في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

<<التالي الفهرس السابق>>



(الصفحة201)

مسألة 8 : يجوز تعجيل الدَّين المؤجّل بنقصان مع التراضي; وهو الذي يسمّى في لسان تجّار العصر بالنزول ، ولا يجوز تأجيل الحالّ ولا زيادة أجل المؤجّل بزيادة1.


فتصير الأقسام ستّة وأربعين; لإضافة واحد وعشرين قسماً إلى الأقسام المتقدِّمة ، وسقوط أربع صور الدَّين بالدّين اللاّحق . هذا في غير السلم ، وأمّا فيه ففيه تفصيل لا يسعه المقام(1) .
وليعلم هنا أنّ ما عبّر عنه بالتهاتر القهري ـ مثل ما إذا كان لزيد على عمرو مائة دينار ، ولعمرو على زيد أيضاً هذا المقدار ـ هل يكون له مأخذ ومستند؟ الظاهر العدم ، أو من الممكن عدم إرادة أحدهما تسليم ما في ذمّته إلى الآخر ، أو عدم إرادة كليهما ، وقد ذكرنا التفصيل في كتاب القضاء(2) ، فراجع .

1 ـ يدلّ على الجواز ـ مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة; سواء كان الدَّين من الأثمان أو من غيرها ، بشرط أن لا يكون من جنسه أو ربويّاً . أمّا الأثمان ، فيجوز بيعها نقداً مع التفاوت فضلاً عن النسيئة ، فيجوز بيع ألف تومان مثلاً بأقلّ منه ، أو أكثر مع تعلّق غرض عقلائيّ معامليّ بذلك . وأمّا غير الأثمان ، فربما يتوهّم الجواز; سواء كان من المكيل أو الموزون; كبيع دين حنطة مؤجّلاً بنقصان مع التراضي ، أو من غير المكيل والموزون ، أمّا الثاني فواضح ، وأمّا الأوّل ، فلأنّ أدلّة الربا المعاوضي في المكيل والموزون تختصّ بما إذا كان الثمن والمثمن نقدين أو متساويين في الأجل ، أمّا إذا كان أحدهما نقداً والآخر غيره فلا مانع منه . هذا ، ولكن الظاهر

(1) مهذّب الأحكام: 21/19 ـ 20 .
(2) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ، كتاب القضاء: 373 .

(الصفحة202)

مسألة 9 : لا يجوز قسمة الدَّين ، فإذا كان لاثنين دين مشترك على ذمم متعدِّدة; كما إذا باعا عيناً مشتركة بينهما من أشخاص ، أو كان لمورّثهما دين على أشخاص فورثاه ، فجعلا بعد التعديل ما في ذمّة بعضهم لأحدهما وما في ذمّة آخرين للآخر ، فإنّه لا يصحّ . نعم ، الظاهر كما مرّ في الشركة أنّه إذا كان لهما دين مشترك على أحد يجوز أن يستوفي أحدهما منه حصّته ، فيتعيّن له وتبقى حصّة الآخر في ذمّته . وهذا ليس من قسمة الدَّين1.


خلافه والتحقيق في محلّه ـ بعض الروايات الواردة في هذا المجال ، مثل:
رواية محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يكون عليه دين إلى أجل مسمّى فيأتيه غريمه فيقول : انقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيّته ، أو يقول : انقدني بعضاً وأمدّ لك في الأجل فيما بقي ، فقال : لا أرى به بأساً ما لم يزد على رأس ماله شيئاً(1) .
ورواية أبان ، عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون له على الرجل الدَّين ، فيقول له قبل أن يحلّ الأجل : عجِّل لي النصف من حقّي على أن أضع عنك النصف ، أيحلّ ذلك لواحد منهما؟ قال (عليه السلام)  : نعم(2) . والظاهر أنّ إطلاق الدَّين يشمل جميع الفروض الثلاثة المتقدِّمة ، وظهر من الرواية الاُولى عدم جواز تأجيل الحالّ ولا زيادة المؤجّل بزيادة ، كما لايخفى .

1 ـ يدلّ على عدم الجواز روايات متعدِّدة ، مثل :
صحيحة ابن خالد قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجلين كان لهما مال بأيديهما

(1) الفقيه: 3/21 ح55 ، وعنه الوسائل: 18/376 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب32 ح1 .
(2) الكافي: 5/258 ح3 ، تهذيب الأحكام: 6/206 ح474 ، وعنهما الوسائل: 18/449 ، كتاب الصلح ب7 ح2.

(الصفحة203)



ومنه متفرّق عنهما ، فاقتسما بالسويّة ما كان في أيديهما وما كان غائباً عنهما ، فهلك نصيب أحدهما ممّا كان غائباً واستوفى الآخر ، عليه أن يردّ على صاحبه؟ قال : نعم ما يذهب بماله(1) .
وموثّقة ابن سنان ، عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن رجلين بينهما مال منه دين ومنه عين ، فاقتسما العين والدَّين ، فتوى(2) الذي كان لأحدهما من الدين أو بعضه ، وخرج الذي للآخر أيردّ على صاحبه؟ قال : نعم ما يذهب بماله(3) .
ومرسلة أبي حمزة قال : سُئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجلين بينهما مال منه بأيديهما ومنه غائب عنهما ، فاقتسما الذي بأيديهما ، وأحال كلّ واحد منهما من نصيبه الغائب ، فاقتضى أحدهما ولم يقتض الآخر ، قال : ما اقتضى أحدهما فهو بينهما ما يذهب بماله(4)  . ويحتمل قويّاً أن يكون المراد بالمرسلة ما استدركه من أنّ الظاهر أنّه إذا كان لهما دين مشترك على أحد يجوز أن يستوفي أحد حصّته ويتعيّن له ، وتبقى حصّة الآخر على عهدته ، ولكن الظاهر أنّه لا مانع منه كما مرّ في باب الشركة(5) ، ولكنّه ليس من قسمة الدَّين بل استيفاء كلّ دائن حقّه .


