جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير الميزان ـ ج5 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>



فالمراد من النهي عن أكل لحوم ما ذبح على النصب أن يستن بسنن الجاهلية في ذلك فإنهم كانوا نصبوا حول الكعبة أحجارا يقدسونها و يذبحون عليها، و كان من سنن الوثنية.

قوله تعالى: "و أن تستقسموا بالأزلام" و الأزلام هي القداح، و الاستقسام بالقداح أن يؤخذ جزور - أو بهيمة أخرى - على سهام ثم يضرب بالقداح في تشخيص من له سهم ممن لا سهم له، و في تشخيص نفس السهام المختلفة و هو الميسر، و قد مر شرحه عند قوله تعالى: "يسألونك عن الخمر و الميسر" الآية: البقرة: 291 في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

قال الراغب: القسم إفراز النصيب يقال: قسمت كذا قسما و قسمة، و قسمة الميراث و قسمة الغنيمة تفريقهما على أربابهما، قال: "لكل باب منهم جزء مقسوم" "و نبئهم أن الماء قسمة بينهم" و استقسمته سألته أن يقسم، ثم قد يستعمل في معنى قسم قال: "و أن تستقسموا بالأزلام"، و ما ذكره من كون استقسم بمعنى قسم إنما هو بحسب الانطباق مصداقا، و المعنى بالحقيقة طلب القسمة بالأزلام التي هي آلات هذا الفعل، فاستعمال الآلة طلب لحصول الفعل المترتب عليها فيصدق الاستفعال.

فالمراد بالاستقسام بالأزلام المنهي عنه على ظاهر السياق هو ضرب القداح على الجزور و نحوه للذهاب بما في لحمه من النصيب.

و أما ما ذكره بعضهم أن المراد بالاستقسام بالأزلام الضرب بالقداح لاستعلام الخير و الشر في الأفعال، و تمييز النافع منها من الضار كمن يريد سفرا أو ازدواجا أو شروعا في عمل أو غير ذلك فيضرب بالقداح لتشخيص ما فيه الخير منها مما لا خير فيه قالوا: و كان ذلك دائرا بين عرب الجاهلية، و ذلك نوع من الطيرة، و سيأتي زيادة شرح له في البحث الروائي التالي - ففيه: أن سياق الآية يأبى عن حمل اللفظ على الاستقسام بهذا المعنى، و ذلك أن الآية - و هي مقام عد محرمات الأطعمة، و قد أشير إليها قبلا في قوله: "إلا ما يتلى عليكم" - تعد من محرماتها عشرا، و هي الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به و المنخنقة و الموقوذة و المتردية و النطيحة و ما أكل السبع و ما ذبح على النصب، ثم تذكر الاستقسام بالأزلام الذي من معناه قسمة اللحم بالمقامرة، و من معناه استعلام الخير و الشر في الأمور، فكيف يشك بعد ذلك السياق الواضح و القرائن المتوالية في تعين حمل اللفظ على استقسام اللحم قمارا و هل يرتاب عارف بالكلام في ذلك.

نظير ذلك أن العمرة مصدر بمعنى العمارة، و لها معنى آخر و هو زيارة البيت الحرام، فإذا أضيف إلى البيت صح كل من المعنيين لكن لا يحتمل في قوله تعالى: "و أتموا الحج و العمرة لله": البقرة: 191. إلا المعنى الأول، و الأمثلة في ذلك كثيرة.

و قوله: "ذلكم فسق" يحتمل الإشارة إلى جميع المذكورات، و الإشارة إلى الأخيرين المذكورين بعد قوله: "إلا ما ذكيتم" لحيلولة الاستثناء، و الإشارة إلى الأخير و لعل الأوسط خير الثلاثة.



قوله تعالى: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم و اخشون" أمر الآية في حلولها محلها ثم في دلالتها عجيب، فإنك إذا تأملت صدر الآية أعني قوله تعالى: "حرمت عليكم الميتة و الدم - إلى قوله: - ذلكم فسق" و أضفت إليه ذيلها أعني قوله: "فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم" وجدته كلاما تاما غير متوقف في تمام معناه و إفادة المراد منه إلى شيء من قوله: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم" إلخ أصلا، و ألفيته آية كاملة مماثلة لما تقدم عليها في النزول من الآيات الواقعة في سورة الأنعام و النحل و البقرة المبينة لمحرمات الطعام، ففي سورة البقرة: "إنما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم" و يماثله ما في سورتي الأنعام و النحل.

و ينتج ذلك أن قوله: "اليوم يئس الذين كفروا" إلخ كلام معترض موضوع في وسط هذه الآية غير متوقف عليه لفظ الآية في دلالتها و بيانها، سواء قلنا: إن الآية نازلة في وسط الآية فتخللت بينها من أول ما نزلت، أو قلنا إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي أمر كتاب الوحي بوضع الآية في هذا الموضع مع انفصال الآيتين و اختلافهما نزولا.

أو قلنا: إنها موضوعة في موضعها الذي هي فيه عند التأليف من غير أن تصاحبها نزولا، فإن شيئا من هذه الاحتمالات لا يؤثر أثرا فيما ذكرناه من كون هذا الكلام المتخلل معترضا إذا قيس إلى صدر الآية و ذيلها.

و يؤيد ذلك أن جل الروايات الواردة في سبب النزول - لو لم يكن كلها، و هي أخبار جمة - يخص قوله: "اليوم يئس الذين كفروا" إلخ بالذكر من غير أن يتعرض لأصل الآية أعني قوله: "حرمت عليكم الميتة"، أصلا، و هذا يؤيد أيضا نزول قوله: "اليوم يئس" إلخ نزولا مستقلا منفصلا عن الصدر و الذيل، و إن وقوع الآية في وسط الآية مستند إلى تأليف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو إلى تأليف المؤلفين بعده.

و يؤيده ما رواه في الدر المنثور، عن عبد بن حميد عن الشعبي قال: نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية و هو بعرفة: "اليوم أكملت لكم دينكم" و كان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة، قال: و كان جبرئيل يعلمه كيف ينسك.

ثم إن هاتين الجملتين أعني قوله: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم" و قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم متقاربتان مضمونا، مرتبطتان مفهوما بلا ريب، لظهور ما بين يأس الكفار من دين المسلمين و بين إكمال دين المسلمين من الارتباط القريب، و قبول المضمونين لأن يمتزجا فيتركبا مضمونا واحدا مرتبط الأجزاء، متصل الأطراف بعضها ببعض، مضافا إلى ما بين الجملتين من الاتحاد في السياق.

و يؤيد ذلك ما نرى أن السلف و الخلف من مفسري الصحابة و التابعين و المتأخرين إلى يومنا هذا أخذوا الجملتين متصلتين يتم بعضهما، بعضا و ليس ذلك إلا لأنهم فهموا من هاتين الجملتين ذلك، و بنوا على نزولهما معا، و اجتماعهما من حيث الدلالة على مدلول واحد.

و ينتج ذلك أن هذه الآية المعترضة أعني قوله: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم - إلى قوله: - و رضيت لكم الإسلام دينا" كلام واحد متصل بعض أجزائه ببعض مسوق لغرض واحد قائم بمجموع الجملتين من غير تشتت سواء قلنا بارتباطه بالآية المحيطة بها أو لم نقل، فإن ذلك لا يؤثر البتة في كون هذا المجموع كلاما واحدا معترضا لا كلامين ذوي غرضين، و إن اليوم المتكرر في قوله: "اليوم يئس الذين كفروا"، و في قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم"، أريد به يوم واحد يئس فيه الكفار و أكمل فيه الدين.

ثم ما المراد بهذا اليوم الواقع في قوله تعالى: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم"؟ فهل المراد به زمان ظهور الإسلام ببعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و دعوته فيكون المراد أن الله أنزل إليكم الإسلام، و أكمل لكم الدين و أتم عليكم النعمة و أيأس منكم الكفار؟.



لا سبيل إلى ذلك لأن ظاهر السياق أنه كان لهم دين كان الكفار يطمعون في إبطاله أو تغييره، و كان المسلمون يخشونهم على دينهم فأيأس الله الكافرين مما طمعوا فيه و آمن المسلمين و أنه كان ناقصا فأكمله الله و أتم نعمته عليهم و لم يكن لهم قبل الإسلام دين حتى يطمع فيه الكفار أو يكمله الله و يتم نعمته عليهم.

على أن لازم ما ذكر من المعنى أن يتقدم قوله: "اليوم أكملت"، على قوله: "اليوم يئس الذين كفروا"، حتى يستقيم الكلام في نظمه.

أو أن المراد باليوم هو ما بعد فتح مكة حيث أبطل الله فيه كيد مشركي قريش و أذهب شوكتهم، و هدم فيه بنيان دينهم، و كسر أصنامهم فانقطع رجاؤهم أن يقوموا على ساق، و يضادوا الإسلام و يمانعوا نفوذ أمره و انتشار صيته.

لا سبيل إلى ذلك أيضا فإن الآية تدل على إكمال الدين و إتمام النعمة و لما يكمل الدين بفتح مكة - و كان في السنة الثامنة من الهجرة - فكم من فريضة نزلت بعد ذلك، و كم من حلال أو حرام شرع فيما بينه و بين رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

على أن قوله: "الذين كفروا يعم جميع مشركي العرب و لم يكونوا جميعا آيسين من دين المسلمين، و من الدليل عليه أن كثيرا من المعارضات و المواثيق على عدم التعرض كانت باقية بعد على اعتبارها و احترامها، و كانوا يحجون حجة الجاهلية على سنن المشركين، و كانت النساء يحججن عاريات مكشوفات العورة حتى بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) بآيات البراءة فأبطل بقايا رسوم الجاهلية.

أو أن المراد باليوم ما بعد نزول البراءة من الزمان حيث انبسط الإسلام على جزيرة العرب تقريبا، و عفت آثار الشرك، و ماتت سنن الجاهلية فما كان المسلمون يرون في معاهد الدين و مناسك الحج أحدا من المشركين، وصفا لهم الأمر، و أبدلهم الله بعد خوفهم أمنا يعبدونه و لا يشركون به شيئا.

لا سبيل إلى ذلك فإن مشركي العرب و إن أيسوا من دين المسلمين بعد نزول آيات البراءة و طي بساط الشرك من الجزيرة و إعفاء رسوم الجاهلية إلا أن الدين لم يكمل بعد و قد نزلت فرائض و أحكام بعد ذلك و منها ما في هذه السورة: سورة المائدة، و قد اتفقوا على نزولها في آخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و فيها شيء كثير من أحكام الحلال و الحرام و الحدود و القصاص.

فتحصل أنه لا سبيل إلى احتمال أن يكون المراد باليوم في الآية معناه الوسيع مما يناسب مفاد الآية بحسب بادىء النظر كزمان ظهور الدعوة الإسلامية أو ما بعد فتح مكة من الزمان، أو ما بعد نزول آيات البراءة فلا سبيل إلا أن يقال: إن المراد باليوم يوم نزول الآية نفسها، و هو يوم نزول السورة إن كان قوله: "اليوم يئس الذين كفروا"، معترضا مرتبطا بحسب المعنى بالآية المحيطة بها، أو بعد نزول سورة المائدة في أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و ذلك لمكان قوله تعالى: "اليوم أكملت".

فهل المراد باليوم يوم فتح مكة بعينه؟ أو يوم نزول البراءة بعينه؟ يكفي في فساده ما تقدم من الإشكالات الواردة على الاحتمال الثاني و الثالث المتقدمين.



أو أن المراد باليوم هو يوم عرفة من حجة الوداع كما ذكره كثير من المفسرين و به ورد بعض الروايات؟ فما المراد من يأس الذين كفروا يومئذ من دين المسلمين فإن كان المراد باليأس من الدين يأس مشركي قريش من الظهور على دين المسلمين فقد كان ذلك يوم الفتح عام ثمانية لا يوم عرفة من السنة العاشرة، و إن كان المراد يأس مشركي العرب من ذلك فقد كان ذلك عند نزول البراءة و هو في السنة التاسعة من الهجرة، و إن كان المراد به يأس جميع الكفار الشامل لليهود و النصارى و المجوس و غيرهم - و ذلك الذي يقتضيه إطلاق قوله: "الذين كفروا" - فهؤلاء لم يكونوا آيسين من الظهور على المسلمين بعد، و لما يظهر للإسلام قوة و شوكة و غلبة في خارج جزيرة العرب اليوم.

و من جهة أخرى يجب أن نتأمل فيما لهذا اليوم - و هو يوم عرفة تاسع ذي الحجة سنة عشر من الهجرة - من الشأن الذي يناسب قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي" في الآية.

فربما أمكن أن يقال: إن المراد به إكمال أمر الحج بحضور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه فيه، و تعليمه الناس تعليما عمليا مشفوعا بالقول.

لكن فيه أن مجرد تعليمه الناس مناسك حجهم - و قد أمرهم بحج التمتع و لم يلبث دون أن صار مهجورا، و قد تقدمه تشريع أركان الدين من صلاة و صوم و حج و زكاة و جهاد و غير ذلك - لا يصح أن يسمى إكمالا للدين، و كيف يصح أن يسمى تعليم شيء من واجبات الدين إكمالا لذلك الواجب فضلا عن أن يسمى تعليم واجب من واجبات الدين لمجموع الدين.

على أن هذا الاحتمال يوجب انقطاع رابطة الفقرة الأولى أعني قوله: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم بهذه الفقرة أعني قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم" و أي ربط ليأس الكفار عن الدين بتعليم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حج التمتع للناس.

و ربما أمكن أن يقال إن المراد به إكمال الدين بنزول بقايا الحلال و الحرام في هذا اليوم في سورة المائدة، فلا حلال بعده و لا حرام، و بإكمال الدين استولى اليأس على قلوب الكفار، و لاحت آثاره على وجوههم.

لكن يجب أن نتبصر في تمييز هؤلاء الكفار الذين عبر عنهم في الآية بقوله: "الذين كفروا" على هذا التقدير و أنهم من هم؟ فإن أريد بهم كفار العرب فقد كان الإسلام عمهم يومئذ و لم يكن فيهم من يتظاهر بغير الإسلام و هو الإسلام حقيقة، فمن هم الكفار الآيسون؟.

و إن أريد بهم الكفار من غيرهم كسائر العرب من الأمم و الأجيال فقد عرفت آنفا أنهم لم يكونوا آيسين يومئذ من الظهور على المسلمين.

ثم نتبصر في أمر انسداد باب التشريع بنزول سورة المائدة و انقضاء يوم عرفة فقد وردت روايات كثيرة لا يستهان بها عددا بنزول أحكام و فرائض بعد اليوم كما في آية الصيف و آيات الربا، حتى أنه روي عن عمر أنه قال في خطبة خطبها: من آخر القرآن نزولا آية الربا، و إنه مات رسول الله و لم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم، الحديث و روى البخاري في الصحيح، عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية الربا، إلى غير ذلك من الروايات.

و ليس للباحث أن يضعف الروايات فيقدم الآية عليها، لأن الآية ليست بصريحة و لا ظاهرة في كون المراد باليوم فيها هذا اليوم بعينه و إنما هو وجه محتمل يتوقف في تعينه على انتفاء كل احتمال ينافيه، و هذه الأخبار لا تقصر عن الاحتمال المجرد عن السند.

أو يقال: إن المراد بإكمال الدين خلوص البيت الحرام لهم، و إجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون و هم لا يخالطهم المشركون.



و فيه: أنه قد كان صفا الأمر للمسلمين فيما ذكر قبل ذلك بسنة، فما معنى تقييده باليوم في قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم"؟ على أنه لو سلم كون هذا الخلوص إتماما للنعمة لم يسلم كونه إكمالا للدين، و أي معنى لتسمية خلوص البيت إكمالا للدين، و ليس الدين إلا مجموعة من عقائد و أحكام، و ليس إكماله إلا أن يضاف إلى عدد أجزائها و أبعاضها عدد؟ و أما صفاء الجو لإجرائها، و ارتفاع الموانع و المزاحمات عن العمل بها فليس يسمى إكمالا للدين البتة.

على أن إشكال يأس الكفار عن الدين على حاله.

