جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج9 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>



مجمع البيان ج : 9 ص : 220
« فبصرك اليوم حديد » أي فعينك اليوم حادة النظر لا يدخل عليها شك و لا شبهة و قيل معناه فعلمك بما كنت فيه من أحوال الدنيا نافذ و لا يراد به بصر العين كما يقال فلان بصير بالنحو و الفقه و قيل هو خاص في الكافر أي فأنت اليوم عالم بما كنت تنكره في الدنيا عن ابن عباس « و قال قرينه » يعني الملك الشهيد عليه عن الحسن و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل قرينه الذي قيض له من الشياطين عن مجاهد و قيل قرينه من الإنس « هذا ما لدي عتيد » إن كان المراد به الملك الشهيد فمعناه هذا حسابه حاضر لدي في هذا الكتاب أي يقول لربه كنت وكلتني به فما كتبت من عمله حاضر عندي و إن كان المراد به الشيطان أو القرين من الإنس فالمعنى هذا العذاب حاضر عندي معد لي بسبب سيئاتي « ألقيا في جهنم كل كفار عنيد » هذا خطاب لخازن النار و قيل خطاب للملكين الموكلين به و هما السائق و الشهيد عن الزجاج و قد ذكرنا ما قيل فيه و روى أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن الأعمش أنه قال حدثنا أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى لي و لعلي ألقيا في النار من أبغضكما و أدخلا الجنة من أحبكما و ذلك قوله « ألقيا في جهنم كل كفار عنيد » و العنيد الذاهب عن الحق و سبيل الرشد « مناع للخير » الذي أمر الله به من بذل المال في وجوهه « معتد » ظالم متجاوز يتعدى حدود الله « مريب » أي شاك في الله و فيما جاء من عند الله و قيل متهم يفعل ما يرتاب بفعله و يظن به غير الجميل مثل المليم الذي يفعل ما يلام عليه و قيل إنها نزلت في الوليد بن المغيرة حين استشاره بنو أخيه في الإسلام فمنعهم فيكون المراد بالخير الإسلام « الذي جعل مع الله إلها آخر » من الأصنام و الأوثان « فألقياه في العذاب الشديد » هذا تأكيد للأول فكأنه قال افعلا ما أمرتكما به فإنه مستحق لذلك « قال قرينه » أي شيطانه الذي أغواه عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و إنما سمي قرينه لأنه يقرن به في العذاب و قيل قرينه من الإنس و هم علماء السوء و المتبوعون « ربنا ما أطغيته » أي ما أضللته و ما أوقعته في الطغيان باستكراه أي لم أجعله طاغيا « و لكن كان في ضلال » من الإيمان « بعيد » أي و لكنه طغى باختياره السوء و مثل هذا قوله و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي « قال » الله تعالى لهم « لا تختصموا لدي » أي لا يخاصم بعضكم بعضا عندي « و قد قدمت إليكم بالوعيد » في دار التكليف و لم تنزجروا و خالفتم أمري « ما يبدل القول لدي » المعنى أن الذي قدمته لكم في دار الدنيا من أني أعاقب من جحدني و كذب رسلي و خالفني في أمري لا يبدل بغيره و لا يكون خلافه « و ما أنا بظلام للعبيد » أي لست بظالم أحدا في عقابي لمن استحقه بل هو الظالم لنفسه بارتكابه المعاصي التي استحق بها ذلك و إنما قال
مجمع البيان ج : 9 ص : 221
بظلام على وجه المبالغة ردا على من أضاف الظلم إليه تعالى و تقدس عن ذلك « يوم نقول لجهنم هل امتلأت » يتعلق يوم بقوله « ما يبدل القول لدي » الآية و قيل يتعلق بتقدير اذكر يا محمد ذلك اليوم الذي يقول الله فيه لجهنم هل امتلأت من كثرة ما ألقي فيك من العصاة « و تقول » جهنم « هل من مزيد » قال أنس طلبت الزيادة و قال مجاهد المعنى معنى الكفاية أي لم يبق مزيد لامتلائها و يدل على هذا القول قوله لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين و قيل في الوجه الأول إن هذا القول كان منها قبل دخول جميع أهل النار فيها و يجوز أن تكون تطلب الزيادة على أن يزاد في سعتها كما عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قيل له يوم فتح مكة أ لا تنزل دارك فقال و هل ترك لنا عقيل من دار لأنه كان قد باع دور بني هاشم لما خرجوا إلى المدينة فعلى هذا يكون المعنى و هل بقي زيادة فأما الوجه في كلام جهنم فقيل فيه وجوه ( أحدها ) أنه خرج مخرج المثل أي إن جهنم من سعتها و عظمتها بمنزلة الناطقة التي إذا قيل لها هل امتلأت تقول لم أمتلىء و بقي في سعة كثيرة و مثله قول عنترة :
فأزور من وقع القنا بلبانه
و شكا إلي بعبرة و تحمحم و قال آخر :
امتلأ الحوض و قال قطني
مهلا رويدا قد ملأت بطني ( و ثانيها ) أنه سبحانه يخلق لجهنم آلة الكلام فتتكلم و هذا غير منكر لأن من أنطق الأيدي و الجوارح و الجلود قادر على أن ينطق جهنم ( و ثالثها ) أنه خطاب لخزنة جهنم على وجه التقرير لهم هل امتلأت جهنم فيقولون بلى لم يبق موضع لمزيد ليعلم الخلق صدق وعده عن الحسن قال و معناه ما من مزيد أي لا مزيد كقوله هل من خالق غير الله و هو قول واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد .

مجمع البيان ج : 9 ص : 222
وَ أُزْلِفَتِ الجَْنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيرَ بَعِيد(31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكلِّ أَوَّاب حَفِيظ(32) مَّنْ خَشىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَ جَاءَ بِقَلْب مُّنِيب(33) ادْخُلُوهَا بِسلَم ذَلِك يَوْمُ الخُْلُودِ(34) لهَُم مَّا يَشاءُونَ فِيهَا وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ(35) وَ كَمْ أَهْلَكنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْن هُمْ أَشدُّ مِنهُم بَطشاً فَنَقَّبُوا فى الْبِلَدِ هَلْ مِن محِيص(36) إِنَّ فى ذَلِك لَذِكرَى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمْعَ وَ هُوَ شهِيدٌ(37) وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ مَا بَيْنَهُمَا فى سِتَّةِ أَيَّام وَ مَا مَسنَا مِن لُّغُوب(38) فَاصبرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَ سبِّحْ بحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طلُوع الشمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ(39) وَ مِنَ الَّيْلِ فَسبِّحْهُ وَ أَدْبَرَ السجُودِ(40)

القراءة

قرأ أهل الحجاز و حمزة و خلف و إدبار بكسر الهمزة و الباقون « و أدبار السجود » بالفتح و في الشواذ قراءة ابن عباس و أبي العالية و يحيى بن يعمر فنقبوا في البلاد بكسر القاف و قراءة السدي و ألقى السمع و قراءة أبي عبد الرحمن السلمي و طلحة و ما مسنا من لغوب بفتح اللام .