(1) تهذيب الأحكام: 6/207 ح477 ، الفقيه: 3/23 ح60 ، وعنهما الوسائل: 18/371 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرص ب29 ح1 .
(2) توى: هلك (الصحاح: 6/2290 مادّة توى) .
(3) تهذيب الأحكام: 7/186 ح821 ، وعنه الوسائل: 19/12 ، كتاب الشركة ب6 ح2 .
(4) تهذيب الأحكام: 6/195 ح430، وج7/185 ـ 186 ح818 ـ 820 ، وعنه الوسائل: 19/12، كتاب الشركة ب6 ح1.
(5) في ص133 .

(الصفحة204)

مسألة 10 : يجب على المديون عند حلول الدَّين ومطالبة الدائن السعي في أدائه بكلّ وسيلة; ولو ببيع سلعته ومتاعه وعقاره ، أو مطالبة غريم له ، أو إجارة أملاكه ، وغير ذلك . وهل يجب عليه التكسّب اللائق بحاله من حيث الشرف والقدرة؟ وجهان بل قولان ، أحوطهما ذلك ، خصوصاً فيما لا يحتاج إلى تكلّف وفيمن شغله التكسّب ، بل وجوبه حينئذ قويّ . نعم ، يستثنى من ذلك بيع دار سكناه ، وثيابه المحتاج إليها ولو للتجمّل ، ودابّة ركوبه إذا كان من أهله واحتاج إليه ، بل وضروريّات بيته; من فراشه وغطائه وظروفه وإنائه لأكله وشربه وطبخه ، ولو لأضيافه; مراعياً في ذلك كلّه مقدار الحاجة بحسب حاله وشرفه ، وأنّه بحيث لو كلّف ببيعها لوقع في عسر وشدّة وحزازة ومنقصة . وهذه كلّها من مستثنيات الدَّين ، لا خصوص بعض المذكورات ، بل لا يبعد أن يعدّ منها الكتب العلميّة لأهلها بمقدار حاجته بحسب حاله ومرتبته1.

مسألة 11 : لو كانت دار سكناه أزيد عمّا يحتاجه ، سكن ما احتاجه وباع ما فضل عنه ، أو باعها واشترى ما هو أدون ممّا يليق بحاله . وإذا كانت له دور متعدّدة واحتاج إليها لسكناها لا يبيع شيئاً منها ، وكذلك الحال في المركوب


1 ـ قد استوفينا الكلام في هذه المسألة ـ وأنّه هل على المديون غير القادر على أداء الدَّين ، التكسّب مطلقاً ، أو خصوص التكسّب اللائق بحاله من حيث الشرف والقدرة ، أو لا يجب عليه التكسّب مطلقاً ، بل إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ـ في كتاب القضاء(1) ، ولا حاجة إلى الإعادة والتكرار ، فراجع ما هناك .


(1) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ، كتاب القضاء: 112 ـ 115 و 119 .

(الصفحة205)

والثياب ونحوهما1.

مسألة 12 : لو كانت عنده دار موقوفة عليه تكفي لسكناه ـ ولم يكن سكناه فيها موجباً لمنقصة وحزازة ـ وله دار مملوكة ، فالأحوط أن يبيع المملوكة2.


1 ـ لو كانت دار سكنى المديون غير القادر على أداء الدَّين مع قطع النظر عنها أزيد ممّا يحتاجه ، سكن ما احتاجه وباع ما فضل عنه ، أو باعها واشترى ما هو أدون ممّا يرفع حاجته ولا يكون غير لائق بحاله ; لأنّ ظاهر أدلّة استثناء دار المديون استثناؤها للاحتياج إليها ، ولئلاّ يصير فاقداً للمسكن اللائق بحاله . وأمّا في صورة زيادة المسكن عن الاحتياج لأجل سعتها أو خصوصياتها الاُخرى ، فلا دلالة لها على استثناء الزيادة أصلاً ، بل يعمل طبق أحد الطريقين المذكورين في المتن ، كما أنّه لو كانت له دور متعدّدة يحتاج إلى جميعها لتعدّد زوجاته مثلاً ، أو لأجل الصيف والشتاء لا يجب عليه بيع شيء منها .
وكذلك الحال في المركوب والثياب والكتب ونحوها ، ويدلّ على أصل الحكم أيضاً خبر مسعدة بن صدقة قال : سمعت جعفر بن محمّد (عليهما السلام) وسُئل عن رجل عليه دين وله نصيب في دار ، وهي تغل غلّة فربما بلغت غلّتها قوته ، وربما لم تبلغ حتّى يستدين ، فإن هو باع الدار وقضى دينه بقي لا دار له ؟ فقال : إن كان في داره ما يقضي به دينه ويفضل منها ما يكفيه وعياله فليبع الدار ، وإلاّ فلا(1) .

2 ـ لو كانت عند المديون دار موقوفة عليه كافية لسكناه ـ ولا يكون سكناه فيها موجباً لمنقصة وحزازة مخلّة بشأنه عند العرف والعقلاء ـ وله أيضاً دار مملوكة

(1) تهذيب الأحكام: 6/198 ح440 ، الاستبصار: 3/7 ح16 ، وعنهما الوسائل: 18/342 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب11 ح7 .

(الصفحة206)

مسألة 13 : إنّما لا تباع دار السكنى في أداء الدَّين ما دام المديون حيّاً ، فلو مات ولم يترك غير دار سكناه ، أو ترك وكان دينه مستوعباً أو كالمستوعب ، تُباع وتُصرف فيه1.

