جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير الميزان ـ ج6 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>




و كذلك العامة من غير أهل البحث يشاهدون من أنفسهم ما يشاهده الخاصة من غير فرق البتة و هم على جهل من أمر تفصيله عاجزون عن تفسير خصوصيات وجوده.

و بالجملة مما لا ريب فيه أن الإنسان في جميع أحيان وجوده يشاهد أمرا غير خارج منه يعبر عنه بأنا و نفسي، و إذا لطف نظره و تعمق خائضا فيما يجده في مشاهدته هذه وجده شيئا على خلاف ما يجده من الأمور الجسمانية القابلة للتغير و الانقسام و الاقتران بالمكان و الزمان، و وجده غير هذا البدن المادي المحكوم بأحكام المادة بأعضائه و أجزائه فإنه ربما نسي أي عضو من أعضائه أو غفل عن جميع بدنه و هو لا ينسى نفسه و لا يغفل عنها، دع عنك ما ربما تقوله: نسيت نفسي، غفلت عن نفسي، ذهلت عن نفسي فهذه مجازات عن عنايات نفسانية مختلفة، أ لا ترى أنك تسند النسيان و الغفلة و الذهول حينئذ إلى نفسك و تحكم بأن نفسك الشاعرة شعرت بأمر و غفلت عن أمر تسميه نفسك كالبدن و نحوه؟.
و دع عنك ما ربما يتوهم أن المغمى عليه يغفل عن ذاته و نفسه فإن الذي يجده هذا الإنسان بعد انقضاء حال الإغماء أنه لا يذكر شعوره بنفسه حالة الإغماء لا أنه يذكر أنه كان غير شاعر بها، و بين المعنيين فرق، و ربما يذكر بعض المغمى عليهم من حالة إغمائه شيئا بشبه الرؤيا التي نذكرها من حال المنام.

و كيف كان لا ينبغي الارتياب في أن الإنسان بما أنه إنسان لا يخلو عن هذا الشعور النفسي الذي يمثل له حقيقة نفسه التي يعبر عنها بأنا، و لو أنه استأنس قليل استيناس بما يشاهده من نفسه على انصراف من التقسم إلى مشاغله البدنية و أمانيه المادية قضى بما تقدم أن نفسه أمر مغاير لسنخ المادة و الماديات لما يشاهد من مغايرة خواص نفسه و آثارها لخواص الأمور المادية و آثارها.

غير أن الاشتغال بالمشاغل اليومية و صرف الهم إلى أماني الحياة المادية و رفع الحوائج البدنية يدعوه إلى إهمال الأمر و الإذعان بشيء من تلك الآراء الساذجة الأبجدية و الوقف على إجمال المشاهدة.

2 - الفرد العادي من الإنسان و إن كان شغله هم الغذاء و المسكن و الملبس و المنكح عن الغور في حقيقة نفسه و البحث في زوايا ذاته، لكن الحوادث المختلفة الهاجمة عليه في خلال أيام حياته ربما لم تخل من عوامل توجهه إلى الانصراف عن غيره و الخلوة بنفسه كالخوف الشديد الذي تنزعج به النفس عن كل شيء و ترجع إلى نفسها كالآخذة الممسكة عليها حذرا من الفناء و الزوال، و كالسرور و الترح الموجب لانجذاب النفس إلى ما تستلذ به، و كالغرام الشديد المنجر إلى الوله بالمحبوب المطلوب بحيث لا هم إلا همه، و كالاضطرار الشديد الذي ينقطع به الإنسان عن كل شيء إلى نفسه إلى غير ذلك من العوامل الاتفاقية.

هذه العوامل المختلفة و الأسباب المتنوعة ربما أدى الإنسان واحدا منها أو أزيد من واحد إلى أن يتمثل عنده بعض ما لا يكاد تناله الحواس الظاهرة أو الفكرة الخالية، كالواقع في مكان مظلم موحش أدهشه الخوف على نفسه فإنه يبصر أشياء مخوفة أو يسمع أصواتا هائلة تهدده في نفسه، و هو الذي ربما يسمونه غولا أو هاتفا أو جنا و نحو ذلك.

و ربما أحاط به الحب الشديد أو الحسرة و الأسف الشديدان فحال بينه و بين حواسه الظاهرية و ركز شعوره فيما يحبه أو يأسف عليه، فرأى في حال المنام أو في حال من اليقظة يشبه حالة المنام، أمورا مختلفة من الوقائع الماضية أو الحوادث المستقبلة أو خبايا و خفايا تخفى على حواس غيره.

و ربما كانت الإرادة إذا شفعت باليقين و الإيمان الشديد و الإذعان الجازم تفعل أفعالا لا يقدر عليها الإنسان المتعارف، و لا أن الأسباب العادية يسعها أن تهدي إلى ذلك.

فهذه حوادث جزئية نادرة - بالنسبة إلى عامة الحوادث العادية - تحدث عن حدوث عوامل مختلفة مرت الإشارة إليها: أما أصل وقوعها فمما ليس كثير حاجة إلى تجشم الاستدلال عليه فكل منا لا يخلو من أن يذكر من نفسه أو من غيره ما يشهد به، و أما أن السبب الحقيقي العامل فيها ما هي؟ فليس هاهنا محل الاشتغال به.

