العهد عن ابن إسحاق و الجبائي و قيل بدءوكم بقتال حلفاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من خزاعة عن الزجاج و قيل بدءوكم بالقتال يوم بدر و قالوا حين سلم العير لا ننصرف حتى نستأصل محمدا و من معه « أ تخشونهم » أي أ تخافون أن ينالكم من قتالكم مكروه لفظه استفهام و المراد به تشجيع المؤمنين و في ذلك غاية الفصاحة لأنه جمع بين التقريع و التشجيع « فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين » المعنى لا تخشوهم و لا تتركوا قتالهم خوفا على أنفسكم منهم فإنه سبحانه أحق أن تخافوا عقابه في ترك أمره بقتالهم إن كنتم مصدقين بعقاب الله و ثوابه أي إن كنتم مؤمنين فخشية الله أحق بكم من خشية غيره و الله أعلم و أحكم .
قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكمْ وَ يخْزِهِمْ وَ يَنصرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشفِ صدُورَ قَوْم مُّؤْمِنِينَ(14) وَ يُذْهِب غَيْظ قُلُوبِهِمْ وَ يَتُوب اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(15)

القراءة

في الشواذ قراءة الأعرج و ابن أبي إسحاق و عيسى الثقفي و عمرو بن عبيد و يتوب الله بالنصب و رويت عن أبي عمرو أيضا .

مجمع البيان ج : 5 ص : 19

الحجة


قال ابن جني إذا نصب فالتوبة داخلة في جواب الشرط و إذا رفع فهو استئناف و تقديره في النصب أن تقاتلوهم تكن هذه الأشياء كلها التي أحدها التوبة من الله على من يشاء و الوجه قراءة الجماعة على الاستئناف لأنه تم الكلام على قوله و يذهب غيظ قلوبهم ثم استأنف فقال « و يتوب الله على من يشاء » لأن التوبة منه سبحانه على من يشاء ليست مسببة عن قتالهم .

المعنى

ثم أكد سبحانه ما تقدم بأن أمر المسلمين بقتالهم و بشرهم بالنصر و الظفر عليهم فقال « قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم » قتلا و أسرا « و يخزهم » أي و يذلهم « و ينصركم عليهم » أي و يعنكم أيها المؤمنون عليهم « و يشف صدور قوم مؤمنين » يعني صدور بني خزاعة الذين بيت عليهم بنو بكر عن مجاهد و السدي لأنهم كانوا حلفاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) « و يذهب غيظ قلوبهم » معناه و يكون ذلك النصر شفاء لقلوب المؤمنين التي امتلأت غيظا لكثرة ما نالهم من الأذى من جهتهم ثم استأنف سبحانه فقال « و يتوب الله على من يشاء » أي و يقبل توبة من تاب منهم مع فرط تعديهم رحمة و فضلا « و الله عليم حكيم » عليهم بتوبتهم إذا تابوا حكيم في أمركم بقتالهم إذا نكثوا قبل أن يتوبوا و يرجعوا لأن أفعاله كلها صواب و حكمة و في هذا دلالة على نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأنه وافق خبره المخبر .

النظم

و الوجه في اتصال قوله « و يتوب الله على من يشاء » بما قبله شيئان ( أحدهما ) البشارة بأن فيهم من يتوب و يرجع عن الكفر إلى الإيمان ( و الآخر ) بيان أنه ليس في قتالهم اقتطاع لأحد منهم عن التوبة .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُترَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُوا مِنكُمْ وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسولِهِ وَ لا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَ اللَّهُ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ(16)

اللغة

الحسبان قوة المعنى في النفس من غير قطع و هو مشتق من الحساب لدخوله فيما يحتسب به و الترك ضد ينافي الفعل المبتدأ في محل القدرة عليه و يستعمل بمعنى أن لا يفعل كقوله و تركهم في ظلمات لا يبصرون و الوليجة الدخيلة في القوم من غيرهم و البطانة مثله وليجة الرجل من يختص بدخلة أمره دون الناس الواحد و الجمع فيه سواء و كل شيء دخل في شيء ليس منه فهو وليجة قال طرفة :
مجمع البيان ج : 5 ص : 20

فإن القوافي يتلجن موالجا
تضايق عنه أن تولجه الإبر .

الإعراب

أم حرف عطف يعطف به الاستفهام و « أم حسبتم » معطوف على ما تقدم من قوله أ لا تقاتلون و هو من الاستفهام المعترض في وسط الكلام فجعل نفي الفعل مع تقريب لوقوعه و لم يفعل نفي الفعل بعد إطماع في وقوعه .

المعنى

ثم نبه سبحانه على جلالة موقع الجهاد فقال « أم حسبتم أن تتركوا » معناه أ ظننتم أيها المؤمنون أن تتركوا من دون أن تكلفوا الجهاد في سبيل الله مع الإخلاص « و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم » معناه و لما يظهر ما علم الله منكم فذكر نفي العلم و المراد نفي المعلوم تأكيدا للنفي و إلا فإن الله عز اسمه عالم بما يكون قبل أن كان و بما لا يكون لو كان كيف كان يكون و تقديره أ ظننتم أن تتركوا و لم تجاهدوا « و لم يتخذوا من دون الله و لا رسوله و لا المؤمنين وليجة » أي و لم يعلم الله الذين لم يتخذوا سوى الله و سوى رسوله و المؤمنين بطانة و أولياء يوالونهم و يفشون إليهم أسرارهم و قال الجبائي هو أن يكونوا منافقين و هو قول الحسن و في هذه دلالة على تحريم موالاة الكفار و الفساق و الألف بهم « و الله خبير بما تعملون » أي عليم بأعمالكم فيجازيكم عليها .