مسألة 14: معنى كون الدار ونحوها من مستثنيات الدَّين: أنّه لايجبرعلى بيعها لأجل أدائه، ولا يجب عليه ذلك، وأمّا لورضى به لقضائه جاز للدائن أخذه. نعم، ينبغي أن لا يرضى ببيع مسكنه ولا يصير سبباً له وإن رضي به ، ففي خبر عثمان بن زياد قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ لي على رجل ديناً وقد أراد أن يبيع داره فيقضيني، فقال أبوعبدالله (عليه السلام): «أعيذك بالله أن تخرجه من ظلّ رأسه»بل الاحتياط والتورّع في الدِّين يقتضي ذلك بعد قصّة ابن أبي عمير رضوان الله عليه2.


لشخصه ، فقد احتاط وجوباً في المتن بأن يبيع الدار المملوكة ويصرف ثمنها في أداء الدَّين ، ولعلّ الوجه فيه انصراف أدلّة الاستثناء عن مثل هذا المورد الذي يوجد ما يرفع حاجته من دون توقيت .

1 ـ إنّما لا تباع دار السكنى لأداء الدَّين ما دام كون المديون حيّاً ، فلو مات ولم يترك غير داره تباع وتُصرف في دينه; لوضوح أنّ أدلّة استثناء الدار لا تشمل هذه الصورة التي لا حاجة له إليها أصلاً لفرض موته ، واحتياج الورثة على تقديره لا يرتبط بالميّت المديون . ومثل هذه الصورة ما لو ترك غير داره أيضاً ، ولكن كان دينه مستوعباً أو كالمستوعب ، ولا يمكن أداء الجميع إلاّ ببيع داره ، فإنّها تُباع وتُصرف فيه كما لا يخفى .

2 ـ لوضوح أنّ استثناء الدار ونحوها من مستثنيات الدَّين إنّما هو استثناء ترخيصيّ لا إلزاميّ ، فلا يجبر المديون على بيعها لأجل أداء الدَّين ، ولا يجب عليه

(الصفحة207)



ذلك . نعم ، لو أراد هو نفسه بيع داره مثلاً لقضائه لا يحرم على الدائن أخذه بعد فرض ثبوت الدَّين وعدم إلزامه ببيعها . نعم ، ينبغي أن لا يرضى ببيع مسكنه ولا يصير سبباً له للخبر المذكور في المتن(1) . وقول الإمام (عليه السلام) في الجواب «أعيذك بالله أن تخرجه من ظلّ رأسه» لا دلالة له على الإجبار .
وأمّا قصّة ابن أبي عمير; فهي ما رواه إبراهيم بن هاشم أنّ محمّد بن أبي عمير (رضي الله عنه) كان رجلاً بزّازاً ، فذهب ماله وافتقر ، وكان له على رجل عشرة آلاف درهم ، فباع داراً له كان يسكنها بعشرة آلاف درهم ، وحمل المال إلى بابه ، فخرج إليه محمّد بن أبي عمير فقال : ما هذا؟ فقال : هذا مالك الذي لك عَليّ ، قال : ورثته؟ قال : لا ، قال : وُهِبَ لك؟ قال : لا ، فقال : هو من ثمن ضيعة بعتها ؟ فقال : لا ، فقال : ما هو؟ فقال : بعت داري التي أسكنها لأقضي ديني .
فقال محمّد بن أبي عمير : حدّثني ذريح المحاربي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : لا يخرج الرجل من مسقط رأسه بالدَّين ، إرفعها فلا حاجة لي فيها ، والله إنّي لمحتاج في وقتي هذا إلى درهم واحد ، وما يدخل ملكي درهم واحد(2) .
ثمّ إنّ الظاهر أنّه لو أجبره على بيع داره وأداء دينه لا الإجبار المساوق للإكراه الذي لايصحّ البيع معه ـ بل الإجبار العرفي غير المنافي مع الصحّة ـ لا يوجب ذلك حرمة الأخذ منه وعدم تحقّق أداء الدَّين ، بل الإجبار غير جائز وإن كان التصرّف في المال جائزاً .


(1) الكافي: 5/97 ح8 ، تهذيب الأحكام: 6/187 ح390 ، الاستبصار: 3/6 ح13 ، و عنها الوسائل: 18/340 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب11 ح3 .
(2) الفقيه: 3/117 ح507 ، علل الشرائع: 529 ب313 ح2 ، تهذيب الأحكام: 6/198 ح441 ، وعنها الوسائل: 18/341 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب11 ح5 .

(الصفحة208)

مسألة 15 : لو كان عنده متاع أو سلعة أو عقار زائداً على المستثنيات لا تباع إلاّ بأقلّ من قيمتها ، يجب بيعها للدَّين عند حلوله ومطالبة صاحبه ، ولا يجوز له التأخير وانتظار من يشتريها بالقيمة. نعم ، لو كان ما يشترى به أقلّ من قيمته بكثير جدّاً ـ بحيث يعدّ بيعه به تضييعاً للمال وإتلافاً له ـ لا يبعد عدم وجوب بيعه1.

مسألة 16 : كما لا يجب على المعسر الأداء ، يحرم على الدائن إعساره بالمطالبة والاقتضاء ، بل يجب أن يُنظره إلى اليسار2.