الحجة

قال أبو علي أدبار مصدر و المصادر تجعل ظروفا على إرادة إضافة أسماء الزمان إليها و حذفها كقولك جئتك مقدم الحاج و خفوق النجم و خلافة فلان تريد في ذلك كله وقت كذا فكذلك يقدر هنا وقت أدبار السجود إلا أن المضاف المحذوف في هذا الباب لا يكاد يظهر و لا يستعمل فهذا أدخل في باب الظروف من قول من فتح فكأنه أمر بالتسبيح بعد الفراغ من الصلاة و من فتح فجعله جمع دبر أو دبر مثل قفل و أقفال و طنب و أطناب و قد استعمل ذلك ظرفا نحو جئتك في دبر الصلاة و في أدبار الصلاة قال أوس بن حجر :
على دبر الشهر الحرام بأرضنا
و ما حولها جدب سنون تلمع و أما من قرأ فنقبوا فقد قال ابن جني أنه فعلوا من النقب أي أدخلوا و غوروا في الأرض فإنكم لا تجدون لكم محيصا و قوله « أو ألقى السمع » معناه أو ألقى السمع منه و قوله « و ما مسنا من لغوب » فيمكن أن يكون من المصادر التي جاءت على فعول بفتح الفاء كالوضوء و الولوغ
مجمع البيان ج : 9 ص : 223

و الوزوع و القبول و هي صفات مصادر محذوفة أي توضأت وضوءا أي وضوءا حسنا و كذلك هذا أي و ما مسنا من لغوب لغوب أي تعب متعب .

اللغة

الإزلاف التقريب إلى الخير و منه الزلفة و الزلفى و ازدلف إليه أي اقترب و المزدلفة منزلة قريبة من الموقف و هو المشعر و جمع و منه قول الراجز :
ناج طواه الأين مما أوجفا
طي الليالي زلفا فزلفا
سماوة الهلال حتى احقوقفا و التنقيب التفتيح بما يصلح للسلوك و هو من النقب الذي هو الفتح قال امرؤ القيس :
لقد نقبت في الآفاق حتى
رضيت من الغنيمة بالإياب أي طوفت في طرقها و سرت في نقوبها و اللغوب الإعياء .

الإعراب


« غير بعيد » صفة مصدر محذوف تقديره إزلافا غير بعيد و يجوز أن يكون منصوبا على الحال من الجنة و لم يقل غير بعيدة لأنه في تقدير النسب أي غير ذات بعد و قوله « لكل أواب » يجوز أن يكون في موضع رفع بأنه خبر مبتدإ محذوف أي هو لكل أواب و لا يجوز أن يكون خبرا بعد خبر تقديره هذا الموعود هذا لكل أواب حفيظ و لا يجوز أن تتعلق اللام بتوعدون لأن الأوابين هم الموعودون لا الموعود لهم .
« من خشي الرحمن » يجوز أن يكون في محل جر على البدل من أواب فيتم الكلام عند قوله « و جاء بقلب منيب » و يجوز أن يكون مبتدأ و خبره محذوف على تقدير يقال لهم ادخلوها فعلى هذا يكون تمام الكلام عند قوله « لكل أواب حفيظ » و يقتضي أن يكون ادخلوها خطابا للمتقين و تقديره و تزلف الجنة للمتقين و يقال لهم ادخلوها بسلام .

المعنى

لما أخبر سبحانه عما أعده للكافرين و العصاة عقبه بذكر ما أعده للمتقين فقال « و أزلفت الجنة للمتقين » أي قربت الجنة و أدنيت للذين اتقوا الشرك و المعاصي حتى يروا ما فيها من النعيم و الجنة هي البستان الذي يجمع كل لذة من الأنهار و الأشجار و طيب
مجمع البيان ج : 9 ص : 224
الثمار و من الأزواج الكرام و الحور الحسان و الخدم من الولدان و من الأبنية الفاخرة المزينة بالياقوت و الزمرد و العقيان نسأل الله التوفيق لما يقرب من رضاه « غير بعيد » أي هي قريبة منهم لا يلحقهم ضرر و لا مشقة في الوصول إليها و قيل معناه ليس ببعيد مجيء ذلك لأن كل آت قريب و مثله قول الحسن كأنك بالدنيا كأن لم تكن و بالآخرة كأن لم تزل « هذا ما توعدون » أي هذا الذي ذكرناه هو ما وعدتم به من الثواب على ألسنة الرسل « لكل أواب » أي تواب رجاع إلى الطاعة عن الضحاك و ابن زيد و قيل لكل مسبح عن ابن عباس و عطاء « حفيظ » لما أمر الله به متحفظ من الخروج إلى ما لا يجوز من سيئة تدنسه أو خطيئة تحط منه و تشينه « من خشي الرحمن بالغيب » أي هو من خاف الله و أطاعه و آمن بثوابه و عقابه و لم يره و قيل بالغيب أي في الخلوة بحيث لا يراه أحد عن الضحاك و السدي « و جاء بقلب منيب » أي و دام على ذلك حتى وافى الآخرة بقلب مقبل على طاعة الله راجع إلى الله بضمائره « ادخلوها بسلام » أي يقال لهم أدخلوا الجنة بأمان من كل مكروه و سلامة من كل آفة و قيل بسلام من الله و ملائكته عليهم « ذلك يوم الخلود » الوقت الذي يبقون فيه في النعيم مؤبدين لا إلى غاية « لهم ما يشاءون فيها » أي لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم و يريدونه من أنواع النعم « و لدينا مزيد » أي و عندنا زيادة على ما يشاءونه مما لم يخطر ببالهم و لم تبلغهم أمانيهم و قيل هو الزيادة على مقدار استحقاقهم من الثواب بأعمالهم ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال « و كم أهلكنا قبلهم من قرن » أي كثيرا أهلكنا قبل هؤلاء من القرون الذين كذبوا رسلهم « هم أشد منهم بطشا » أي الذين أهلكناهم كانوا أشد قوة من هؤلاء و أكثر عدة و عدة و لم يتعذر علينا ذلك فما الذي يؤمن هؤلاء من مثله « فنقبوا في البلاد » أي فتحوا المسالك في البلاد بشدة بطشهم أصله من النقب و هو الطريق و قيل معناه ساروا في البلاد و طوفوا فيها بقوتهم و سلكوا كل طريق و سافروا في أعمار طويلة « هل من محيص » أي هل من محيد عن الموت و منجى من الهلاك يعني لم يجدوا في جميع ذلك من الموت و الهلاك منجى و مهربا « إن في ذلك » أي فيما أخبرته و قصصته « لذكرى » أي ما يعتبر به و يتفكر فيه « لمن كان له قلب » معنى القلب هنا العقل عن ابن عباس من قولهم أين ذهب قلبك و فلان قلبه معه و إنما قال ذلك لأن من لا يعي الذكر لا يعتد بما له من القلب و قيل لمن كان له قلب حي .
عن قتادة « أو ألقى السمع و هو شهيد » أي استمع و لم يشغل قلبه بغير ما يستمع و هو شهيد لما يسمع فيفقهه غير غافل عنه و لا ساه عن ابن عباس و مجاهد و الضحاك
مجمع البيان ج : 9 ص : 225
يقال ألق إلي سمعك أي اسمع قال ابن عباس كان المنافقون يجلسون عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ثم يخرجون فيقولون ما ذا قال آنفا ليس قلوبهم معهم و قيل هو شهيد على صفة النبي في الكتب السالفة يريد أهل الكتاب عن قتادة « و لقد خلقنا السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام و ما مسنا من لغوب » أي نصب و تعب أكذب الله تعالى بهذا اليهود فإنهم قالوا استراح الله يوم السبت فلذلك لا تعمل فيه شيئا « فاصبر على ما يقولون » يا محمد من بهتهم و كذبهم و قولهم إنك ساحر أو مجنون و احتمل ذلك حتى يأتي الله بالفرج و هذا قبل أن أمر الله بالقتال « و سبح بحمد ربك » أي و صل و أحمد الله تعالى سمي الصلاة تسبيحا لأن الصلاة تشتمل على التسبيح و التحميد عن ابن عباس و قتادة و ابن زيد و قيل أراد به التسبيح بالقول تنزيها لله تعالى عما لا يليق به « قبل طلوع الشمس و قبل الغروب » يعني صلاة الفجر و صلاة الظهر و العصر عن قتادة و ابن زيد « و من الليل فسبحه » يعني المغرب و العشاء الآخرة و قيل و من الليل يعني صلاة الليل و يدخل فيه صلاة المغرب و العشاء عن مجاهد و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن قوله « و سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس و قبل الغروب » فقال تقول حين تصبح و حين تمسي عشرات مرات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيي و يميت و هو على كل شيء قدير « و أدبار السجود » فيه أقوال ( أحدها ) أن المراد به الركعتان بعد المغرب و إدبار النجوم الركعتان قبل الفجر عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) و الحسن بن علي (عليهماالسلام) و الحسن و الشعبي و عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ( و ثانيها ) أنه التسبيح بعد كل صلاة عن ابن عباس و مجاهد ( و ثالثها ) أنه النوافل بعد المفروضات عن ابن زيد و الجبائي ( و رابعها ) أنه الوتر من آخر الليل روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) .