و يمكن أن يقال: إن المراد من إكمال الدين بيان هذه المحرمات بيانا تفصيليا ليأخذ به المسلمون، و يجتنبوها و لا يخشوا الكفار في ذلك لأنهم قد يئسوا من دينهم بإعزاز الله المسلمين، و إظهار دينهم و تغليبهم على الكفار.

توضيح ذلك أن حكمة الاكتفاء في صدر الإسلام بذكر المحرمات الأربعة أعني الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به الواقعة في بعض السور المكية و ترك تفصيل ما يندرج فيها مما كرهه الإسلام للمسلمين من سائر ما ذكر في هذه الآية إلى ما بعد فتح مكة إنما هي التدرج في تحريم هذه الخبائث و التشديد فيها كما كان التدريج في تحريم الخمر لئلا ينفر العرب من الإسلام، و لا يروا فيه حرجا يرجون به رجوع من آمن من فقرائهم و هم أكثر السابقين الأولين.

جاء هذا التفصيل للمحرمات بعد قوة الإسلام، و توسعة الله على أهله و إعزازهم و بعد أن يئس المشركون بذلك من نفور أهله منه، و زال طمعهم في الظهور عليهم، و إزالة دينهم بالقوة القاهرة، فكان المؤمنون أجدر بهم أن لا يبالوهم بالمداراة، و لا يخافوهم على دينهم و على أنفسهم.

فالمراد باليوم يوم عرفة من عام حجة الوداع، و هو اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية المبينة لما بقي من الأحكام التي أبطل بها الإسلام بقايا مهانة الجاهلية و خبائثها و أوهامها، و المبشرة بظهور المسلمين على المشركين ظهورا تاما لا مطمع لهم في زواله، و لا حاجة معه إلى شيء من مداراتهم أو الخوف من عاقبة أمرهم.

فالله سبحانه يخبرهم في الآية أن الكفار أنفسهم قد يئسوا من زوال دينهم و أنه ينبغي لهم - و قد بدلهم بضعفهم قوة، و بخوفهم أمنا، و بفقرهم غنى - أن لا يخشوا غيره تعالى، و ينتهوا عن تفاصيل ما نهى الله عنه في الآية ففيها كمال دينهم.

كذا ذكره بعضهم بتلخيص ما في النقل.

و فيه: أن هذا القائل أراد الجمع بين عدة من الاحتمالات المذكورة ليدفع بكل احتمال ما يتوجه إلى الاحتمال الآخر من الإشكال فتورط بين المحاذير برمتها و أفسد لفظ الآية و معناها جميعا.

فذهل عن أن المراد باليأس إن كان هو اليأس المستند إلى ظهور الإسلام و قوته و هو ما كان بفتح مكة أو بنزول آيات البراءة لم يصح أن يقال يوم عرفة من السنة العاشرة: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم" و قد كانوا يئسوا قبل ذلك بسنة أو سنتين، و إنما اللفظ الوافي له أن يقال: قد يئسوا كما عبر به القائل نفسه في كلامه في توضيح المعنى أو يقال: إنهم آيسون.

و ذهل عن أن هذا التدرج الذي ذكره في محرمات الطعام، و قاس تحريمها بتحريم الخمر إن أريد به التدرج من حيث تحريم بعض الأفراد بعد بعض فقد عرفت أن الآية لا تشتمل على أزيد مما تشتمل عليه آيات التحريم السابقة نزولا على هذه الآية أعني آيات البقرة و الأنعام و النحل، و أن المنخنقة و الموقوذة إلخ من أفراد ما ذكر فيها.



و إن أريد به التدرج من حيث البيان الإجمالي و التفصيلي خوفا من امتناع الناس من القبول ففي غير محله، فإن ما ذكر بالتصريح في السور السابقة على المائدة أعني الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به أغلب مصداقا، و أكثر ابتلاء، و أوقع في قلوب الناس من أمثال المنخنقة و الموقوذة و غيرها، و هي أمور نادرة التحقق و شاذة الوجود، فما بال تلك الأربعة و هي أهم و أوقع و أكثر يصرح بتحريمها من غير خوف من ذلك ثم يتقي من ذكرها ما لا يعبأ بأمره بالإضافة إليها فيتدرج في بيان حرمتها، و يخاف من التصريح بها.

على أن ذلك لو سلم لم يكن إكمالا للدين، و هل يصح أن يسمى تشريع الأحكام دينا و إبلاغها و بيانها إكمالا للدين؟ و لو سلم فإنما ذلك إكمال لبعض الدين و إتمام لبعض النعمة لا للكل و الجميع، و قد قال تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي" فأطلق القول من غير تقييد.

على أنه تعالى قد بين أحكاما كثيرة في أيام كثيرة، فما بال هذا الحكم في هذا اليوم خص بالمزية فسماه الله أو سمى بيانه تفصيلا بإشمال الدين و إتمام النعمة.

أو أن المراد بإكمال الدين إكماله بسد باب التشريع بعد هذه الآية المبينة لتفصيل محرمات الطعام، فما شأن الأحكام النازلة ما بين نزول المائدة و رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ بل ما شأن سائر الأحكام النازلة بعد هذه الآية في سورة المائدة؟ تأمل فيه.

و بعد ذلك كله ما معنى قوله تعالى: "و رضيت لكم الإسلام دينا" - و تقديره: اليوم رضيت إلخ - لو كان المراد بالكلام الامتنان بما ذكر في الآية من المحرمات يوم عرفة من السنة العاشرة؟ و ما وجه اختصاص هذا اليوم بأن الله سبحانه رضي فيه الإسلام دينا، و لا أمر يختص به اليوم مما يناسب هذا الرضا؟.

و بعد ذلك كله يرد على هذا الوجه أكثر الإشكالات الواردة على الوجوه السابقة أو ما يقرب منها مما تقدم بيانه و لا نطيل بالإعادة.

أو أن المراد باليوم واحد من الأيام التي بين عرفة و بين ورود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة على بعض الوجوه المذكورة في معنى يأس الكفار و معنى إكمال الدين.

و فيه من الإشكال ما يرد على غيره على التفصيل المتقدم.

فهذا شطر من البحث عن الآية بحسب السير فيما قيل أو يمكن أن يقال في توجيه معناها، و لنبحث عنها من طريق آخر يناسب طريق البحث الخاص بهذا الكتاب.

قوله: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم" - و اليأس يقابل الرجاء، و الدين إنما نزل من عند الله تدريجا - يدل على أن الكفار قد كان لهم مطمع في دين المسلمين و هو الإسلام، و كانوا يرجون زواله بنحو منذ عهد و زمان، و إن أمرهم ذلك كان يهدد الإسلام حينا بعد حين، و كان الدين منهم على خطر يوما بعد يوم، و إن ذلك كان من حقه أن يحذر منه و يخشاه المؤمنون.

فقوله: "فلا تخشوهم"، تأمين منه سبحانه للمؤمنين مما كانوا منه على خطر، و من تسر به على خشية، قال تعالى: "ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم": آل عمران: 69، و قال تعالى: "ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم و من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا و اصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير": البقرة: 190.

و الكفار لم يكونوا يتربصون الدوائر بالمسلمين إلا لدينهم، و لم يكن يضيق صدورهم و ينصدع قلوبهم إلا من جهة أن الدين كان يذهب بسؤددهم و شرفهم و استرسالهم في اقتراف كل ما تهواه طباعهم، و تألفه و تعتاد به نفوسهم، و يختم على تمتعهم بكل ما يشتهون بلا قيد و شرط.



فقد كان الدين هو المبغوض عندهم دون أهل الدين إلا من جهة دينهم الحق فلم يكن في قصدهم إبادة المسلمين و إفناء جمعهم بل إطفاء نور الله و تحكيم أركان الشرك المتزلزلة المضطربة به، و رد المؤمنين كفارا كما مر في قوله: "لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا" الآية قال تعالى: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم و الله متم نوره و لو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون": الصف: 9.

و قال تعالى: "فادعوا الله مخلصين له الدين و لو كره الكافرون": المؤمن: 14.

و لذلك لم يكن لهم هم إلا أن يقطعوا هذه الشجرة الطيبة من أصلها، و يهدموا هذا البنيان الرفيع من أسه بتفتين المؤمنين و تسرية النفاق في جماعتهم و بث الشبه و الخرافات بينهم لإفساد دينهم.

و قد كانوا يأخذون بادىء الأمر يفترون عزيمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و يستمحقون همته في الدعوة الدينية بالمال و الجاه، كما يشير إليه قوله تعالى: "و انطلق الملأ منهم أن امشوا و اصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد": ص: 6 أو بمخالطة أو مداهنة، كما يشير إليه قوله: "ودوا لو تدهن فيدهنون": القلم: 9، و قوله: "و لو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا": إسراء: 74، و قوله: "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون و لا أنتم عابدون ما أعبد": الكافرون: 3 على ما ورد في أسباب النزول.

و كان آخر ما يرجونه في زوال الدين، و موت الدعوة المحقة، أنه سيموت بموت هذا القائم بأمره و لا عقب له، فإنهم كانوا يرون أنه ملك في صورة النبوة، و سلطنة في لباس الدعوة و الرسالة، فلو مات أو قتل لانقطع أثره و مات ذكره و ذكر دينه على ما هو المشهود عادة من حال السلاطين و الجبابرة أنهم مهما بلغ أمرهم من التعالي و التجبر و ركوب رقاب الناس فإن ذكرهم يموت بموتهم، و سننهم و قوانينهم الحاكمة بين الناس و عليهم تدفن معهم في قبورهم، يشير إلى رجائهم هذا قوله تعالى: "إن شانئك هو الأبتر:" الكوثر: 3 على ما ورد في أسباب النزول.

فقد كان هذه و أمثالها أماني تمكن الرجاء من نفوسهم، و تطمعهم في إطفاء نور الدين، و تزين لأوهامهم أن هذه الدعوة الطاهرة ليست إلا أحدوثة ستكذبه المقادير و يقضي عليها و يعفو أثرها مرور الأيام و الليالي، لكن ظهور الإسلام تدريجا على كل ما نازله من دين و أهله، و انتشار صيته، و اعتلاء كلمته بالشوكة و القوة قضى على هذه الأماني فيئسوا من إفساد عزيمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و إيقاف همته عند بعض ما كان يريده، و تطميعه بمال أو جاه.

قوة الإسلام و شوكته أيأستهم من جميع تلك الأسباب أسباب: - الرجاء - إلا واحدا، و هو أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مقطوع العقب لا ولد له تخلفه في أمره، و يقوم على ما قام عليه من الدعوة الدينية فسيموت دينه بموته، و ذلك أن من البديهي أن كمال الدين من جهة أحكامه و معارفه - و إن بلغ ما بلغ - لا يقوى بنفسه على حفظ نفسه، و أن سنة من السنن المحدثة و الأديان المتبعة لا تبقى على نضارتها و صفائها لا بنفسها و لا بانتشار صيتها و لا بكثرة المنتحلين بها، كما أنها لا تنمحي و لا تنطمس بقهر أو جبر أو تهديد أو فتنة أو عذاب أو غير ذلك إلا بموت حملتها و حفظتها و القائمين بتدبير أمرها.



و من جميع ما تقدم يظهر أن تمام يأس الكفار إنما كان يتحقق عند الاعتبار الصحيح بأن ينصب الله لهذا الدين من يقوم مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حفظه و تدبير أمره، و إرشاد الأمة القائمة به فيتعقب ذلك يأس الذين كفروا من دين المسلمين لما شاهدوا خروج الدين عن مرحلة القيام بالحامل الشخصي إلى مرحلة القيام بالحامل النوعي، و يكون ذلك إكمالا للدين بتحويله من صفة الحدوث إلى صفة البقاء، و إتماما لهذه النعمة، و ليس يبعد أن يكون قوله تعالى: "ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا و اصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير": البقرة: 190 باشتماله على قوله: "حتى يأتي"، إشارة إلى هذا المعنى.

و هذا يؤيد ما ورد من الروايات أن الآية نزلت يوم غدير خم، و هو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر من الهجرة في أمر ولاية علي (عليه السلام)، و على هذا فيرتبط الفقرتان أوضح الارتباط، و لا يرد عليه شيء من الإشكالات المتقدمة.

ثم إنك بعد ما عرفت معنى اليأس في الآية تعرف أن اليوم: "في قوله اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ظرف متعلق بقوله: "يئس" و إن التقديم للدلالة على تفخيم أمر اليوم، و تعظيم شأنه، لما فيه من خروج الدين من مرحلة القيام بالقيم الشخصي إلى مرحلة القيام بالقيم النوعي، و من صفة الظهور و الحدوث إلى صفة البقاء و الدوام.

و لا يقاس الآية بما سيأتي من قوله: "اليوم أحل لكم الطيبات" الآية فإن سياق الآيتين مختلف فقوله: "اليوم يئس"، في سياق الاعتراض، و قوله: "اليوم أحل"، في سياق الاستيناف، و الحكمان مختلفان: فحكم الآية الأولى تكويني مشتمل على البشرى من وجه و التحذير من وجه آخر، و حكم الثانية تشريعي منبىء عن الامتنان.

فقوله: "اليوم يئس"، يدل على تعظيم أمر اليوم لاشتماله على خير عظيم الجدوى و هو يأس الذين كفروا من دين المؤمنين، و المراد بالذين كفروا - كما تقدمت الإشارة إليه - مطلق الكفار من الوثنيين و اليهود و النصارى و غيرهم لمكان الإطلاق.

و أما قوله: "فلا تخشوهم و اخشون" فالنهي إرشادي لا مولوي، معناه أن لا موجب للخشية بعد يأس الذين كنتم في معرض الخطر من قبلهم - و من المعلوم أن الإنسان لا يهم بأمر بعد تمام اليأس من الحصول عليه و لا يسعى إلى ما يعلم ضلال سعيه فيه - فأنتم في أمن من ناحية الكفار، و لا ينبغي لكم مع ذلك الخشية منهم على دينكم فلا تخشوهم و اخشوني.

و من هنا يظهر أن المراد بقوله: "و اخشون" بمقتضى السياق أن اخشوني فيما كان عليكم أن تخشوهم فيه لو لا يأسهم و هو الدين و نزعه من أيديكم، و هذا نوع تهديد للمسلمين كما هو ظاهر، و لهذا لم نحمل الآية على الامتنان.

و يؤيد ما ذكرنا أن الخشية من الله سبحانه واجب على أي تقدير من غير أن يتعلق بوضع دون وضع، و شرط دون شرط، فلا وجه للإضراب من قوله: "فلا تخشوهم" إلى قوله: "و اخشون" لو لا أنها خشية خاصة في مورد خاص.

و لا تقاس الآية بقوله تعالى: "فلا تخافوهم و خافون إن كنتم مؤمنين": آل عمران: 157 لأن الأمر بالخوف من الله في تلك الآية مشروط بالإيمان، و الخطاب مولوي، و مفاده أنه لا يجوز للمؤمنين أن يخافوا الكفار على أنفسهم بل يجب أن يخافوا الله سبحانه وحده.



فالآية تنهاهم عما ليس لهم بحق و هو الخوف منهم على أنفسهم سواء أمروا بالخوف من الله أم لا، و لذلك يعلل ثانيا الأمر بالخوف من الله بقيد مشعر بالتعليل، و هو قوله: "إن كنتم مؤمنين" و هذا بخلاف قوله: "فلا تخشوهم و اخشون" فإن خشيتهم هذه خشية منهم على دينهم، و ليست بمبغوضة لله سبحانه لرجوعها إلى ابتغاء مرضاته بالحقيقة، بل إنما النهي عنها لكون السبب الداعي إليها - و هو عدم يأس الكفار منه - قد ارتفع و سقط أثره فالنهي عنه إرشادي، فكذا الأمر بخشية الله نفسه، و مفاد الكلام أن من الواجب أن تخشوا في أمر الدين، لكن سبب الخشية كان إلى اليوم مع الكفار فكنتم تخشونهم لرجائهم في دينكم و قد يئسوا اليوم و انتقل السبب إلى ما عند الله فاخشوه وحده فافهم ذلك.

فالآية لمكان قوله: "فلا تخشوهم و اخشون" لا تخلو عن تهديد و تحذير، لأن فيه أمرا بخشية خاصة دون الخشية العامة التي تجب على المؤمن على كل تقدير و في جميع الأحوال فلننظر في خصوصية هذه الخشية، و أنه ما هو السبب الموجب لوجوبها و الأمر بها؟.