النظم

وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما تقدم الأمر بالقتال عطف عليه بهذا الشرط و هو الإخلاص في الجهاد على وجه قطع العصمة ليظهر الظفر و يستحق الثواب .
مَا كانَ لِلْمُشرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسجِدَ اللَّهِ شهِدِينَ عَلى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولَئك حَبِطت أَعْمَلُهُمْ وَ فى النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ(17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ أَقَامَ الصلَوةَ وَ ءَاتى الزَّكوةَ وَ لَمْ يخْش إِلا اللَّهَ فَعَسى أُولَئك أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ(18)

القراءة

قرأ أهل البصرة و ابن كثير مسجد الله على الواحد و هو قراءة ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و الباقون « مساجد الله » .

مجمع البيان ج : 5 ص : 21

الحجة

حجة من أفرد أنه عني به المسجد الحرام و حجة من جمع أنه عني به المسجد الحرام و غيره من المساجد و يحتمل أن يكون أراد المسجد الحرام و إنما جمع لأن كل موضع منه مسجد يسجد عليه فيكون القراءتان بمعنى .

اللغة

الأصل في المسجد هو موضع السجود في العرف و يعبر به عن البيت المهيا لصلاة الجماعة فيه و العمارة أن يجدد منه ما استرم من الأبنية و منه اعتمر إذا زار لأنه يجدد بالزيارة ما استرم من الحال .

المعنى

لما أمر الله سبحانه بقتال المشركين و قطع العصمة و الموالاة عنهم أمر بمنعهم عن المساجد فقال « ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله » معناه لا ينبغي للمشركين أن يكونوا قواما على عمارة مساجد الله و متولين لأمرها و ينبغي أن يعمرها المسلمون و قيل أن المراد بذلك المسجد الحرام خاصة و قيل هي عامة في جميع المساجد « شاهدين على أنفسهم بالكفر » أي حال شهادتهم على أنفسهم بالكفر أو مع شهادتهم و اختلف في العمارة للمسجد فقيل هي بدخوله و نزوله كما يقال فلان يعمر مجلس فلان إذا أكثر غشيانه لأن المسجد تكون عمارته بطاعة الله و عبادته و قيل هي باستصلاحه و رم ما استرم منه لأنه إنما يعمر للعبادة عن الجبائي و قيل هي بأن يكونوا من أهله أي لا ينبغي أن يترك المشركون فيكونوا أهل المسجد الحرام عن الحسن و اختلف في شهادتهم على أنفسهم بالكفر كيف هي فقيل هي أن النصراني يسأل ما أنت فيقول أنا نصراني و اليهودي يقول أنا يهودي و كذلك المشرك إذا سئل ما دينك يقول مشرك لا يقولها أحد غير العرب عن السدي و قيل معناه إن كلامهم يدل على كفرهم كما يقال كلام فلان يدل على بطلان دعواه عن الحسن و قيل هي قولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك و قيل شهادتهم سجودهم لأصنامهم مع إقرارهم بأنها مخلوقة عن ابن عباس و معناه أنهم يشهدون على أنفسهم بأفعالهم و أحوالهم و من أظهر شيئا و بينه يقال قد شهد به « أولئك حبطت أعمالهم » التي هي من جنس الطاعة من المؤمنين أي بطلت لأنهم أوقعوها على الوجه الذي لا يستحق لأجله الثواب عليها عند الله « و في النار هم خالدون » أي مقيمون مؤبدون « إنما يعمر مساجد الله » و لفظة إنما لإثبات المذكور و نفي ما عداه فمعناه لا يعمر مساجد الله بزيارتها و إقامة العبادات فيها أو ببنائها و رم المسترم منها إلا « من آمن بالله و اليوم الآخر » أي من أقر بوحدانية الله و اعترف بالقيامة « و أقام الصلاة » بحدودها « و آتى الزكاة » أي أعطاها إن وجبت عليه إلى مستحقها « و لم يخش إلا الله » أي لم يخف سوى الله أحدا من المخلوقين
مجمع البيان ج : 5 ص : 22
و هذا راجع إلى قوله « أ تخشونهم فالله أحق أن تخشوه » أي إن خشيتموهم فقد ساويتموهم في الإشراك كما قال فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله الآية « فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين » إلى الجنة و نيل ثوابها لأن عسى من الله واجبة عن ابن عباس و الحسن و في ذكر الصلاة و الزكاة و غير ذلك بعد ذكر الإيمان بالله دلالة على أن الإيمان لا يتناول أفعال الجوارح إذ لو تناولها جاز عطف ما دخل فيه عليه و من قال إن المراد فيه التفصيل و زيادة البيان فقد ترك الظاهر .
* أَ جَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَْاجّ وَ عِمَارَةَ الْمَسجِدِ الحَْرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ جَهَدَ فى سبِيلِ اللَّهِ لا يَستَوُنَ عِندَ اللَّهِ وَ اللَّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ(19) الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ هَاجَرُوا وَ جَهَدُوا فى سبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلهِِمْ وَ أَنفُسِهِمْ أَعْظمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَ أُولَئك هُمُ الْفَائزُونَ(20) يُبَشرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَة مِّنْهُ وَ رِضوَن وَ جَنَّت لهَُّمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ(21) خَلِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(22)