1 ـ لو كان عنده متاع أو سلعة أو عقار من غير المستثنيات في الدَّين ، وممّا يجب عليه بيعه في أداء دينه في نفسه لا تباع إلاّ بأقلّ من قيمتها ، ففي المتن التفصيل بين ما إذا لم يكن ما يشترى به بأقلّ من قيمته بكثير ، بحيث يعدّ بيعه بذلك المقدار تضييعاً للمال وإتلافاً له ، وبين ما إذا كان كذلك ، بوجوب البيع في الأوّل والصرف في أداء الدّين للإمكان العقلائي حينئذ ، مع أنّه لا يوجد كثيراً من يشتري مثل هذه الاُمور بقيمته الواقعيّة ، وعدم الوجوب في الصورة الثانية; لعدم رضى الشارع بالتضييع والإتلاف لأداء مال الغير ، كما لا يخفى .

2 ـ كما أنّه لا يجب على المعسر أداء الدَّين لفرض الإعسار وعدم القدرة ، وكون بعض الأشياء متّصفاً بعنوان المستثنى في الدَّين ، كالدار التي يحتاج إلى سكناها ، ولا تكون زائدة عليه كمّاً ولا كيفاً بحسب شأنه وشرفه ، كذلك يحرم على الدائن المطالبة والاقتضاء في صورة الإعسار ، والأصل فيه قوله تعالى : {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة}(1) الدالّ بظاهره على وجوب الإنظار ، وهو وإن كان لا يلازم

(1) سورة البقرة : 2/280 .

(الصفحة209)

مسألة 17 : مماطلة الدائن مع القدرة معصية ، بل يجب عليه نيّة القضاء مع عدم القدرة; بأن يكون من نيّته الأداء عندها1.


حرمة المطالبة والاقتضاء; لعدم اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه ولو العام كما بيّن في محلّه ، وإلاّ يلزم أن يكون في جميع الواجبات حكمان تعلّق أحدهما بالإيجاد والآخر بالترك ، وهذا من وضوح البطلان بمكان; لعدم ثبوت الحرمة في مورد الوجوب ولا العكس ، إلاّ أنّ الملازمة العرفية ثابتة .
هذا ، مضافاً إلى دلالة جملة من الروايات عليه ، ففي الموثّق عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) : كما لا يحلّ لغريمك أن يمطلك وهو موسر ، فكذلك لا يحلّ لك أن تعسره إذا علمت أنّه معسر(1) .
وموثّق ابن سنان ، عن الصادق (عليه السلام) قال : وإيّاكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين أن تعسروه بشيء يكون لكم قبله وهو معسر ، فإنّ أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله)كان يقول : ليس لمسلم أن يعسر مسلماً ، ومن أنظر معسراً أظلّه الله يوم القيامة بظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه(2) ، وغير ذلك من الروايات الواردة في هذا المجال .

1 ـ مماطلة الدائن مع القدرة والوجدان معصية، بل معصية كبيرة لما مرّ من قوله (صلى الله عليه وآله): ليّ الواجد بالدين يحلّ عرضه وعقوبته(3) ، أي مماطلة الغني الواجد لأداء الدَّين يحلّ عقوبته بالتماس حبسه من الحاكم ، وعرضه بالتعبير عنه بقوله : يا ظالم

(1) تهذيب الأحكام: 6/192 ح418 ، ثواب الأعمال: 167 ح5 ، وعنهما الوسائل: 18/334 ، كتاب التجارة أبواب الدين والقرض ب8 ح5 و ص366 ب25 ح2 .
(2) الكافي: 8/9 ح1 ، وعنه الوسائل: 18/366 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب25 ح1 .
(3) في ص191 .

(الصفحة210)

القول في القرض

وهو تمليك مال لآخر بالضمان; بأن يكون على عهدته أداؤه بنفسه أو بمثله أو قيمته . ويُقال للمملّك: المقرض ، وللمتملّك: المقترض والمستقرض1.

مسألة 1 : يكره الاقتراض مع عدم الحاجة ، وتخفّ كراهته مع الحاجة ، وكلّما خفّت الحاجة اشتدّت الكراهة ، وكلّما اشتدّت خفّت إلى أن تزول ، بل ربما وجب لو توقّف عليه أمر واجب ، كحفظ نفسه أو عرضه ونحو ذلك ،


يا فاسق وأمثال ذلك ، وهذه كلّها تدلّ على أنّها معصية كبيرة . وأمّا وجوب نيّة الأداء عند القدرة في صورة عدم الوجدان ، فيدلّ عليه مثل:
صحيحة زرارة قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه الدَّين لا يقدر على صاحبه ولا على وليّ له ، ولا يدري بأيّ أرض هو ؟ قال : لا جناح عليه بعد أن يعلم الله منه أنّ نيّته الأداء(1) . والرواية وإن لم تكن واردة في مفروض المقام ، إلاّ أنّه يستفاد منها الضابطة الكلّية; وهي لزوم نيّة الأداء عند وجدان صاحبه ، أو وجدان ما يؤدّي به دينه كما لايخفى .

1 ـ وهو ـ كما في الجواهر ـ بكسر القاف وفتحها ، وهو معروف أثبته الشارع متاعاًللمحتاجين مع ردّ عوضه في غير المجلس غالباً، وإن كان من النقدين رخصة(2).
وكيف كان ، فهو تمليك مال لآخر بالضمان ; بأن يكون على عهدته أداؤه بنفسه أو بمثله أو قيمته ، ويُقال للمملّك: المقرض ، وللمتملّك: المقترض والمستقرض .


(1) تهذيب الأحكام: 6/188 ح395، وعنه الوسائل: 18/362، كتاب التجارة، أبواب الدين والقرض ب22 ح1.
(2) جواهر الكلام: 25/1 .

(الصفحة211)

والأحوط لمن لم يكن عنده ما يوفي به دينه ولم يترقّب حصوله ، عدم الاستدانة إلاّ عند الضرورة ، أو علم المستدان منه بحاله1.