لا إشكال في أن الفقرتين أعني قوله.

"اليوم يئس"، و قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي"، في الآية مرتبطان مسوقتان لغرض واحد، و قد تقدم بيانه فالدين الذي أكمله الله اليوم، و النعمة التي أتمها اليوم - و هما أمر واحد بحسب الحقيقة - هو الذي كان يطمع فيه الكفار و يخشاهم فيه المؤمنون فأيأسهم الله منه و أكمله و أتمه و نهاهم عن أن يخشوهم فيه، فالذي أمرهم بالخشية من نفسه فيه هو ذاك بعينه و هو أن ينزع الله الدين من أيديهم، و يسلبهم هذه النعمة الموهوبة.

و قد بين الله سبحانه أن لا سبب لسلب النعمة إلا الكفر بها، و هدد الكفور أشد التهديد، قال تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم و أن الله سميع عليم": الأنفال: 53 و قال تعالى: "و من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب": البقرة: 211 و ضرب مثلا كليا لنعمه و ما يئول إليه أمر الكفر بها فقال و "ضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون": النحل: 121.

فالآية أعني قوله: "اليوم يئس - إلى قوله - دينا" تؤذن بأن دين المسلمين في أمن من جهة الكفار، مصون من الخطر المتوجه من قبلهم، و أنه لا يتسرب إليه شيء من طوارق الفساد و الهلاك إلا من قبل المسلمين أنفسهم، و إن ذلك إنما يكون بكفرهم بهذه النعمة التامة، و رفضهم هذا الدين الكامل المرضي، و يومئذ يسلبهم الله نعمته و يغيرها إلى النقمة، و يذيقهم لباس الجوع و الخوف، و قد فعلوا و فعل.

و من أراد الوقوف على مبلغ صدق هذه الآية في ملحمتها المستفادة من قوله: "فلا تخشوهم و اخشون" فعليه أن يتأمل فيما استقر عليه حال العالم الإسلامي اليوم ثم يرجع القهقرى بتحليل الحوادث التاريخية حتى يحصل على أصول القضايا و أعراقها.

و لآيات الولاية في القرآن ارتباط تام بما في هذه الآية من التحذير و الإيعاد و لم يحذر الله العباد عن نفسه في كتابه إلا في باب الولاية، فقال فيها مرة بعد مرة: "و يحذركم الله نفسه": آل عمران: 0382 و تعقيب هذا البحث أزيد من هذا خروج عن طور الكتاب.

قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا" الإكمال و الإتمام متقاربا المعنى، قال الراغب: كمال الشيء حصول ما هو الغرض منه.

و قال: تمام الشيء انتهاؤه إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه.

و الناقص ما يحتاج إلى شيء خارج عنه.

و لك أن تحصل على تشخيص معنى اللفظين من طريق آخر، و هو أن آثار الأشياء التي لها آثار على ضربين.



فضرب منها ما يترتب على الشيء عند وجود جميع أجزائه - إن كان له أجزاء - بحيث لو فقد شيئا من أجزائه أو شرائطه لم يترتب عليه ذلك الأمر كالصوم فإنه يفسد إذا أخل بالإمساك في بعض النهار، و يسمى كون الشيء على هذا الوصف بالتمام، قال تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل": البقرة: 178 و قال: "و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا": الأنعام: 151.

و ضرب آخر: الأثر الذي يترتب على الشيء من غير توقف على حصول جميع أجزائه، بل أثر المجموع كمجموع آثار الأجزاء، فكلما وجد جزء ترتب عليه من الأثر ما هو بحسبه، و لو وجد الجميع ترتب عليه كل الأثر المطلوب منه، قال تعالى: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة": البقرة: 169 و قال: "و لتكملوا العدة": البقرة: 158 فإن هذا العدد يترتب الأثر على بعضه كما يترتب على كله، و يقال: تم لفلان أمره و كمل عقله: و لا يقال تم عقله و كمل أمره.

و أما الفرق بين الإكمال و التكميل، و كذا بين الإتمام و التتميم فإنما هو الفرق بين بابي الإفعال و التفعيل، و هو أن الإفعال بحسب الأصل يدل على الدفعة و التفعيل على التدريج، و إن كان التوسع الكلامي أو التطور اللغوي ربما يتصرف في البابين بتحويلهما إلى ما يبعد من مجرى المجرد أو من أصلهما كالإحسان و التحسين، و الإصداق و التصديق، و الإمداد و التمديد و الإفراط و التفريط، و غير ذلك، فإنما هي معان طرأت بحسب خصوصيات الموارد ثم تمكنت في اللفظ بالاستعمال.

و ينتج ما تقدم أن قوله: "أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي" يفيد أن المراد بالدين هو مجموع المعارف و الأحكام المشرعة و قد أضيف إلى عددها اليوم شيء و إن النعمة أيا ما كانت أمر معنوي واحد كأنه كان ناقصا غير ذي أثر فتمم و ترتب عليه الأثر المتوقع منه.

و النعمة بناء نوع و هي ما يلائم طبع الشيء من غير امتناعه منه، و الأشياء و إن كانت بحسب وقوعها في نظام التدبير متصلة مرتبطة متلائما بعضها مع بعض، و أكثرها أو جميعها نعم إذا أضيفت إلى بعض آخر مفروض كما قال تعالى: "و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها": إبراهيم: 34 و قال: "و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة": لقمان: 20.

إلا أنه تعالى وصف بعضها بالشر و الخسة و اللعب و اللهو و أوصاف أخر غير ممدوحة كما قال: "و لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب مهين": آل عمران: 187، و قال: "و ما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو و لعب و إن الدار الآخرة لهي الحيوان": العنكبوت: 64، و قال: "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم و بئس المهاد": آل عمران: 179 إلى غير ذلك.

و الآيات تدل على أن هذه الأشياء المعدودة نعما إنما تكون نعمة إذا وافقت الغرض الإلهي من خلقتها لأجل الإنسان فإنها إنما خلقت لتكون إمدادا إلهيا للإنسان يتصرف فيها في سبيل سعادته الحقيقية، و هي القرب منه سبحانه بالعبودية و الخضوع للربوبية، قال تعالى: "و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون": الذاريات: 56.



فكل ما تصرف فيه الإنسان للسلوك به إلى حضرة القرب من الله و ابتغاء مرضاته فهو نعمة، و إن انعكس الأمر عاد نقمة في حقه، فالأشياء في نفسها عزل، و إنما هي نعمة لاشتمالها على روح العبودية، و دخولها من حيث التصرف المذكور تحت ولاية الله التي هي تدبير الربوبية لشئون العبد، و لازمه أن النعمة بالحقيقة هي الولاية الإلهية، و أن الشيء إنما يصير نعمة إذا كان مشتملا على شيء منها، قال تعالى: "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور": البقرة: 275، و قال تعالى: "ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا و أن الكافرين لا مولى لهم": محمد: 11 و قال في حق رسوله: "فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما": النساء: 65 إلى غير ذلك.

فالإسلام و هو مجموع ما نزل من عند الله سبحانه ليعبده به عباده دين، و هو من جهة اشتماله - من حيث العمل به - على ولاية الله و ولاية رسوله و أولياء الأمر بعده نعمة.

و لا يتم ولاية الله سبحانه أي تدبيره بالدين لأمور عباده إلا بولاية رسوله، و لا ولاية رسوله إلا بولاية أولي الأمر من بعده، و هي تدبيرهم لأمور الأمة الدينية بإذن من الله قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم": النساء: 59 و قد مر الكلام في معنى الآية، و قال: "إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون": المائدة: 55 و سيجيء الكلام في معنى الآية إن شاء الله تعالى.

فمحصل معنى الآية: اليوم - و هو اليوم الذي يئس فيه الذين كفروا من دينكم - أكملت لكم مجموع المعارف الدينية التي أنزلتها إليكم بفرض الولاية، و أتممت عليكم نعمتي و هي الولاية التي هي إدارة أمور الدين و تدبيرها تدبيرا إلهيا، فإنها كانت إلى اليوم ولاية الله و رسوله، و هي أنما تكفي ما دام الوحي ينزل، و لا تكفي لما بعد ذلك من زمان انقطاع الوحي، و لا رسول بين الناس يحمي دين الله و يذب عنه بل من الواجب أن ينصب من يقوم بذلك، و هو ولي الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القيم على أمور الدين و الأمة.

فالولاية مشروعة واحدة، كانت ناقصة غير تامة حتى إذا تمت بنصب ولي الأمر بعد النبي.

و إذا كمل الدين في تشريعه، و تمت نعمة الولاية فقد رضيت لكم من حيث الدين الإسلام الذي هو دين التوحيد الذي لا يعبد فيه إلا الله و لا يطاع فيه - و الطاعة عبادة - إلا الله و من أمر بطاعته من رسول أو ولي.

فالآية تنبىء عن أن المؤمنين اليوم في أمن بعد خوفهم، و أن الله رضي لهم أن يتدينوا بالإسلام الذي هو دين التوحيد فعليهم أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا بطاعة غير الله أو من أمر بطاعته.

و إذا تدبرت قوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا و من كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون": النور: 55 ثم طبقت فقرات الآية على فقرات قوله تعالى: "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم" إلخ وجدت آية سورة المائدة من مصاديق إنجاز الوعد الذي يشتمل عليه آية سورة النور على أن يكون قوله: "يعبدونني لا يشركون بي شيئا" مسوقا سوق الغاية كما ربما يشعر به قوله: "و من كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون".

و سورة النور قبل المائدة نزولا كما يدل عليه اشتمالها على قصة الإفك و آية الجد و آية الحجاب و غير ذلك.

قوله تعالى: "فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم" المخمصة هي المجاعة، و التجانف هو التمايل من الجنف بالجيم و هو ميل القدمين إلى الخارج مقابل الحنف بالحاء الذي هو ميلهما إلى الداخل.



و في سياق الآية دلالة أولا على أن الحكم حكم ثانوي اضطراري، و ثانيا على أن التجويز و الإباحة مقدر بمقدار يرتفع به الاضطرار و يسكن به ألم الجوع، و ثالثا على أن صفة المغفرة و مثلها الرحمة كما تتعلق بالمعاصي المستوجبة للعقاب كذلك يصح أن تتعلق بمنشئها، و هو الحكم الذي يستتبع مخالفته تحقق عنوان المعصية الذي يستتبع العقاب.

بحث علمي في فصول ثلاثة

1 - العقائد في أكل اللحم:

لا ريب أن الإنسان كسائر الحيوان و النبات مجهز بجهاز التغذي يجذب به إلى نفسه من الأجزاء المادية ما يمكنه أن يعمل فيه ما ينضم بذلك إلى بدنه و ينحفظ به بقاؤه، فلا مانع له بحسب الطبع من أكل ما يقبل الإزدراد و البلع إلا أن يمتنع منه لتضرر أو تنفر.

أما التضرر فهو كان يجد المأكول يضر ببدنه ضرا جسمانيا لمسمومية و نحوها فيمتنع عندئذ عن الأكل، أو يجد الأكل يضر ضرا معنويا كالمحرمات التي في الأديان و الشرائع المختلفة، و هذا القسم امتناع عن الأكل فكري.

و أما التنفر فهو الاستقذار الذي يمتنع معه الطبع عن القرب منه كما أن الإنسان لا يأكل مدفوع نفسه لاستقذاره إياه، و قد شوهد ذلك في بعض الأطفال و المجانين، و يلحق بذلك ما يستند إلى عوامل اعتقادية كالمذهب أو السنن المختلفة الرائجة في المجتمعات المتنوعة مثل أن المسلمين يستقذرون لحم الخنزير، و النصارى يستطيبونه، و يتغذى الغربيون من أنواع الحيوانات أجناسا كثيرة يستقذرها الشرقيون كالسرطان و الضفدع و الفأر و غيرها، و هذا النوع من الامتناع امتناع بالطبع الثاني و القريحة المكتسبة.

فتبين أن الإنسان في التغذي باللحوم على طرائق مختلفة ذات عرض عريض من الاسترسال المطلق إلى الامتناع، و أن استباحته ما استباح منها اتباع للطبع كما أن امتناعه عما يمتنع عنه أنما هو عن فكر أو طبع ثانوي.

و قد حرمت سنة بوذا أكل لحوم الحيوانات عامة، و هذا تفريط يقابله في جانب الإفراط ما كان دائرا بين أقوام متوحشين من إفريقية و غيرها إنهم كانوا يأكلون أنواع اللحوم حتى لحم الإنسان.

و قد كانت العرب تأكل لحوم الأنعام و غيرها من الحيوان حتى أمثال الفأر و الوزغ، و تأكل من الأنعام ما قتلته بذبح و نحوه، و تأكل غير ذلك كالميتة بجميع أقسامها كالمنخنقة و الموقوذة و المتردية و النطيحة و ما أكل السبع، و كان القائل منهم يقول: ما لكم تأكلون مما قتلتموه و لا تأكلون مما قتله الله؟! كما ربما يتفوه بمثله اليوم كثيرون؟ يقول قائلهم: ما الفارق بين اللحم و اللحم إذا لم يتضرر به بدن الإنسان و لو بعلاج طبي فنى فجهاز التغذي لا يفرق بين هذا و ذاك.

و كانت العرب أيضا تأكل الدم، كانوا يملئون المعى من الدم و يشوونه و يطعمونه الضيف، و كانوا إذا أجدبوا جرحوا إبلهم بالنصال و شربوا ما ينزل من الدم، و أكل الدم رائج اليوم بين كثير من الأمم غير المسلمة.

و أهل الصين من الوثنية أوسع منهم سنة، فهم - على ما ينقل - يأكلون أصناف الحيوان حتى الكلب و الهر و حتى الديدان و الأصداف و سائر الحشرات.

و قد أخذ الإسلام في ذلك طريقا وسطا فأباح من اللحوم ما تستطيعه الطباع المعتدلة من الإنسان، ثم فسره في ذوات الأربع بالبهائم كالضأن و المعز و البقر و الإبل على كراهية في بعضها كالفرس و الحمار، و في الطير - بغير الجوارح - مما له حوصلة و دفيف و لا مخلب له، و في حيوان البحر ببعض أنواع السمك على التفصيل المذكور في كتب الفقه.



ثم حرم دماءها و كل ميتة منها و ما لم يذك بالإهلال به لله عز اسمه، و الغرض في ذلك أن تحيا سنة الفطرة، و هي إقبال الإنسان على أصل أكل اللحم، و يحترم الفكر الصحيح و الطبع المستقيم اللذين يمتنعان من تجويز ما فيه الضرر نوعا، و تجويز ما يستقذر و يتنفر منه.

2 - كيف أمر بقتل الحيوان و الرحمة تأباه؟

ربما يسأل السائل فيقول إن الحيوان ذو روح شاعرة بما يشعر به الإنسان من ألم العذاب و مرارة الفناء و الموت و غريزة حب الذات التي تبعثنا إلى الحذر من كل مكروه و الفرار من ألم العذاب و الموت تستدعي الرحمة لغيرنا من أفراد النوع لأنه يؤلمهم ما يؤلمنا، و يشق عليهم ما يشق علينا، و النفوس سواء.

و هذا القياس جار بعينه في سائر أنواع الحيوان، فكيف يسوغ لنا أن نعذبهم بما نتعذب به، و نبدل لهم حلاوة الحياة من مرارة الموت، و نحرمهم نعمة البقاء التي هي أشرف نعمة؟ و الله سبحانه أرحم الراحمين فكيف يسع رحمته أن يأمر بقتل حيوان ليلتذ به إنسان و هما جميعا في أنهما خلقه سواء؟.

و الجواب عنه أنه من تحكيم العواطف على الحقائق و التشريع إنما يتبع المصالح الحقيقية دون العواطف الوهمية.

توضيح ذلك أنك إذا تتبعت الموجودات التي تحت مشاهدتك بالميسور مما عندك وجدتها في تكونها و بقائها تابعة لناموس التحول، فما من شيء إلا و في إمكانه أن يتحول إلى آخر، و أن يتحول الآخر إليه بغير واسطة أو بواسطة، لا يوجد واحد إلا و يعدم آخر، و لا يبقى هذا إلا و يفني ذاك، فعالم المادة عالم التبديل، و التبدل و إن شئت فقل: عالم الآكل و المأكول.