مجمع البيان ج : 9 ص : 226
وَ استَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكان قَرِيب(41) يَوْمَ يَسمَعُونَ الصيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِك يَوْمُ الخُْرُوج(42) إِنَّا نحْنُ نُحْىِ وَ نُمِيت وَ إِلَيْنَا الْمَصِيرُ(43) يَوْمَ تَشقَّقُ الأَرْض عَنهُمْ سِرَاعاً ذَلِك حَشرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ(44) نحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَ مَا أَنت عَلَيهِم بجَبَّار فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يخَاف وَعِيدِ(45)

الإعراب

« و استمع يوم يناد المناد » تقديره و استمع حديث يوم ينادي المنادي فحذف المضاف و هو مفعول به و ليس بالظرف و « يوم يسمعون » بدل من يوم يناد المناد و كذلك « يوم تشقق الأرض » و يجوز أن ينتصب « يوم تشقق » بقوله و إلينا المصير أي يصيرون إلينا في ذلك اليوم .

المعنى

ثم قال سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) و المراد به جميع المكلفين « و استمع يوم يناد المناد من مكان قريب » أي أصغ إلى النداء و توقعه يعني صيحة القيامة و البعث و النشور ينادي بها المنادي و هي النفخة الثانية و يجوز أن يكون المراد و استمع ذكر حالهم يوم ينادي المنادي و قيل أنه ينادي مناد من صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية و الأوصال المنقطعة و اللحوم المتمزقة قومي لفصل القضاء و ما أعد الله لكم من الجزاء عن قتادة و قيل أن المنادي هو إسرافيل يقول يا معشر الخلائق قوموا للحساب عن مقاتل و إنما قال من مكان قريب لأنه يسمعه الخلائق كلهم على حد واحد فلا يخفى على أحد قريب و لا بعيد فكأنهم نودوا من مكان يقرب منهم « يوم يسمعون الصيحة بالحق » و الصيحة المرة الواحدة من الصوت الشديد و هذه الصيحة هي النفخة الثانية و قوله « بالحق » أي بالبعث عن الكلبي و قيل يعني إنها كائنة حقا عن مقاتل « ذلك يوم الخروج » من القبور إلى أرض الموقف و قيل هو اسم من أسماء القيامة عن أبي عبيدة و استشهد بقول الشاعر :
أ ليس يوم سمي الخروجا
أعظم يوم رجة رجوجا « إنا نحن نحيي و نميت » أخبر سبحانه عن نفسه أنه هو الذي يحيي الخلق بعد أن كانوا جمادا أمواتا ثم يميتهم بعد أن كانوا أحياء ثم يحييهم يوم القيامة و هو قوله « و إلينا المصير يوم تشقق » أي تتشقق « الأرض عنهم » تتصدع فيخرجون منها « سراعا » يسرعون إلى الداعي بلا تأخير « ذلك حشر » و الحشر الجمع بالسوق من كل جهة « علينا يسير » أي سهل علينا غير شاق هين غير متعذر مع تباعد ديارهم و قبورهم ثم عزى سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال « نحن أعلم بما يقولون » أي بما يقوله هؤلاء الكفار في تكذيبك و جحود نبوتك و إنكار البعث لا يخفى علينا من أمرهم شيء « و ما أنت عليهم بجبار » أي بمسلط قادر على قلوبهم فتجبرهم على الإيمان و إنما بعثت منذرا داعيا مرغبا و هذا معنى قول ابن
مجمع البيان ج : 9 ص : 227
عباس و قال تغلب جاءت أحرف على فعال بمعنى مفعل مثل دراك بمعنى مدرك و سراع بمعنى مسرع و سيف سقاط بمعنى مسقط و بكاء بمعنى مبكى قال علي بن عيسى لم يسمع من ذلك الإدراك من أدركت و قيل جبار من جبرته على الأمر بمعنى أجبرته و هي لغة كنانة و قيل معناه ما أنت عليهم بفظ غليظ لا تحلم عنهم فاحتمل أذاهم « فذكر بالقرآن من يخاف وعيد » إنما خص بالذكر من يخاف وعيد الله لأنه الذي ينتفع به .

مجمع البيان ج : 9 ص : 228
( 51 ) سورة الذاريات مكية و آياتها ستون ( 60 )
] عدد آيها [ ستون آية بالإجماع .


فضلها

أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من قرأ سورة الذاريات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل ريح هبت و جرت في الدنيا و روى داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من قرأ سورة الذاريات في يومه أو ليلته أصلح الله له معيشته و أتاه برزق واسع و نور له في قبره بسراج يزهر إلى يوم القيامة .


تفسيرها

لما ختم الله تعالى سورة ق بالوعيد افتتح هذه السورة بتحقيق الوعيد فقال :
مجمع البيان ج : 9 ص : 229
سورة الذاريات
بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ الذَّرِيَتِ ذَرْواً(1) فَالحَْمِلَتِ وِقْراً(2) فَالجَْرِيَتِ يُسراً(3) فَالْمُقَسمَتِ أَمْراً(4) إِنمَا تُوعَدُونَ لَصادِقٌ(5) وَ إِنَّ الدِّينَ لَوَقِعٌ(6) وَ السمَاءِ ذَاتِ الحُْبُكِ(7) إِنَّكمْ لَفِى قَوْل مخْتَلِف(8) يُؤْفَك عَنْهُ مَنْ أُفِك(9) قُتِلَ الخَْرَّصونَ(10) الَّذِينَ هُمْ فى غَمْرَة ساهُونَ(11) يَسئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ(12) يَوْمَ هُمْ عَلى النَّارِ يُفْتَنُونَ(13) ذُوقُوا فِتْنَتَكمْ هَذَا الَّذِى كُنتُم بِهِ تَستَعْجِلُونَ(14)

اللغة

ذرت الريح التراب تذروه ذروا إذا طيرته و أذرته تذرية بمعناه و الحبك الطرايق التي تجري على الشيء كالطرائق التي ترى في السماء و في الصافي من الماء إذا مرت عليه الريح و هو تكسر جار فيه و يقال للشعر الجعد حبك و الواحد حباك و حبيكة و الحبك حسن أثر الصنعة في الشيء و استواؤه يقال حبكه يحبكه و يحبكه قال زهير في الحبك :
مكلل بأصول النجم تنسجه
ريح خريق لضاحي مائه حبك و الخراص الكذاب و الخرص الظن و الحدس و سمي الخزر خرصا منه و يقال كم خرص أرضك بكسر الخاء و أصل الخرص القطع من قولهم خرص فلان كلاما و اخترصه إذا اقتطعه من غير أصل و الغمرة من غمرة الماء يغمره و غمره الدين إذا غطاه بكثرته و الغمر السيد الكثير العطاء لأنه يغمر بعطائه .