و الذي يهمنا التنبه عليه هو أن هذه الأمور جميعا تتوقف في وقوعها على نوع من انصراف النفس عن الاشتغال بالأمور الخارجة عنها - و خاصة اللذائذ الجسمانية - و انعطافها إلى نفسها و لذا كان الأساس في جميع الارتياضات النفسانية - على تنوعها و تشتتها الخارج عن الإحصاء - هو مخالفة النفس في الجملة، و ليس إلا لأن انكباب النفس على مطاوعة هواها يصرفها عن الاشتغال بنفسها، و يهديها إلى مشتهياتها الخارجة فيوزعها عليها و يقسم شعورها بينها، فتأخذ بها و تترك نفسها.

3 - لا ينبغي لنا أن نشك في أن العوامل الداعية إلى هذه الآثار النفسانية كما تتم لبعض الأفراد موقتا و في أحايين يسيرة، ربما تتم لبعض آخر ثابتة مستمرة أو تمكث مكثا معتدا به فكثيرا ما نجد أشخاصا متزهدين عن الدنيا و لذائذها المادية و مشتهياتها الفانية لا هم لهم إلا ترويض النفس و الاشتغال بسلوك طريق الباطن.

و لا ينبغي لنا أن نشك في أن هذه المشغلة النفسية ليست سنة مبتدعة في زماننا هذا، فالنقل و الاعتبار يدلان على أنها كانت من السنن الدائرة بين الناس، كلما رجعنا القهقرى فهي من السنن اللازمة للإنسانية إلى أقدم عهودها التي نزلت في هذه الأرض على ما نحسب.

4 - البحث عن حال الأمم و التأمل في سننهم و سيرهم و تحليل عقائدهم و أعمالهم يفيد أن الاشتغال بمعرفة النفس على طرقها المختلفة للحصول على عجائب آثارها، كان دائرا بينهم بل مهمة نفيسة تبذل دونها أنفس الأوقات و أغلى الأثمان منذ أقدم الأعصار.

و من الدليل عليه أن الأقوام الهمجية الساكنة في أطراف المعمورة، كإفريقية و غيرها و يوجد بينهم حتى اليوم بقايا من أساطير السحر و الكهانة و الإذعان بحقيقتهما و أصابتهما.

و الاعتبار الدقيق فيما نقل إلينا من المذاهب و الأديان القديمة كالبرهمانية و البوذية و الصائبة و المانوية و المجوسية و اليهودية و النصرانية و الإسلام، كل ذلك يعطي أن المهمة معرفة النفس و الحصول على آثارها تسربا عميقا فيها و إن كانت مختلفة في وصفها و تلقينها و تقويمها.

فالبرهمانية - و هي مذهب هند القديم - و إن كانت تخالف الأديان الكتابية في التوحيد و أمر النبوة غير أنها تدعو إلى تزكية النفس و تطهير السر و خاصة للبراهمة أنفسهم.

نقل عن البيروني في كتاب ما للهند من مقولة قال: عمر البرهمن بعد مضي سبع سنين منه منقسم لأربعة أقسام: فأول القسم الأول هي السنة الثامنة يجتمع إليه البراهمة لتنبيهه و تعريفه الواجبات عليه، و توصيته بالتزامها و اعتناقها ما دام حيا.



قال: و قد دخل في القسم الأول إلى السنة الخامسة و العشرين من سنه إلى السنة الثامنة و الأربعين، فيجب عليه فيها أن يتزهد و يجعل الأرض وطاءه، و يقبل على تعلم "بيذ" و تفسيره علم الكلام و الشريعة من أستاذ يخدمه آناء ليله و نهاره، و يغتسل كل يوم ثلاث مرات، و يقدم قربان النار في طرفي النهار، و يسجد لأستاذه بعد القربان، و يصوم يوما و يفطر يوما مع الامتناع عن اللحم أصلا، و يكون مقامه في دار الأستاذ، و يخرج منها السؤال و الكدية من خمسة بيوت فقط كل يوم مرة عند الظهيرة أو المساء، فما وجد من صدقة وضعه بين يدي أستاذه ليتخير منه ما يريد ثم يأذن له في الباقي فيتقوت بما فضل منه، و يحمل إلى النار حطبها، فالنار عندهم معظمة و الأنوار مقتربة.

و كذلك عند سائر الأمم فقد كانوا يرون تقبل القربان بنزول النار عليها، و لم يثنهم عنها عبادة أصنام أو كواكب أو بقر أو حمير أو صور.

قال: و أما القسم الثاني فهو من السنة الخامسة و العشرين إلى الخمسين أو إلى السبعين، و فيه يأذن له الأستاذ في التأهل فيتزوج و يقصد النسل.

و ذكر كيفية معاشرته أهله و الناس و ارتزاقه و سيرته.