فالمركبات الأرضية تأكل الأرض بضمها إلى أنفسها و تصويرها بصورة تناسبها أو تختص بها ثم الأرض تأكلها و تفنيها.

ثم النبات يتغذى بالأرض و يستنشق الهواء ثم الأرض تأكله و تجزئه إلى أجزائه الأصلية و عناصره الأولية، و لا يزال أحدهما يراجع الآخر.

ثم الحيوان يتغذى بالنبات و الماء و يستنشق الهواء، و بعض أنواعه يتغذى ببعض كالسباع تأكل لحوم غيرها بالاصطياد، و جوارح الطير تأكل أمثال الحمام و العصافير لا يسعها بحسب جهاز التغذي الذي يخصها إلا ذلك، و هي تتغذى بالحبوب و أمثال الذباب و البق و البعوض و هي تتغذى بدم الإنسان و سائر الحيوان و نحوه، ثم الأرض تأكل الجميع.

فنظام التكوين و ناموس الخلقة الذي له الحكومة المطلقة المتبعة على الموجودات هو الذي وضع حكم التغذي باللحوم و نحوها، ثم هدى أجزاء الوجود إلى ذلك، و هو الذي سوى الإنسان تسوية صالحة للتغذي بالحيوان و النبات جميعا.

و في مقدم جهازه الغذائي أسنانه المنضودة نضدا صالحا للقطع و الكسر و النهش و الطحن من ثنايا و رباعيات و أنياب و طواحن، فلا هو مثل الغنم و البقر من الأنعام لا تستطيع قطعا و نهشا، و لا هو كالسباع لا تستطيع طحنا و مضغا.

ثم القوة الذائقة المعدة في فمه التي تستلذ طعم اللحوم ثم الشهوة المودعة في سائر أعضاء هضمه جميع هذه تستطيب اللحوم و تشتهيها.

كل ذلك هداية تكوينية و إباحة من مؤتمن الخلقة، و هل يمكن الفرق بين الهداية التكوينية، و إباحة العمل المهدي إليه بتسليم أحدهما و إنكار الآخر؟.

و الإسلام دين فطري لا هم له إلا إحياء آثار الفطرة التي أعفتها الجهالة الإنسانية، فلا مناص من أن يستباح به ما تهدي إليه الخلقة و تقضي به الفطرة.



و هو كما يحيي بالتشريع هذا الحكم الفطري يحيي أحكاما أخرى وضعها واضع التكوين، و هو ما تقدم ذكره من الموانع من الاسترسال في حكم التغذي أعني حكم العقل بوجوب اجتناب ما فيه ضرر جسماني أو معنوي من اللحوم، و حكم الإحساسات و العواطف الباطنية بالتحذر و الامتناع عما يستقذره و يتنفر منه الطباع المستقيمة، و هذان الحكمان أيضا ينتهي أصولهما إلى تصرف من التكوين، و قد اعتبرهما الإسلام فحرم ما يضر نماء الجسم، و حرم ما يضر بمصالح المجتمع الإنساني، مثل ما أهل به لغير الله، و ما اكتسب من طريق الميسر و الاستقسام بالأزلام و نحو ذلك، و حرم الخبائث التي تستقذرها الطباع.

و أما حديث الرحمة المانعة من التعذيب و القتل فلا شك أن الرحمة موهبة لطيفة تكوينية أودعت في فطرة الإنسان و كثير مما اعتبرنا حاله من الحيوان، إلا أن التكوين لم يوجدها لتحكم في الأمور حكومة مطلقة و تطاع طاعة مطلقة، فالتكوين نفسه لا يستعمل الرحمة استعمالا مطلقا، و لو كان ذلك لم يوجد في دار الوجود أثر من الآلام و الأسقام و المصائب و أنواع العذاب.

ثم الرحمة الإنسانية في نفسها ليست خلقا فاضلا على الإطلاق كالعدل، و لو كان كذلك لم يحسن أن نؤاخذ ظالما على ظلمه أو نجازي مجرما على جرمه و لا أن نقابل عدوانا بعدوان و فيه هلاك الأرض و من عليها.

و مع ذلك لم يهمل الإسلام أمر الرحمة بما أنها من مواهب التكوين، فأمر بنشر الرحمة عموما، و نهى عن زجر الحيوان في القتل، و نهى عن قطع أعضاء الحيوان المذبوح و سلخه قبل زهاق روحه - و من هذا الباب تحريم المنخنقة و الموقوذة - و نهى عن قتل الحيوان و آخر ينظر إليه، و وضع للتذكية أرفق الأحكام بالحيوان المذبوح و أمر بعرض الماء عليه و نحو ذلك مما يوجد تفصيله في كتب الفقه.

و مع ذلك كله الإسلام دين التعقل لا دين العاطفة فلا يقدم حكم العاطفة على الأحكام المصلحة لنظام المجتمع الإنساني و لا يعتبر منه إلا ما اعتبره العقل، و مرجع ذلك إلى اتباع حكم العقل.

و أما حديث الرحمة الإلهية و أنه تعالى أرحم الراحمين، فهو تعالى غير متصف بالرحمة بمعنى رقة القلب أو التأثر الشعوري الخاص الباعث للراحم على التلطف بالمرحوم، فإن ذلك صفة جسمانية مادية تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل معناها إفاضته تعالى الخير على مستحقه بمقدار ما يستحقه، و لذلك ربما كان ما نعده عذابا رحمة منه تعالى و بالعكس، فليس من الجائز في الحكمة أن يبطل مصلحة من مصالح التدبير في التشريع اتباعا لما تقترحه عاطفة الرحمة الكاذبة التي فينا، أو يساهل في جعل الشرائع محاذية للواقعيات.

فتبين من جميع ما مر أن الإسلام يحاكي في تجويز أكل اللحوم و في القيود التي قيد بها الإباحة و الشرائط التي اشترطها جميعا أمر الفطرة: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم!.

3 - لما ذا بني الإسلام على التذكية؟

و هذا سؤال آخر يتفرع على السؤال المتقدم، و هو أنا سلمنا أن أكل اللحوم مما تبيحه الفطرة و الخلقة فهلا اقتصر في ذلك بما يحصل على الصدفة و نحوها بأن يقتصر في اللحوم بما يهيئه الموت العارض حتف الأنف، فيجمع في ذلك بين حكم التكوين بالجواز، و حكم الرحمة بالإمساك عن تعذيب الحيوان و زجره بالقتل أو الذبح من غير أن يعدل عن ذلك إلى التذكية و الذبح؟.

و قد تبين الجواب عنه مما تقدم في الفصل الثاني، فإن الرحمة بهذا المعنى غير واجب الاتباع بل اتباعه يفضي إلى إبطال أحكام الحقائق.

و قد عرفت أن الإسلام مع ذلك لم يأل جهدا في الأمر بإعمال الرحمة قدر ما يمكن في هذا الباب حفظا لهذه الملكة اللطيفة بين النوع.



على أن الاقتصار على إباحة الميتة و أمثالها مما لا ينتج التغذي به إلا فساد المزاج و مضار الأبدان هو بنفسه خلاف الرحمة، و بعد ذلك كله لا يخلو عن الحرج العام الواجب نفيه.

بحث روائي

في تفسير العياشي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزلت آية: "يا أيها الذين آمنوا" إلا و علي شريفها و أميرها، و لقد عاتب الله أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير مكان و ما ذكر عليا إلا بخير:. أقول: و روي في تفسير البرهان، عن موفق بن أحمد، عن عكرمة، عن ابن عباس: مثله إلى قوله: و أميرها. و رواه أيضا العياشي عن عكرمة.

و قد نقلنا الحديث سابقا عن الدر المنثور.

و في بعض الروايات عن الرضا (عليه السلام) قال: ليس في القرآن "يا أيها الذين آمنوا" إلا في حقنا و هو من الجري أو من باطن التنزيل.

و فيه، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود قال: العهود:. أقول: و رواه القمي، أيضا في تفسيره عنه. و في التهذيب، مسندا عن محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن قول الله عز و جل: "أحلت لكم بهيمة الأنعام" فقال: الجنين في بطن أمه إذا أشعر و أوبر فذكاته ذكاة أمه الذي عنى الله تعالى:. أقول: و الحديث مروي في الكافي، و الفقيه، عنه عن أحدهما، و روى هذا المعنى العياشي في تفسيره عن محمد بن مسلم عن أحدهما، و عن زرارة عن الصادق (عليه السلام)، و رواه القمي في تفسيره، و رواه في المجمع، عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام).



و في تفسير القمي،: في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله" الآية الشعائر: الإحرام و الطواف و الصلاة في مقام إبراهيم و السعي بين الصفا و المروة، و المناسك كلها من شعائر الله، و من الشعائر إذا ساق الرجل بدنة في حج ثم أشعرها أي قطع سنامها أو جلدها أو قلدها ليعلم الناس أنها هدي فلا يتعرض لها أحد. و إنما سميت الشعائر ليشعر الناس بها فيعرفوها، و قوله: "و لا الشهر الحرام" و هو ذو الحجة و هو من الأشهر الحرم، و قوله: "و لا الهدي" و هو الذي يسوقه إذا أحرم المحرم، و قوله: "و لا القلائد" قال: يقلدها النعل التي قد صلى فيها. قوله: "و لا آمين البيت الحرام" قال: الذين يحجون البيت و في المجمع، قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): نزلت هذه الآية في رجل من بني ربيعة يقال له: الحطم. قال: و قال السدي: أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده و خلف خيله خارج المدينة فقال: إلى ما تدعو؟ و قد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لأصحابه: يدخل عليكم اليوم رجل من بني ربيعة يتكلم بلسان شيطان فلما أجابه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال؟ أنظرني لعلي أسلم و لي من أشاوره، فخرج من عنده فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد دخل بوجه كافر، و خرج بعقب غادر، فمر بسرح من سروح المدينة فساقه و انطلق به و هو يرتجز و يقول: قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل و لا غنم. و لا بجزار على ظهر وضم باتوا نياما و ابن هند لم ينم. بات يقاسيها غلام كالزلم خدلج الساقين ممسوح القدم. ثم أقبل من عام قابل حاجا قد قلد هديا فأراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبعث إليه فنزلت هذه الآية: "و لا آمين البيت الحرام". قال: و قال ابن زيد: نزلت يوم الفتح في ناس يؤمون البيت من المشركين يهلون بعمرة، فقال المسلمون: يا رسول الله إن هؤلاء مشركون مثل هؤلاء دعنا نغير عليهم فأنزل الله تعالى الآية.

أقول: روى الطبري القصة عن السدي و عكرمة، و القصة الثانية عن ابن زيد و روي في الدر المنثور، القصة الثانية عن ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم و فيه: أنه كان يوم الحديبية.

و القصتان جميعا لا توافقان ما هو كالمتسلم عليه عند المفسرين و أهل النقل أن سورة المائدة نزلت في حجة الوداع، إذ لو كان كذلك كان قوله: "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا": البراءة: 28، و قوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم": البراءة: 5 الآيتان جميعا نازلتين قبل قوله: "و لا آمين البيت الحرام" و لا محل حينئذ للنهي عن التعرض للمشركين إذا قصدوا البيت الحرام.

و لعل شيئا من هاتين القصتين أو ما يشابههما هو السبب لما نقل عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك: أن قوله: "و لا آمين البيت الحرام" منسوب بقوله: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" الآية و قوله: "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام" الآية، و قد وقع حديث النسخ في تفسير القمي، و ظاهره أنه رواية.

و مع ذلك كله تأخر سورة المائدة نزولا يدفع ذلك كله، و قد ورد من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أنها ناسخة غير منسوخة على أن قوله تعالى فيها: "اليوم أكملت لكم دينكم" الآية يأبى أن يطرء على بعض آيها نسخ و على هذا يكون مفاد قوله: "و لا آمين البيت الحرام" كالمفسر بقوله بعد: "و لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا"، أي لا تذهبوا بحرمة البيت بالتعرض لقاصديه لتعرض منهم لكم قبل هذا، و لا غير هؤلاء ممن صدوكم قبلا عن المسجد الحرام أن تعتدوا عليهم بإثم كالقتل أو عدوان كالذي دون القتل من الظلم بل تعاونوا على البر و التقوى.

و في الدر المنثور،: أخرج أحمد و عبد بن حميد: في هذه الآية يعني قوله: "و تعاونوا على البر" الآية: و البخاري في تاريخه، عن وابصة قال: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أنا لا أريد أن أدع شيئا من البر و الإثم إلا سألته عنه فقال لي: يا وابصة أخبرك عما جئت تسأل عنه أم تسأل؟ قلت: يا رسول الله أخبرني قال: جئت لتسأل عن البر و الإثم، ثم جمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري و يقول: يا وابصة استفت قبلك استفت نفسك البر ما اطمأن إليه القلب و اطمأنت إليه النفس، و الإثم ما حاك في القلب، و تردد في الصدر و إن أفتاك الناس و أفتوك. و فيه:، أخرج أحمد و عبد بن حميد و ابن حبان و الطبراني و الحاكم و صححه و البيهقي عن أبي أمامة: أن رجلا سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الإثم فقال: ما حاك في نفسك فدعه. قال: فما الإيمان؟ قال: من ساءته سيئته و سرته حسنته فهو مؤمن. و فيه: أخرج ابن أبي شيبة و أحمد و البخاري في الأدب و مسلم و الترمذي و الحاكم و البيهقي في الشعب عن النواس بن سمعان قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البر و الإثم فقال: البر حسن الخلق و الإثم ما حاك في نفسك و كرهت أن يطلع عليه الناس.



أقول: الروايات - كما ترى - تبتني على قوله تعالى: "و نفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها": الشمس: 8 و تؤيد ما تقدم من معنى الإثم.

و في المجمع: و اختلف في هذا يعني قوله: و لا آمين البيت الحرام فقيل: منسوخ بقوله: "اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" عن أكثر المفسرين، و قيل: ما نسخ من هذه السورة شيء، و لا من هذه الآية، لأنه لا يجوز أن يبتدأ المشركون في الأشهر الحرم بالقتال إلا إذا قاتلوا: ثم قال و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و في الفقيه، بإسناده عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) أنه قال: الميتة و الدم و لحم الخنزير معروف، و ما أهل لغير الله به يعني ما ذبح على الأصنام، و أما المنخنقة فإن المجوس كانوا لا يأكلون الذبائح و يأكلون الميتة، و كانوا يخنقون البقر و الغنم فإذا خنقت و ماتت أكلوها، و الموقوذة كانوا يشدون أرجلها و يضربونها حتى تموت فإذا ماتت أكلوها، و المتردية كانوا يشدون عينها و يلقونها عن السطح فإذا ماتت أكلوها، و النطيحة كانوا يتناطحون بالكباش فإذا مات أحدهما أكلوه، و ما أكل السبع إلا ما ذكيتم فكانوا يأكلون ما يقتله الذئب و الأسد و الدب فحرم الله عز و جل ذلك، و ما ذبح على النصب كانوا يذبحون لبيوت النيران، و قريش كانوا يعبدون الشجر و الصخر فيذبحون لهما، و أن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق قال: كانوا يعمدون إلى جزور فيجتزون عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام فيدفعونها إلى رجل و السهام عشرة، و هي: سبعة لها أنصباء، و ثلاثة لا أنصباء لها. فالتي لها أنصباء: الفذ و التوأم و المسبل و النافس و الحلس و الرقيب و المعلى، فالفذ له سهم، و التوأم له سهمان، و المسبل له ثلاثة أسهم، و النافس له أربعة أسهم، و الحلس له خمسة أسهم، و الرقيب له ستة أسهم، و المعلى له سبعة أسهم. و التي لا أنصباء لها: السفيح، و المنيح، و الوغد و ثمن الجزور على من لم يخرج له من الأنصباء شيء و هو القمار فحرمه الله.