1 ـ أمّا أدلّة الكراهة مع عدم الحاجة فروايات كثيرة :
منها: رواية عبدالله بن ميمون ، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال : قال عليّ (عليه السلام)  : إيّاكم والدَّين فإنّه مذلّة بالنهار ، ومهمّة بالليل ، وقضاء في الدُّنيا وقضاء في الآخرة(1) .
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : الدَّين راية الله ـ عزّوجلّ ـ في الأرضين ، فإذا أراد أن يذلّ عبداً وضعه في عنقه(2) .
وغير ذلك من الروايات الدالّة بالمطابقة على الكراهة في الصورة المذكورة، وبالملازمة على أصل المشروعيّة ، مع أنّه من ضرورة الفقه ، ويدلّ عليه الكتاب والسنّة .
وأمّازوال الكراهة في صورة كمال اشتدادالحاجة،فيدلّ عليه أيضاًروايات متعدّدة:
منها: رواية موسى بن بكر ، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)  : من طلب هذا الرزق من حلّه ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله ، فإن غلب عليه فليستدن على الله وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله) ما يقوت به عياله(3) .
وغير ذلك من الروايات الواردة في هذا المجال .


(1) الفقيه: 3/111 ح468 ، علل الشرائع: 527 ح2 ، الكافي: 5/95 ح11 ، تهذيب الأحكام: 6/183 ح376 ، وعنها الوسائل: 18/316 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب1 ح4 و ص327 ح6 .
(2) علل الشرائع: 529 ح10 ، الكافي: 5/101 ح5 ، وعنهما الوسائل: 18/318 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب1 ح10 .
(3) الكافي: 5/93 ح3 ، قرب الإسناد: 340 ح1245 ، تهذيب الأحكام: 6/184 ح381 ، وعنها الوسائل: 18/320 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب2 ح2 و ص336 ب9 ح2 .

(الصفحة212)

مسألة 2 : إقراض المؤمن من المستحبّات الأكيدة ، سيّما لذوي الحاجة; لما فيه من قضاء حاجته وكشف كربته ، فعن النبيّ (صلى الله عليه وآله) : مَن أقرض أخاه المسلم كان له بكلّ درهم أقرضه وزن جبل أحُد من جبال رضوى وطور سيناء حسنات ، وإن رفق به في طلبه تعدّى به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولا عذاب ، ومن شكا إليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرّم الله ـ عزّوجلّ ـ عليه الجنّة يوم يجزي المحسنين1.


وأمّا الوجوب ، ففي صورة توقّف أمر واجب عليه كحفظ نفسه وعرضه ، بل ومثل الحجّ إذا كان مستطيعاً لأجل متاع كثير عنده ولكن لا يمكن له بيعه فعلاً ، وأمّا إذا استدان فيمكن له بعد الرجوع ذلك وقضاء دينه ، كما هو المذكور في باب الاستطاعة في الحجّ(1) .
ومن لم يكن عنده ما يوفي به دينه ولم يترقّب حصوله فقد احتاط في المتن وجوباً عدم الاستدانة ، ومنشؤه الحرمة المنسوبة إلى الحلبي(2) والكراهة المنسوبة إلى الشيخ(3) ، ولا يبعد أن يُقال بثبوت الحرمة مع عدم نيّة الأداء من أوّل الأمر والبناء على عدم القضاء ، فتدبّر جيّداً .

1 ـ يدلّ على استحباب إقراض المؤمن روايات كثيرة ، مثل الرواية المذكورة في المتن(4) ، وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : مَنْ أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في

(1) تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ، كتاب الحج : 1/123 ـ 124 ، الفرع الثالث .
(2) الكافي في الفقه: 330 .
(3) النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى: 304
(4) عقاب الأعمال: 341 ، وعنه الوسائل: 18/331 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب6 ح5 .

(الصفحة213)



زكاة ، وكان هو في صلاة من الملائكة حتّى يؤدّيه(1) . وقول الصادق (عليه السلام)  : لأن أقرض قرضاً أحبّ إليّ من أن أتصدّق بمثله ، وكان يقول: من أقرض قرضاً وضرب له أجلاً فلم يؤت به عند ذلك الأجل ، كان له من الثواب في كلّ يوم يتأخّر عن ذلك الأجل بمثل صدقة دينار واحد في كلّ يوم(2) ، والقرض الواحد بثمانية عشر ، وإن مات حسبتها من الزكاة(3) ، وما من مسلم أقرض مسلماً قرضاً حسناً يريد به وجه الله إلاّ حسب له أجره كأجر الصدقة حتّى يرجع إليه(4) . وعنه (عليه السلام) أيضاً قال : مكتوب على باب الجنّة : الصدقة بعشرة ، والقرض بثمانية عشر(5) .
والوجه فيه ما حكي عن الحدائق ممّا حاصله : أنّ الصدقة بعشرة ، حيث إنّ نفس الدرهم المتصدّق به يحسب في ضمن العشرة; لأنّه لا يرجع إلى المتصدّق ، فيكون أصل الثواب تسعة ، وبزيادة نفس درهم الصدقة يصير عشرة ، وأصل ثواب القرض أيضاً كذلك ، ولكن حيث إنّ درهم القرض يرجع إلى المقترض مع الثواب فيصير تسعة عشر ; لأنّ درهم القرض يرجع إلى المقترض مع فضله الثواب الذي اكتسبه من انطباق عنوان القرض عليه ، فالمقرض يستفيد تسعة من الثواب بالإقراض ، وتسعة اُخرى بثواب القرض(6) .