الإعراب


قال الزجاج يوم نصب على وجهين ( أحدهما ) أن يكون على معنى يقع الجزاء يوم هم على النار يفتنون ( و الآخر ) أن يكون لفظه لفظ نصب و معناه معنى رفع لأنه مضاف إلى جملة كلام تقول يعجبني يوم أنت قائم و يوم أنت تقوم إن شئت فتحته و إن شئت رفعته كما قال الشاعر :
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت
حمامة في غصون ذات أو قال و روي غير أن نطقت بالرفع لما أضاف غير إلى أن و ليست بمتمكنة فتح و كذلك لما أضاف يوم إلى الجملة فتح و كما قرىء من خزي يومئذ ففتح يوم و هو في موضع خفض لأنك أضفته إلى غير متمكن و قيل أنه لما جرى في كلامهم ظرفا بقي في موضع الرفع على ذلك
مجمع البيان ج : 9 ص : 230
الاستعمال و جاء مفتوحا كما جاء في قوله و منا دون ذلك و قوله لقد تقطع بينكم .

المعنى

« و الذاريات ذروا » روي أن ابن الكوا سأل أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) و هو يخطب على المنبر فقال ما « الذاريات ذروا » قال الرياح قال « فالحاملات وقرا » قال السحاب قال « فالجاريات يسرا » قال السفن قال « فالمقسمات أمرا » قال الملائكة و روي ذلك عن ابن عباس و مجاهد فالذاريات الرياح تذرو التراب و هشيم النبت أي تفرقة « فالحاملات وقرا » السحاب تحمل ثقلا من الماء من بلد إلى بلد فتصير موقرة به و الوقر بالكسر ثقل الحمل على ظهر أو في بطن و الوقر ثقل الأذن « فالجاريات يسرا » السفن تجري ميسرة على الماء جريا سهلا إلى حيث سيرت و قيل هي السحاب تجري يسرا إلى حيث سيرها الله من البقاع و قيل هي النجوم السبعة السيارة الشمس و القمر و زحل و المشتري و المريخ و الزهرة و عطارد « فالمقسمات أمرا » الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به أقسم الله تعالى بهذه الأشياء لكثرة ما فيها من المنافع للعباد و لم تضمنه من الدلالة على وحدانية الله تعالى و بدائع صنعه و قيل أن التقدير فيها القسم برب هذه الأشياء لأنه لا يجوز القسم إلا بالله عز اسمه و قال أبو جعفر و أبو عبد الله (عليه السلام) أنه لا يجوز لأحد أن يقسم إلا بالله تعالى و الله سبحانه يقسم بما يشاء من خلقه ثم ذكر المقسم عليه فقال « إنما توعدون » أي من الثواب و العقاب و الجنة و النار « لصادق » أي صدق لا بد من كونه فهو اسم وضع موضع المصدر و قيل معناه ذو صدق كقوله عيشة راضية « و إن الدين لواقع » أي إن الجزاء و قيل أن الحساب لكائن يوم القيامة ثم أنشأ قسما آخر فقال « و السماء ذات الحبك » أي ذات الطرائق الحسنة لكنا لا نرى تلك الحبك لبعدها عنا عن الحسن و الضحاك و قيل ذات الخلق الحسن المستوي عن ابن عباس و قتادة و عكرمة و الربيع و قيل ذات الحسن و الزينة عن علي (عليه السلام) و روى علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال قلت له أخبرني عن قول الله تعالى « و السماء ذات الحبك » فقال محبوكة إلى الأرض و شبك بين أصابعه فقلت كيف تكون محبوكة إلى الأرض و الله تعالى يقول رفع السماوات بغير عمد فقال سبحان الله أ ليس يقول بغير عمد ترونها قلت بلى قال فثم عمد و لكن لا ترى فقلت فكيف ذلك جعلني الله فداك قال فبسط كفه اليسرى ثم وضع اليمني عليها فقال هذه أرض الدنيا و السماء الدنيا فوقها قبة و الأرض الثانية فوق السماء الدنيا و السماء الثانية فوقها قبة و الأرض الثالثة فوق السماء الثانية و السماء الثالثة فوقها قبة ثم هكذا إلى الأرض السابعة فوق السماء السادسة و السماء السابعة
مجمع البيان ج : 9 ص : 231
فوقها قبة و عرش الرحمن فوق السماء السابعة و هو قوله « خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن » و صاحب الأمر و هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و الوصي علي بعده و هو على وجه الأرض و إنما يتنزل الأمر إليه من فوق من بين السماوات و الأرضين قلت فما تحتنا إلا أرض واحدة قال و ما تحتنا إلا أرض واحدة و إن الست لفوقنا « إنكم لفي قول مختلف » هذا جواب القسم أي إنكم يا أهل مكة في قول مختلف في قول محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فبعضكم يقول شاعر و بعضكم يقول مجنون و في القرآن يقولون أنه سحر و كهانة و رجز و ما سطره الأولون و قيل معناه منكم مكذب بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) و منكم مصدق به و منكم شاك فيه و فائدته أن دليل الحق ظاهر فاطلبوا الحق بدليله و إلا هلكتم « يؤفك عنه من أفك » أي يصرف عن الإيمان به من صرف عن الخير أي المصروف عن الخيرات كلها من صرف عن هذا الدين و قيل معناه يؤفك عن الحق و الصواب من أفك فدل ذكر القول المختلف على ذكر الحق فجازت الكناية عنه و قيل معناه يصرف عن هذا القول أي بسببه و من أجله عن الإيمان من صرف فالهاء في عنه تعود إلى القول المختلف عن مجاهد فيكون الصارف لهم أنفسهم كما يقال فلان معجب بنفسه و أعجب بنفسه و كما يقال أين يذهب بك لمن يذهب في شغله و قيل أن الصارف لهم رؤساء البدع و أئمة الضلال لأن العامة تبع لهم « قتل الخراصون » أي لعن الكذابون يعني الذين يكذبون على الله و على رسوله و قيل معناه لعن المرتابون عن ابن عباس قال ابن الأنباري و إنما كان القتل بمعنى اللعنة هنا لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك ثم وصف سبحانه هؤلاء الكفار فقال « الذين هم في غمرة » أي في شبهة و غفلة غمرهم الجهل « ساهون » أي لاهون عما يجب عليهم و قيل هم في ضلالتهم متمادون عن ابن عباس و قيل في عمى مترددون عن قتادة و قيل أن أول مراتب الجهل السهو ثم الغفلة ثم الغمرة فتكون الغمرة عبارة عن المبالغة في الجهل أي هم في غاية الجهل ساهون عن الحق و عما يراد بهم « يسئلون أيان يوم الدين » أي متى وقت الجزاء إنكارا و استهزاء لا على وجه الاستفادة لمعرفته فأجيبوا بما يسوؤهم من الحق الذي لا محالة أنه نازل بهم فقيل « يوم هم على النار يفتنون » أي يكون هذا الجزاء في يوم يعذبون فيها و يحرقون بالنار و قال عكرمة أ لم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل فتن أي فهؤلاء يفتنون بالإحراق كما يفتن الذهب بإحراق الغش الذي فيه و يقول لهم خزنة النار « ذوقوا فتنتكم » أي عذابكم و حريقكم « هذا الذي كنتم به تستعجلون » في الدنيا تكذيبا به و استبعادا له فقد حصلتم الآن فيه و عرفتم صحته .