أقول: و ما ذكر في الرواية في تفسير المنخنقة و الموقوذة و المتردية من قبيل البيان بالمثال كما يظهر من الرواية التالية، و كذا ذكر قوله:، إلا ما ذكيتم مع قوله: "و ما أكل السبع" و قوله: "ذلكم فسق مع قوله و أن تستقسموا بالأزلام" لا دلالة فيه على التقييد.



و في تفسير العياشي، عن عيوق بن قسوط: عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله: "المنخنقة" قال: التي تنخنق في رباطها "و الموقوذة" المريضة التي لا تجد ألم الذبح و لا تضطرب و لا تخرج لها دم و "المتردية" التي تردى من فوق بيت أو نحوه "و النطيحة" التي تنطح صاحبها. و فيه، عن الحسن بن علي الوشاء عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: المتردية و النطيحة و ما أكل السبع أن أدركت ذكاته فكله. و فيه، عن محمد بن عبد الله عن بعض أصحابه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك لم حرم الله الميتة و الدم و لحم الخنزير؟ فقال: إن الله تبارك و تعالى لم يحرم ذلك على عباده و أحل لهم ما سواه من رغبة منه تبارك و تعالى فيما حرم عليهم، و لا زهد فيما أحل لهم، و لكنه خلق الخلق، و علم ما يقوم به أبدانهم و ما يصلحهم فأحله و أباحه تفضلا منه عليهم لمصلحتهم، و علم ما يضرهم فنهاهم عنه و حرمه عليهم ثم أباحه للمضطر و أحله لهم في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك. ثم قال: أما الميتة فإنه لا يدنو منها أحد و لا يأكلها إلا ضعف بدنه، و نحل جسمه، و وهنت قوته، و انقطع نسله، و لا يموت آكل الميتة إلا فجأة. و أما الدم فإنه يورث الكلب، و قسوة القلب، و قلة الرأفة و الرحمة، لا يؤمن أن يقتل ولده و والديه، و لا يؤمن على حميمه، و لا يؤمن على من صحبه. و أما لحم الخنزير فإن الله مسخ قوما في صور شتى شبه الخنزير و القرد و الدب و ما كان من الأمساخ ثم نهى عن أكل مثله لكي لا ينقع بها و لا يستخف بعقوبته. و أما الخمر فإنه حرمها لفعلها و فسادها، و قال. إن مدمن الخمر كعابد وثن و يورثه ارتعاشا و يذهب بنوره، و ينهدم مروته، و يحمله على أن يكسب على المحارم من سفك الدماء و ركوب الزنا، و لا يؤمن إذا سكر أن يثبت على حرمة و هو لا يعقل ذلك، و الخمر لم يؤد شاربها إلا إلى كل شر.

بحث روائي آخر

في غاية المرام، عن أبي المؤيد موفق بن أحمد في كتاب فضائل علي، قال: أخبرني سيد الحفاظ شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي فيما كتب إلي من همدان، أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس الهمداني كتابة، حدثنا عبد الله بن إسحاق البغوي، حدثنا الحسين بن عليل الغنوي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الزراع، حدثنا قيس بن حفص، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو هريرة عن أبي سعيد الخدري: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم دعا الناس إلى غدير خم أمر بما تحت الشجرة من شوك فقم، و ذلك يوم الخميس يوم دعا الناس إلى علي و أخذ بضبعه ثم رفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيه ثم لم يفترقا حتى نزلت هذه الآية: "اليوم أكملت لكم دينكم - و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا" فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الله أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الرب برسالتي و الولاية لعلي، ثم قال: اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله. و قال حسان بن ثابت: أ تأذن لي يا رسول الله أن أقول أبياتا؟ قال: قل ينزله الله تعالى، فقال حسان بن ثابت: يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم و أسمع بالنبي مناديا. بأني مولاكم نعم و وليكم فقالوا و لم يبدو هناك التعاميا. إلهك مولانا و أنت ولينا و لا تجدن في الخلق للأمر عاصيا. فقال له قم يا علي فإنني رضيتك من بعدي إماما و هاديا و عن كتاب نزول القرآن، في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للحافظ أبي نعيم رفعه إلى قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري: مثله، و قال في آخر الأبيات: فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أنصار صدق مواليا. هناك دعا اللهم وال وليه و كن للذي عادى عليا معاديا و عن نزول القرآن، أيضا يرفعه إلى علي بن عامر عن أبي الحجاف عن الأعمش عن عضة قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي بن أبي طالب: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك" و قد قال الله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم - و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا".

و عن إبراهيم بن محمد الحمويني قال: أنبأني الشيخ تاج الدين أبو طالب علي بن الحسين بن عثمان بن عبد الله الخازن، قال: أنبأنا الإمام برهان الدين ناصر بن أبي المكارم المطرزي إجازة، قال: أنبأنا الإمام أخطب خوارزم أبو المؤيد موفق بن أحمد المكي الخوارزمي، قال: أنبأني سيد الحفاظ في ما كتب إلي من همدان، أنبأنا الرئيس أبو الفتح كتابة، حدثنا عبد الله بن إسحاق البغوي، نبأنا الحسن بن عقيل الغنوي، نبأنا محمد بن عبد الله الزراع، نبأنا قيس بن حفص قال: حدثني علي بن الحسين العبدي عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، و ذكر مثل الحديث الأول.



و عن الحمويني أيضا عن سيد الحفاظ و أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقرىء الحافظ عن أحمد بن عبد الله بن أحمد، قال: نبأنا محمد بن أحمد بن علي، قال: نبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: نبأنا يحيى الحماني، قال: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، و ذكر مثل الحديث الأول.

قال: قال الحمويني عقيب هذا الحديث: هذا حديث له طرق كثيرة إلى أبي سعيد سعد بن مالك الخدري الأنصاري.

و عن المناقب الفاخرة، للسيد الرضي رحمه الله عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر، عن أبيه عن جده قال: لما انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجة الوداع نزل أرضا يقال له: ضوجان، فنزلت هذه الآية: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس" فلما نزلت عصمته من الناس نادى: الصلاة جامعة فاجتمع الناس إليه، و قال: من أولى منكم بأنفسكم: فضجوا بأجمعهم فقالوا: الله و رسوله فأخذ بيد علي بن أبي طالب، و قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله لأنه مني و أنا منه، و هو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي و كانت آخر فريضة فرضها الله تعالى على أمة محمد ثم أنزل الله تعالى على نبيه: "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي - و رضيت لكم الإسلام دينا". قال أبو جعفر: فقبلوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كل ما أمرهم الله من الفرائض في الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج، و صدقوه على ذلك. قال ابن إسحاق: قلت لأبي جعفر: ما كان ذلك؟ قال لتسع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة عشرة عند منصرفه من حجة الوداع، و كان بين ذلك و بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مائة يوم و كان سمع رسول الله بغدير خم اثنا عشر. و عن المناقب، لابن المغازلي يرفعه إلى أبي هريرة قال: من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب الله له صيامه ستين شهرا، و هو يوم غدير خم، بها أخذ النبي بيعة علي بن أبي طالب، و قال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره، فقال له عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة، فأنزل الله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت".

و عن المناقب، لابن مردويه و كتاب سرقات الشعر، للمرزباني عن أبي سعيد الخدري مثل ما تقدم عن الخطيب.

أقول: و روى الحديثين في الدر المنثور، عن أبي سعيد و أبي هريرة و وصف سنديهما بالضعف.

و قد روي بطرق كثيرة تنتهي من الصحابة لو دقق فيها إلى عمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و معاوية و سمرة: أن الآية نزلت يوم عرفة من حجة الوداع و كان يوم الجمعة، و المعتمد منها ما روي عن عمر فقد رواه عن الحميدي و عبد بن حميد و أحمد البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن حبان و البيهقي في سننه عن طارق بن شهاب عن عمر، و عن ابن راهويه في مسنده و عبد بن حميد عن أبي العالية عن عمر، و عن ابن جرير عن قبيصة بن أبي ذؤيب عن عمر، و عن البزاز عن ابن عباس، و الظاهر أنه يروي عن عمر.



ثم أقول: أما ما ذكره من ضعف سندي الحديثين فلا يجديه في ضعف المتن شيئا فقد أوضحنا في البيان المتقدم إن مفاد الآية الكريمة لا يلائم غير ذلك من جميع الاحتمالات و المعاني المذكورة فيها، فهاتان الروايتان و ما في معناهما هي الموافقة للكتاب من بين جميع الروايات فهي المتعينة للأخذ.

على أن هذه الأحاديث الدالة على نزول الآية في مسألة الولاية - و هي تزيد على عشرين حديثا من طرق أهل السنة و الشيعة - مرتبطة بما ورد في سبب نزول قوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك": الآية المائدة: 67 و هي تربو على خمسة عشر حديثا رواها الفريقان، و الجميع مرتبط بحديث الغدير: "من كنت مولاه فعلي مولاه" و هو حديث متواتر مروي عن جم غفير من الصحابة، اعترف بتواتره جمع كثير من علماء الفريقين.

و من المتفق عليه أن ذلك كان في منصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة إلى المدينة.

و هذه الولاية لو لم تحمل على الهزل و التهكم فريضة من الفرائض كالتولي و التبري اللذين نص عليهما القرآن في آيات كثيرة، و إذا كان كذلك لم يجز أن يتأخر جعلها نزول الآية أعني قوله: "اليوم أكملت"، فالآية إنما نزلت بعد فرضها من الله سبحانه، و لا اعتماد على ما ينافي ذلك من الروايات لو كانت منافية.

و أما ما رواه من الرواية فقد عرفت ما ينبغي أن يقال فيها غير أن هاهنا أمرا يجب التنبه له، و هو أن التدبر في الآيتين الكريمتين: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته" الآية على ما سيجيء من بيان معناه، و قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم" الآية و الأحاديث الواردة من طرق الفريقين فيهما و روايات الغدير المتواترة، و كذا دراسة أوضاع المجتمع الإسلامي الداخلية في أواخر عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و البحث العميق فيها يفيد القطع بأن أمر الولاية كان نازلا قبل يوم الغدير بأيام، و كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يتقي الناس في إظهاره، و يخاف أن لا يتلقوه بالقبول أو يسيئوا القصد إليه فيختل أمر الدعوة، فكان لا يزال يؤخر تبليغه الناس من يوم إلى غد حتى نزل قوله: "يا أيها الرسول بلغ" الآية فلم يمهل في ذلك.

و على هذا فمن الجائز أن ينزل الله سبحانه معظم السورة و فيه قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم" الآية و ينزل معه أمر الولاية كل ذلك يوم عرفة فأخر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيان الولاية إلى غدير خم، و قد كان تلا آيتها يوم عرفة و أما اشتمال بعض الروايات على نزولها يوم الغدير فليس من المستبعد أن يكون ذلك لتلاوته (صلى الله عليه وآله وسلم) الآية مقارنة لتبليغ أمر الولاية لكونها في شأنها.

و على هذا فلا تنافي بين الروايات أعني ما دل على نزول الآية في أمر الولاية، و ما دل على نزولها يوم عرفة كما روي عن عمر و علي و معاوية و سمرة، فإن التنافي إنما كان يتحقق لو دل أحد القبيلين على النزول يوم غدير خم، و الآخر على النزول على يوم عرفة.

و أما ما في القبيل الثاني من الروايات أن الآية تدل على كمال الدين بالحج و ما أشبهه فهو من فهم الراوي لا ينطبق به الكتاب و لا بيان من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعتمد عليه.



و ربما استفيد هذا الذي ذكرناه مما رواه العياشي في تفسيره، عن جعفر بن محمد بن محمد الخزاعي عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لما نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عرفات يوم الجمعة أتاه جبرئيل فقال له: إن الله يقرئك السلام، و يقول لك: قل لأمتك: اليوم أكملت دينكم بولاية علي بن أبي طالب و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا و لست أنزل عليكم بعد هذا، قد أنزلت عليكم الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج، و هي الخامسة، و لست أقبل عليكم بعد هذه الأربعة إلا بها.

على أن فيما نقل عن عمر من نزول الآية يوم عرفة إشكالا آخر، و هو أنها جميعا تذكر أن بعض أهل الكتاب و في بعضها: أنه كعب قال لعمر: إن في القرآن آية لو نزلت مثلها علينا معشر اليهود لاتخذنا اليوم الذي نزلت فيه عيدا، و هي قوله: "اليوم أكملت لكم دينكم" الآية فقال له عمر: و الله إني لأعلم اليوم و هو يوم عرفة من حجة الوداع. و لفظ ما رواه ابن راهويه و عبد بن حميد عن أبي العالية هكذا: قال كانوا عند عمر فذكروا هذه الآية، فقال رجل من أهل الكتاب: لو علمنا أي يوم نزلت هذه الآية لاتخذناه عيدا، فقال عمر الحمد لله الذي جعله لنا عيدا و اليوم الثاني، نزلت يوم عرفة و اليوم الثاني يوم النحر فأكمل لنا الأمر فعلمنا أن الأمر بعد ذلك في انتقاص. و ما يتضمنه آخر الرواية مروي بشكل آخر ففي الدر المنثور: عن ابن أبي شيبة و ابن جرير عن عنترة قال: لما نزلت "اليوم أكملت لكم دينكم" و ذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص، فقال: صدقت.

و نظيره الرواية بوجه رواية أخرى رواها أيضا في الدر المنثور، عن أحمد عن علقمة بن عبد الله المزني قال: حدثني رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطاب فقال عمر لرجل من القوم: كيف سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينعت الإسلام؟ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن الإسلام بدىء جذعا ثم ثنيا ثم رباعيا ثم سدسيا ثم بازلا. قال عمر: فما بعد البزول إلا النقصان.

فهذه الروايات - كما ترى - تروم بيان أن معنى نزول الآية يوم عرفة إلفات نظر الناس إلى ما كانوا يشاهدونه من ظهور أمر الدين و استقلاله بمكة في الموسم، و تفسير إكمال الدين و إتمام النعمة بصفاء جو مكة و محوضة الأمر للمسلمين يومئذ فلا دين يعبد به يومئذ هناك إلا دينهم من غير أن يخشوا أعداءهم و يتحذروا منهم.

و بعبارة أخرى المراد بكمال الدين و تمام النعمة كمال ما بأيديهم يعملون به من غير أن يختلط بهم أعداؤهم أو يكلفوا بالتحذر منهم دون الدين بمعنى الشريعة المجعولة عند الله من المعارف و الأحكام، و كذا المراد بالإسلام ظاهر الإسلام الموجود بأيديهم في مقام العمل.

و إن شئت فقل: المراد بالدين صورة الدين المشهودة من أعمالهم، و كذا في الإسلام، فإن هذا المعنى هو الذي يقبل الانتقاص بعد الإزدياد.

و أما كليات المعارف و الأحكام المشرعة من الله فلا يقبل الانتقاص بعد الإزدياد الذي يشير إليه قوله في الرواية: "أنه لم يكمل شيء قط إلا نقص" فإن ذلك سنة كونية تجري أيضا في التاريخ و الاجتماع بتبع الكون، و أما الدين فإنه غير محكوم بأمثال هذه السنن و النواميس إلا عند من قال: إن الدين سنة اجتماعية متطورة متغيرة كسائر السنن الاجتماعية.

إذا عرفت ذلك علمت أنه يرد عليه أولا: أن ما ذكر من معنى كمال الدين لا يصدق عليه قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم" و قد مر بيانه.



و ثانيا: أنه كيف يمكن أن يعد الله سبحانه الدين بصورته التي كان يتراءى عليها كاملا و ينسبه إلى نفسه امتنانا بمجرد خلو الأرض من ظاهر المشركين، و كون المجتمع على ظاهر الإسلام فارغا من أعدائهم المشركين، و فيهم من هو أشد من المشركين إضرارا و إفسادا، و هم المنافقون على ما كانوا عليه من المجتمعات السرية و التسرب في داخل المسلمين، و إفساد الحال، و تقليب الأمور، و الدس في الدين، و إلقاء الشبه، فقد كان لهم نبأ عظيم تعرض لذلك آيات جمة من القرآن كسورة المنافقين و ما في سور البقرة و النساء و المائدة و الأنفال و البراءة و الأحزاب و غيرها.