(1) ثواب الأعمال: 166 ح1 ، وعنه الوسائل: 18/330 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب6 ح3 .
(2) ثواب الأعمال: 167 ح4 ، وعنه الوسائل: 18/330 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب6 ح1 .
(3) ثواب الأعمال: 167 ح3 ، وعنه الوسائل: 18/330 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب6 ح4 .
(4) ثواب الأعمال: 166 ح2 ، وعنه الوسائل: 18/330 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب6 ح2 .
(5) الكافي: 4/33 ح1 ، الفقيه: 2/31 ح124 ، وعنهما الوسائل: 16/318 ، كتاب الأمر والنهي ، أبواب فعل المعروف ب11 ح3 ، وأخرجه في البحار: 103/139 ح9 عن الهداية: 180 ـ 181 ، وفي مستدرك الوسائل: 12/364 ح3 عن تفسير القمّي: 2/350 .
(6) الحدائق الناضرة: 20/107 .

(الصفحة214)

مسألة 3 : القرض عقد يحتاج إلى إيجاب ، كقوله : «أقرضتك» أو ما يؤدّي معناه ، وقبول دالّ على الرضا بالإيجاب . ولا يعتبر فيه العربيّة ، بل يقع بكلّ لغة ، بل تجري المعاطاة فيه بإقباض العين وقبضها بهذا العنوان . ويعتبر في المقرض والمقترض ما يعتبر في المتعاقدين; من البلوغ والعقل والقصد والاختيار وغيره1.

مسألة 4 : يعتبر في المال أن يكون عيناً على الأحوط مملوكاً ، فلا يصحّ إقراض الدَّين ولا المنفعة ، ولا ما لا يصحّ تملّكه كالخمر والخنزير . وفي صحّة إقراض الكلّي ـ بأن يوقع العقد عليه وأقبضه بدفع مصداقه ـ تأمّل . ويعتبر في المثليّات كونه ممّا يمكن ضبط أوصافه وخصوصيّاته التي تختلف باختلافها القيمة والرغبات . وأمّا في القيميّات كالأغنام والجواهر ، فلا يبعد عدم اعتبار إمكان ضبط الأوصاف ، بل يكفي فيها العلم بالقيمة حين الإقراض ، فيجوز إقراض الجواهر ونحوها على الأقرب مع العلم بقيمتها حينه وإن لم يمكن


1 ـ حيث إنّ القرض من العقود لا لصرف الاحتياج إلى الطرفين ـ فإنّ أكثر الإيقاعات أيضاً كذلك ، كالطلاق والعتاق والإبراء من الدَّين ـ بل لأجل اعتبار رضا الطرفين ، ضرورة أنّ اعتبار رضا المقرض والمقترض يحتاج إيجاب مفاده الإقراض ، وقبول دالّ على الرضا بالإيجاب ، ولا يعتبر فيه العربية بل يقع بكلّ لغة ، بل يكفي فيه الإيجاب والقبول الفعليّان المعبّر عنه بالمعاطاة ; لعدم الدليل على انحصار إنشائه باللفظ ، ويعتبر في المقرض والمقترض ما يعتبر في المتعاقدين; من البلوغ والعقل والقصد والاختيار وسائر الاُمور المعتبرة .


(الصفحة215)

ضبط أوصافها1.

مسألة 5 : لابدّ أن يقع القرض على معيّن ، فلا يصحّ إقراض المبهم كأحد هذين ، وأن يكون قدره معلوماً بالكيل فيما يكال ، والوزن فيما يُوزن ، والعدّ


1 ـ يعتبر في المال أن يكون عيناً في مقابل الدَّين والمنفعة على الأحوط ، ومنشؤه ادّعاء الإجماع(1) على ذلك ، فلا يصحّ إقراض الدَّين ولا المنفعة ، ولا ما لا يصحّ تملّكه كالخمر والخنزير ، وهو واضح بعد كون حقيقة القرض التمليك والتملّك . وأمّا العين في مقابل الكلّي; كأن أوقع عقد القرض على الكلّي وأقبضه بدفع مصداقه ، كما ربما يتحقّق غالباً في اقتراض النقدين واقراضهما ، فقد تأمّل فيه في المتن ، ولكن الظاهر أنّه لا وجه للتأمّل في صحّته بعد صحّة تمليك الكلّي وتحقّق الإقباض بدفع مصداقه ، اللّهمَّ إلاّ أن يكون هناك إجماع على خلافه ، والظاهر العدم لتحقّق الغلبة بالإضافة إلى هذا النوع من القرض ، كما نراه بالوجدان بين المتشرّعة .
وأمّا الأعيان الشخصيّة: فإن كانت مثليّة ، فالظاهر اعتبار كونه ممّا يمكن ضبط أوصافه وخصوصيّاته التي تختلف باختلافها القيمة والرغبات ; لأنّ المفروض لزوم ردّ العين بنفسها أو بمثلها ممّا لا يغاير نظر المالك المقرض ، ولا تكون مختلفة معها في القيمة والرغبة .
وأمّا إن كانت قيميّة ، ولازمها عدم إمكان ضبط جميع الأوصاف والخصوصيّات المذكورة ، فاللازم أن يُقال بكفاية العلم بقيمتها حين الاقتراض ، وعليه: فيجوز إقراض الجواهر ونحوها مع العلم بقيمتها في ذلك الحين ، كما استقربه الماتن (قدس سره) ، وهو الأقوى .


(1) مهذّب الأحكام: 21/38 .

(الصفحة216)

فيما يقدّر بالعدّ ، فلا يصحّ إقراض صبرة من طعام جزافاً . ولو قدّر بكيلة معيّنة وملأ إناء معيّن غير الكيل المتعارف ، أو وزن بصخرة معيّنة غير العيار المتعارف عند العامّة لا يبعد الاكتفاء به ، لكن الأحوط خلافه1.