القراءة

في الشواذ قراءة محمد بن علي الباقر (عليهماالسلام) و ابن الزبير و أبي وجرة السواري و أبي جعفر السعدي القارىء أ جعلتم سقاة الحاج و عمرة المسجد الحرام و قرأ الضحاك سقاية الحاج بالضم و عمرة المسجد .

الحجة

أما سقاة فهو جمع ساق و عمرة جمع عامر و أما « سقاية » فقد قال ابن جني فيه نظر و وجهه أن يكون جمعا جاء على فعال كعرق و عراق و رخل و رخال و ظئر و ظؤار و توم
مجمع البيان ج : 5 ص : 23
و توأم و بريء و براء و إنسان و إناس ثم أنث كما يؤنث من المجموع أشياء نحو حجارة و عيورة و كان من عدل عن قراءة الجماعة « سقاية الحاج و عمارة المسجد » إلى هذا إنما هرب من أن يقابل الحدث بالجواهر و ذلك أن من آمن جوهر و سقاية و عمارة مصدران فلا بد إذن من حذف المضاف أي أ جعلتم هذين الفعلين كفعل من آمن بالله فلما رأى أنه لا بد من حذف المضاف قرأ سقاة و عمرة على ما مضى .

اللغة

السقاية آلة تتخذ لسقي الماء و السقاية مصدر كالسقي أيضا و قيل إنهم كانوا يسقون الحجيج الماء و الشراب و بيت البئر سقاية أيضا و البشارة الدلالة على ما يظهر به السرور في بشرة الوجه كما يقال بشرته أبشره بشرى و رضوان هو معنى يستحق بالإحسان و يدعو إلى الحمد على ما كان و يضاد سخط العصيان و النعيم مشتق من النعمة و هي اللين فأما النعمة بكسر النون فهي منفعة يستحق بها الشكر لأنها كنعمة العيش و أبدا للزمان المستقبل من غير آخر كما أن قط للماضي يقال ما رأيته قط و لا أراه أبدا و جمع الأبد آباد و أبود يقال لا أفعل ذلك أبد الأبيد و أبد الآبدين و تأبد المنزل أتى عليه و الأوابد الوحش سميت بذلك لطول أعمارها و قيل لم يمت وحشي حتف أنفه و إنما يموت ب آفة و الآبدة الداهية .

النزول

قيل أنها نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) و العباس بن عبد المطلب و طلحة بن شيبة و ذلك أنهم افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت و بيدي مفتاحه و لو أشاء بت فيه و قال العباس أنا صاحب السقاية و القائم عليها و قال علي (عليه السلام) ما أدري ما تقولان لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس و أنا صاحب الجهاد عن الحسن و الشعبي و محمد بن كعب القرظي و قيل أن عليا (عليه السلام) قال للعباس يا عم أ لا تهاجر و أ لا تلحق برسول الله فقال أ لست في أفضل من الهجرة أعمر المسجد الحرام و أسقي حاج بيت الله فنزلت « أ جعلتم سقاية الحاج » عن ابن سيرين و مرة الهمداني و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن بريدة عن أبيه قال بينا شيبة و العباس يتفاخران إذا مر بهما علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال بما ذا تتفاخران فقال العباس لقد أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد سقاية الحاج و قال شيبة أوتيت عمارة المسجد الحرام فقال علي (عليه السلام) استحييت لكما فقد أوتيت على صغري ما لم تؤتيا فقالا و ما أوتيت يا علي قال ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله و رسوله فقام العباس مغضبا يجر ذيله حتى دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و قال أ ما ترى إلى ما يستقبلني به
مجمع البيان ج : 5 ص : 24
علي فقال ادعوا لي عليا فدعي له فقال ما حملك على ما استقبلت به عمك فقال يا رسول الله صدمته بالحق فمن شاء فليغضب و من شاء فليرض فنزل جبرائيل (عليه السلام) فقال يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام و يقول اتل عليهم « أ جعلتم سقاية الحاج » الآيات فقال العباس إنا قد رضينا ثلاث مرات و في تفسير أبي حمزة أن العباس لما أسر يوم بدر أقبل عليه أناس من المهاجرين و الأنصار فعيروه بالكفر و قطيعة الرحم فقال ما لكم تذكرون مساوئنا و تكتمون محاسننا قالوا و هل لكم من محاسن قال نعم و الله لنعمر المسجد الحرام و نحجب الكعبة و نسقي الحاج و نفك العاني فأنزل الله تعالى « ما كان للمشركين أن يعمروا » إلى آخر الآيات .

