جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احکام و فتاوا
دروس
اخبار
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
پايگاه هاى مرتبط
مناسبتها
معرفى و اخبار دفاتر
صفحه اصلي  

كتابخانه فقه حماة الوحی
صفحات بعد
صفحات قبل
(الصفحة 175)

مستدلاًّ بجوابه لابن الزيّات بالآية الشريفة: {وَقُلِ اعمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} .

ثمرة هذه الخلاصة :

ليست هنالك من ثمرة لهذه الخلاصة سوى أنّ الأئـمّة الأطهار (عليهم السلام) إنّما ينظرون بنور خاص إلى العالم وبصيرة ثاقبة بالغيب وخبرة بمتطلّبات الأُمّة الإسلامية والمسلمين إلى الأبد . ولعلّ هذه الاُمور قد تبادرت إلى أصحاب الأئـمّة (عليهم السلام) ليؤمنوا بأنّ أئـمّة الإسلام عالمون بالغيب ، ويسرّنا هنا أن نستشهد على ذلك بشاهد حيّ لترى كيف يفصح الإمام عن وقوفه على علم الغيب في الوقت الذي ينفيه عن نفسه .

رواية عميقة :

وردت هذه الرواية في أُصول الكافي في باب «نادر فيه ذكر الغيب» عن سدير ، قد يبدو تردّد البعض في سندها ، إلاّ أنّ متنها يشهد بصحّة صدورها ، فقد قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزّاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبدالله (عليه السلام)  ، إذ خرج إلينا وهو مغضب ، فلمّا أخذ مجلسه قال: «يا عجباً لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب ، لا يعلم الغيب إلاّ الله عزّوجل ، لقد هممتُ بضرب جاريتي فلانة فهربت منّي ، فما علمت في أيّ بيوت الدار هي .
قال سدير: فلمّا أن قام من مجلسه وصار في منزله دخلت أنا وأبو بصير وميسّر وقلنا له: جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك ونحن نعلم أنّك تعلم علماً كثيراً ولا ننسبك إلى علم الغيب؟
قال: فقال: يا سدير ألم تقرأ القرآن؟ قلت: بلى ، قال: فهل وجدت فيما قرأت
(الصفحة 176)

من كتاب الله عزّوجلّ: {قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} (1)، قال: قلت: جعلت فداك قد قرأته ، قال: فهل عرفت الرجل ، وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال: قلت: أخبرني به ، قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر ، فما يكون ذلك من علم الكتاب؟ قال: قلت: جعلت فداك ما أقلّ هذا .
فقال: يا سدير ما أكثر هذا أن ينسبه الله ـ عزّوجلّ ـ إلى العلم اُخبرك به ، يا سدير فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عزّوجل أيضاً {قُل كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} ، قال: قلت: قد قرأته جعلت فداك ، قال: أفمن عنده علم الكتاب كلّه أفهم ، أَم من عنده علم الكتاب بعضه؟ قلت: لا ، بل من عنده علم الكتاب كلّه . قال: فأومأ بيده إلى صدره وقال: علم الكتاب والله كلّه عندنا ، علم الكتاب والله كلّه عندنا»(2) .
سدير : هو سدير بن حكيم المُكنّى بأبي الفضل من أصحاب الإمام السجّاد والباقر والصادق (عليهم السلام)  ، وقد اعتبرته كتب الرجال ثقة (3)، وكانت له منزلة عند الإمام (عليه السلام)  . وقد حُبس فدعا له الإمام (عليه السلام) فخرج من السجن ببركة الدعاء (4).
داود بن كثير : هو ابن خالد الرقّي ، ومن ثقات الأصحاب (5)، وقد قال الصادق (عليه السلام) : «أنزلوا داود الرقّي منّي منزلة المقداد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) »(6) وعدّه الشيخ المفيد في إرشاده من ثقات أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام)  ، وقال: هو من خاصّته

  • (1) سورة النمل، الآية: 40.
  • (2) الكافي 1: 257 باب نادر فيه ذكر الغيب ح3 .
  • (3) معجم رجال الحديث: 8 / 34 ـ 37 .
  • (4) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ«رجال الكشي»: 210 رقم 372 .
  • (5) معجم رجال الحديث: 7 / 123 .
  • (6) مشيخة الفقيه، طريقه إلى داود الرقي، الاختصاص: 216 .