فليت شعري أين صار جمعهم؟ و كيف خمدت أنفاسهم؟ و على أي طريق بطل كيدهم و زهق باطلهم؟ و كيف يصح مع وجودهم أن يمتن الله يومئذ على المسلمين بإكمال ظاهر دينهم، و إتمام ظاهر النعمة عليهم، و الرضا بظاهر الإسلام بمجرد أن دفع من مكة أعداءهم من المسلمين، و المنافقون أعدى منهم و أعظم خطرا و أمر أثرا! و تصديق ذلك قوله تعالى يخاطب نبيه فيهم: "هم العدو فاحذرهم": المنافقون: 4.

و كيف يمتن الله سبحانه و يصف بالكمال ظاهر دين هذا باطنه، أو يذكر نعمه بالتمام و هي مشوبة بالنقمة، أو يخبر برضاه صورة إسلام هذا معناه! و قد قال تعالى: "و ما كنت متخذ المضلين عضدا": الكهف: 51. و قال في المنافقين: - و لم يرد إلا دينهم - "فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين": البراءة: 96. و الآية بعد هذا كله مطلقة لم تقيد شيئا من الإكمال و الإتمام و الرضا و لا الدين و الإسلام و النعمة بجهة دون جهة.

فإن قلت: الآية - كما تقدمت الإشارة إليه - إنجاز للوعد الذي يشتمل عليه قوله تعالى: "وعد الله الذين ءامنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا": الآية النور: 55.

فالآية كما ترى - تعدهم بتمكين دينهم المرضي لهم، و يحاذي ذلك من هذه الآية قوله: "أكملت لكم دينكم" و قوله: "و رضيت لكم الإسلام دينا" فالمراد بإكمال دينهم المرضي تمكينه لهم أي تخليصه من مزاحمة المشركين، و أما المنافقون فشأنهم شأن آخر غير المزاحمة، و هذا هو المعنى الذي تشير إليه روايات نزولها يوم عرفة، و يذكر القوم أن المراد به تخليص الأعمال الدينية و العاملين بها من المسلمين من مزاحمة المشركين.

قلت كون آية: "اليوم أكملت"، من مصاديق إنجاز ما وعد في قوله: "وعد الله الذين ءامنوا" الآية و كذا كون قوله في هذه الآية: "أكملت لكم دينكم"، محاذيا لقوله: "و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم"، في تلك الآية و مفيدا معناه كل ذلك لا ريب فيه.

إلا أن آية سورة النور تبدأ بقوله: "وعد الله الذين ءامنوا منكم و عملوا الصالحات" و هم طائفة خاصة من المسلمين ظاهر أعمالهم يوافق باطنها، و ما في مرتبة أعمالهم من الدين يحاذي و ينطبق على ما عند الله سبحانه من الدين المشرع، فتمكين دينهم المرضي لله سبحانه لهم إكمال ما في علم الله و إرادته من الدين المرضي بإفراغه في قالب التشريع، و جمع أجزائه عندهم بالإنزال ليعبدوه بذلك بعد إياس الذين كفروا من دينهم.

و هذا ما ذكرناه: أن معنى إكماله الدين إكماله من حيث تشريع الفرائض فلا فريضة مشرعة بعد نزول الآية لا تخليص أعمالهم و خاصة حجهم من أعمال المشركين و حجهم، بحيث لا تختلط أعمالهم بأعمالهم.

و بعبارة أخرى يكون معنى إكمال الدين رفعه إلى أعلى مدارج الترقي حتى لا يقبل الانتقاص بعد الإزدياد.



و في تفسير القمي، قال: حدثني أبي، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء، عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: آخر فريضة أنزلها الولاية ثم لم ينزل بعدها فريضة ثم أنزل: "اليوم أكملت لكم دينكم" بكراع الغميم، فأقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجحفة فلم ينزل بعدها فريضة.

أقول: و روى هذا المعنى الطبرسي في المجمع، عن الإمامين: الباقر و الصادق (عليهما السلام) و رواه العياشي في تفسيره عن زرارة عن الباقر (عليه السلام).

و في أمالي الشيخ، بإسناده، عن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه أبي عبد الله (عليه السلام)، عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: بناء الإسلام على خمس خصال: على الشهادتين، و القرينتين. قيل له: أما الشهادتان فقد عرفنا فما القرينتان؟ قال: الصلاة و الزكاة فإنه لا تقبل إحداهما إلا بالأخرى، و الصيام و حج بيت الله من استطاع إليه سبيلا، و ختم ذلك بالولاية فأنزل الله عز و جل: "اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي - و رضيت لكم الإسلام دينا".

و في روضة الواعظين، للفتال، ابن الفارسي عن أبي جعفر (عليه السلام) و ذكر قصة خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحج ثم نصبه عليا للولاية عند منصرفه إلى المدينة و نزول الآية، و فيه خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير و هي خطبة طويلة جدا.

أقول: روى مثله الطبرسي في الإحتجاج، بإسناد متصل عن الحضرمي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، و روى نزول الآية في الولاية أيضا الكليني في الكافي، و الصدوق في العيون، جميعا مسندا عن عبد العزيز بن مسلم عن الرضا (عليه السلام)، و روى نزولها فيها أيضا الشيخ في أماليه بإسناده عن ابن أبي عمير عن المفضل بن عمر عن الصادق عن جده أمير المؤمنين (عليه السلام)، و روى ذلك أيضا الطبرسي في المجمع، بإسناده عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري، و روى ذلك الشيخ في أماليه، بإسناده عن إسحاق بن إسماعيل النيسابوري عن الصادق عن آبائه عن الحسن بن علي (عليهما السلام) و قد تركنا إيراد الروايات على طولها إيثارا للاختصار فمن أرادها فليراجع محالها و الله الهادي.

5 سورة المائدة - 4 - 5

يَسئَلُونَك مَا ذَا أُحِلّ لهَُمْ قُلْ أُحِلّ لَكُمُ الطيِّبَت وَ مَا عَلّمْتُم مِّنَ الجَْوَارِح مُكلِّبِينَ تُعَلِّمُونهُنّ ممّا عَلّمَكُمُ اللّهُ فَكلُوا ممّا أَمْسكْنَ عَلَيْكُمْ وَ اذْكُرُوا اسمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَ اتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ سرِيعُ الحِْسابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلّ لَكُمُ الطيِّبَت وَ طعَامُ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب حِلّ لّكمْ وَ طعَامُكُمْ حِلّ لهُّمْ وَ المُْحْصنَت مِنَ المُْؤْمِنَتِ وَ المُْحْصنَت مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنّ أُجُورَهُنّ محْصِنِينَ غَيرَ مُسفِحِينَ وَ لا مُتّخِذِى أَخْدَانٍ وَ مَن يَكْفُرْ بِالايمَنِ فَقَدْ حَبِط عَمَلُهُ وَ هُوَ فى الاَخِرَةِ مِنَ الخَْسِرِينَ (5)

بيان

قوله تعالى: "يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات" سؤال مطلق أوجب عنه بجواب عام مطلق فيه إعطاء الضابط الكلي الذي يميز الحلال من الحرام، و هو أن يكون ما يقصد التصرف فيه بما يعهد في مثله من التصرفات أمرا طيبا، و إطلاق الطيب أيضا من غير تقييده بشيء يوجب أن يكون المعتبر في تشخيص طيبه استطابة الأفهام المتعارفة ذلك فما يستطاب عند الأفهام العادية فهو طيب، و جميع ما هو طيب حلال.

و إنما نزلنا الحلية و الطيب على المتعارف المعهود لمكان أن الإطلاق لا يشمل غيره على ما بين في فن الأصول.

قوله تعالى: "و ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم و اذكروا اسم الله عليه" قيل: إن الكلام معطوف على موضع الطيبات أي و أحل لكم ما علمتم من الجوارح أي صيد ما علمتم من الجوارح، فالكلام بتقدير مضاف محذوف اختصارا لدلالة السياق عليه.

و الظاهر أن الجملة معطوفة على موضع الجملة الأولى.

و "ما" في قوله: "و ما علمتم" شرطية و جزاؤها قوله "فكلوا مما أمسكن عليكم" من غير حاجة إلى تكلف التقدير.

و الجوارح جمع جارحة و هي التي تكسب الصيد من الطير و السباع كالصقر و البازي و الكلاب و الفهود، و قوله: "مكلبين" حال، و أصل التكليب تعليم الكلاب و تربيتها للصيد أو اتخاذ كلاب الصيد و إرسالها لذلك، و تقييد الجملة بالتكليب لا يخلو من دلالة على كون الحكم مختصا بكلب الصيد لا يعدوه إلى غيره من الجوارح.

و قوله: "مما أمسكن عليكم" التقييد بالظرف للدلالة على أن الحل محدود بصورة صيدها لصاحبها لا لنفسها.

و قوله: "و اذكروا اسم الله عليه" تتميم لشرائط الحل و أن يكون الصيد مع كونه مصطادا بالجوارح و من طريق التكليب و الإمساك على الصائد مذكورا عليه اسم الله تعالى.

و محصل المعنى أن الجوارح المعلمة بالتكليب - أي كلاب الصيد - إذا كانت معلمة و اصطادت لكم شيئا من الوحش الذي يحل أكله بالتذكية و قد سميتم عليه فكلوا منه إذا قتلته دون أن تصلوا إليه فذلك تذكية له، و أما دون القتل فالتذكية بالذبح و الإهلال به لله يغني عن هذا الحكم.

ثم ذيل الكلام بقوله: "و اتقوا الله إن الله سريع الحساب" إشعارا بلزوم اتقاء الله فيه حتى لا يكون الاصطياد إسرافا في القتل، و لا عن تله و تجبر كما في صيد اللهو و نحوه فإن الله سريع الحساب يجازي سيئة الظلم و العدوان في الدنيا قبل الآخرة، و لا يسلك أمثال هذه المظالم و العدوانات بالاغتيال و الفك بالحيوان العجم إلا إلى عاقبة سوأى على ما شاهدنا كثيرا.

قوله تعالى: "اليوم أحل لكم الطيبات و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم" إعادة ذكر حل الطيبات مع ذكره في الآية السابقة، و تصديره بقوله: "اليوم" للدلالة على الامتنان منه تعالى على المؤمنين بإحلال طعام أهل الكتاب و المحصنات من نسائهم للمؤمنين.

و كان ضم قوله: "أحل لكم الطيبات" إلى قوله: "و طعام الذين أوتوا الكتاب" إلخ من قبيل ضم المقطوع به إلى المشكوك فيه لإيجاد الطمأنينة في نفس المخاطب و إزالة ما فيه من القلق و الاضطراب كقول السيد لخادمه: لك جميع ما ملكتكه و زيادة هي كذا و كذا فإنه إذا ارتاب في تحقق ما يعده سيده من الإعطاء شفع ما يشك فيه بما يقطع به ليزول عن نفسه أذى الريب إلى راحة العلم، و من هذا الباب يوجه قوله تعالى: "للذين أحسنوا الحسنى و زيادة": يونس: 26 و قوله تعالى: "لهم ما يشاءون فيها و لدينا مزيد": ق: 35.

فكان نفوس المؤمنين لا تسكن عن اضطراب الريب في أمر حل طعام أهل الكتاب لهم بعد ما كانوا يشاهدون التشديد التام في معاشرتهم و مخالطتهم و مساسهم و ولايتهم حتى ضم إلى حديث حل طعامهم أمر حل الطيبات بقول مطلق ففهموا منه أن طعامهم من سنخ سائر الطيبات المحللة فسكن بذلك طيش نفوسهم، و اطمأنت قلوبهم و كذلك القول في قوله: "و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم". و أما قوله: "و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم" فالظاهر أنه كلام واحد ذو مفاد واحد، إذ من المعلوم أن قوله: "و طعامكم حل لهم" ليس في مقام تشريع حكم الحل لأهل الكتاب، و توجيه التكليف إليهم و إن قلنا بكون الكفار مكلفين بالفروع الدينية كالأصول، فإنهم غير مؤمنين بالله و رسوله و بما جاء به رسوله و لا هم يسمعون و لا هم يقبلون، و ليس من دأب القرآن أن يوجه خطابا أو يذكر حكما إذا استظهر من المقام أن الخطاب معه يكون لغوا و التكليم معه يذهب سدى.

اللهم إلا إذا أصلح ذلك بشيء من فنون التكليم كالالتفات من خطاب الناس إلى خطاب النبي و نحو ذلك كقوله: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم": آل عمران: 64 و قوله: "قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": إسراء: 93 إلى غير ذلك من الآيات.

و بالجملة ليس المراد بقوله: "و طعام الذين"، بيان حل طعام أهل الكتاب للمسلمين حكما مستقلا و حل طعام المسلمين لأهل الكتاب حكما مستقلا آخر، بل بيان حكم واحد و هو ثبوت الحل و ارتفاع الحرمة عن الطعام، فلا منع في البين حتى يتعلق بأحد الطرفين نظير قوله تعالى: "فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم و لا هم يحلون لهن": الممتحنة: 10 أي لا حل في البين حتى يتعلق بأحد الطرفين.

ثم إن الطعام بحسب أصل اللغة كل ما يقتات به و يطعم لكن قيل: إن المراد به البر و سائر الحبوب ففي لسان العرب: و أهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنوا به البر خاصة.

قال: و قال الخليل: العالي في كلام العرب أن الطعام هو البر خاصة، انتهى.

و هو الذي يظهر من كلام ابن الأثير في النهاية، و لهذا ورد في أكثر الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أن المراد بالطعام في الآية هو البر و سائر الحبوب إلا ما في بعض الروايات مما يظهر به معنى آخر و سيجيء الكلام فيه في البحث الروائي الآتي.

و على أي حال لا يشمل هذا الحل ما لا يقبل التذكية من طعامهم كلحم الخنزير، أو يقبلها من ذبائحهم لكنهم لم يذكوها كالذي لم يهل به لله، و لم يذك تذكية إسلامية فإن الله سبحانه عد هذه المحرمات المذكورة في آيات التحريم - و هي الآي الأربع التي في سور البقرة و المائدة و الأنعام و النحل - رجسا و فسقا و إثما كما بيناه فيما مر، و حاشاه سبحانه أن يحل ما سماه رجسا أو فسقا أو إثما امتنانا بمثل قوله "اليوم أحل لكم الطيبات".

على أن هذه المحرمات بعينها واقعة قبيل هذه الآية في نفس السورة، و ليس لأحد أن يقول في مثل المورد بالنسخ و هو ظاهر، و خاصة في مثل سورة المائدة التي ورد فيها أنها ناسخة غير منسوخة.



قوله تعالى: "و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، الإتيان في متعلق الحكم بالوصف أعني ما في قوله: "الذين أوتوا الكتاب" من غير أن يقال: من اليهود و النصارى مثلا أو يقال: من أهل الكتاب، لا يخلو من إشعار بالعلية و اللسان لسان الامتنان، و المقام مقام التخفيف و التسهيل، فالمعنى: أنا نمتن عليكم بالتخفيف و التسهيل في رفع حرمة الازدواج بين رجالكم و المحصنات من نساء أهل الكتاب لكونهم أقرب إليكم من سائر الطوائف غير المسلمة، و هم أوتوا الكتاب و أذعنوا بالتوحيد و الرسالة بخلاف المشركين و الوثنيين المنكرين للنبوة، و يشعر بما ذكرنا أيضا تقييد قوله: "أوتوا الكتاب" بقوله: "من قبلكم" فإن فيه إشعارا واضحا بالخطط و المزج و التشريك.

و كيف كان لما كانت الآية واقعة موقع الامتنان و التخفيف لم تقبل النسخ بمثل قوله تعالى: "و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن": البقرة: 212 و قوله تعالى: "و لا تمسكوا بعصم الكوافر": الممتحنة: 10 و هو ظاهر.

على أن الآية الأولى واقعة في سورة البقرة، و هي أول سورة مفصلة نزلت بالمدينة قبل المائدة: و كذا الآية الثانية واقعة في سورة الممتحنة، و قد نزلت بالمدينة قبل الفتح، فهي أيضا قبل المائدة نزولا، و لا وجه لنسخ السابق للاحق مضافا إلى ما ورد: أن المائدة آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنسخت ما قبلها، و لم ينسخها شيء.