مجمع البيان ج : 9 ص : 232
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فى جَنَّت وَ عُيُون(15) ءَاخِذِينَ مَا ءَاتَاهُمْ رَبهُمْ إِنهُمْ كانُوا قَبْلَ ذَلِك محْسِنِينَ(16) كانُوا قَلِيلاً مِّنَ الَّيْلِ مَا يهْجَعُونَ(17) وَ بِالأَسحَارِ هُمْ يَستَغْفِرُونَ(18) وَ فى أَمْوَلِهِمْ حَقُّ لِّلسائلِ وَ المَْحْرُومِ(19) وَ فى الأَرْضِ ءَايَتٌ لِّلْمُوقِنِينَ(20) وَ فى أَنفُسِكمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ(21) وَ فى السمَاءِ رِزْقُكمْ وَ مَا تُوعَدُونَ(22) فَوَ رَب السمَاءِ وَ الأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقُّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص مثل ما بالرفع و الباقون بالنصب .

الحجة

قال أبو علي من رفع مثلا جعله وصفا لحق و جاز أن يكون مثل و إن كان مضافا إلى معرفة صفة للنكرة لأن مثلا لا يختص بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع التماثل بها بين المتماثلين فلما لم تخصه الإضافة و لم يزل عنه الإبهام و الشياع الذي كان فيه قبل الإضافة بقي على تنكره فقالوا مررت برجل مثلك فلذلك في الآية لم يتعرف بالإضافة إلى « أنكم تنطقون » و إن كان قوله « أنكم تنطقون » بمنزلة نطقكم و ما في قوله « مثل ما أنكم تنطقون » زائدة و أما من نصب فقال « مثل ما أنكم » فيحتمل ثلاثة أضرب ( أحدها ) أنه لما أضاف مثل إلى مبني و هو قوله « أنكم » بناه كما بني يومئذ في نحو قوله « من عذاب يومئذ » و : على حين عاتبت المشيب على الصبي و قوله :
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت
حمامة في غصون ذات أوقال فغير في موضع رفع بأنه فاعل يمنع و إنما بنيت هذه الأسماء المبهمة نحو مثل و يوم و حين و غير إذا أضيفت إلى المبني لأنها تكتسي منه البناء لأن المضاف يكتسي من المضاف إليه ما فيه من التعريف و التنكير و الجزاء و الاستفهام تقول هذا غلام زيد و صاحب القاضي فيتعرف الاسم بالإضافة إلى المعرفة و تقول غلام من يضرب فيكون استفهاما و تقول صاحب من يضرب أضرب فيكون جزاء فمن بنى هذه المبهمة إذا أضافها إلى مبني جعل البناء أحد ما
مجمع البيان ج : 9 ص : 233
يكتسيه من المضاف إليه و لا يجوز على هذا جاءني صاحب الخمسة عشر و لا غلام هذا لأن هذين من الأسماء غير المبهمة و المبهمة في إبهامها و بعدها من الاختصاص كالحروف التي تدل على أمور مبهمة فلما أضيفت إلى المبنية جاز ذلك فيها و البناء على الفتح في مثل قول سيبويه ( و القول الثاني ) أن تجعل ما مع مثل بمنزلة شيء واحد و بنيته على الفتح و إن كانت ما زائدة و هذا قول أبي عثمان و أنشد في ذلك قول الشاعر :
و تداعى منخراه بدم
مثل ما أثمر حماض الجبل فذهب إلى أن مثل مع ما بمنزلة شيء واحد و ينبغي أن يكون أثمر صفة لمثل ما لأنه لا يخلو من أن يكون صفة له أو يكون مثلا مضافا إلى الفعل فلا تجوز الإضافة لأنا لم نعلم مثلا أضيف إلى الفعل في موضع فكذلك لا نضيفه في هذا الموضع إلى الفعل فإذا لم تجز الإضافة كان وصفا و إذا كان وصفا وجب أن يعود منه إلى الموصوف ذكر فيحذف كما يحذف الذكر العائد من الصفة إلى الموصوف و قد يجوز أن لا يقدر مثل مع ما كشيء واحد و لكن تجعله مضافا إلى ما فيكون التقدير مثل شيء أثمره حماض الجبل فبني مثل على الفتح لإضافتها إلى ما و هو غير متمكن و لا يكون لأبي عثمان حينئذ في البيت حجة على كون مثل مع ما بمنزلة شيء واحد و يجوز أن يكون ما و الفعل بمنزلة المصدر فيكون مثل أثمار الحماض فيكون كقوله « و ما كانوا ب آياتنا يجحدون » و قوله « بما كانوا يكذبون » ( و القول الثالث ) هو أن ينصب على الحال من النكرة في النطق و هو قول أبي عمرو الجرمي و ذو الحال الذكر المرفوع في قوله « لحق » و العامل في الحال هو الحق لأنه من المصادر التي وصف بها و يجوز أن يكون الحال من النكرة الذي هو حق في قوله « إنه لحق » و إلى هذا ذهب أبو عمرو و لم يعلم أنه جعله حالا من الذكر الذي في حق و هذا لا خلاف في جوازه و قد حمل أبو الحسن قوله تعالى « فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا » على الحال و ذو الحال كل أمر حكيم و هو نكرة فهذه وجوه النصب في مثل ما .

الإعراب


« كانوا قليلا من الليل ما يهجعون » يجوز أن يكون قليلا خبر كان و فاعله « ما يهجعون » و التقدير كانوا قليلا هجوعهم و يجوز أن يكون قليلا صفة مصدر محذوف على تقدير كانوا يهجعون هجوعا قليلا فتكون ما زائدة و يهجعون خبر كان .
و من في قوله « من الليل » يجوز أن يكون بمعنى الباء كما يكون الباء بمعنى من في قوله عينا يشرب بها عباد الله أي منها
مجمع البيان ج : 9 ص : 234
فيكون التقدير كانوا يهجعون بالليل قليلا و قيل إن قوله « ما يهجعون » بمنزلة هجوعهم و هو بدل من الواو في كانوا و قوله « من الليل » في موضع الصفة لقليل و التقدير كان هجوعهم قليلا من الليل و قوله « و في الأرض آيات للموقنين و في أنفسكم » أن رفعت آيات بالابتداء و جعلت في الأرض خبرا كان الضمير في قوله « و في أنفسكم » كالضمير في خبر المبتدأ و إن قدرت آيات مرتفعة بالظرف كان الضمير في قوله « و في أنفسكم » كالضمير في الفعل كقولهم قام زيد و قعد و التقدير و في أنفسكم آيات و كذا قوله فيما بعد و في موسى أي و في موسى آيات و في هود آيات و في ثمود آيات و في قوم نوح آيات و في عاد آيات .