(الصفحة 177)

وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته (1).
أبو بصير: هو ليث بن البُختري المرادي المُكنّى بأبي بصير ، وهو ممّن لا نقاش في وثاقته ، وهو من أصحاب الإمام الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام)  ، فإنّه وإن طعن فيه علماء الرجال باجتهاداتهم إلاّ أنّه في جلالة قدره رواية ذكرها محمّد بن قولويه القمي بسند معتبر عن أبي عبدالله (عليه السلام)  ، أنّ الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً وأمواتاً ، أعني زرارة ومحمّدبن مسلم ، ومنهم ليث المرادي وبريد العجلي ، هؤلاء القوّامون بالقسط ، هؤلاء القوّامون بالقسط ، هؤلاء السابقون السابقون أولئك المقربون(2) .
كان هؤلاء ثلاثة نفر ممّن حضر مجلس الإمام . أمّا الرابع وهو يحيى البزّاز فلم نعرفه ، و يحتمل أن يكون الخزّاز ، وهو من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السلام)  (3).
فهؤلاء الرجال الذين حضروا مجلس الإمام الصادق (عليه السلام) هُم من كِبار الفُقهاء والعُلماء ، وقد قارن الإمام منزلة داود بن كثير بمنزلة المقداد لدى رسول الله (صلى الله عليه وآله)  ، والحال أنّ المقداد من كِبار صحابة النبي (صلى الله عليه وآله)  . وهم ممّن وقف على منزلة الإمام والإذعان له بعلم الغيب ، وهذا ما يفيده صدر الرواية .

شرح الرواية :

لقد تحاشى الإمام (عليه السلام) في بداية الرواية علمه بالغيب ، وقد تنزّل عن مكانته بحيث صعب عليه العثور على الجارية في إحدى غُرف الدار . ونعلم أنّ دار الإمام (عليه السلام) لم تكن من قَبيل ناطحات السحاب أو قصر الكرملن ، بحيث إذا اختفى

  • (1) الإرشاد للمفيد: 2 / 247 ـ 248.
  • (2) اختيار معرفة الرجال المعروف بـ«رجال الكشي»: 170 رقم 287 و ص 239 رقم 433 .
  • (3) رجال الشيخ الطوسي: 322 رقم 4807، معجم رجال الحديث: 20 / 99 رقم 13614 .

(الصفحة 178)

فيه فرد تعذّر حتّى على جهاز المباحث العثور عليه ، فقد كانت داراً مُتواضعة لا تضمّ إلاّ عدّة غُرف . وكيف لا يقف الإمام على مكانها إذا ما بحث عنها؟!
إذن ، فالعثور عليها على ضوء المجاري الطبيعية لم يكن قضية صعبة ، إلاّ أنّ الإمام يعرب عن عجزه عن العثور عليها ، فالقضية طبق الظواهر لا تبدو مقبولة ، وهذا هو الأمر الذي أذهل خواص الأصحاب .
أمّا ذيل الرواية ، فقد كان دليلا قاطعاً على قدرة الإمام اللامتناهية ، فقد قال: إنّ آصف بن برخيا قد أتى سليمانَ بعرش بلقيس بتلك المسافة في طرفة عين ولم يؤت من العلم إلاّ قطرة من بحر ، فهو عالم ببعض الكتاب ، أو ليس لمن أوتى علم الكتاب كلّه أن يعثر على تلك الجارية التي لا تبعد عنه سوى بضعة أمتار؟ قطعاً هنالك مصلحة جعلت الإمام يصدّر الرواية بذلك العجز عن العثور على الجارية ، وأنّى لداود أن يصدّق عجز الإمام (عليه السلام) عن العثور على الجارية ; وهو الذي وصل ابن عمّه في المدينة بذلك البعد الشاسع عن الإمام (عليه السلام) وقد أحسن إليه خفية ، فلمّا حضر استقبله الإمام وأشاد بعمله!(1)
وكيف يصدّق أبو بصير عدم استطاعة الإمام العثور على تلك الجارية وقد بشّره حين دخوله الكوفة بولادة ابنه عيسى ، وأنّ الله سيرزقه ولَدين وبنتين غيره(2)!
أجل هذه الشواهد وما شابهها تؤكّد وجود بعض العلل والدوافع التي جعلت الإمام (عليه السلام) ينفي عن نفسه في صدر الرواية العلم بالغيب ، ويكفي ذيل الرواية شاهداً على ما نقول في دحض صدرها . وعليه فلابدّ من تحرّي الدوافع .