على أنك قد عرفت في الكلام على قوله تعالى: "و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن": الآية البقرة: 212 في الجزء الثاني من الكتاب أن الآيتين أعني آية البقرة و آية الممتحنة أجنبيتان من الدلالة على حرمة نكاح الكتابية.

و لو قيل بدلالة آية الممتحنة بوجه على التحريم كما يدل على سبق المنع الشرعي ورود آية المائدة في مقام الامتنان و التخفيف - و لا امتنان و لا تخفيف لو لم يسبق منع - كانت آية المائدة هي الناسخة لآية الممتحنة لا بالعكس لأن النسخ شأن المتأخر، و سيأتي في البحث الروائي كلام في الآية الثانية.

ثم المراد بالمحصنات في الآية: العفائف و هو أحد معان الإحصان، و ذلك أن قوله: "و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، يدل على أن المراد بالمحصنات غير ذوات الأزواج و هو ظاهر، ثم الجمع بين المحصنات من أهل الكتاب و المؤمنات على ما مر من توضيح معناها يقضي بأن المراد بالمحصنات في الموضعين معنى واحد، و ليس هو الإحصان بمعنى الإسلام لمكان قوله: و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، و ليس المراد بالمحصنات الحرائر فإن الامتنان المفهوم من الآية لا يلائم تخصيص الحل بالحرائر دون الإماء، فلم يبق من معاني الإحصان إلا العفة فتعين أن المراد بالمحصنات العفائف.

و بعد ذلك كله إنما تصرح الآية بتشريع حل المحصنات من أهل الكتاب للمؤمنين من غير تقييد بدوام أو انقطاع إلا ما ذكره من اشتراط الأجر و كون التمتع بنحو الإحصان لا بنحو المسافحة و اتخاذ الأخدان، فينتج أن الذي أحل للمؤمنين منهن أن يكون على طريق النكاح عن مهر و أجر دون السفاح، من غير شرط آخر من نكاح دوام أو انقطاع، و قد تقدم في قوله تعالى: "فما استمتعتم به منهن فأتوهن": الآية النساء: 24 في الجزء الرابع من الكتاب أن المتعة نكاح كالنكاح الدائم، و للبحث بقايا تطلب من علم الفقه.

قوله تعالى: "إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين و لا متخذي أخدان" الآية في مساق قوله تعالى في آيات محرمات النكاح: "و أحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين": النساء: 24. و الجملة قرينة على كون المراد بالآية بيان حلية التزوج بالمحصنات من أهل الكتاب من غير شمول منها لملك اليمين.

قوله تعالى: "و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله و هو في الآخرة من الخاسرين" الكفر في الأصل هو الستر فتحقق مفهومه يتوقف على أمر ثابت يقع عليه الستر كما أن الحجاب لا يكون حجابا إلا إذا كان هناك محجوب فالكفر يستدعي مكفورا به ثابتا كالكفر بنعمة الله و الكفر بآيات الله و الكفر بالله و رسوله و اليوم الآخر.

فالكفر بالإيمان يقتضي وجود إيمان ثابت، و ليس المراد به المعنى المصدري من الإيمان بل معنى اسم المصدر و هو الأثر الحاصل و الصفة الثابتة في قلب المؤمن أعني الاعتقادات الحقة التي هي منشأ الأعمال الصالحة، فيئول معنى الكفر بالإيمان إلى ترك العمل بما يعلم أنه حق كتولي المشركين، و الاختلاط بهم، و الشركة في أعمالهم مع العلم بحقية الإسلام، و ترك الأركان الدينية من الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج مع العلم بثبوتها أركانا للدين.

فهذا هو المراد من الكفر بالإيمان لكن هاهنا نكتة و هي أن الكفر لما كان سترا و ستر الأمور الثابتة لا يصدق بحسب ما يسبق إلى الذهن إلا مع المداومة و المزاولة فالكفر بالإيمان إنما يصدق إذا ترك الإنسان العمل بما يقتضيه إيمانه، و يتعلق به علمه، و دام عليه، و أما إذا ستر مرة أو مرتين من غير أن يدوم عليه فلا يصدق عليه الكفر و إنما هو فسق أتى به.

و من هنا يظهر أن المراد بقوله: "و من يكفر بالإيمان" هو المداومة و الاستمرار عليه و إن كان عبر بالفعل دون الوصف.

فتارك الاتباع لما حق عنده من الحق، و ثبت عنده من أركان الدين كافر بالإيمان، حابط العمل كما قال تعالى: "فقد حبط عمله".

فالآية تنطبق على قوله تعالى: "و إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا و إن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا و كانوا عنها غافلين و الذين كذبوا بآياتنا و لقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون": الأعراف: 174 فوصفهم باتخاذ سبيل الغي و ترك سبيل الرشد بعد رؤيتهما و هي العلم بهما ثم بدل ذلك بتوصيفهم بتكذيب الآيات، و الآية إنما تكون آية بعد العلم بدلالتها، ثم فسره بتكذيب الآخرة لما أن الآخرة لو لم تكذب منع العلم بها عن ترك الحق، ثم أخبر بحبط أعمالهم.

و نظير ذلك قوله تعالى: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم و لقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا": الكهف: 150 و انطباق الآيات على مورد الكفر بالإيمان بالمعنى الذي تقدم بيانه ظاهر.

و بالتأمل فيما ذكرنا يظهر وجه اتصال الجملة أعني قوله: "و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، بما قبله فالجملة متممة للبيان السابق، و هي في مقام التحذير عن الخطر الذي يمكن أن يتوجه إلى المؤمنين بالتساهل في أمر الله، و الاسترسال مع الكفار فإن الله سبحانه إنما أحل طعام أهل الكتاب و المحصنات من نسائهم للمؤمنين ليكون ذلك تسهيلا و تخفيفا منه لهم، و ذريعة إلى انتشار كلمة التقوى، و سراية الأخلاق الطاهرة الإسلامية من المسلمين المتخلقين بها إلى غيرهم، فيكون داعية إلى العلم النافع، و باعثة نحو العمل الصالح.

فهذا هو الغرض من التشريع لا لأن يتخذ ذلك وسيلة إلى السقوط في مهابط الهوى، و الإصعاد في أودية الهوسات، و الاسترسال في حبهن و الغرام بهن، و التوله في جمالهن، فيكن قدوة تتسلط بذلك أخلاقهن و أخلاق قومهن على أخلاق المسلمين، و يغلب فسادهن على صلاحهم، ثم يكون البلوى و يرجع المؤمنون إلى أعقابهم القهقرى، و مآل ذلك عود هذه المنة الإلهية فتنة و محنة مهلكة، و صيرورة هذا التخفيف الذي هو نعمة نقمة.



فحذر الله المؤمنين بعد بيان حلية طعامهم و المحصنات من نسائهم أن لا يسترسلوا في التنعم بهذه النعمة استرسالا يؤدي إلى الكفر بالإيمان، و ترك أركان الدين، و الإعراض عن الحق فإن ذلك يوجب حبط العمل، و ينجر إلى خسران السعي في الآخرة.

و اعلم أن للمفسرين في هذه الآية أعني قوله: "اليوم أحل لكم الطيبات" إلى آخر الآية خوضا عظيما ردهم إلى تفاسير عجيبة لا يحتملها ظاهر اللفظ، و ينافيها سياق الآية كقول بعضهم: إن قوله: "أحل لكم الطيبات" يعني من الطعام كالبحيرة و السائبة و الوصيلة و الحامي، و قول بعضهم: إن قوله: "و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم" أي بمقتضى الأصل الأولي لم يحرمه الله عليكم قط، و إن اللحوم من الحل و إن لم يذكوها إلا بما عندهم من التذكية، و قول بعضهم: إن المراد بقوله: "و طعام الذين" هو مؤاكلتهم، و قول بعضهم: إن المراد بقوله: و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" بيان الحلية بحسب الأصل من غير أن يكون محرما قبل ذلك بل قوله تعالى: "و أحل لكم ما وراء ذلكم": النساء: 24 كاف في إحلالهن، و قول بعضهم: إن المراد بقوله: "و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله" التحذير عن رد ما في صدر الآية من قضية حل طعام أهل الكتاب و المحصنات من نسائهم.

فهذه و أمثالها معان احتملوها، و هي بين ما لا يخلو من مجازفة و تحكم كتقييد قوله: "اليوم أحل"، بما تقدم من غير دليل عليه و بين ما يدفعه ظاهر السياق من التقييد باليوم و الامتنان و التخفيف و غير ذلك مما تقدم بيانه و البيان السابق الذي استظهرنا فيه باعتبار ظواهر الآيات الكريمة كاف في إبطالها و إبانة وجه الفساد فيها.

و أما كون آية: "و أحل لكم ما وراء ذلكم" دالة على حل نكاح الكتابية فظاهر البطلان لظهور كون الآية في مقام بيان محرمات النساء و محللاتهن بحسب طبقات النسب و السبب لا بحسب طبقات الأديان و المذاهب.

بحث روائي

في الدر المنثور،: في قوله تعالى: "يسألونك ما ذا أحل لهم" الآية: أخرج ابن جرير عن عكرمة: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا رافع في قتل الكلاب فقتل حتى بلغ العوالي، فدخل عاصم بن عدي و سعد بن خيثمة و عويم بن ساعدة فقالوا: ما ذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت: "يسألونك ما ذا أحل لهم" الآية.

و فيه، أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: لما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتل الكلاب قالوا: يا رسول الله ما ذا أحل لنا من هذه الأمة؟ فنزلت: "يسألونك ما ذا أحل لهم" الآية.

أقول: الروايتان يشرح بعضهما بعضا فالمراد السؤال عما يحل لهم من الكلاب من حيث اتخاذها و استعمالها في مآرب مختلفة كالصيد و نحوه، و قوله تعالى: "يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات" لا يلائم هذا المعنى لتقيدها و إطلاق الآية.

على أن ظاهر الروايتين و الرواية الآتية إن قوله: "و ما علمتم من الجوارح" معطوف على موضع الطيبات، و المعنى: و أحل لكم ما علمتم، و لذلك التزم جمع من المفسرين على تقدير ما فيه كما تقدم، و قد تقدم أن الظاهر كون قوله: "و ما علمتم" شرطا جزاؤه قوله: "فكلوا مما أمسكن عليكم.

و المراد بالأمة المسئول عنها في الرواية نوع الكلاب على ما تفسره الرواية الآتية.

و فيه، أخرج الفاريابي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و الحاكم و صححه و البيهقي في سننه عن أبي رافع قال: جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستأذن عليه فأذن له فأبطأ فأخذ رداءه فخرج فقال: قد أذنا لك قال: أجل و لكنا لا ندخل بيتا فيه كلب و لا صورة فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت، و جاء الناس فقالوا: يا رسول الله ما ذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله: "يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات - و ما علمتم من الجوارح مكلبين" فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا أرسل الرجل كلبه و ذكر اسم الله فأمسك عليه فليأكل ما لم يأكل.

أقول ما ذكر في الرواية من كيفية نزول جبرئيل غريب في بابه على أن الرواية لا تخلو عن اضطراب حيث تدل على إمساك جبرائيل عن الدخول على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لوجود جرو في بعض بيوتهم على أنها لا تنطبق على ظاهر الآية من إطلاق السؤال و الجواب و العطف الذي في قوله و ما علمتم من الجوارح فالرواية أشبه بالموضوعة.

و فيه، أخرج عبد بن حميد و ابن جرير عن عامر: أن عدي بن حاتم الطائي أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأله عن صيد الكلاب فلم يدر ما يقول له حتى أنزل الله عليه هذه الآية في المائدة تعلمونهن مما علمكم الله.

أقول و في معناه غيره من الأخبار و الإشكال المتقدم آت فيه و الظاهر أن هذه الروايات و ما في معناها من تطبيق الحوادث على الآية غير أنه تطبيق غير تام و الظاهر أنهم ذكروا له (صلى الله عليه وآله وسلم) صيد الكلاب ثم سألوه عن ضابط كلي في تمييز الحلال من الحرام فذكر في الآية سؤالهم ثم أجيب بإعطاء الضابط الكلي بقوله يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ثم أجيبوا في خصوص ما تذاكروا فيه فهذا هو الذي يفيده لحن القول في الآية.



و في الكافي، بإسناده عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في كتاب علي (عليه السلام) في قوله عز و جل و ما علمتم من الجوارح مكلبين قال هي الكلاب: أقول: و رواه العياشي في تفسيره، عن سماعة بن مهران عنه (عليه السلام). و فيه، بإسناده عن ابن مسكان عن الحلبي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أبي يفتي و كان يتقي و نحن نخاف في صيد البزاة و الصقور، فأما الآن فإنا لا نخاف و لا يحل صيدها إلا أن تدرك ذكاته، فإنه في كتاب علي (عليه السلام): أن الله عز و جل قال: "و ما علمتم من الجوارح مكلبين" في الكلاب. و فيه، بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن صيد البزاة و الصقور و الفهود و الكلاب قال لا تأكلوا إلا ما ذكيتم إلا الكلاب، قلت: فإن قتله؟ قال: كل فإن الله يقول: "و ما علمتم من الجوارح مكلبين - تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم، ثم قال: كل شيء من السباع يمسك الصيد على نفسها إلا الكلاب معلمة؟ فإنها تمسك على صاحبها قال: و إذا أرسلت الكلب فاذكر اسم الله عليه فهو ذكاته. و في تفسير العياشي، عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله (عليه السلام): عن الرجل سرح الكلب المعلم، و يسمي إذا سرحه، قال: يأكل مما أمسكن عليه و إن أدركه و قتله. و إن وجد معه كلب غير معلم فلا تأكل منه. قلت: فالصقور و العقاب و البازي؟ قال: إن أدركت ذكاته فكل منه، و إن لم تدرك ذكاته فلا تأكل منه. قلت: فالفهد ليس بمنزلة الكلب؟ قال: فقال: لا، ليس شيء مكلب إلا الكلب. و فيه، عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله: "ما علمتم من الجوارح مكلبين - تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم - و اذكروا اسم الله عليه قال: لا بأس بأكل ما أمسك الكلب مما لم يأكل الكلب منه فإذا أكل الكلب منه قبل أن تدركه فلا تأكله.

أقول: و الخصوصيات المأخوذة في الروايات كاختصاص الحل عند القتل بصيد الكلب لقوله تعالى: "مكلبين" و قوله: "مما أمسكن عليكم" و اشتراط أن لا يشاركه كلب غير معلم كل ذلك مستفاد من الآية.

و قد تقدم بعض الكلام في ذلك.

و فيه، عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن كلب المجوس يكلبه المسلم و يسمي و يرسله قال: نعم إنه مكلب إذا ذكر اسم الله عليه فلا بأس.

أقول: و فيه الأخذ بإطلاق قوله "مكلبين" و قد روي في الدر المنثور، عن ابن أبي حاتم عن ابن عباس: في المسلم يأخذ كلب المجوسي المعلم أو بازه أو صقره مما علمه المجوسي فيرسله فيأخذه قال: لا تأكله و إن سميت لأنه من تعليم المجوسي و إنما قال: "تعلمونهن مما علمكم الله" و ضعفه ظاهر، فإن الخطاب في قوله: "مما علمكم الله" و إن كان متوجها إلى المؤمنين ظاهرا إلا أن الذي علمهم الله مما يعلمونه الكلاب ليس غير ما علمه الله المجوس و غيرهم.

و هذا المعنى يساعد فهم السامع أن يفهم أن لا خصوصية لتعليم المؤمن من حيث إنه تعليم المؤمن، فلا فرق في الكلب المعلم بين أن يكون معلمه مسلما أو غير مسلم كما لا فرق من جهة الملك بين كونه مملوكا للمسلم و مملوكا لغيره.