المعنى

« أ جعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله » هذا استفهام معناه الإنكار أي لا تجعلوا و فيه حذف يدل الكلام عليه و تقديره أ جعلتم أهل سقاية الحاج و أهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله حتى يكون مقابلة الشخص بالشخص أو يكون تقديره أ جعلتم السقاية و العمارة كإيمان من آمن بالله حتى تكون مقابلة الفعل بالفعل و سقاية الحاج سقيهم الشراب قال الحسن و كان نبيذ زبيب يسقون الحاج في الموسم بين الله سبحانه أنه لا يقابل هذه الأشياء بالإيمان بالله « و اليوم الآخر » و بالجهاد في سبيله فإنه لا مساواة بين الأمرين « لا يستوون عند الله » في الفضل و الثواب « و الله لا يهدي » إلى طريق ثوابه « القوم الظالمين » كما يهدي إليه من كان عارفا به فاعلا لطاعته مجتنبا لمعصيته ثم ابتدأ سبحانه فقال « الذين آمنوا » أي صدقوا و اعترفوا بوحدانية الله « و هاجروا » أوطانهم التي هي دار الكفر إلى دار الإسلام « و جاهدوا في سبيل الله » أي تحملوا المشاق في ملاقاة أعداء الدين « بأموالهم و أنفسهم أعظم درجة عند الله » من غيرهم من المؤمنين الذين لم يفعلوا هذه الأشياء « و أولئك هم الفائزون » أي الظافرون بالبغية « يبشرهم ربهم » برحمة في الدنيا على ألسنة الرسل و بما بين في كتبه من الثواب الموعود على الجهاد « برحمة منه و رضوان » في الآخرة « و جنات لهم فيها نعيم مقيم » أي دائم لا يزول و لا ينقطع « خالدين فيها أبدا » أي دائمين فيها مع كون النعيم مقيما لهم « إن الله عنده أجر » أي جزاء على العمل « عظيم » أي كثير متضاعف لا يبلغه نعمة غيره من الخلق .

مجمع البيان ج : 5 ص : 25
يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا ءَابَاءَكُمْ وَ إِخْوَنَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ استَحَبُّوا الْكفْرَ عَلى الايمَنِ وَ مَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئك هُمُ الظلِمُونَ(23) قُلْ إِن كانَ ءَابَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكمْ وَ إِخْوَنُكُمْ وَ أَزْوَجُكمْ وَ عَشِيرَتُكمْ وَ أَمْوَلٌ اقْترَفْتُمُوهَا وَ تجَرَةٌ تخْشوْنَ كَسادَهَا وَ مَسكِنُ تَرْضوْنَهَا أَحَب إِلَيْكم مِّنَ اللَّهِ وَ رَسولِهِ وَ جِهَاد فى سبِيلِهِ فَترَبَّصوا حَتى يَأْتىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ(24)

القراءة

قرأ أبو بكر عن عاصم و عشيراتكم على الجمع و الباقون « و عشيرتكم » على التوحيد .


الحجة

من أفرد فلان العشيرة يقع على الجمع و قال أبو الحسن العرب لا تجمع العشيرة عشيرات و إنما تقول عشائر و من جمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة .

اللغة

الاستحباب طلب المحبة و يجوز أن يكون استحب بمعنى أحب كما أن استجاب يكون بمعنى أجاب فيكون كأنه طلب محبة فوقع له و العشيرة الجماعة ترجع إلى عقد واحد كالعشرة و منه المعاشرة و الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره من قرفت القرحة إذا قشرتها و القرف القشر و التربص التثبت في الشيء حتى يجيء وقته و التربص و التثبت و التنظر و التوقف نظائر و نقيضه التعجل .

النزول

روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حيث كتب إلى قريش يخبرهم بخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما أراد فتح مكة .