مسألة 6 : يشترط في صحّة القرض القبض والإقباض ، فلا يملك


1 ـ لابدّ أن يقع القرض على معيّن ، فلا يصحّ إقراض المبهم كأحد هذين ، وقد استدلّ على اعتباره بظهور الإجماع والسيرة(1) ، ولكن القدر المتيقّن منهما ـ خصوصاً مع كونهما من الأدلّة اللبّية التي لا إطلاق لها نوعاً ـ ما إذا كان الأمران والشيئان مختلفين في الأوصاف والخصوصيات الموجبة لاختلاف الأغراض . وأمّا لو فرض اتّحادهما في جميع ذلك فلا دليل على قدح الإبهام ، ومجرّده من حيث هو لا يلازم الغرر المنهيّ عنه(2) ، بناءً على عدم اختصاصه بالبيع .
ويعتبر أن يكون قدره معلوماً بالكيل فيما يكال ، والوزن فيما يوزن ، والعدّ فيما يقدّر بالعدّ ، فلا يصحّ إقراض صبرة من طعام جزافاً . نعم ، لو كان الكيل أو الوزن بغير الكيل أو الوزن المتعارف عند العامّة لا يبعد الاكتفاء به; لعدم استلزام نقص أو زيادة في مال الغير عند الأداء و الردّ اللذين يهتمّ بهما الشارع ، ولا يتحقّق الغرر بوجه ، لكن الاحتياط الاستحبابي في خلافه ; لأنّه قد ينتهي الأمر إلى فقدان تلك الكيلة وتلك الصخرة المعيّنة; لفرض كونهما غير المتعارف عند العامّة ، فيتحقّق التنازع والتخاصم الذي بناء الشارع على العدم في باب المعاملات .


(1) مهذّب الأحكام: 21/40 .
(2) المصنّف في الأحاديث والآثار: 5/61 ، 62 ح4 و7 و18 ، سنن أبي داود: 3/435 ح3376 ، سنن ابن ماجة: 3/35 ـ 36 ح2194 و2195 ، سنن الدارقطني: 2/12 ح2818 ، حلية الأولياء: 7/94 ، شرح السنّة: 8/131 ح2103 .

(الصفحة217)

المستقرض المال المقترض إلاّ بعد القبض ، ولا يتوقّف على التصرّف1.

مسألة 7 : الأقوى أنّ القرض عقد لازم ، فليس للمقرض فسخه بالرجوع بالعين المقترضة لو كانت موجودة ، ولا للمقترض فسخه وإرجاع العين في القيميات . نعم ، للمقرض عدم الإنظار ومطالبة المقترض بالأداء ولو قبل قضاء وطره ، أو مضيّ زمان يمكن فيه ذلك2.


1 ـ يشترط في صحّة القرض القبض والإقباض ، فلا يملك المستقرض المال المقترض إلاّ بعد القبض ، والدليل عليه إرسالهم اعتبار القبض في القرض إرسال المسلّمات ، ولعلّ الارتكاز العقلائي يساعد ذلك ، فإنّه لا يكون مجرّد التمليك والتملّك والإيجاب والقبول عندهم موجباً لتحقّق القرض الذي هو بمعنى قطع جزء من المال وقرضه للمقترض ، ولولا ذلك لأمكن المناقشة في اعتباره بأنّه أيّ فرق بينه ، وبين مثل البيع الذي لا يفتقر إلى القبض إلاّ في بعض أنواعه ، كبيع الصرف والسلم .
وأمّا عدم التوقّف على التصرّف ، فلأنّه لا دليل عليه ، بل الدليل على خلافه; وهو إطلاق النصوص الدالّة على أنّ زكاة مال القرض على المقترض(1) ، فإنّ مقتضى إطلاقها ثبوت الملكيّة للمقترض وإن لم يتصرّف فيه أصلاً ، ولكن ربما يستدلّ على عدم حصول الملكيّة إلاّ بالتصرّف بأصالة عدم تحقّق الملكيّة قبل التصرّف ، ولكن يردّه ـ مضافاً إلى أنّ الأصل لا يكون في رتبة الإطلاق ـ أنّ التصرّف لابدّ وأن يكون مسبوقاً بالملكيّة ولا يتصوّر هنا ، نظير ما ذكر في باب المعاطاة في البيع من حصول الإباحة بالعوض ، كما لا يخفى .

2 ـ لأدلّة أصالة اللزوم الجارية في كلّ عقد شكّ في لزومه وعدمه ، ولكن

(1) وسائل الشيعة : 9/100 ـ 102 ، كتاب الزكاة ، أبواب من وجب عليه الزكاة ب7 .

(الصفحة218)



ربما يستدلّ على الجواز كما عن الشيخ (قدس سره)(1) تارةً بالإجماع على أنّه من العقود الجائزة ، واُخرى بأنّه لا يزيد على الهبة ، وثالثة بأنّه إذا استحقّ المقرض المطالبة بالمثل أو القيمة فله المطالبة بالعين بطريق أولى(2) ، لكن الوجه الأوّل مخدوش بعدم ثبوت الإجماع ، خصوصاً بعد قيام الشهرة على عدم صحّة رجوع المقرض بالعين المقترضة(3) ، وبان هنا أمرين : أحدهما : لزوم العقد وجوازه ، ثانيهما : الإنظار وعدمه ، وثبوت عدم لزوم الإنظار لا يلازم كون العقد جائزاً كما لا يخفى .
والوجه الثاني مخدوش بأنّه من القياس الباطل ، والوجه الثالث مخدوش بعد خروج العين عن ملك المقرض ودخوله في ملك المقترض . وعلى ما ذكرنا فليس للمقرض فسخه بالرجوع بالعين المقترضة لو كانت موجودة ، ولا للمقترض فسخه وإرجاع القيميات . نعم ، للمقرض عدم الإنظار ومطالبة المقترض بالأداء ولو قبل قضاء وطره ، أو مضيّ زمان يمكن فيه ذلك ; لأنّ الإنظار أمرٌ خارج عن حقيقة القرض .
ويدلّ عليه بعض الروايات ، كقول أبي جعفر (عليه السلام)  : يبعث يوم القيامة قومٌ تحت ظلّ العرش وجوههم من نور ـ إلى أن قال : ـ فينادي مناد : هؤلاء قوم كانوا ييسّرون على المؤمنين ، وينظرون المعسر حتّى ييسر(4) ، وكذا قول الصادق (عليه السلام)