و في تفسير العياشي، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله تبارك و تعالى: "و طعامهم حل لكم" قال: العدس و الحبوب و أشباه ذلك يعني أهل الكتاب أقول: و رواه في التهذيب، عنه، و لفظه: قال: العدس و الحمص و غير ذلك و في الكافي، و التهذيب، في روايات عن عمار بن مروان و سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام): في طعام أهل الكتاب و ما يحل منه، قال: الحبوب و في الكافي، بإسناده عن ابن مسكان، عن قتيبة الأعشى قال: سأل رجل أبا عبد الله و أنا عنده فقال له: الغنم يرسل فيها اليهودي و النصراني فتعرض فيها العارضة فتذبح أ يؤكل ذبيحته؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تدخل ثمنها في مالك و لا تأكلها فإنما هي الاسم و لا يؤمن عليها إلا مسلم، فقال له الرجل: قال الله تعالى: "اليوم أحل لكم الطيبات و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم" فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أبي يقول: إنما هي الحبوب و أشباهها:. أقول: و رواه الشيخ في التهذيب، و العياشي في تفسيره عن قتيبة الأعشى عنه (عليه السلام).

و الأحاديث - كما ترى - تفسر طعام أهل الكتاب المحلل في الآية بالحبوب و أشباهها، و هو الذي يدل عليه لفظ الطعام عند الإطلاق كما هو ظاهر من الروايات و القصص المنقولة عن الصدر الأول، و لذلك ذهب المعظم من علمائنا إلى حصر الحل في الحبوبات و أشباهها و ما يتخذ منها مما يتغذى به.

و قد شدد النكير عليهم بعضهم بأن ذلك مما يخالف عرف القرآن في استعمال الطعام.

قال، ليس هذا هو الغالب في لغة القرآن، فقد قال الله تعالى في هذه السورة - أي المائدة -: "أحل لكم صيد البحر و طعامه متاعا لكم و للسيارة" و لا يقول أحد: إن الطعام من صيد البحر هو البر أو الحبوب.

و قال: "كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه" و لم يقل أحد: إن الطعام هنا البر أو الحب مطلقا، إذ لم يحرم شيء منه على بني إسرائيل لا قبل التوراة و لا بعدها، فالطعام في الأصل كل ما يطعم أي يذاق أو يؤكل، قال تعالى في ماء النهر حكاية عن طالوت: "فمن شرب منه فليس مني و من لم يطعمه فإنه مني"، و قال: "فإذا طعمتم فانتشروا" أي أكلتم.

و ليت شعري ما ذا فهم من قولهم: "الطعام إذا أطلق كان المراد به الحبوب و أشباهها" فلم يلبث حتى أورد عليهم بمثل قوله: "يطعمه" و قوله: "طعمتم" من مشتقات الفعل؟ و إنما قالوا ما قالوا في لفظ الطعام، لا في الأفعال المصوغة منه.

و أورد بمثل: "و طعام البحر" و الإضافة أجلى قرينة، فليس ينبت في البحر بر و لا شعير.

و أورد بمثل: "كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل" ثم ذكر هو نفسه أن من المعلوم من دينهم أنهم لم يحرم عليهم البر أو الحب.

و كان ينبغي عليه أن يراجع من القرآن موارد أطلق اللفظ فيها إطلاقا ثم يقول ما هو قائله كقوله: "فدية طعام مسكين": البقرة: 148 و قوله: "أو كفارة طعام مساكين": المائدة: 95 و قوله: "و يطعمون الطعام": الإنسان: 8 و قوله: "فلينظر الإنسان إلى طعامه": عبس: 24 و نحو ذلك.

ثم قال: و ليس الحب مظنة للتحليل و التحريم، و إنما اللحم هو الذي يعرض له ذلك لوصف حسي كموت الحيوان حتف أنفه، أو معنوي كالتقرب به إلى غير الله و لذلك قال تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا": الآية الأنعام: 154 و كله يتعلق بالحيوان و هو نص في حصر التحريم فيما ذكر، فتحريم ما عداه يحتاج إلى نص.

و كلامه هذا أعجب من سابقه: أما قوله: ليس الحب مظنة للتحليل و التحريم و إنما اللحم هو الذي يعرض له ذلك، فيقال له: في أي زمان يعني ذلك؟ أ في مثل هذه الأزمنة و قد استأنس الأذهان بالإسلام و عامة أحكامه منذ عدة قرون، أم في زمان النزول و لم يمض من عمر الدين إلا عدة سنين؟ و قد سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أشياء هي أوضح من حكم الحبوب و أشباهها و أجلى، و قد حكى الله تعالى بعض ذلك كما في قوله: "يسألونك ما ذا ينفقون": البقرة: 251 و قد روى عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالا قالوا: كيف نتزوج نساءهم و هم على دين و نحن على دين فأنزل الله: "و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله" الحديث.

و قد مر و سيجيء لهذا القول نظائر في تضاعيف الروايات كما نقلناه في حج التمتع و غير ذلك.

و إذا كانوا يقولون مثل هذا القول بعد نزول الآية بحلية المحصنات من نساء أهل الكتاب فما الذي يمنعهم أن يسألوا قبل نزول الآية عن مؤاكلة أهل الكتاب، و الأكل مما يؤخذ منهم من الحبوب، و الأغذية المتخذة من ذلك كالخبز و الهريسة و سائر الأغذية التي تتخذ من الحبوب و أمثالها إذا عملها أهل الكتاب، و هم على دين، و نحن على دين و قد حذر الله المؤمنين عن موادتهم و موالاتهم و الاقتراب منهم، و الركون إليهم في آيات كثيرة؟.

بل هذا الكلام مقلوب عليه في قوله: إن اللحم هو المظنة للتحريم و التحليل فكيف يسعهم أن يسألوا عنه و قد بين الله عامة محرمات اللحوم في آية الأنعام: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه": الأنعام: 154 ثم في آية النحل و هما مكيتان، ثم في آية البقرة و هي قبل المائدة نزولا، ثم في قوله: "حرمت عليكم الميتة" و هي قبل هذه الآية؟.

و الآية على قول هذا القائل نص أو كالنص في عدم تحريم ذبائحهم، فكيف صح لهؤلاء أن يسألوا عن حلية ذبائح أهل الكتاب و قد نزلت الآيات مكيتها و مدنيتها مرة بعد أخرى في أمرها و دلت على حليتها، و استقر العمل على حفظها و تلاوتها و تعلمها و العمل بها؟.



و أما قوله: إن آية الأنعام نص في حصر المحرمات فيما ذكر فيها فحرمه غيرها كذبيحة أهل الكتاب يحتاج إلى دليل، فلا شك في احتياج كل حكم إلى دليل يقوم عليه، و هذا الكلام صريح منه في أن هذا الحصر إنما ينفع إذا لم يكن هناك دليل يقوم على تحريم أمر آخر وراء ما ذكر في الآية.

و على هذا فإن كان مراده بالدليل ما يشمل السنة فالقائل بتحريم ذبائح أهل الكتاب يستند في ذلك إلى ما ورد من الروايات في الآية و قد نقلنا بعضا منها فيما تقدم.

و إن أراد الدليل من الكتاب فمع أنه تحكم لا دليل عليه إذ السنة قرينة الكتاب لا يفترقان في الحجية يسأل عنه ما ذا يقول في ذبيحة الكفار غير أهل الكتاب كالوثنيين و الماديين؟ أ فيحرمها لكونها ميتة فاقدة للتذكية الشرعية؟ فما الفرق بين عدم التذكية بعدم الاستقبال و عدم ذكر الله عليه أصلا و بين التذكية التي هي غير التذكية الإسلامية و ليس يرتضيها الله سبحانه و قد نسخها؟ فالجميع خبائث في نظر الدين، و قد حرم الله الخبائث، قال تعالى: "و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث": الأعراف: 175 و قد قال تعالى في الآية: "السابقة على هذه الآية يسألونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات" و لحن السؤال و الجواب فيها أوضح دليل على حصر الحل في الطيبات، و كذا ما في أول هذه الآية من قوله: "اليوم أحل لكم الطيبات" و المقام مقام الامتنان يدل على الحصر المذكور.

و إن كان تحريم ذبائح الكفار لكونها بالإهلال به لغير الله كالذبح باسم الأوثان عاد الكلام بعدم الفرق بين الإهلال به لغير الله، و الإهلال به لله على طريقة منسوخة لا يرتضيها الله سبحانه.

ثم قال: و قد شدد الله فيما كان عليه مشركوا العرب من أكل الميتة بأنواعها المتقدمة و الذبح للأصنام لئلا يتساهل به المسلمون الأولون تبعا للعادة، و كان أهل الكتاب أبعد منهم عن أكل الميتة و الذبح للأصنام.

و قد نسي أن النصارى من أهل الكتاب يأكلون لحم الخنزير، و قد ذكره الله تعالى و شدد عليه، و أنهم يأكلون جميع ما تستبيحه المشركون لارتفاع التحريم عنهم بالتفدية.

على أن هذا استحسان سخيف لا يجدي نفعا و لا يعول على مثله في تفسير كلام الله و فهم معاني آياته، و لا في فقه أحكام دينه.

ثم قال: و لأنه كان من سياسة الدين التشديد في معاملة مشركي العرب حتى لا يبقى في الجزيرة أحد إلا و يدخل في الإسلام و خفف في معاملة أهل الكتاب، ثم ذكر موارد من فتيا بعض الصحابة بحلية ما ذبحوه للكنائس و غير ذلك.

و هذا الكلام منه مبني على ما يظهر من بعض الروايات أن الله اختار العرب على غيرهم من الأمم، و أن لهم كرامة على غيرهم.

و لذلك كانوا يسمون غيرهم بالموالي، و لا يلائمه ظاهر الآيات القرآنية، و قد قال الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم": الحجرات: 13 و من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أحاديث كثيرة في هذا المعنى.

و لم يجعل الإسلام في دعوته العرب في جانب و غيرهم في جانب، بل إنما جعل غير أهل الكتاب من المشركين سواء كانوا عربا أو غيرهم في جانب، فلم يقبل منهم إلا أن يسلموا و يؤمنوا، و أهل الكتاب سواء كانوا عربا أو غيرهم في جانب، فقبل منهم الدخول في الذمة و إعطاء الجزية إلا أن يسلموا.

و هذا الوجه بعد تمامه لا يدل على أزيد من التساهل في حقهم في الجملة لإبهامه، و أما أنه يجب أن يكون بإباحة ذبائحهم إذا ذبحوها على طريقتهم و سنتهم فمن أين له الدلالة على ذلك؟ و هو ظاهر.

و أما ما ذكره من عمل بعض الصحابة و قولهم إلى غير ذلك فلا حجية فيه.

فقد تبين من جميع ما تقدم عدم دلالة الآية و لا أي دليل آخر على حلية ذبائح أهل الكتاب إذا ذبحت بغير التذكية الإسلامية.

فإن قلنا بحلية ذبائحهم للآية كما نقل عن بعض أصحابنا فلنقيدها بما إذا علم وقوع الذبح عن تذكية شرعية كما يظهر من قول الصادق (عليه السلام) في خبر الكافي، و التهذيب، المتقدم: "فإنما هي الاسم و لا يؤمن عليها إلا مسلم" الحديث.

و للكلام تتمة تطلب من الفقه.

و في تفسير العياشي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: "و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" الآية قال: هن العفائف و فيه، عنه (عليه السلام): في قوله: "و المحصنات من المؤمنات" الآية قال: هن المسلمات. و في تفسير القمي، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: و إنما يحل نكاح أهل الكتاب الذين يؤدون الجزية، و غيرهم لم تحل مناكحتهم.

أقول: و ذلك لكونهم محاربين حينئذ.

و في الكافي، و التهذيب، عن الباقر (عليه السلام): إنما يحل منهن نكاح البله. و في الفقيه، عن الصادق (عليه السلام): في الرجل المؤمن يتزوج النصرانية و اليهودية قال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية و النصرانية؟ فقيل: يكون له فيها الهوى فقال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير و اعلم أن عليه في دينه غضاضة و في التهذيب، عن الصادق (عليه السلام) قال: لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية و النصرانية و عنده حرة. و في الفقيه، عن الباقر (عليه السلام): أنه سئل عن الرجل المسلم أ يتزوج المجوسية؟ قال: لا، و لكن إن كانت له أمة مجوسية فلا بأس أن يطأها، و يعزل عنها، و لا يطلب ولدها. و في الكافي، بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: قال: و ما أحب للرجل المسلم أن يتزوج اليهودية و النصرانية مخافة أن يتهود ولده أو يتنصر. و في الكافي، بإسناده عن زرارة، و في تفسير العياشي، عن مسعدة بن صدقة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: "و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" فقال: منسوخة بقوله: "و لا تمسكوا بعصم الكوافر". أقول: و يشكل بتقدم قوله: "و لا تمسكوا" الآية على قوله: "و المحصنات" الآية نزولا و لا يجوز تقدم الناسخ على المنسوخ.

مضافا إلى ما ورد أن سورة المائدة ناسخة غير منسوخة، و قد تقدم الكلام فيه.

و من الدليل على أن الآية غير منسوخة ما تقدم من الرواية الدالة على جواز التمتع بالكتابية و قد عمل بها الأصحاب و قد تقدم في آية المتعة أن التمتع نكاح و تزويج.

نعم لو قيل بكون قوله: "و لا تمسكوا بعصم الكوافر" الآية مخصصا متقدما خرج به النكاح الدائم من إطلاق قوله: "و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" لدلالته على النهي عن الإمساك بالعصمة، و هو ينطبق على النكاح الدائم كما ينطبق على إبقاء عصمة الزوجية بعد إسلام الزوج و هو مورد نزول الآية.

و لا يصغى إلى قول من يعترض عليه بكون الآية نازلة في إسلام الزوج مع بقاء الزوجة على الكفر، فإن سبب النزول لا يقيد اللفظ في ظهوره، و قد تقدم في تفسير آية النسخ من سورة البقرة في الجزء الأول من الكتاب أن النسخ في عرف القرآن و بحسب الأصل يعم غير النسخ المصطلح كالتخصيص.

و في بعض الروايات أيضا أن الآية منسوخة بقوله: "و لا تنكحوا المشركات" الآية و قد تقدم الإشكال فيه، و للكلام تتمة تطلب من الفقه.



و في تفسير العياشي،: في قوله تعالى: "و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله" الآية: عن أبان بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أدنى ما يخرج به الرجل من الإسلام أن يرى الرأي بخلاف الحق فيقيم عليه قال: "و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله"، و قال (عليه السلام): الذي يكفر بالإيمان الذي لا يعمل بما أمر الله به و لا يرضى به. و فيه، عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: هو ترك العمل حتى يدعه أجمع.

أقول: و قد تقدم ما يتضح به ما في هذه الأخبار من خصوصيات التفسير.

و فيه، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: "و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله" قال: ترك العمل الذي أقربه، من ذلك أن يترك الصلاة من غير سقم و لا شغل.

أقول: و قد سمى الله تعالى الصلاة إيمانا في قوله: "و ما كان الله ليضيع إيمانكم" البقرة: 134 و لعله (عليه السلام) خصها بالذكر لذلك.

و في تفسير القمي، قال (عليه السلام): من آمن ثم أطاع أهل الشرك و في البصائر، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تبارك و تعالى: "و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله - و هو في الآخرة من الخاسرين" قال: تفسيرها في بطن القرآن: و من يكفر بولاية علي. و علي هو الإيمان.

أقول: هو من البطن المقابل للظهر بالمعنى الذي بيناه في الكلام على المحكم و المتشابه في الجزء الثالث من الكتاب و يمكن أن يكون من الجري و التطبيق على المصداق، و قد سمى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) إيمانا حينما برز إلى عمرو بن عبد ود يوم الخندق حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "برز الإيمان كله إلى الكفر كله".

و في هذا المعنى بعض روايات أخر

5 سورة المائدة - 6 - 7

يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلى الصلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلى الْمَرَافِقِ وَ امْسحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَ أَرْجُلَكمْ إِلى الْكَعْبَينِ وَ إِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطهّرُوا وَ إِن كُنتُم مّرْضى أَوْ عَلى سفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائطِ أَوْ لَمَستُمُ النِّساءَ فَلَمْ تجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صعِيداً طيِّباً فَامْسحُوا بِوُجُوهِكمْ وَ أَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِّنْ حَرَجٍ وَ لَكِن يُرِيدُ لِيُطهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلّكمْ تَشكُرُونَ (6) وَ اذْكرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ مِيثَقَهُ الّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سمِعْنَا وَ أَطعْنَا وَ اتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ عَلِيمُ بِذَاتِ الصدُورِ (7)
<<        الفهرس        >>