ثم قال: و أما القسم الثالث فهو من الخمسين إلى الخامسة و السبعين أو إلى التسعين، و في هذا القسم يتزهد و يخرج من زخاري الحياة و يسلم زوجه إلى أولاده إن لم تصحبه إلى الصحاري، و يستمر خارج العمران على سيرته في القسم الأول، و لا يستكن تحت سقف، و لا يلبس إلا ما يواري سوأته من لحاء الشجر، و لا ينام إلا على الأرض بغير وطاء، و لا يتغذى إلا بالثمار و النبات و أصوله، و يطول الشعر و لا يدهن.

قال: و أما القسم الرابع فهو إلى آخر العمر يلبس فيه لباسا أحمر، و يأخذ بيده قضيبا، و يقبل على الفكر و تجريد القلب من الصداقات و العداوات، و يرفض الشهوة و الحرص و الغضب، و لا يصاحب أحدا البتة.

فإن قصد موضعا ذا فضل طلبا للثواب لم يقم في طريقه في قرية أكثر من يوم، و في بلد أكثر من خمسة أيام، و إن دفع له أحد شيئا لم يترك منه للغد بقية، و ليس له إلا الدءوب على شرائط الطريق المؤدي إلى الخلاص و الوصول إلى المقام الذي لا رجوع فيه إلى الدنيا، ثم ذكر الأحكام العامة التي يجب على البرهمن العمل بها في جميع عمره، انتهى موضع الحاجة من كلامه.

و أما سائر الفرق المذهبية من الهنود كالجوكية أصحاب الأنفاس و الأوهام و كأصحاب الروحانيات و أصحاب الحكمة و غيرهم، فلكل طائفة منهم رياضات شاقة عملية لا تخلو عن العزلة و تحريم اللذائذ الشهوانية على النفس.

و أما البوذية فبناء مذهبهم على تهذيب النفس و مخالفة هواها و تحريم لذائذها عليها للحصول على حقيقة المعرفة، و قد كان هذا هو الطريقة التي سلكها بوذا نفسه في حياته، فالمنقول أنه كان من أبناء الملوك أو الرؤساء فرفض زخارف الحياة، و هجر أريكة العرش إلى غابة موحشة لزمها في ريعان شبابه، و اعتزل الناس، و ترك التمتع بمزايا الحياة، و أقبل على رياضة نفسه و التفكر في أسرار الخلقة حتى قذفت المعرفة في قلبه و سنه إذ ذاك ستة و ثلاثون و عند ذاك خرج إلى الناس فدعاهم إلى ترويض النفس و تحصيل المعرفة و لم يزل على ذلك قريبا من أربع و أربعين سنة على ما في التواريخ.

و أما الصابئون و نعني بهم أصحاب الروحانيات و أصنامها فهم و إن أنكروا أمر النبوة غير أن لهم في طريق الوصول إلى كمال المعرفة النفسانية طرقا لا تختلف كثيرا عن طرق البراهمة و البوذيين، قالوا - على ما في الملل و النحل -: إن الواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية، و نهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية و الغضبية حتى يحصل مناسبة ما بيننا و بين الروحانيات فنسأل حاجاتنا منهم، و نعرض أحوالنا عليهم، و نصبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى خالقنا و خالقهم و رازقنا و رازقهم، و هذا التطهير ليس يحصل إلا باكتسابنا و رياضتنا و فطامنا أنفسنا عن دنيئات الشهوات استمدادا من جهة الروحانيات، و الاستمداد هو التضرع و الابتهال بالدعوات، و إقامة الصلوات، و بذل الزكوات، و الصيام عن المطعومات و المشروبات، و تقريب القرابين و الذبائح، و تبخير البخورات، و تعزيم العزائم فيحصل لنفوسنا استعداد و استمداد من غير واسطة، انتهى.

و هؤلاء و إن اختلفوا فيما بين أنفسهم بعض الاختلاف في العقائد العامة الراجعة إلى الخلق و الإيجاد لكنهم متفقوا الرأي في وجوب ترويض النفس للحصول على كمال المعرفة و سعادة النشأة.

و أما المانوية من الثنوية فاستقرار مذهبهم على كون النفس من عالم النور العلوي و هبوطها إلى هذه الشبكات المادية المظلمة المسماة بالأبدان، و أن سعادتها و كمالها في التخلص من دار الظلمة إلى ساحة النور إما اختيارا بالترويض النفساني، و إما اضطرارا بالموت الطبيعي، معروف.

و أما أهل الكتاب و نعني بهم اليهود و النصارى و المجوس فكتبهم المقدسة و هي العهد العتيق و العهد الجديد و أوستا مشحونة بالدعوة إلى إصلاح النفس و تهذيبها و مخالفة هواها.

و لا تزال كتب العهدين تذكر الزهد في الدنيا و الاشتغال بتطهير السر، و لا يزال يتربى بينهم جم غفير من الزهاد و تاركي الدنيا جيلا بعد جيل، و خاصة النصارى فإن من سننهم المتبعة الرهبانية.

<<        الفهرس        >>