المعنى

ثم ذكر سبحانه ما أعده لأهل الجنة فقال « إن المتقين في جنات و عيون » مر تفسيره « آخذين ما آتاهم ربهم » أي ما أعطاهم من الخير و الكرامة « إنهم كانوا قبل ذلك » يعني في دار التكليف « محسنين » يفعلون الطاعات و يحسنون إلى غيرهم بضروب الإحسان ثم ذكر إحسانهم في أعمالهم فقال « كانوا قليلا من الليل ما يهجعون » أي كانوا يهجعون قليلا من الليل يصلون أكثر الليل عن الزهري و إبراهيم و الهجوع النوم بالليل دون النهار و قيل معناه كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها عن سعيد بن جبير عن ابن عباس و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و المعنى كان الذي ينامون فيه كله قليلا و يكون الليل اسما للجنس و قال مجاهد لا ينامون كل الليل و قيل إن الوقف على قوله « قليلا » على معنى كانوا من الناس قليلا ثم ابتدأ فقال « من الليل ما يهجعون » فيكون ما بمعنى النفي عن الضحاك و مقاتل و هذا على نفي النوم عنهم البتة أي كانوا يحيون الليل بالقيام في الصلاة و قراءة القرآن و أقول إن ما إذا كان نفيا لا يتقدم عليه ما كان في حيزه إلا أن يتعلق قوله « من الليل » بفعل محذوف يدل عليه قوله يهجعون كما تقوله في قوله « إني لكما لمن الناصحين » و كانوا فيه من الزاهدين « و بالأسحار هم يستغفرون » قال الحسن مدوا الصلاة إلى الأسحار ثم أخذوا بالأسحار في الاستغفار و قال أبو عبد الله (عليه السلام) كانوا يستغفرون الله في الوتر سبعين مرة في السحر و قيل إن معناه و بالأسحار هم يصلون و ذلك أن صلاتهم بالأسحار طلب منهم للمغفرة عن مجاهد و مقاتل و الكلبي ثم ذكر سبحانه صدقاتهم فقال « و في أموالهم حق للسائل و المحروم » و السائل هو الذي يسأل الناس و المحروم هو المحارف عن ابن عباس و مجاهد و قيل المحروم المتعفف الذي لا يسأل عن قتادة و الزهري و قيل هو الذي لا سهم له في الغنيمة عن إبراهيم النخعي و الأصل أن المحروم هو الممنوع الرزق بترك السؤال أو
مجمع البيان ج : 9 ص : 235
ذهاب المال أو خراب الضيعة أو سقوط السهم من الغنيمة لأن الإنسان يصير فقيرا بهذه الوجوه و يريد سبحانه بقوله « حق » ما يلزمهم لزوم الديون من الزكوات و غير ذلك أو ما ألزموه أنفسهم من مكارم الأخلاق قال الشعبي أعياني أن أعلم ما المحروم و فرق قوم بين الفقير و المحروم بأنه قد يحرمه الناس بترك الإعطاء و قد يحرم نفسه بترك السؤال فإذا سأل لا يكون ممن حرم نفسه بترك السؤال و إنما حرمه الغير و إذا لم يسأل فقد حرم نفسه و لم يحرمه الناس « و في الأرض آيات » أي دلالات بينات و حجج نيرات « للموقنين » الذين يتحققون توحيد الله و إنما خص الموقنين لأنهم ينظرون فيها فيحصل لهم العلم بموجبها و آيات الأرض ما فيها من أنواع المخلوقات من الجبال و البحار و النبات و الأشجار كل ذلك دال على كمال قدرته و حكمته :
و في كل شيء له آية
تدل على أنه واحد « و في أنفسكم » أي و في أنفسكم أيضا آيات دالات على وحدانيته « أ فلا تبصرون » أي أ فلا ترون أنها مصرفة من حال إلى حال و منتقلة من صفة إلى أخرى إذ كنتم نطفا فصرتم أحياء ثم كنتم أطفالا فصرتم شبابا ثم كهولا فهلا دلكم ذلك على أن لها صانعا صنعها و مدبرا دبرها و مصرفا فأصرفها على مقتضى الحكمة و قيل إن المراد بذلك اختلاف الألسنة و الصور و الألوان و الطبائع عن ابن عباس في رواية عطاء و قيل يريد سبيل الخلاء و البول و الأكل و الشرب من مدخل واحد و المخرج من سبيلين و تم الكلام عند قوله « و في أنفسكم » ثم عنفهم فقال « أ فلا تبصرون » و قيل يعني أنه خلقك سميعا بصيرا تغضب و ترضى و تجوع و تشبع و ذلك كله من آيات الله تعالى عن الصادق (عليه السلام) و قيل إن المعنى أ فلا تبصرون بقلوبكم نظر من كأنه يرى الحق بعينه « و في السماء رزقكم » ينزله الله إليكم بأن يرسل الغيث و المطر عليكم فيخرج به من الأرض أنواع ما تقتاتونه و تلبسونه و تنتفعون به « و ما توعدون » من الثواب و العقاب عن عطاء و قيل من الجنة و النار عن مجاهد و الضحاك و قيل معناه و في السماء تقدير رزقكم أي ما قسمه لكم مكتوب في أم الكتاب و جميع ما توعدون في السماء أيضا لأن الملائكة تنزل من السماء لقبض الأرواح و لاستنساخ الأعمال و لإنزال العذاب و يوم القيامة للجزاء و الحساب كما قال و يوم تشقق السماء بالغمام و نزل الملائكة تنزيلا ثم قال سبحانه « فو رب السماء و الأرض إنه لحق » أقسم سبحانه بنفسه أن ما ذكر من أمر الرزق و الآيات حق لا شك فيه عن الزجاج و قيل يعني أن ما قضي في الكتاب كائن عن الكلبي « مثل ما أنكم تنطقون » أي مثل نطقكم الذي تنطقون به فكما لا تشكون فيما تنطقون فكذلك لا
مجمع البيان ج : 9 ص : 236
تشكوا في حصول ما وعدتم به شبه الله تعالى تحقق ما أخبر عنه بتحقق نطق الآدمي و وجوده فأراد أنه لحق كما أن الآدمي ناطق و هذا كما تقول إنه لحق كما أنك هاهنا و إنه لحق كما أنك تتكلم و المعنى أنه في صدقه و تحقق وجوده كالذي تعرفه ضرورة .
هَلْ أَتَاك حَدِيث ضيْفِ إِبْرَهِيمَ الْمُكْرَمِينَ(24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سلَماً قَالَ سلَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ(25) فَرَاغَ إِلى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْل سمِين(26) فَقَرَّبَهُ إِلَيهِمْ قَالَ أَ لا تَأْكلُونَ(27) فَأَوْجَس مِنهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تخَف وَ بَشرُوهُ بِغُلَم عَلِيم(28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فى صرَّة فَصكَّت وَجْهَهَا وَ قَالَت عجُوزٌ عَقِيمٌ(29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(30) * قَالَ فَمَا خَطبُكمْ أَيهَا الْمُرْسلُونَ(31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلى قَوْم مجْرِمِينَ(32) لِنرْسِلَ عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِّن طِين(33) مُّسوَّمَةً عِندَ رَبِّك لِلْمُسرِفِينَ(34) فَأَخْرَجْنَا مَن كانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيْت مِّنَ الْمُسلِمِينَ(36) وَ تَرَكْنَا فِيهَا ءَايَةً لِّلَّذِينَ يخَافُونَ الْعَذَاب الأَلِيمَ(37)

اللغة

الروغ الذهاب إلى الشيء في خفية يقال راغ يروغ روغا و روغانا و هو أروغ من ثعلب و الصرة شدة الصياح و هو من صرير الباب و يقال للجماعة صرة أيضا قال امرؤ القيس :
فألحقنا بالهاديات و دونه
جواحرها في صرة لم تزيل
مجمع البيان ج : 9 ص : 237

و الصك الضرب باعتماد شديد و هو أن تصتك ركبتا الرجل و العقيم العاقر و أصل العقم الشد و جاء في الحديث تعقم أصلاب المشركين فلا يستطيعون السجود أي تشد و داء عقام إذا اشتد حتى إذا يأس منه أن يبرأ و معاقم الفرس مفاصله يشد بعضها ببعض و العقيم و العقمة ثياب معلمة أي شدت بها الأعلام و عقمت المرأة فهي معقومة و عقيم من نساء عقم و عقمت أيضا و رجل عقيم من قوم عقمى قال الشاعر :
عقم النساء فما يلدن شبيهه
إن النساء بمثله عقم و الريح العقيم التي لا تنشىء السحاب للمطر و الملك عقيم يقطع الولادة لأن الأب يقتل الابن على الملك و الخطب الأمر الجليل و منه الخطبة لأنها كلام بليغ لعقد أمر جليل يستفتح بالتحميد و التمجيد و الخطاب أجل من الإبلاغ .