المعنى


ثم نهى الله سبحانه المؤمنين عن موالاة الكافرين و إن كانوا في النسب الأقربين فقال « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم و إخوانكم أولياء » و هذا في أمر الدين فأما في أمر الدنيا فلا بأس بمجالستهم و معاشرتهم لقوله سبحانه و صاحبهما في الدنيا معروفا قال ابن عباس لما أمر الله تعالى المؤمنين بالهجرة و أرادوا الهجرة فمنهم من تعلقت به زوجته و منهم من تعلق به أبواه و أولاده فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركون الهجرة لأجلهم فبين
مجمع البيان ج : 5 ص : 26
سبحانه أن أمر الدين مقدم على النسب و إذا وجب قطع قرابة الأبوين فالأجنبي أولى « إن استحبوا الكفر على الإيمان » أي إن اختاروا الكفر و آثروه على الإيمان قال الحسن من تولى الشرك فهو مشرك و هذا إذا كان راضيا بشركه « و من يتولهم منكم » فترك طاعة الله لأجلهم و أطلعهم على أسرار المسلمين « فأولئك هم الظالمون » نفوسهم و الباخسون حقها من الثواب لأنهم وضعوا الموالاة في غير موضعها لأن موضعها أهل الإيمان « قل » يا محمد لهؤلاء المتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام « إن كان آباؤكم » الذين ولدوكم « و أبناؤكم » الذي ولدتموهم و هم الأولاد الذكور « و إخوانكم » في النسب « و أزواجكم » اللاتي عقدتم عليهن عقدة النكاح « و عشيرتكم » أي و أقاربكم « و أموال اقترفتموها » أي اكتسبتموها و أقطعتموها و جمعتموها « و تجارة تخشون كسادها » أي تخشون أنها تكسد إذا اشتغلتم بطاعة الله تعالى و الجهاد « و مساكن ترضونها » أي مساكن اخترتموها لأنفسكم و يعجبكم المقام فيها « أحب إليكم » أي آثر في نفوسكم و أقرب إلى قلوبكم « من الله و رسوله » أي من طاعة الله و طاعة رسوله « و جهاد في سبيله » أي و من الجهاد في سبيل الله « فتربصوا » أي انتظروا « حتى يأتي الله بأمره » أي بحكمه فيكم و قيل بعقوبتكم على اختياركم هذه الأشياء على الجهاد و طاعة الله إما عاجلا و إما آجلا و فيه وعيد شديد عن الحسن و الجبائي و قيل بفتح مكة عن مجاهد و قال بعضهم و هذا لا يصح لأن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة « و الله لا يهدي القوم الفاسقين » مضى تفسيره .
لَقَدْ نَصرَكمُ اللَّهُ فى مَوَاطِنَ كثِيرَة وَ يَوْمَ حُنَين إِذْ أَعْجَبَتْكمْ كَثرَتُكمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكمْ شيْئاً وَ ضاقَت عَلَيْكمُ الأَرْض بِمَا رَحُبَت ثمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ(25) ثمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سكِينَتَهُ عَلى رَسولِهِ وَ عَلى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَ عَذَّب الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذَلِك جَزَاءُ الْكَفِرِينَ(26) ثُمَّ يَتُوب اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِك عَلى مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(27)

اللغة

الموطن الموضع الذي يقيم فيه صاحبه و هو مفعل من الوطن و استوطن
مجمع البيان ج : 5 ص : 27
بالمكان إذا اتخذه وطنا و حنين اسم واد بين مكة و الطايف و الإعجاب السرور بما يتعجب منه و العجب السرور بالنفس و الرحب السعة في المكان و ضده الضيق و قولهم مرحبا معناه أتيت سعة و السكينة الطمأنينة و الأمنة و هي فعيلة من السكون قال الشاعر :
لله قبر عالها ما ذا أجن
لقد أجن سكينة و وقارا و الجنود الجموع التي تصلح للحروب .

الإعراب


مواطن لا ينصرف لأنه جمع ليس على مثال الآحاد « و يوم حنين » أي و في يوم حنين عطف على مواطن أي و نصركم في يوم حنين و إنما صرف حنينا لأنه اسم لمذكر و هو واد و لو ترك صرفه على أنه اسم للبقعة لجاز قال الشاعر :
نصروا نبيهم و شدوا أزرهم
بحنين يوم تواكل الأبطال و ما في قوله « بما رحبت » مصدرية أي برحبها و سعتها .