(1) المبسوط: 2/161
(2، 3) جواهر الكلام: 25/28 ، مسالك الأفهام: 453
(4) ثواب الأعمال: 174 ح1 ، تفسير العيّاشى: 1/154 ح518 ، وعنهما الوسائل: 18/367 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب25 ح3 ، وفي البحار: 103/151 ح16 و البرهان في تفسير القرآن: 1/261 ح9 عن تفسير العيّاشى .

(الصفحة219)

مسألة 8 : لو كان المال المقترض مثليّاً ـ كالحنطة والشعير والذهب والفضّة ـ تثبت في ذمّة المقترض مثل ما اقترض . ويلحق به أمثال ما يخرج من المكائن الحديثة كظروف البلّور والصيني ، بل وطاقات الملابس على الأقرب . ولو كان قيمياً ـ كالغنم ونحوها ـ ثبت في ذمّته قيمته . وفي اعتبار قيمة وقت الاقتراض والقبض أو قيمة حال الأداء وجهان ، أقربهما الأوّل وإن كان الأحوط التراضي والتصالح في مقدار التفاوت بين القيمتين1.


قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : من أراد أن يظلّه الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه فلينظر معسراً ، أو ليدع له من حقّه(1) . هذا مع عدم اشتراط التأجيل في ضمن عقد لازم ، وإلاّ فلا يجوز له المطالبة وعدم الإنظار .

1 ـ قاعدة ضمان المثل بالمثل والقيمي بالقيمة وإن كانت من القواعد المسلّمة المذكورة في محلّها ، إلاّ أنّ الغرض من هذه المسألة بيان أمرين :
أحدهما: أنّ ما يخرج من المكائن الحديثة ـ سيّما في زماننا هذا ـ التّي تكون الأجناس الخارجة منها متّحدة في الأوصاف والخصوصيّات ويسمّى بـ «المعيار» يكون ملحقاً بالمثليات ، كظروف البلّور والصيني بل وطاقات الملابس والثياب .
ثانيهما : أنّ القيمة الثابتة في القيميات هل هي القيمة وقت الاقتراض والقبض ، أو قيمة حال الأداء؟ فيه وجهان ، والظاهر هو الوجه الأوّل; لأنّ الانتقال إلى القيمة إنّما هو ذلك الحين ، ولكن الأحوط التصالح في مقدار التفاوت .


(1) تفسير العيّاشي: 1/153 ح513 ، وعنه الوسائل: 18/367 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب25 ح4 .

(الصفحة220)

مسألة 9 : لا يجوز شرط الزيادة; بأن يقرض مالاً على أن يؤدّي المقترض أزيد ممّا اقترضه ، سواء اشترطاه صريحاً ، أو أضمراه بحيث وقع القرض مبنيّاً عليه ، وهذا هو الربا القرضي المحرّم الذي ورد التشديد عليه . ولا فرق في الزيادة بين أن تكون عينيّة كعشرة دراهم باثني عشر ، أو عملاً كخياطة ثوب له ، أو منفعة ، أو انتفاعاً كالانتفاع بالعين المرهونة عنده ، أو صفة مثل أن يُقرضه دراهم مكسورة على أن يؤدّيهاصحيحة. وكذا لافرق بين أن يكون المال المقترض ربويّاً; بأن كان من المكيل والموزون، وغيره; بأن كان معدوداً كالجوز والبيض1.


1 ـ لا يجوز شرط الزيادة في القرض ، بل الواجب الاقتصار على ردّ العوض فقط من دون نفع زائد ، وعليه الإجماع ، بل ربما يقال : إنّه إجماع المسلمين ، ويدلّ عليه الكتاب والسنّة ، مثل:
قوله تعالى : {وَحَرَّمَ الرِّبَا}(1) ، وفي رواية عليّ بن جعفر المرويّة في قرب الإسناد قال : سألت أخي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن رجل أعطى رجلاً مائة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقلّ أو أكثر؟ قال : هذا الربا المحض(2) .
وفي رواية خالد بن الحجّاج قال : سألته عن الرجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً قضانيها مائة درهم وزناً ؟ قال : لا بأس ما لم يشترط . قال : وقال : جاء الربا من قبل الشروط ، إنّما يفسده الشروط(3)  . 


(1) سورة البقرة : 2/275 .
(2) قرب الإسناد: 265 ح1055 ، مسائل عليّ بن جعفر: 125 ح90 ، وعنهما الوسائل: 18/359 ، كتاب التجارة ، أبواب الدين والقرض ب19 ح18 ، وفي البحار: 103/157 ح2 عن قرب الإسناد .
(3) الكافي: 5/244 ح1 ، تهذيب الأحكام: 7/112 ح483 ، وعنهما الوسائل: 18/190 ، كتاب التجارة ، أبواب الصرف ب12 ح1 .
<<التالي الفهرس السابق>>