  • (1) بصائر الدرجات: 429 ح 3 أمالي الطوسي: 3 / 4 ح 929، الخرائج والجرائح: 2 / 612 ح 8، مناقب آل أبي طالب (عليه السلام) لابن شهر آشوب: 4 / 227، وسائل الشيعة: 16 / 111، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس ب 101 ح 15 .
  • (2) دلائل الإمامة:263ح193، الخرائجوالجرائح: 2/636ح37، كشف الغمّة: 2/190، المحجّة البيضاء:4 /261.

(الصفحة 179)

دوافع نفي الإمام علمه بالغيب

الدافع الأوّل :

إنّ أهمّ دافع جعل الإمام (عليه السلام) يسلب عن نفسه العلم بالغيب ، هو الظرف الخاصّ الذي عاشه الإمام في ذلك الزمان والذي شهد تفتّح آفاق العلم ، لينهمك الإمام في بيان أحكام الإسلام وحقائق القرآن ونشر العلم وتفادي كلّ ما من شأنه أن يحول دون القيام بهذه الوظائف .
كان خليفة زمانه الطاغية السفّاح المنصور الدوانيقي الذي كان يتحيّن الفُرَص لقتل الإمام وإزالة هذه العقبة عن طريقه . كان الإمام شديد الحرض على عدم اِثارة مثل هذه المواضيع التي تؤلّب ذلك الجبّار الغاشم من أجل تصفيته والقضاء عليه ، الأمر الذي يعني الحيلولة دون نشر معارف الدين والأحكام . فلو قال الإمام: أنا عالم بالغيب جدير بالإمامة والخلافة ، لكان ذلك كافياً لسلّ المنصور سيفه وقتله ، وعليه فلا ينبغي أن يشيع هذا الأمر بين الأوساط الاجتماعيّة ، ويكفي أن يعلم ذلك بعض خواصّه وحملة أسراره ، وسوف لن تستطيع الغربان أن تحجب الشمس إلى الأبد ، فلابدّ للّيل أن ينجلي ولابدّ للطوق أن ينكسر . ولنعد ثانية إلى مجلس الإمام:
لقد اجتمعت أُمّة عظيمة في مجلس الإمام (عليه السلام)  ، وكلام الإمام يفيد أنّ علمه بالغيب قد شاع في المدينة ، وأنّ الألسن تتناقل علم الإمام بالغيب ، وقطعاً كان الأمر قد بلغ المنصور . فما أحسن هذه الفرصة التي تجعل الإمام يتصدّى للدفاع عن نفسه فيستدلّ بمثل بسيط يقنعهم بعدم علمه بالغيب ، ولم يكن هنالك أعمق من ذلك المثال الذي اعتمده الإمام للقضاء على تلك الشائعة . أنّى للإمام العلم بالغيب وهو الذي عجز عن العثور على جارية في غرفة من غرف داره؟!
لاشكّ أنّ ذلك الكلام سيؤثّر كثيراً ويؤتي أُكله ، كما لاشكّ أنّ جلاوزة المنصور ـ الذين لم ينفكّوا عن تفتيش دار الإمام ـ سينقلون كلامه إلى المنصور