المعنى

لما تقدم أمر المؤمنين بالقتال ذكرهم بعده بما أتاهم من النصر حالا بعد حال فقال « لقد نصركم الله في مواطن كثيرة » اللام للقسم فكأنه سبحانه أقسم بأنه نصر المؤمنين أي أعانهم على أعدائهم في مواضع كثيرة على ضعفهم و قلة عددهم حثا لهم على الانقطاع إليه و مفارقة الأهلين و الأقربين في طاعته و ورد عن الصادقين (عليهماالسلام) إنهم قالوا كانت المواطن ثمانين موطنا و روي أن المتوكل اشتكى شكاية شديدة فنذر أن يتصدق بمال كثير إن شفاه الله فلما عوفي سأل العلماء عن حد المال الكثير فاختلفت أقوالهم فأشير عليه أن يسأل أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى (عليهماالسلام) و قد كان حبسه في داره فأمر أن يكتب إليه فكتب يتصدق بثمانين درهما ثم سألوه عن العلة في ذلك فقرأ هذه الآية و قال عددنا تلك المواطن فبلغت ثمانين موطنا « و يوم حنين » أي و في يوم حنين « إذ أعجبتكم كثرتكم » أي سرتكم و صرتم معجبين بكثرتكم قال قتادة و كان سبب انهزام المسلمين يوم حنين أن بعضهم قال حين رأى كثرة المسلمين لن نغلب اليوم عن قلة فانهزموا بعد ساعة و كانوا اثني عشر ألفا و قيل إنهم كانوا عشرة آلاف و قيل ثمانية آلاف و الأول أصح و أكثر في الرواية « فلم تغن عنكم
مجمع البيان ج : 5 ص : 28
شيئا » أي فلم يدفع عنكم كثرتكم سوءا « و ضاقت عليكم الأرض بما رحبت » أي برحبتها و الباء بمعنى مع و المعنى ضاقت عليكم الأرض مع سعتها كما يقال أخرج بنا إلى موضع كذا أي معنا و المراد لم تجدوا من الأرض موضعا للفرار إليه « ثم وليتم مدبرين » أي وليتم عن عدوكم منهزمين و تقديره وليتموهم أدباركم و انهزمتم « ثم أنزل الله سكينته » أي رحمته التي تسكن إليها النفس و يزول معها الخوف « على رسوله و على المؤمنين » حين رجعوا إليهم و قاتلوهم و قيل على المؤمنين الذين ثبتوا مع رسول الله علي و العباس في نفر من بني هاشم عن الضحاك بن مزاحم و روى الحسن بن علي بن فضال عن أبي الحسن الرضا أنه قال السكينة ريح من الجنة تخرج طيبة لها صورة كصورة وجه الإنسان فتكون مع الأنبياء أورده العياشي مسندا « و أنزل جنودا لم تروها » أراد به جنودا من الملائكة و قيل إن الملائكة نزلوا يوم حنين بتقوية قلوب المؤمنين و تشجيعهم و لم يباشروا القتال يومئذ و لم يقاتلوا إلا يوم بدر خاصة عن الجبائي « و عذب الذين كفروا » بالقتل و الأسر و سلب الأموال و الأولاد « و ذلك جزاء الكافرين » أي و ذلك العذاب جزاء الكافرين على كفرهم « ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء » ذكر سبحانه ثم في ثلاثة مواضع متقاربة ( الأول ) « ثم وليتم مدبرين » عطف على ما قبله من الفعل و هو قوله « ضاقت عليكم » ( و الثاني ) « ثم أنزل الله سكينته » عطف على « وليتم مدبرين » ( و الثالث ) « ثم يتوب الله » عطف على « أنزل » و إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه يشاكله فإن الأول تذكير بنعمة الله و الثاني وعد بنعمة الله و المعنى ثم يقبل الله توبة من تاب عن الشرك و رجع إلى طاعة الله و الإسلام و ندم على ما فعل من القبيح و يجوز أن يريد ثم يقبل الله توبة من انهزم من بعد هزيمته و يجوز أن يريد يقبل توبتهم عن إعجابهم بالكثرة و إنما علقه بالمشيئة لأن قبول التوبة تفضل من الله و لو كان واجبا على ما قاله أهل الوعيد لما جاز تعليقه بالمشيئة كما لا يجوز تعليق الثواب على الطاعة بالمشيئة و من خالف في ذلك قال إنما علقها بالمشيئة لأن منهم من له لطف يصلح به و يتوب و يؤمن عنده و منهم من لا لطف له منه « و الله غفور » أي ستار للذنوب « رحيم » بعباده .

[ القصة ]

ذكر أهل التفسير و أصحاب السير أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما فتح مكة خرج منها متوجها إلى حنين لقتال هوازن و ثقيف في آخر شهر رمضان أو في شوال من سنة ثمان من الهجرة و قد اجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النصري و ساقوا معهم أموالهم و نساءهم و ذراريهم و نزلوا بأوطاس و قال كان دريد بن الصمة في القوم و كان رئيس جشم و كان
مجمع البيان ج : 5 ص : 29
شيخا كبيرا قد ذهب بصره من الكبر فقال بأي واد أنتم قالوا بأوطاس قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس و لا سهل دهس ما لي أسمع رغاء البعير و نهيق الحمير و خوار البقر و ثغاء الشاة و بكاء الصبيان فقالوا إن مالك بن عوف ساق مع الناس أبناءهم و أموالهم و نساءهم ليقاتل كل منهم عن أهله و ماله فقال دريد راعي ضان و رب الكعبة ثم قال ائتوني بمالك فلما جاءه قال يا مالك إنك أصبحت رئيس قومك و هذا يوم له ما بعده رد قومك إلى عليا بلادهم و ألق الرجال على متون الخيل فإنه لا ينفعك إلا رجل بسيفه و فرسه فإن كانت لك لحق بك من ورائك و إن كانت عليك لا تكون فضحت في أهلك و عيالك فقال له مالك إنك قد كبرت و ذهب علمك و عقلك و عقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لواءه الأكبر و دفعه إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) و كل من دخل مكة براية أمره أن يحملها و خرج بعد أن قام بمكة خمسة عشر يوما و بعث إلى صفوان بن أمية فاستعار منه مائة درع فقال صفوان عارية أم غصب فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) عارية مضمونة مؤداة فأعاره صفوان مائة درع و خرج معه و خرج من مسلمة الفتح ألفا رجل و كان (عليه السلام) دخل مكة في عشرة آلاف رجل و خرج منها في اثني عشر ألفا و بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) رجلا من أصحابه فانتهى إلى مالك بن عوف و هو يقول لقومه ليصير كل رجل منكم أهله و ماله خلف ظهر و اكسروا جفون سيوفكم و أكمنوا في شعاب هذا الوادي و في الشجر فإذا كان في غبش الصبح فاحملوا حملة رجل واحد فهدوا القوم فإن محمدا لم يلق أحدا يحسن الحرب و لما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بأصحابه الغداة انحدر في وادي حنين فخرجت عليهم كتائب هوازن من كل ناحية و انهزمت بنو سليم و كانوا على المقدمة و انهزم ما وراءهم و خلى الله تعالى بينهم و بين عدوهم لإعجابهم بكثرتهم و بقي علي (عليه السلام) و معه الراية يقاتلهم في نفر قليل و مر المنهزمون برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لا يلوون على شيء و كان العباس بن عبد المطلب آخذ بلجام بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و الفضل عن يمينه و أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب عن يساره و نوفل بن الحرث و ربيعة بن الحرث في تسعة من بني هاشم و عاشرهم أيمن بن أم أيمن و قتل يومئذ و في ذلك يقول العباس :
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة
و قد فر من قد فر عنه فأقشعوا