المعنى

لما قدم سبحانه الوعد و الوعيد عقب ذلك بذكر بشارة إبراهيم و مهلك قوم لوط تخويفا للكفار أن ينزل بهم مثل ما أنزل بأولئك فقال « هل أتيك » يا محمد و هذا اللفظ يستعمل إذا أخبر الإنسان بخبر ماض فيقال هل أتاك خبر كذا و إن علم أنه لم يأته « حديث ضيف إبراهيم المكرمين » عند الله و ذلك أنهم كانوا ملائكة كراما و نظيره قوله بل عباد مكرمون و قيل أكرمهم إبراهيم فرفع مجالسهم و خدمهم بنفسه عن مجاهد لأن أضياف الكرام مكرمون و كان إبراهيم أكرم الناس و أظهرهم فتوة و سماهم ضيفا من غير أن أكلوا من طعامه لأنهم دخلوا مدخل الأضياف و اختلف في عددهم فقيل كانوا اثني عشر ملكا عن ابن عباس و مقاتل و قيل كان جبرائيل و معه سبعة أملاك عن محمد بن كعب و قيل كانوا ثلاثة جبرائيل و ميكائيل و ملك آخر « إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما » أي حين دخلوا على إبراهيم فقالوا له على وجه التحية سلاما أي أسلم سلاما ف « قال » لهم جوابا عن ذلك « سلام » و قرىء سلم و هذا مفسر في سورة هود « قوم منكرون » أي قال في نفسه هؤلاء قوم لا نعرفهم و ذلك أنه ظنهم من الإنس و لم يعرفهم عن ابن عباس و الإنكار نفي صحة الأمر و نقيضه الإقرار و الاعتراف « فراغ إلى أهله » أي ذهب إليهم خفيا و إنما راغ مخافة أن يمنعوه من تكلف مأكول كعادة الظرفاء « فجاء بعجل سمين » و كان مشويا لقوله في آية أخرى حينئذ قال قتادة و كان عامة مال إبراهيم (عليه السلام) البقر « فقربه إليهم » ليأكلوا فلم يأكلوا فلما رآهم لا يأكلون عرض عليهم ف « قال أ لا تأكلون » و في الكلام حذف كما ترى « فأوجس منهم خفية » أي
مجمع البيان ج : 9 ص : 238
فلما امتنعوا من الأكل أوجس منهم خيفة و المعنى خاف منهم و ظن أنهم يريدون به سوءا « قالوا » أي قالت الملائكة « لا تخف » يا إبراهيم « و بشروه بغلام عليم » أي يكون عالما إذا كبر و بلغ و الغلام المبشر به هو إسماعيل عن مجاهد و قيل هو إسحاق لأنه من سارة و هذه القصة لها عن أكثر المفسرين و هذا كله مفسر فيما مضى « فأقبلت امرأته في صرة » أي فلما سمعت البشارة امرأته سارة أقبلت في ضجة عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل في جماعة عن الصادق (عليه السلام) و قيل في رفقة عن سفيان و المعنى أخذت تصيح و تولول كما قالت يا ويلتي « فصكت وجهها » أي جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا عن مقاتل و الكلبي و قيل لطمت وجهها عن ابن عباس و الصك ضرب الشيء بالشيء العريض « و قالت عجوز عقيم » أي أنا عجوز عاقر فكيف ألد « قالوا كذلك قال ربك » أي كما قلنا لك قال ربك إنك ستلدين غلاما فلا تشكي فيه « إنه هو الحكيم العليم » بخفايا الأمور « قال » إبراهيم (عليه السلام) لهم « فما خطبكم » أي فما شأنكم و لأي أمر جئتم « أيها المرسلون » و كأنه قال قد جئتم لأمر عظيم فما هو « قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين » أي عاصين لله كافرين لنعمه استحقوا العذاب و الهلاك و أصل الجرم القطع فالمجرم القاطع للواجب بالباطل فهؤلاء أجرموا بأن قطعوا الإيمان بالكفر « لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك » هذا مفسر في سورة هود « للمسرفين » أي للمكثرين من المعاصي المتجاوزين الحد فيها و قيل أرسلت الحجارة على الغائبين و قلبت القرية بالحاضرين « فأخرجنا من كان فيها » أي في قرى قوم لوط « من المؤمنين » و ذلك قوله فأسر بأهلك الآية و ذلك أن الله تعالى أمر لوطا بأن يخرج هو و من معه من المؤمنين لئلا يصيبهم العذاب « فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين » أي غير أهل بيت من المسلمين يعني لوطا و بنتيه وصفهم الله بالإيمان و الإسلام جميعا لأنه ما من مؤمن إلا و هو مسلم و الإيمان هو التصديق بجميع ما أوجب الله التصديق به و الإسلام هو الاستسلام لوجوب عمل الفرض الذي أوجبه الله و ألزمه و وجدان الضالة هو إدراكها بعد طلبها « و تركنا فيها » أي و أبقينا في مدينة قوم لوط « آية » أي علامة « للذين يخافون العذاب الأليم » أي تدلهم على أن الله أهلكهم فيخافون مثل عذابهم و الترك في الأصل ضد الفعل ينافي الأخذ في محل القدرة عليه و القدرة عليه قدرة على الأخذ و على هذا فالترك غير داخل في أفعال الله تعالى فالمعنى هنا أنا أبقينا فيها عبرة و مثله قوله و تركهم في ظلمات و قيل إنه الانقلاب لأن اقتلاع البلدان لا يقدر عليه إلا الله تعالى .

مجمع البيان ج : 9 ص : 239

وَ فى مُوسى إِذْ أَرْسلْنَهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسلْطن مُّبِين(38) فَتَوَلى بِرُكْنِهِ وَ قَالَ سحِرٌ أَوْ مجْنُونٌ(39) فَأَخَذْنَهُ وَ جُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فى الْيَمِّ وَ هُوَ مُلِيمٌ(40) وَ فى عَاد إِذْ أَرْسلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ(41) مَا تَذَرُ مِن شىْء أَتَت عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ(42) وَ فى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لهَُمْ تَمَتَّعُوا حَتى حِين(43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصعِقَةُ وَ هُمْ يَنظرُونَ(44) فَمَا استَطعُوا مِن قِيَام وَ مَا كانُوا مُنتَصِرِينَ(45) وَ قَوْمَ نُوح مِّن قَبْلُ إِنهُمْ كانُوا قَوْماً فَسِقِينَ(46)

القراءة

قرأ الكسائي الصعقة و الباقون « الصاعقة » بالألف و قرأ أبو عمرو و أهل الكوفة غير عاصم و قوم نوح بالجر و الباقون « قوم نوح » بالنصب .

الحجة

قال أبو علي قال أبو زيد الصاعقة التي تقع من السماء و الصاقعة التي تصقع الرؤوس و قال الأصمعي الصاعقة و الصاقعة سواء و أنشد الأصمعي :
يحكون بالمصقولة القواطع
تشقق البرق من الصواقع و أما الصعقة فقيل إنها مثل الزجرة و هو الصوت الذي يكون عن الصاعقة قال بعض الرجاز :
لاح سحاب فرأينا برقه
ثم تدانى فسمعنا صعقه و من جر قوم نوح حمله على قوله و في موسى أي و في قوم نوح و قوله « و في موسى إذ أرسلناه » عطف على أحد شيئين إما أن يكون على و تركنا فيها آية و « في موسى » أو على قوله و في الأرض آيات للموقنين و « في موسى » أي و في إرسال موسى آيات واضحة و في قوم نوح آية و من نصب فقال « و قوم نوح » جاز في نصبه أيضا أمران كلاهما حمل على المعنى ( أحدهما ) أن
مجمع البيان ج : 9 ص : 240
قوله « أخذتهم الصعقة » يدل على أهلكناهم فكأنه قال و أهلكنا قوم نوح ( و الآخر ) أن قوله « فأخذناه و جنوده فنبذناهم في اليم » يدل على أغرقناهم فكأنه قال أغرقناهم و أغرقنا قوم نوح .