مجمع البيان ج : 5 ص : 30

و قولي إذا ما الفضل كر بسيفه
على القوم أخرى يا بني ليرجعوا
و عاشرنا لاقى الحمام بنفسه
لما ناله في الله لا يتوجع و لما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) هزيمة القوم عنه قال للعباس و كان جهوريا صيتا اصعد هذا الظرب فناد يا معشر المهاجرين و الأنصار يا أصحاب سورة البقرة يا أهل بيعة الشجرة إلى أين تفرون هذا رسول الله فلما سمع المسلمون صوت العباس تراجعوا و قالوا لبيك لبيك و تبادر الأنصار خاصة و قاتلوا المشركين حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الآن حمي الوطيس :
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب و نزل النصر من عند الله تعالى و انهزمت هوازن هزيمة قبيحة فمروا في كل وجه و لم يزل المسلمون في آثارهم و مر مالك بن عوف فدخل حصن الطايف و قتل منهم زهاء مائة رجل و أغنم الله المسلمين أموالهم و نساءهم و أمر رسول الله بالذراري و الأموال أن تحدر إلى الجعرانة و ولى على الغنائم بديل بن ورقاء الخزاعي و مضى (صلى الله عليه وآله وسلّم) في أثر القوم فوافى الطايف في طلب مالك بن عوف فحاصر أهل الطايف بقية الشهر فلما دخل ذو القعدة انصرف و أتى الجعرانة و قسم بها غنائم حنين و أوطاس قال سعيد بن المسيب حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال لما التقينا نحن و أصحاب رسول الله لم يقفوا لنا حلب شاة فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله فتلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا لنا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا و ركبوا أكتافنا فكانوا إياها يعني الملائكة قال الزهري و بلغني أن شيبة بن عثمان قال استدبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يوم حنين و أنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان و عثمان بن طلحة و كانا قد قتلا يوم أحد فأطلع الله رسوله على ما في نفسي فالتفت إلى و ضرب في صدري و قال أعيذك بالله يا شيبة فأرعدت فرائصي فنظرت إليه هو أحب إلي من سمعي و بصري فقلت أشهد أنك رسول الله و أن الله أطلعك على ما في نفسي و قسم رسول الله الغنائم بالجعرانة و كان معه من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري و النساء و من الإبل و الشاة ما لا يدري عدته قال أبو سعيد الخدري قسم رسول الله للمتألفين من قريش من سائر العرب ما قسم و لم يكن في الأنصار منها شيء قليل و لا كثير فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله فقال يا رسول الله أن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في قسمك هذه الغنائم في قومك و في سائر العرب و لم يكن
مجمع البيان ج : 5 ص : 31
فيهم من ذلك شيء فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) فأين أنت من ذلك يا سعد فقال ما أنا إلا امرؤ من قومي فقال رسول الله فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة فجمعهم فخرج رسول الله فقام فيهم خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا معشر الأنصار أ و لم آتكم ضلالا فهداكم الله و عالة فأغناكم الله و أعداء فألف بين قلوبكم قالوا بلى يا رسول الله ثم قال أ لا تجيبوني يا معشر الأنصار فقالوا و ما نقول و بما ذا نجيبك المن لله و لرسوله فقال رسول الله أما و الله لو شئتم لقلتم فصدقتم جئتنا طريدا ف آويناك و عائلا فأسيناك و خائفا ف آمناك و مخذولا فنصرناك فقالوا المن لله و لرسوله فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا و وكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام أ فلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء و البعير و تذهبون برسول الله إلى رحالكم فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار و لو لا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار اللهم ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم و قالوا رضينا بالله و رسوله قسما ثم تفرقوا و قال أنس بن مالك و كان رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أمر مناديا فنادى يوم أوطاس أ لا لا توطأ الحبالى حتى يضعن و لا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضة ثم أقبلت وفود هوازن و قدمت على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) بالجعرانة مسلمين فقام خطيبهم و قال يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك و حواضنك اللاتي كن يكفلنك فلو أنا ملكنا ابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما و عطفهما و أنت خير الكفولين ثم أنشد أبياتا فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) أي الأمرين أحب إليكم السبي أو الأموال قالوا يا رسول الله خيرتنا بين الحسب و بين الأموال و الحسب أحب إلينا و لا نتكلم في شاة و لا بعير فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أما الذي لبني هاشم فهو لكم و سوف أكلم لكم المسلمين و أشفع لكم فكلموهم و أظهروا إسلامكم فلما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الهاجرة قاموا فتكلموا فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد رددت الذي لبني هاشم و الذي بيدي عليهم فمن أحب منكم أن يعطي غير مكره فليفعل و من كره أن يعطي فليأخذ الفداء و علي فداؤهم فأعطى الناس ما كان بأيديهم منهم إلا قليلا من الناس سألوا الفداء و أرسل رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) إلى مالك بن عوف و قال إن جئتني مسلما رددت إليك أهلك و مالك و لك عندي مائة ناقة فخرج إليه من الطائف فرد عليه أهله و ماله و أعطاه مائة من الإبل و استعمله على من أسلم من قومه .