اللغة

الركن الجانب الذي يعتمد عليه يقال ركن يركن و ركن يركن أيضا مثل نصر ينصر .
و المليم الذي أتى بما يلام عليه و الملوم الذي وقع به اللوم و في المثل رب لائم مليم و رب ملوم لا ذنب له و العتو و التجبر و التكبر واحد و جمع الريح أرواح و رياح و منه راح الرجل إلى منزله أي رجع كالريح و الرميم الذي انتفى رمه بانتفاء ملائمة بعضه لبعض و أما رمه يرمه رما و الشيء مرموم أي مصلح بملائمة بعضه لبعض و أصل الرميم السحيق البالي من العظم .


المعنى


ثم بين سبحانه ما نزل بالأمم فقال « و في موسى » أي و في موسى أيضا آية « إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين » أي بحجة ظاهرة و هي العصا « فتولي بركنه » أي فأعرض فرعون عن قبول الحق بما كان يتقوى به من جنده و قومه كالركن الذي يقوى به البنيان و الباء في قوله « بركنه » للتعدية أي جعلهم يتولون « و قال » لموسى « ساحر أو مجنون » أي هو ساحر أو مجنون و في ذلك دلالة على جهل فرعون لأن الساحر هو اللطيف الحيلة و ذلك ينافي صفة المجنون المختلط العقل فكيف يوصف شخص واحد بهاتين الصفتين « فأخذناه و جنوده فنبذناهم في اليم » أي فطرحناهم في البحر كما يلقى الشيء في البر « و هو مليم » أتى بما يلام عليه من الكفر و الجحود و العتو « و في عاد » عطف على ما تقدم أي و في عاد أيضا آية أي دلالة فيها عظة و عبرة « إذ أرسلنا عليهم » أي حين أطلقنا عليهم « الريح العقيم » و هي التي عقمت عن أن تأتي بخير من تنشئة سحاب أو تلقيح شجر أو تذرية طعام أو نفع حيوان فهي كالمرأة الممنوعة عن الولادة إذ هي ريح الإهلاك ثم وصفها فقال « ما تذر من شيء أتت عليه » أي لم تترك هذه الريح شيئا تمر عليه « إلا جعلته كالرميم » أي كالشيء الهالك البالي و هو نبات الأرض إذا يبس و ديس و قيل الرميم العظم البالي السحيق « و في ثمود » أيضا آية « إذ قيل لهم تمتعوا » و ذلك أنهم لما عقروا الناقة قال لهم صالح تمتعوا ثلاثة أيام و هو قوله « تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم » أي فخرجوا عن أمر ربهم ترفعا عنه و استكبارا « فأخذتهم الصاعقة » بعد مضي الأيام الثلاثة و هو الموت عن ابن عباس و قيل هو العذاب و الصاعقة كل عذاب مهلك عن مقاتل « و هم ينظرون » إليها جهارا لا يقدرون على دفعها « فما استطاعوا من قيام » أي من نهوض و المعنى أنهم لم ينهضوا من تلك الصرعة « و ما كانوا منتصرين » أي ممتنعين من العذاب و قيل معناه ما كانوا طالبين ناصرا يمنعهم من عذاب الله « و قوم نوح » أي و أهلكنا قوم نوح « من قبل » أي من
مجمع البيان ج : 9 ص : 241
قبل عاد و ثمود « إنهم كانوا قوما فاسقين » أي خارجين عن طاعة الله إلى معاصيه و عن الإيمان إلى الكفر فاستحقوا لذلك الإهلاك .
وَ السمَاءَ بَنَيْنَهَا بِأَيْيد وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ(47) وَ الأَرْض فَرَشنَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ(48) وَ مِن كلِّ شىْء خَلَقْنَا زَوْجَينِ لَعَلَّكمْ تَذَكَّرُونَ(49) فَفِرُّوا إِلى اللَّهِ إِنى لَكم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(50) وَ لا تجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ إِنى لَكم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(51) كَذَلِك مَا أَتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسول إِلا قَالُوا ساحِرٌ أَوْ مجْنُونٌ(52) أَ تَوَاصوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ(53) فَتَوَلَّ عَنهُمْ فَمَا أَنت بِمَلُوم(54) وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ(55) وَ مَا خَلَقْت الجِْنَّ وَ الانس إِلا لِيَعْبُدُونِ(56) مَا أُرِيدُ مِنهُم مِّن رِّزْق وَ مَا أُرِيدُ أَن يُطعِمُونِ(57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظلَمُوا ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصحَبهِمْ فَلا يَستَعْجِلُونِ(59) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِى يُوعَدُونَ(60)

القراءة

في الشواذ قراءة يحيى و الأعمش ذو القوة المتين بالخفض .

الحجة

قال ابن جني هذا يحتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون وصفا للقوة و ذكره على معنى الحبل يريد قوي الحبل كقوله فقد استمسك بالعروة الوثقي ( و الآخر ) أن يكون
مجمع البيان ج : 9 ص : 242
المراد الرفع وصفا للرزاق إلا أنه جاء على لفظ القوة لجوارها إياه على قولهم :
هذا جحر ضب خرب فهذا ضعيف .

اللغة

الأيد القوة يقال آد الرجل بأيد أيدا إذا اشتد و قوي و المؤيد الأمر العظيم و الإيساع الإكثار من إذهاب الشيء في الجهات و الماهد هو الموطىء للشيء و هو المهيىء لما يصلح الاستقرار عليه يقال مهد يمهد مهدا و مهد تمهيدا مثل وطىء توطئة و التواصي أن يوصي القوم بعضهم إلى بعض و الوصية التقدمة في الأمر بالأشياء المهمة مع النهي عن المخالفة و أصل الذنوب الدلو الممتلىء ماء يؤنث و يذكر قال :
لنا ذنوب و لكم ذنوب
فإن أبيتم فلنا القليب و قال علقمة :
و في كل حي قد خبطت بنعمة
فحق لشاس من نداك ذنوب .


المعنى

« و السماء بنيناها بأيد » تقديره و بنينا السماء بنيناها بقوة عن ابن عباس و مجاهد و ابن زيد و قتادة أي خلقناها و رفعناها على حسن نظامها « و إنا لموسعون » أي قادرون على خلق ما هو أعظم منها عن ابن عباس و قيل معناه و إنا لموسعون الرزق على الخلق بالمطر عن الحسن و قيل معناه و إنا لذو سعة لخلقنا أي قادرون على رزقهم لا نعجز عنه فالموسع ذو الوسع و السعة أي الغني و الجدة « و الأرض فرشناها » أي و فرشنا الأرض فرشناها أي بسطناها « فنعم الماهدون » نحن إذ فعلنا ذلك للمنافع و مصالح العباد لا لجر نفع و لا لدفع ضرر « و من كل شيء خلقنا زوجين » أي و خلقنا من كل شيء صنفين مثل الليل و النهار و الأرض و السماء و الشمس و القمر و الجن و الإنس و البر و البحر و النور و الظلمة عن الحسن و مجاهد و قيل الزوجين الذكر و الأنثى عن ابن زيد « لعلكم تذكرون » أي لكي تعلموا أن خالق الأزواج واحد فرد لا يشبهه شيء « ففروا إلى الله » أي فاهربوا من عقاب الله إلى رحمته و ثوابه بإخلاص العبادة له و قيل ففروا إلى الله بترك جميع ما يشغلكم عن طاعته و يقطعكم عما أمركم به و قيل معناه حجوا عن الصادق (عليه السلام) « إني لكم منه » أي من الله « نذير » مخوف من عقابه « مبين » لكم ما أرسلت به « و لا تجعلوا مع الله إلها آخر » أي لا تعبدوا معه معبودا آخر من الأصنام و الأوثان « إني لكم منه نذير مبين » و الوجه في تكريره أن
 

Back Index Next