مجمع البيان ج : 5 ص : 32
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْمُشرِكُونَ نجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسوْف يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ إِن شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكيمٌ(28)

القراءة

في الشواذ قراءة ابن السميفع أنجاس على الجمع و في مصحف عبد الله ابن مسعود و إن خفتم عائلة .

الحجة

قال ابن جني هذا من المصادر التي جاءت على فاعله كالعاقبة و العافية و اللاغية .

اللغة

كل مستقذر نجس يقال رجل نجس و امرأة نجس و قوم نجس لأنه مصدر و إذا استعملت هذه اللفظة مع الرجس قيل رجس نجس بكسر النون و العيلة الفقر تقول عال يعيل إذا افتقر قال الشاعر :
و ما يدري الفقير متى غناه
و ما يدري الغني متى يعيل .

المعنى

لما تقدم النهي عن ولاية المشركين أزال سبحانه ولايتهم عن المسجد الحرام و حظر عليهم دخوله فقال « يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس » معناه أن الكافرين أنجاس « فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا » أي فامنعوهم عن المسجد الحرام قيل المراد به منعهم من دخول الحرم عن عطا قال و الحرم كله مسجد و قبلة و العام الذي أشار إليه هو سنة تسع الذي نادى فيه علي (عليه السلام) بالبراءة و قال لا يحجن بعد هذا العام مشرك و قيل المراد به منعهم من دخول المسجد الحرام على طريق الولاية للموسم و العمرة و قيل منعوا من الدخول أصلا في المسجد و منعوا من حضور الموسم و دخول الحرم عن الجبائي و اختلف في نجاسة الكافر فقال قوم من الفقهاء إن الكافر نجس العين و ظاهر الآية يدل على ذلك و روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب امنعوا اليهود و النصارى من دخول مساجد المسلمين و أتبع نهيه قول الله تعالى « إنما المشركون نجس » الآية و عن الحسن قال لا تصافحوا المشركين فمن صافحهم فليتوضأ و هذا يوافق ما ذهب إليه أصحابنا من أن من صافح الكافر و يده رطبة وجب أن يغسل يده و إن كانت أيديهما يابستين مسحهما بالحائط و قال آخرون إنما سماهم الله نجسا لخبث اعتقادهم و أفعالهم و أقوالهم و أجازوا للذمي دخول
مجمع البيان ج : 5 ص : 33
المساجد قالوا إنما يمنعون من دخول مكة للحج قال قتادة سماهم نجسا لأنهم يجنبون و لا يغتسلون و يحدثون و لا يتوضئون فمنعوا من دخول المسجد لأن الجنب لا يجوز له دخول المسجد « و إن خفتم عيلة » أي فقرا و حاجة و كانوا قد خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين عن دخول الحرم « فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء » أي فسوف يغنيكم الله من جهة أخرى إن شاء أن يغنيكم بأن يرغب الناس من أهل الآفاق في حمل الميرة إليكم رحمة منه و نعمة عليكم قال مقاتل أسلم أهل نجدة و صنعاء و جرش من اليمن و حملوا الطعام إلى مكة على ظهور الإبل و الدواب و كفاهم الله تعالى ما كانوا يتخوفون و قيل معناه يغنيكم بالجزية المأخوذة من أهل الكتاب و قيل بالمطر و النبات و قيل بإباحة الغنائم و إذا سئل عن معنى المشيئة في قوله « إن شاء » فالقول فيه أن الله تعالى قد علم أن منهم من يبقى إلى وقت فتح البلاد و اغتنام أموال الأكاسرة فيستغني و منهم من لا يبقى إلى ذلك الوقت فلهذا علقه بالمشيئة و قيل إنما علقه بالمشيئة ليرغب الإنسان إلى الله تعالى في طلب الغنى منه و ليعلم أن الغنى لا يكون بالاجتهاد « إن الله عليم » بالمصالح و تدبير العباد و بكل شيء « حكيم » فيما يأمر و ينهى .
قَتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَ لا يحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكتَب حَتى يُعْطوا الْجِزْيَةَ عَن يَد وَ هُمْ صغِرُونَ(29)

اللغة

الدين في الأصل الطاعة قال زهير :
لئن حللت بجو في بني أسد
في دين عمرو و حالت بيننا فدك و الجزية فعلة من جزى يجزي مثل القعدة و الجلسة و هي عطية مخصوصة و جزاء لهم على تمسكهم بالكفر عقوبة لهم عن علي بن عيسى و الصغار و الذل و النكال الذي يصغر قدر صاحبه يقال صغر يصغر صغارا فهو صاغر .
 

 
  Index Next